Menu Close
220226

نشرة كنيستي

نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.

أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي

كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.

أحد مرفع الجبن (الغفران)

العدد 8

الأحد 22 شباط 2026

اللَّحن 4- الإيوثينا 4

أعياد الأسبوع: *22: تذكار وُجود عظام الشُّهداء في أماكن إفجانيوس *23: بدء الصَّوْم الكبير، القدِّيس بوليكربس أسقف إزمير، القدِّيسة غورغوني أخت القدِّيس غريغوريوس اللَّاهوتيّ *24: ظهور هامة السَّابق للمرَّة الأولى والثَّانية  *25: القدِّيس طاراسيوس رئيس أساقفة القسطنطينيَّة *26: القدِّيس بورفيريوس أسقف غزَّة، القدِّيسة فوتيني السَّامريَّة، البارّ ثيوكليتُس *27: المديح الأوَّل، القدِّيس روفائيل (هواويني) أسقف بروكلين،القدِّيس بروكوبيوس البانياسيّ المعتَرِف، القدِّيس ثلالاوس السُّوري *28: العظيم في الشُّهداء ثيوذورس الَّتيروني (عجيبة القمح المسلوق)، القدِّيس باسيليوس المعتَرِف، البارّ كاسيانوس الرُّومانيّ، البارَّتان كيرا ومارانّا.

كلمة الرّاعي 

جهاد الصَّوْم: أعمال الظُّلمة وأسلحة النُّور

" فَلْنَدَعْ عَنَّا أَعْمَالَ الظُّلمة وَنَلْبَسَ أَسْلِحَةَ النُّور. لِنَسْلُكَنَّ سُلُوكًا لائِقًا كَمَا فِي النَّهَارِ" (رو 13: 12 – 13)

الظُّلمة لم تكُن في الإنسان عند خلقه، كانت في نظام الكَوْن صورة عن إمكانيَّة تحرُّكه بين النُّور والظُّلمة إلى أن جعل الإنسان هذا الأمر محقَّقًا بسقوطه حين خسر نعمة الرُّوح القدس. اليوم، نتذكَّر خروج آدم وحوَّاء من فردوس النَّعيم وتاليًا خروج الكَوْن عن نظامه الطَّبيعيّ إلى الفَوْضى أي سيادة الظُّلمة بواسطة الأهواء والشَّهوات على الإنسان. أَظْلَمَ قلبُ الإنسان بتركه وصيَّة الله، ومعه أظلمتْ البشريَّة فكانت أوَّل جريمة بين الإخوة: قايين يقتل هابيل حسدًا... وهذا ما فعله اليهود حين صلبوا الرَّبَّ، وهو مستمرٌّ إلى اليوم، وعلى الأرجح، إلى أنْ يأتي يوم الرَّبّ الرَّهيب حين يَدين الأحياء والأموات... لكنَّ، الله أشرَق من الظُّلمة نور حين "خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ.  وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ.  وَقَالَ اللهُ: «لِيَكُنْ نُورٌ»، فَكَانَ نُورٌ..." (تك 1: 1 – 13)

*             *             *

ندخل اليوم زمن الصَّوْم الكبير بروح الانسحاق متذكِّرين خروجَنا من حَضْرَةِ الله وفردوس النَّعيم، لكي نطلب أن  نعود إليهما، متذكِّرين سلامنا الفردَوْسيّ لكي نسعى لاقتنائه، مختبرين بالخطيئة خسارتنا سُكْنَى روح الرَّبّ فينا لكي نجاهد لاقتنائه بالصَّلاة والصَّوْم والتَّوبة... لا نستطيع أن نصلِّي أو أن نصوم أو أن نتوب حقًّا إلَّا إن تعلَّمنا أن نتَّضِع، أي أن نَعِيَ بالمطلَق أنّنا بحاجة إلى المخلِّص ليُحرِّرنا من أهوائنا وقيود خطايانا... زمن الصَّوْم فرصة للجهاد، تساعدنا فيها الكنيسة من خلال الصَّلوات الخاصَّة بهذا الموسم المبارَك، هذه الصَّلوات الَّتي تشدُّنا إلى التَّوبة من خلال فضح الخطايا والأهواء الَّتي يتعرَّض لها المؤمن وكشف أسبابها وإيضاح سُبُل مواجهتها وغلبتها. لا بدُّ، أوَّلًا، مِن قرارٍ حازمٍ نتَّخذه بأن نعيش الصَّوْم في العمق الرُّوحيّ وليس في الشَّكل الخارجيّ فقط. أعمال الظُّلمة نُحاربها بالصَّوْم والصَّلاة والتَّوبة الَّتي هي أسلحة النُّور، لكن لا بُدَّ من اجتهادٍ في التَّدريب ومن مُدَرِّب مُخْتَبَر ليقتني الإنسان الخبرة الكافية في استعمال هذه الأسلحة الَّتي صمَّام الأمان في استعمالها هو التَّواضع، لأنّه يَقِي صاحبها من إيذاء نفسه وغيره بالكبرياء حين يَصيرُ خبيرًا في استخدامها شكليًّا وليس روحيًّا أي في المظاهر وليس في القلب... زمن الصَّوْم هو موسم إزهار إنسان القلب الخَفِيّ في روح الوداعة والهدوء والتَّأمُّل والصَّلاة... (راجع 1 بط 3: 4) عبر وُلُوجِه من خلال أبواب التَّوبة بالمسامحة والاعتراف بالخطايا السَّمِجَة ودَنَس الرُّوح والجسد بالأهواء... والتَّوبة عنها...

*             *             *

يا أحبَّة، فلنهرب من أعمال الظُّلمة ومن الخطيئة، ولنسارع بجهاد الصَّوْم إلى اقتناء الفضائل، فنطرد عنَّا الشَّراهة بالإمساك، واللَّذَّة الرَّديئة بالعَفَّة، والبخل بالإحسان والعطاء، والغضب بالوداعة، واليأس بالرَّجاء، والحزن بالفرح الرُّوحيّ، والعُجب بالاعتراف بأنَّ الله هو الممجَّد وحده، والكبرياء بالتَّواضع، وهذه الأهواء كلِّها مصدرها الأنانيَّة ودواؤها المحبَّة الإلهيَّة... أي محبَّة الله أوَّلًا من كلِّ القلب والذِّهن والقوَّة، وثانيًا محبَّة قريبنا كأنفسنا... هذا يفترض أنَّنا في مُصالَحَة مع أنفسنا ومع الله ومع الآخَر، وإنْ لم نَكُن، فاليوم هو يوم الغفران وزمن تطهير القلوب من كلِّ رفضٍ للآخَر وحقدٍ وكره وعداوة، إنّه زمن المسامحة والمصالحة والاستغفار، وعلينا جميعًا أن ندخل هذا الموسم البَهيّ بسلام غير تاركين في قلوبنا أيّ شرّ أو سلبيّة تجاه أيّ إنسان، وإلَّا نكون كمن يُريد أن يبني بيتًا على رمالٍ متحرِّكة وهذا البناء لن يقوم أبدًا. هكذا من يريد أن يَصوم ولا يُسامِح مَن أساؤا إليه، ولا يطلُب المغفرة ممَّن أساء إليهم، فهو كَمَن يُريد أن يبني بيتًا في أرض غير صالحة وغير مؤهَّلة لتحمل أيّ بُنيان... هذا صوم محكوم بالفشل ولا معنى له وممجوج من الله... لا نستطيع أن نقتني أسلحة النُّور إلَّا بنور الرُّوح القدس، "بنوركَ نُعاين النُّور" (المجدلة الكبرى)، ولا نقدر أن نطرد عنّا أعمال الظُّلمة إلَّا بقوَّة الله وبطاعة وصيَّة رحمته، "فَكُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضًا رَحِيمٌ. وَلاَ تَدِينُوا فَلاَ تُدَانُوا. لاَ تَقْضُوا عَلَى أَحَدٍ فَلاَ يُقْضَى عَلَيْكُمْ. اِغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ..." (لو 6: 36 – 37).

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع...

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

طروباريَّة القيامة (باللَّحن الرَّابع)

إنَّ تلميذاتِ الرَّبّ تعلَّمنَ مِنَ الملاكِ الكرْزَ بالقيامةِ البَهج. وطَرَحنَ القَضاءَ الجَدِّيَّ. وخاطبنَ الرُّسلَ مُفتَخِراتٍ وقائِلات. سُبيَ المَوتُ وقامَ المَسيحُ الإله. ومنحَ العالمَ الرَّحمةَ العُظمى.

قنداق أحد مرفع الجبن (باللَّحن السَّادس)

أيُّها الهادي إلى الحكمةِ والرّازقُ الفَهْمَ والفِطنة، والمؤَدِّبُ الجهّالَ والعاضِدُ المساكين، شدِّدْ قلبي وَامنحْني فَهْمًا أيّها السَّيَّد، وأعطِني كلمةً يا كلمةَ الآب، فها إنّي لا أمنعُ شَفتيَّ من الهُتافِ إليك: يا رحيمُ ارحَمْني أنا الواقِع.

الرِّسالة (رو 13: 11- 14، 14: 1- 4)

رَتِّلُوا لِإِلَهِنَا رَتِّلُوا.

يَا جَمِيعَ الأُمَمِ صَفِّقُوا بِالأَيَادِي.

يَا إِخْوَةُ، إِنَّ خَلاصَنَا الآنَ أَقْرَبُ مِـمَّا كَانَ حِينَ آمَنَّا. قَدْ تَنَاهَى اللَّيْلُ وَاقْتَرَبَ النَّهَارُ. فَلْنَدَعْ عَنَّا أَعْمَالَ الظُّلمة وَنَلْبَسَ أَسْلِحَةَ النُّور. لِنَسْلُكَنَّ سُلُوكًا لائِقًا كَمَا فِي النَّهَارِ، لا بِالقُصُوفِ وَالسِّكْرِ، وَلا بِالـمَضَاجِعِ وَالعَهَرَ، وَلا بِالخِصَامِ وَالحَسَدِ. بَلِ الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ الـمَسِيحَ، وَلا تَهْتَمُّوا بِأَجْسَادِكُمْ لِقَضَاءِ شَهَوَاتِهَا. مَنْ كَانَ ضَعِيفًا فِي الإِيمَانِ فَاتَّخِذُوهُ بِغَيْرِ مُبَاحَثَةٍ فِي الآرَاءِ. مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ كُلَّ شَيْءٍ، أَمَّا الضَّعِيفُ فَيَأْكُلُ بُقُولًا. فَلا يَزْدَرِ الَّذِي يَأْكُلُ مَنْ لا يَأْكُلُ، وَلا يَدِنَ الَّذِي لا يَأْكُلُ مَنْ يَأْكُلُ، فَإِنَّ اللهَ قَدِ اتَّخَذَهُ. مَنْ أَنْتَ يَا مَنْ تَدِينُ عَبْدًا أَجْنَبِيًّا؟ إِنَّهُ لِمَوْلاهُ يَثْبُتُ أَوْ يَسْقُطُ. لَكِنَّهُ سَيُثَبَّتُ لِأَنَّ اللهَ قَادِرُ عَلَى أَنْ يُثَبِّتَهُ.

الإنجيل (مت 6: 14- 21)

قَالَ الرَّبُّ: إِنْ غَفَرْتُـمْ لِلنَّاسِ زَلَّاتِـهِمْ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ أَيضًا. وَإِنْ لَـمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَلَّاتِـهِمْ فَأَبُوكُمْ أَيْضًا لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ زَلَّاتِكُمْ. وَمَتَى صُمْتُمْ فَلاَ تَكُونُوا مُعَبِّسِينَ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّـهُمْ يُنَكِّرونَ وُجُوهَهُمْ لِيَظْهَرُوا لِلنَّاسِ صَائِمِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّـهُمْ قَدْ أَخَذُوا أَجْرَهُمْ. أَمَّا أَنْتَ فَإِذَا صُمْتَ فَادْهَنْ رَأْسَكَ وَاغْسِلْ وَجْهَكَ لِئَلَّا تَظْهَرَ لِلنَّاسِ صَائِمًا، بَلْ لأَبِيكَ الَّذِي فِي الخِفْيَةِ. وَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الخِفْيَةِ يُـجَازِيكَ عَلاَنِيَةً. لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ حَيْثُ يُفْسِدُ السُّوسُ وَالآكِلَةُ وَيَنْقُبُ السَّارِقُونَ وَيَسْرِقُونَ، لَكِنْ اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ حَيْثُ لاَ يُفْسِدُ سُوسٌ وَلا آكِلَةٌ وَلاَ يَنْقُبُ السَّارِقُونَ وَلاَ يَسْرِقُونَ، لأَنَّهُ حَيْثُ تَكُونُ كُنُوزُكُم هُنَاكَ تَكُونُ قُلُوبُكُم.

حول الإنجيل

نقف اليوم عند عتبة الصَّوْم الأربعينيّ الكبير، في "أحد مرفع الجبن"، حيث ينفتح أمامنا "ميدان الفضائل". نستعدُّ للدُّخول بجهادٍ حسن نستذكر فيه خروج آدم من الفردوس، ونتعلَّم أنَّ الصَّوْم سلاحٌ رهيب، وصفه الآباء بأنَّه "السكينة الباترة" لكلّ رذيلة، به ينال الذِّهن حرِّيَّته وينضبط مسار النَّفْس الرُّوحيّ.

قبل السُّقوط، كانت الشَّرِكة مع نعمة الرُّوح القُدس هي غذاء النَّفس الحقيقيّ. لكن بعد السُّقوط، خضعت النَّفْس لسلطان اللَّذَّات الجسديَّة، فصار الجسد يمتصُّ الرُّوح ويقودها نحو الفساد. لذا، نسعى بالصَّوْم لإطلاق حرِّيَّة النَّفْس، وإخضاع حركات الجسد والشَّهوة لسلطان العقل المستنير، محوِّلين الصِّراع من حرمان مادّيّ إلى انتصارٍ إيمانيّ يحرِّر الإنسان.

يضع المسيح الغفران أساسًا لكلِّ عملٍ صالح. فلا قيمة لصَوْمٍ يمتنع فيه الإنسان عن الطَّعام بينما قلبه ينهش قريبه بالحقد، والضَّغينة تفسد جوهر الصِّيام. الغفران يفتح باب المراحم الإلهيَّة، فمن لا يغفِر لا يُغفر له. كما يعلِّمنا الإنجيل ضرورة الصَّوْم "في الخفية"؛ فـ "دَهْنُ الرَّأس" يعني تنقية الذِّهن بالصَّلاة، و"غسل الوجه" يرمز لتوبة القلب الصَّادقة بعيدًا عن مُراءاة النَّاس.

يهدف الجهاد الرُّوحيّ لتحويل القلب من حُبِّ "الفِضَّة" والمقتنيات الزَّائلة إلى الكنوز السَّماويَّة الأبديَّة الَّتي لا يقوى عليها الموت. فالمادِّيَّات يفسدها السُّوس، أمَّا ما يُبنى في الرُّوح فيبقى للأبد. نحن نصوم لأنَّ أجسادنا هياكل للرُّوح القدس، ونريد تنقيتها من شوائب الأهواء لتفيض بنور النِّعْمَة الإلهيَّة، مستعدِّين للقاء قيامة الرَّبّ بقلوبٍ طاهرة وعزيمةٍ صادقة لا تَلين.

ليكُن صومنا رحلة تواضع تنبت ثمار المحبَّة. لننطلق بقلبٍ ثابتٍ، واضِعين نُصْبَ أعيُننا أنَّ الغاية هي الاتِّحاد بالمسيح. بهذا المفهوم، يغدو الصَّوْم فرصةً للتَّصالُح مع الذَّات والقريب والخالق، ومناسبةً لنزع أقنعة الزّيف. فلنجعل من هذه الأيَّام قوَّةً للخلاص وتجديدًا للصُّورة الإلهيَّة فينا، لنَصِل إلى فرح الفصح العظيم بملء النِّعْمَة والقداسة. إنَّ الصِّيام الحَقّ هو العبور من ضيق الأنا إلى اتِّساع المحبَّة المطْلَقَة، حيث تُشرق فينا أنوار الفضيلة ونَغدو بالرُّوح مواطنين في ملكوت السَّماوات. فالصَّبْر على الجوع الجسديّ يولِّد شبعًا روحيًّا لا يوصَف، يمنحنا القوَّة للغلبة على تجارب هذا العالم. آمين.

مسامحة الأعداء

العَداوة بين الله والإنسان مصدرها الإنسان لا الله. لا يُمكن، من مَنظور الإيمان المسيحيّ، أن يكون الله مصدر عداوة ليس للإنسان فحسب بل لمجمل الخليقة. هو بارئُها وراعيها، هو المبادر، بنعمته وعنايته ومحبّته، لنشوء علاقةٍ بينه وبينها عبر الكشف الإلهيّ. غاية الله من كشفه أن يُنشئ بينه وبين الإنسان شوقًا لعلاقة حُبٍّ ووِدّ وشركة وتاليًا لا تلتقي العَداوة مع هذا الشَّوْق الإلهيّ. الله لايُبادر بعداوةٍ لخليقته ولايبادلها بها. هو، دَوْمًا،  في موقع المسامحة لأنّه ليس أسير عداوةٍ أو بُغْض، هو مصدر المسامحة الوَحيد، هو المحبَّة الخالقة الَّتي لا تطالها عداوةُ مخلوقٍ ولا تزعزعها منفعةٌ آسِرة.

طلب الرَّبّ من أتباعه أن يغفروا للنَّاس زلَّاتهم كشرطٍ لغفران الآب زلَّاتهم، أي أنّه جعل مؤمنيه شركاء له في الغفران ويبقى هو المصدر الوَحيد لها وللمُسامَحة. في هذا امتيازٌ خَصَّ الرَّبُّ به الإنسان إذْ جعله شريكًا لصفاته الإلهيَّة. المسامحة ليست ضعفًا أو ضِعةً بشريّة تجاه المسامَحين بل هي ارتقاءٌ وسموٌّ بشريَّان نحو الله ومشاركةٌ في مزاياه التَّقديسيَّة.

العداوة وَجْهٌ من وجوه الإزالة من الوجود، وَجْهٌ من وجوه الموت كما تصوّر لنا في سلوك مقتدري عصر يسوع عبر سحقه على الصَّليب. أمّا المسامحة فهي فعلُ خَلْقٍ جديد، انتشال من براثن الخطيئة. أيُّها الإنسان، إن سامحتَ فأنتَ شريكُ الله في خلقه ومثيل له في سلوكه، "من زعم أنّه مقيمٌ فيه فعَلَيْه أن يسير مثل سيرته" (1يو2، 6).

لم يطلب الرَّبُّ منّا مسامحة قريبنا، هذا وجه من وجوه قانون السُّلوك الأخلاقيّ الإنسانيّ الطَّبيعيّ، بل يطالبنا بسلوكٍ إلهيّ، بمسامحة أعدائنا. يُريدنا على مثاله. كما يُريدنا أن لا نسامح أعداءنا فحسب بل أن نحبّهم لنكون بني أبينا الَّذي في السَّماوات (متّى 5، 44 و45). هذا لن نحقّقه بقوانا الذَّاتيّة وحدها. نعمة الرُّوح القدس المبذورة فينا بالمعموديَّة والميرون المقدَّسَين هي القادرة، بمؤازرة طبيعتنا البشريَّة المُفتَداة، أن تحقّق فينا هذه المناقبيّة الإلهيّة.

لن نسامح أعداءنا إنْ لم نحِبَّهم ولن نحبَّهم إنْ لم نَسْعَ للالتصاق، عبر اقتناء الرُّوح القدس، بمصدر المحبَّة والمسامحة الوحيد، يسوع المسيح البريء من الخطأ وحده.