Menu Close
220326

نشرة كنيستي

نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.

أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي

كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.

الأحد الرَّابع من الصَّوْم (البارّ يوحنّا السُّلَّميّ)  

العدد 12

الأحد 22 آذار  2026

اللَّحن 8- الإيوثينا 8

أعياد الأسبوع: *22: الشَّهيد باسيليوس كاهن كنيسة أنقره *23: الشَّهيد نيكُن وتلاميذه الـ 199 المستشهدون معه *24: تقدمة عيد البشارة، القدِّيس أرتامُن أسقف سلوكية، البارّ زخريّا *25: عيد بشارة والدة الإله الفائقة القداسة * 26: خميس القانون الكبير، عيد جامع لرئيس الملائكة جبرائيل، القدِّيس استفانوس المعترف *27: المديح الكبير، الشَّهيدة مطرونة التِّسالونيكيَّة، النَّبيّ حنانيَّا *28: سبت الأكاثِسْتُس (المديح الكبير الَّذي لا يُجلَس فيه)، البارّ إيلاريُّون الجديد.

كلمة الرّاعي 

نقاوة القلب وطهارة الذِّهن (νοῦς) والتَّألُّه

"هَذا الجِنسَ لا يُمكِنُ أَن يَخرُجَ بِشَيءٍ إَّلا بِالصَّلاة والصَّوْم" (مر 9: 29)

في هذا الأحد المقدَّس الرَّابع من الصَّوْم الأربعينيّ المقدَّس، نُعَيِّد للقدِّيس يوحنَّا كاتب سُلَّم الفضائل الَّذي يضع فيه خُلاصة خبرته ومعرفته الرُّوحيَّة بعد سنين طوال من الجهاد في الصَّلاة والصَّوْم والتَّقشُّف والتَّغرُّب عن العالم والحروب مع الشَّياطين والأرواح النَّجِسة. تعليمه ينفع الرُّهبان والمؤمنين بعامَّة. طبعًا، المؤمن الَّذي يعيش في العالم عليه أن يتعلَّم الاستفادة ممَّا يناسبه في هذا الكتاب، فليس كلُّ ما فيه له نافع، أمَّا الرُّهبان فعليهم أن يَسْعُوا، ما استطاعوا، إلى عَيْشِهِ في العمق.

طريق القداسة تطهير القلب والذِّهن (νοῦς)، وهذه هي غاية أعمال النُّسك والصَّلاة وما يُرافقها، لأنَّه بدون هذه النَّقاوة لا يستطيع الإنسان أنْ يُعاين الله أي أن يعرفه. الطَّريق، إذن، هو التَّحرُّر من الأهواء والشَّهوات والتَّوبة عن الخطايا. وهذا ما يعبِّر عنه القدِّيس يوحنَّا السُّلَّميّ بقوله في كتاب السُّلَّم الدَّرجة 27: "طوبى للنُّوس الَّذي صار غير مادّيّ، فإنَّه يرى نور الثَّالوث بلا حِجاب"... أي أنَّ النُّوس، عندما يتحرَّر من الأهواء، يصبح واسطةً للمعرفة الإلهيَّة، فيعرف الإنسان الله في القلب بواسطة النُّوس-الذِّهن...

*             *             *

النُّوس هو "عَيْن القلب" أو العُضو الرُّوحيّ الَّذي بواسطته يتَّصل الإنسان بالله. الآباء شدَّدوا على أنَّ النُّوس ليس مجرَّد العقل المنطقيّ، بل هو مركز الإدراك الرُّوحيّ الَّذي يحتاج إلى تنقية من الأهواء والخيالات لِيَصير قادرًا على مُعاينة النُّور الإلهيّ. في الفصل الثَّاني من كتابه "الأعمال النُّسكيَّة" يوضح القدِّيس مكسيموس المعترف بأنَّ "النُّوس إذا تحرَّر من الأهواء، يرى طبيعة الأشياء كما هي، وإذا تنقَّى بالكلِّيَّة، يُعاين الأمور الإلهيَّة".

إذًا، التَّحرُّر من الأهواء شرط أساسيّ في الطَّريق النُّسكيّ للحصول على قدرة أو نعمة إدراك الحقائق الرُّوحيَّة، وتاليًا مُعاينة الله في النُّور غير المخلوق...

لذلك، لا بُدَّ من العمل على التَّنقية، تنقية القلب من الأهواء بواسطة الصَّلاة والصَّوْم والأفعال الرُّوحيَّة المختلفة. حتَّى ينزل الذِّهن إلى القلب، لا بُدَّ أن يتحرَّر العقل المنطقيّ من التَّشويش ويدخل في الهدوء والسُّكون، أي أن يكون معتَقًا من كلِّ فكرٍ إيجابيّ أو سلبيّ كونه يجب أن يكون مأخوذًا بالصَّلاة، وهنا الصَّلاة هي صلاة قصيرة قلبيَّة: "ربّي يسوع المسيح ارحمني"، حتَّى يستطيع الإنسان أن يجمع عقله وذهنه لكي يدخل العقل في السُّكون ويدخل الذِّهن – النُّوس في القلب من جديد... وبعد إعادة الوحدة بين القلب والنُّوس تتدفَّق الصَّلاة وتغسل القلب بالنِّعْمَة فتجري سيول العيون دموع توبة مُرَّة إلى أن تتحوَّل بعد اغتسال القلب إلى دموع فرح وسلام قلب، فيِصير النُّوس نافذة للنِّعْمَة تدخل منها لتُطَهِّر القلب والكيان، ومعبرًا للإنسان إلى وجه الله في النُّور غير المخلوق وإلى المعرفة الإلهيَّة للذَّات والكائنات والكَوْن والوُجود... كما يوضح القدِّيس غريغوريوس بالاماس في دفاعه عن الهدوئيّين: "النُّوس إذا استقرَّ في القلب، يصير كلُّه نورًا، ويُعاين الإنسان النُّور غير المخلوق" (الخطب الدِّفاعيَّة عن الهدوئيِّين، الخطبة الأولى).

*             *             *

أن نتَّحد بالله أي أن نصير معه واحدًا، هو سِرُّ أقنمة النِّعْمَة الإلهيَّة أي اتِّحادنا بها واقتناؤنا لها بحيث يصير ما لله لنا وما لنا لله إذْ نكون قد وصلنا إلى حالة نقاوة القلب والتَّسليم الكُلِّيّ للرَّبّ، فيصير الإنسان ذو طبيعتَيْن بشريَّة وإلهيَّة (بالنِّعْمَة وليس بالجوهر) متَّحدتين في شخصه الواحد بدون انفصال أو انقسام وبدون امتزاج أو اختلاط، وهذا هو التَّألُّه (θέωσις)...

غاية جهادنا الرُّوحيّ في الحياة، وطريق الصَّلاة والصَّوْم والتَّوبة الَّذي نسلكه، ومحبَّة الله والقريب في سِرِّ المذبح، هي هذه المماثلة لله والتَّشبُّه به، بِقُوَّته وبإرادتنا (συνεργία)، ليكون هذا الاتِّحاد تعبيرًا عن الحبِّ في حرِّيَّة أبناء الله... وبذا يتمجَّد الله في الإنسان إذْ يتمجَّد الإنسان في الله...

يا أحِبَّة، لكي نصل إلى التَّألُّه يجب أن نسير في طريق التَّنقية والتَّطهير للقلب والذِّهن بوضوحٍ وثباتٍ وإصرار، ولنكون عمليِّين، لا بُدَّ من التزامنا ببرنامجٍ يوْميّ (تجدونه في ملحق هذه الكلمة) حتّى نصل إلى هذه الغاية المباركة، وهذا هو جهادنا الرُّوحيّ المطلوب. فمن تكاسل في جهاده الآن وقت مقبول للنُّهوض، ومَن تهاوَنَ فالوقت وقت استعادة للجِدِّيَّة، ومن فَتُرَت همَّتُه فالزَّمن زمن تشجيع...

ومن استطاع أن يقبل فليقبل...

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

طروباريَّة القيامة (باللَّحن الثَّامن)

انْحَدَرْتَ مِنَ العُلوِّ يا مُتحنِّن. وقَبِلتَ الدَّفنَ ذا الثّلاثةِ الأيّام. لكي تُعتقَنا مِنَ الآلام، فيا حياتَنا وقيامتَنا يا رَبُّ المجدُ لك.

طروباريَّة القدِّيس يوحنَّا السُّلَّميّ (باللَّحن الثَّامن)

لِلبَرّيَّةِ غَيرِ المُثمِرَةِ، بِمَجاري دُموعِكَ أَمرَعتَ، وَبِالتَّنَهُّداتِ التي مِنَ الأَعماقِ، أَثمَرَت أَتعابُكَ إلى مائَةِ ضعِفٍ. فَصِرتَ كَوكَبًا للمسكونةِ مُتَلألِئًا بِالعَجائِبِ، يا أَبانا البارَّ يوحَنّا. فابتَهِل إلى المَسيحِ الإلَهِ، أَن يُخَلِّصَ نُفوسَنا.

قنداق (باللَّحن الثَّامن)

إنّي أنا عبدكِ يا والدة الإله، أكتب لكِ راياتِ الغلبة يا جُنديّةً مُحامية، وأقدّم لكِ الشُّكرَ كمُنقِذَةٍ من الشَّدائد، لكنْ بما أنّ لكِ العِزَّةَ الّتي لا تُحارَب، أعتِقيني من صنوف الشّدائد، حتّى أصرخ إليكِ إفرحي يا عروسًا لا عروسَ لها.

الرِّسالة (عب 6: 13- 20)

الرَّبُّ يُعْطِي قُوَّةً لِشَعْبِهِ.

قَدِّمُوا لِلرَّبِّ يَا أَبْنَاءَ اللهِ.

يا إخوَة، إنَّ اللهَ لـمّا وَعَدَ إبراهيمَ، إذ لَم يُمكِن أَن يُقسِمَ بِما هُوَ أَعظَمُ مِنهُ، أَقسَمَ بِنَفسِهِ، قائِلًا لَأبُارِكَنَّكَ بَرَكَةً وَأُكَثِّرَنَّكَ تَكثيرًا. وَذاكَ، إذ تَأنَّى نالَ الـمَوعِد. وَإنَّما النّاسُ يُقسِمونَ بِما هُوَ أَعظَمُ مِنهُم وَتَنقَضي كُلُّ مُشاجَرَةٍ بَينَهُم بِالقَسَمِ لِلتَّثبيت. فَلِذَلِكَ، لَمّا شاءَ اللهُ أَن يَزيدَ وَرَثَةَ الـمَوعِدِ بَيانًا، لِعَدَمِ تَحَوُّلِ عَزمِهِ، تَوَسَّطَ بِالقَسَمِ، حَتّى نَحصُلَ بِأمَرَينِ لا يَتَحَوَّلانِ وَلا يُمكِنُ أَن يُخلِفَ اللهُ فيهِما، عَلى تَعزِيَةٍ قَوِيَّةٍ، نَحنُ الَّذينَ التَجَأنا إلى التَّمَسُّكِ بِالرَّجاءِ الـمَوضوعِ أَمامَنا، الَّذي هُوَ لَنا كَمِرْساةٍ لِلنَّفسِ أَمينَةٍ راسِخَةٍ تَدخُلُ إلى داخِلِ الحِجابِ حَيثُ دَخَلَ يَسوعُ، كَسابِقٍ لَنا، وَقَد صارَ عَلى رُتبَةِ مَلكيصادَقَ، رَئيسَ كَهَنَةٍ إلى الأبَد.

الإنجيل (مر 9: 17- 31)

في ذَلِكَ الزَّمان، دَنا إلى يَسوعَ إنسان وَسَجَدَ لَهُ قائِلًا: يا مُعَلِّم، قَد أَتَيتُكَ بِابني بِهِ روح أَبكَمُ، وَحَيثُما أَخَذَهُ يَصرَعُهُ فَيُزبِدُ وَيَصرِفُ بِأسَنانِهِ وَيَيبَسُ. وَقَد سَألَتُ تَلاميذَكَ أَن يُخرِجوهُ فَلَم يَقدِروا. فَأجَابَهُ قائِلًا: أَيُّها الجيلُ غَيرُ الـمُؤمِنِ، إلى مَتى أَكونُ عِندَكُم؟ حَتّى مَتى أَحتَمِلُكُم؟ هَلُمَّ بِهِ إلَيَّ. فَأتَوهُ بِهِ. فَلَمّا رَآهُ لِلوَقتِ صَرَعَهُ الرُّوحُ فَسَقَطَ عَلى الأرَضِ يَتَمَرَّغُ وَيُزبِد. فَسَألَ أَباهُ مُنذُ كَم مِنَ الزَّمانِ أَصابَهُ هَذا؟ فَقالَ مُنذُ صِباهُ، وَكَثيرًا ما أَلقاهُ في النّارِ وَفي المِياهِ لِيُهلِكَهُ، لَكِن إنِ استَطَعتَ شَيئًا فَتَحَنَّن عَلَينا وَأَغِثنا. فَقالَ لَهُ يَسوع: إنِ استَطَعتَ أَن تُؤمِنَ فَكُلُّ شَيءٍ مُستَطاع لِلمُؤمِن. فَصاحَ أَبو الصَّبِيّ مِن ساعَتِهِ بِدُموعٍ وَقالَ: إنّي أُؤمِنُ يا سَيِّدُ، فَأغِث عَدَمَ إيماني.  فَلَمّا رَأَى يَسوعُ أَنَّ الجَمعَ يَتَبادَرونَ إلَيهِ، انتَهَرَ الرّوحَ النَّجِسَ قائِلاً لَهُ، أَيُّها الرُّوحُ الأَبْكَمُ الأصَمُّ، أَنا آمُرُكَ أَن تَخرُجَ مِنهُ وَلا تَعُد تَدخُلُ فيه. فَصَرَخَ، وَخَبَطَهُ كَثيرًا، وَخَرَجَ مِنه، فَصارَ كالـمَيِّتِ، حَتّى قالَ كَثيرونَ إنَّهُ قَد مات. فَأخَذَ يَسوعُ بِيِدِهِ وَأَنهَضَهُ فَقام. وَلَمّا دَخَلَ بَيتًا، سَألَهُ تَلاميذُهُ عَلى انفِرادٍ، لِماذا لَم نَستَطِع نَحنُ أَن نُخرِجَهُ؟ فَقالَ لَهُم: إنَّ هَذا الجِنسَ لا يُمكِنُ أَن يَخرُجَ بِشَيءٍ إلاَّ بِالصَّلاة والصَّوْم. وَلَمّا خَرَجوا مِن هُناكَ، اجتازوا في الجَليلِ، وَلَم يُرِد أَن يَدريَ أَحَد. فَإنَّهُ كانَ يُعَلِّمُ تَلاميذَهُ وَيَقولُ لَهُم، إنَّ ابنَ البَشَرِ يُسلَمُ إلى أَيدي النّاس، فَيَقتُلونَهُ، وَبَعدَ أَن يُقتَلَ، يَقومُ في اليَومِ الثّالِث.

حول الإنجيل

نبلغ بنعمة الله إلى الأحد الرَّابع من الصَّوْم الأربعينيّ المقدَّس وتسمِّيه الكنيسة "أحد القدِّيس يوحنَّا السُّلَّميّ"، وفيه يُعَلِّمنا الرَّبُّ نفسه المعنى الأساسيّ الَّذي يجب أن يكون هدفًا لِصَوْمِنا وصلاتنا: "إنَّ هذا الجنس لا يُمكن أن يخرج بشيءٍ إلَّا بالصَّلاة والصَّوْم".

أن يخرج الرُّوح الأبكم من الإنسان، هذا هو هدف الجهاد الرُّوحيّ الَّذي نَعيشُه. والصَّلاة والصَّوْم منحنا إيَّاهُما الرَّبُّ يسوع بمثابةِ سلاحٍ نُواجِهُ به هذا "الرُّوح الأبكم الأصمّ". إنَّهما فضيلتان تُوْصِلان كلّ مؤمنٍ يُمارسهما إلى أن يتنقَّى نفسًا وجسدًا مِن كلِّ أثرٍ للرُّوح النَّجِس أو فعلٍ له وأن يقتني نِعَمَ الرُّوح القدس فاسِحًا له المجال ليسكن في قلبه وفي فكره وفي جسده ومقدِّسًا إيَّاه.

الأمر الثَّاني الَّذي يُعلِّمنا إيَّاه الرَّبُّ يسوع في إنجيل اليوم هو أن لا قيامة إلَّا به. الولد قد مات، هذا ما تراءى للجمع الحاضر. ولكنَّ الرَّبَّ يسوع أخذه بيده مُنهِضًا إيَّاه، وفي نهاية المقطع الإنجيليّ، يُحَدِّثُ الرَّبُّ يسوع تلاميذه على انفرادٍ عن موته وقيامته.

لماذا اختارتْ الكنيسة هذا المقطع الإنجيليّ في الأحد الرَّابع من الصَّوْم والَّذي هو أحد القدِّيس يوحنَّا السُّلَّميَ؟

هنالك أسبابٌ كثيرة ومنها أنَّ هذا القدِّيس تكلَّم على القيامة، ونحن في صومنا الأربعينيّ هذا وفي جهادنا الرُّوحيّ، نتطلَّع وننتظر هذا الحدث الخلاصيّ الأهمّ في حياتنا. هذا التَّطلُّع مصحوبٌ بأهمّ فضيلتين هما الصَّلاة والصَّوْم واللَّتان بدونهما لا تستقيم أيَّة حياة في المسيح.

القدِّيس يوحنَّا السُّلَّميّ وضع في كتابه "سُلَّم الفضائل" ثلاثين فضيلةً، وبإتمامنا لهذه الفضائل والوصايا نصل إلى ملءِ قامة المسيح. كلّ درجةٍ في سُلَّم الفضائل رمزٌ لفضيلةٍ إن إقتنيناها نتقدَّم في حياتنا الرُّوحيَّة.

إذًا، مِثالنا هو رأس الكنيسة، الرَّبُّ يسوع نفسه وبإتّباعه إراديًّا نغلب الخطيئة والموت: "مَن أرادَ أن يتبعني فلْيَكفُر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني". وحَمْلُ الصَّليب لا يكون إلَّا بالصَّوْم والصَّلاة وهما لا ينفصلان أحدهما عن الآخَر بل يُكمل أحدهما الآخر، فالنَّفْس البشريَّة تذَلَّل بالصَّوْم فتصلَب والصَّلاة تساعد على تطهير هذه النَّفْس فتنبت لها أجنحةً روحانيَّةً.

 فلنُبادر إذَا يا إخوة قبل فوات الأوان، فالصَّلب والقيامة قريبان وقريبان جدًّا. آمين.

(من نشرة الكرمة- الأحد (4) من الصَّوْم- العدد 14- 03 نيسان 2011)

علم النَّفْس الأرثوذكسيّ

يُقدِّم علم النَّفْس الأرثوذكسيّ مقاربة انثربولوجيَّة لاهوتيَّة علاجيَّة للإنسان تنطلق من اعتباره كائنًا مخلوقًا على صورة الله ومدعوًّا إلى الشَّركة معه، لا مجرَّد موضوع للتَّحليل النَّفْسيّ أو السُّلوكيّ. وقد طوّر هذا المنهج المتروبوليت إيروثيوس فلاخوس، مستندًا إلى خبرة الآباء، حيث تُفهم النَّفْس من خلال قواها الثَّلاث: الجانب العاقل (النُّوس)، والجانب الإراديّ (القوَّة الغضبيَّة)، والجانب الشَّهوانيّ أو الحِسّيّ. في الحالة الطَّبيعيَّة، يعمل النُّوس كقائدٍ للنَّفس، مُوَجِّهًا الإنسان نحو الله، فيما تخضع له القوَّتان الأخريان في انسجام، فيتحقَّق التَّكامُل الدَّاخليّ للإنسان.

غير أنَّ السُّقوط أدّى إلى خللٍ جذريّ في هذا التَّرتيب، فانفصل النُّوس عن القلب وتشتَّت في العالم الحِسّيّ، وهو ما شدَّد عليه القدِّيس غريغوريوس بالاماس، حيث فقد الإنسان وحدته الدَّاخليَّة، وأصبحت الأهواء تتحكَّم في قِواه بدل أن تكون خاضعةً له. في هذا السِّياق، لا يُفهَم المرض النَّفْسيّ بوصفه مجرَّد اضطراب وظيفيّ، بل كتَشَوُّهٍ وجوديّ يتمثَّل في "إظلام النُّوس"، أي فقدان القدرة على مُعايَنَة الله. ويرى فلاخوس أنَّ مظاهر القلق والفراغ والاضطراب الدَّاخليّ تعكس هذا "الانفصال العميق عن مصدر الحياة".

ينطلق العلاج في التَّقليد الأرثوذكسيّ من إعادة ترتيب قوى النَّفْس وفق غايتها الأصليَّة، ويتمُّ ذلك عَبر مسارٍ ثلاثيّ: التَّطهير من الأهواء، حيث تُنَقَّى النَّفْس من الانفعالات المنحرِفَة؛ ثمّ الاستنارة، حيث يستعيد النُّوس صفاءَه واتِّصاله بالله؛ وأخيرًا التَّأليه، أي الاشتراك في حياة الله بالنِّعْمَة. هذا المسار ليس نظريًّا، بل يُعاش داخل الكنيسة من خلال الأسرار، ولا سِيَّما الإفخارستيَّا والاعتراف، ومن خلال الصَّلاة المستمرَّة والإرشاد الرُّوحيّ، حيث تُفهم الكنيسة كمَحَلِّ الشِّفاء الحقيقيّ للنَّفْس.

وتُبرز خبرة القدِّيس الأرشمندريت صوفروني ساخاروف البُعْد الوجوديّ العميق لهذا العلاج، إذْ يؤكِّد أنَّ الإنسان لا يُشفى إلَّا عبر اختبارٍ شخصيّ حَيّ لمحبَّة الله، حيث يتحوَّل الألم الدَّاخليّ إلى مجالِ لقاءٍ مع النِّعْمَة، ويُعاد تكوين الإنسان كـ"شخصٍ" في علاقةٍ حَيَّة مع الله والآخرين. وهكذا، لا يهدف علم النَّفْس الأرثوذكسيّ إلى تحقيق توازنٍ نفسيّ فحسب، بل إلى شفاء الإنسان بكُلِّيَّته واستعادته لوَحْدَته الدَّاخليَّة، وقيادته نحو غايته النِّهائيَّة في الاتِّحاد بالله.

ملحق كلمة الرّاعي – كيف أعيش في نقاوة الذِّهن

يا أحبَّة، أقترح عليكم هذا البرنامج اليوميّ البسيط لمن ليس لديه مرشد روحيّ أو أب اعتراف أو أب روحيّ يرافقه:

في الصَّباح

  • صلاة النُّهوض من النَّوم (5 دقائق).
  • قراءة روحيَّة (5 إلى 10 دقائق): فَصْل قصير من الإنجيل أو نصّ من الآباء.
  • صلاة يسوع (5 إلى 10دقائق): "يا ربِّي يسوع المسيح، ارحمني أنا الخاطئ".

 الهدف: تثبيت النُّوس في القلب منذ بداية اليوم.

خلال النَّهار

  • تكرار صلاة يسوع في أوقات الفراغ والعمل في وقت الطَّعام...
  • ضبط الحواس: النَّظَر، السَّمَع، اللِّسان، إلخ.
  • التَّصرُّف بناءً على طاعة الوَصِيَّة الإلهيَّة: في كلِّ الأمور الرُّوتينيَّة والطَّارئة.
  • عمل محبَّة (صغير أم كبير): مساعدة شخص، كلمة طيِّبة، صدقة...
  • الهدف: حفظ النُّوس من التَّشتُّت وسط مشاغل الحياة.

في المساء

  • صلاة النَّوم.
  • قراءة روحيَّة: من 5 إلى 15 دقيقة.
  • فحص الضَّمير وطلب المغفرة (5 دقائق): تلاوة صلاة القدِّيس أفرام السُّوري "أيُّها الرَّبُّ وسَيِّد حياتي"، مع التَّحضير لممارسة سرِّ التَّوبة والاعتراف دَوْريًّا عبر تسجيل الزَّلّات والسَّقطات يوميًّا في دفترٍ خاصّ للاعتراف بها عند الأب المعرِّف.
  • صلاة يسوع: من 5 إلى 15 دقيقة قبل النَّوم.

الهدف: تطهير النُّوس من آثار اليوم وإعادته إلى نقاوته.