نشرة كنيستي
نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.
أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي
كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.
الأحد قبل عيد ميلاد المسيح (أحد النَّسَبة)
العدد 51
الأحد 21 كانون الأوَّل 2025
اللَّحن 3- الإيوثينا 6
أعياد الأسبوع: *21: تذكار الآباء وجميع الَّذين أرضَوا الله منذ الدَّهر، الأنبياء والنَّبِيّات ولا سيّما دانيال والفتية ال3،الشَّهيدة يولياني، القدِّيس ثاميستوكلاوس *22: الشَّهيدة الشَّافية أناستاسيَّا *23: الشُّهداء العشرة المستشهدين في كريت *24: بارامون ميلاد المسيح، الشَّهيدة في البارَّات أفجانيّا *25: ميلاد ربّنا والهنا ومخلِّصنا يسوع المسيح بالجسد *26: عيد جامع لوالدة الإله، الشَّهيد آفثيميوس *27: القدِّيس استفانوس أوّل الشُّهداء ورئيس الشَّمامسة، القدِّيس ثيوذوروس الموسُوم.
كلمة الرّاعي
أحد النَّسَبة: حين يلتقي تاريخ البشر بوعد الله
في الأحد السَّابِق للميلاد، تقودنا الكنيسة إلى تأمُّل مزدوج: إنجيل نَسَب ربِّنا يسوع المسيح بالجسد الَّذي يفتتح به متّى إنجيله، والرِّسالة إلى العبرانيّين الَّتي ترفع أنظارنا إلى "سحابة الشُّهود" الَّذين عاشوا الإيمان قبل مجيء المسيح. هذان النَّصَّان، اللَّذان يُتليان علينا، يشكِّلان معًا لوحة واحدة: تاريخ الخلاص الَّذي يكتبه الله عبر أجيال من البشر، الضُّعفاء منهم والأقوياء، الأبرار والتَّائبين، الأنبياء والملوك، الرِّجال والنِّساء.
يبدأ متَّى إنجيله بعبارة لاهوتيَّة عميقة: "كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم". بهذه الكلمات، يربط الإنجيليّ بين المسيح وبين إبراهيم وداود، أي بين الوَعد والتَّحقيق، بين الصُّورة والمثال، بين سلالة السُّقوط وسلالة الملكوت. سلسلة النَّسَب ليست لائحة أسماء، بل إعلان أنَّ الله يدخل الزَّمَن، ويقدِّس التَّاريخ، ويُحَوِّل مَسيرةً بشريَّة مليئةً بالتَّقلُّبات إلى طريقٍ يَقود نحو ثباتِ الله في تحقيق وعده إلى بيت لحم حيث يولد مسيح الرَّبّ. إنَّ ذِكْرَ هؤلاء الأشخاص يُظهر أنَّ الله لا يخجل من أنْ يكون إلهًا لبشرٍ يحملون ضعفًا، بل يرفع ضعفهم ليصير موضعًا لعمله، هو لا يتخلَّى عن جبلة تَخَلَّتْ عنه بل يجعلها امتدادًا لتَدبيره الخَلاصيّ وتحقيقًا له.
وتأتي الرِّسالة إلى العبرانيّين لتُضيء على هذا النَّسَب من زاوية أخرى تتعلَّق بالإيمان... فإبراهيم، الَّذي يَفتتح سلسلة متَّى، هو أيضًا أوَّل شاهد في سلسلة الإيمان: "بالإيمان نزل إبراهيم في أرض الموعد نزولَه في أرض غريبة… لأنّه انتظر المدينة ذات الأسُس الَّتي الله صانعها وبارئها". إنجيل النَّسَب يقدِّم إبراهيم كأصلٍ جسديّ للمسيح، أمّا الرِّسالة فتكشف أنّه أصل روحيّ لكلّ المؤمنين في انتظارهم لتحقيق وَعد الرَّبّ بالخلاص من خلال نسله أي المسيح الَّذي هو الغاية وهو الأصل في الحقيقة لا إبراهيم. تَغَرُّبُ إبراهيم الجغرافيّ يصير رمزًا لتغرُّب الإنسان الاختياريّ في طاعة الله عن كلِّ ما يفصله عن الرَّبّ.
* * *
يذكر إنجيل متّى داود وسليمان والأنبياء، ويذكر أيضًا نساءً مثل راحاب وراعوث، ليُظهِر أنَّ تاريخ الخلاص ليس خطًّا مستقيمًا، بل مسيرةَ نعمةٍ تعمل في بشرٍ متنوِّعين منهم الأبرار ومنهم الخاطئين، ولكنَّهم جميعًا من التَّوَّابين... وتأتي الرِّسالة إلى العبرانيِّين لتُكمل الصُّورة: "وماذا أقول أيضًا؟ إنَّه يضيق بي الوقت إن أخبرت عن جدعون وباراق وشمشون"، هؤلاء الَّذين "بالإيمان قَهروا الممالك… وسَدُّوا أفواه الأسود… ورُجِموا ونُشِروا...". إنجيل النَّسَب يقدِّم سلسلة الجسد، والرِّسالة تقدِّم سلسلة الرُّوح، الأوَّل يَقود إلى ميلاد المسيح في الجَسَد، والثَّاني يَقود إلى ميلاده في القلب، أي المماثِلُون لأولئك الَّذين "لم يقبلوا النَّجاة ليحصلوا على قيامةٍ أفضل". هؤلاء هم قمَّة النَّسَب الرُّوحيّ، لأنَّهم عاشوا الإيمان حتَّى بذل الذَّات لأجل استقامة الإيمان لأنَّ الشَّهادة هي اكتمال الإيمان، كونها تقدمة الإنسان حياته بالكلِّيَّة لله. فالمسيح جاء من نسلٍ جسديّ ليُدخلَنا في نسله الرُّوحيّ الَّذي هو نسل المؤمنين به... أبناء الملكوت العَتيد...
* * *
يا أحِبَّة، في هذا الزَّمَن اللِّيتورجيّ، وبينما نستعدُّ لعيد ميلاد ربِّنا وإلهنا ومخلِّصنا بالجسد من البتول القدِّيسة مريم، وفي وَطَنٍ يَرْزَح تحت الأزمات، تذكِّرنا الكنيسة المقدَّسة بأنّ الله يعمل في التَّاريخ مهما كان مثقّلًا بالآلام. وكما قاد الله في القديم الأجيال من إبراهيم إلى داود، ومن داود إلى السَّبي، ومن السَّبي إلى المسيح، كذلك يقودنا في وسط الظُّلمة نحو نورٍ جديد، ومن الموت إلى الحياة شرط أن نلجأ إليه ونحبَّه فنسلِّمَه مشيئتنا... وكما استخرج الله من الخطيئة بِرًّا فهو قادرٌ أن يُخرج خلاصًا من قلب الفَوْضى، وخيرًا من الأشرار، وأن يشرق نورًا في أرضٍ مظلمة ومتعبة، كما أشرق نور بيت لحم في نجم دَلَّ المجوس على نور العالم في زمن ظلام قلب هيرودس...
وفي مسيرتنا نحو هذا الميلاد، نُصَلِّي كي يولَد المسيح في قلوب طالبيه شافيًا جراح المتألِّمين، وتعبهم، وخوفهم، ومشدِّدًا صمودهم، ومغذِّيًا تَوْقَهم إلى عالم «ذو أسُسٍ» ثابتة على الحَقّ والعدالة والرَّحمة.
أيُّها الأحبّاء، نسمع في إنجيل اليوم أسماء كثيرة، لكنَّ الكنيسة تنتظر أن يُكتب اسم كلُّ واحدٍ مِنّا في نسب الإيمان من خلال تجديد الحياة بالتَّوبة وتمجيدها بالمحبَّة وتثبيتها بالتَّواضع. فلنقترب من مغارة الميلاد حاملين معنا تاريخنا، وجراحنا، ورجاءنا، واثقين أنَّ الرَّبَّ الَّذي دخل تاريخ البشر لن يترك تاريخنا، وأنَّ الَّذي وُلد في مذود قادر أن يولَد في قلب كلّ إنسان يطلبه بإيمانٍ ودُموع ورجاء وتوبة... ليجعله خليقةً جديدةً... على صورة الَّذي صَوَّر الإنسان في البدء...
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع...
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
طروباريّة القيامة (باللَّحن الثَّالث)
لِتفرحِ السَّماوِيَّات. ولتَبتَهِجِ الأرضِيَّات. لأنَّ الرَّبَّ صنعَ عِزًّا بساعِدهِ. ووَطِئَ المَوْتَ بالمَوْت. وصارَ بِكرَ الأموات. وأنقذَنا من جَوفِ الجحيم. ومَنَحَ العالمَ الرَّحمةَ العُظمى.
طروباريَّة أحد النَّسَبة (باللَّحن الثَّاني)
عظيمةٌ هي تقويماتُ الإيمان، لأنَّ الفتيةَ الثَّلاثةَ القدّيسين قد ابتهجوا في يَنبوعِ اللَّهيب كأنّهم على ماءِ الرَّاحة، والنَّبيَّ دانيال ظهر راعيًا للسِّباعِ كأنّها غنم. فبتوسّلاتِهم أيّها المسيحُ الإلهُ خلّصْ نفوسَنا.
طروباريَّة تقدمة عيد الميلاد (باللَّحن الرَّابع)
استعدّي يا بيت لحم، فقد فُتِحَتْ عدنُ للجميع، تهيَّإي يا إفراثا، لأنّ عود الحياة قد أزهر في المغارة من البتول، لأنّ بطنها قد ظهر فردوسًا عقليًّا، فيه الغرس الإلهيّ، الَّذي إذ نأكل منهُ نحيا ولا نموت مثل آدم، المسيحُ يولَدُ مُنهضًا الصُّورة الَّتي سقطتْ منذ القديم.
قنداق تقدمة الميلاد (باللَّحن الثَّالث)
اليومَ العذراءُ تأتي إلى المـَغارة لِتَلِدَ الكلمةَ الَّذي قبل الدُّهور وِلادةً لا تُفسَّر ولا يُنطق بها. فافرحي أيّتها المـَسكونةُ إذا سَمِعْتِ، ومَجِّدي مع الملائكةِ والرُّعاة الَّذي سَيَظْهَرُ بمشيئته طفلًا جديدًا، وهو إلهُنا قبلَ الدُّهور.
الرِّسالة (عب 11: 9- 10، 32- 40)
مُباركٌ أنتَ يا ربُّ إلَه آبائنا
لأنَّكَ عَدْلٌ في كلِّ ما صَنَعْتَ بنا
يا إخوةُ، بالإيمانِ نَزَل إبراهيمُ في أرضِ الميعاد نزولَهُ في أرضٍ غريبةٍ، وسَكَنَ في خِيَامٍ معَ إسحقَ ويعقوبَ الوارثَيْن معهُ للموعِدِ بِعَيْنِهِ، لأنَّهُ انتظرَ المدينةَ ذاتَ الأُسسِ الَّتي الله صانِعُها وبارئُها. وماذا أقول أيضًا. إنَّه يضيق بيَ الوقتُ إنْ أخبرتُ عن جِدْعَوْنَ وباراقَ وشَمْشُونَ ويَفْتَاحَ وداودَ وصموئيلَ والأنبياء، الَّذين بالإيمانِ قهَرُوا المَمَالِكَ وعَمِلُوا البِرَّ ونالوا المواِعد وسدُّوا أفواهَ الأسودِ وأطفأوا حِدَّة النَّارِ ونَجَوْا مِن حَدِّ السَّيفِ وتقوَّوْا مِن ضَعْفٍ وصاروا أشِدَّاءَ في الَحْرِب وكَسَرُوا مُعَسْكَرَاتِ الأجانِب، وأخَذَتْ نساءٌ أمواتَهُنَّ بالقيامة. وعُذِّبَ آخرونَ بتَوْتيرِ الأعضاءِ والضَّرْبِ، ولم يَقْبَلُوا بالنَّجاةِ ليحْصُلُوا على قيامةٍ أفضل. وآخَرُونَ ذاقُوا الهُزْءَ والجَلْدَ والقُيُودَ أيضًا والسِّجْن، ورُجِمُوا ونُشِرُوا وامْتُحِنُوا وماتُوا بِحَدِّ السَّيْفِ، وسَاحوا في جلودِ غَنَمٍ ومَعَزٍ وهم مُعْوَزُون مُضَايَقُون مَجْهُودُونَ (ولم يَكُنِ العالم مُسْتِحقًّا لهم). وكانوا تائِهِين في البَراري والجبالِ والمغاوِرِ وكهوفِ الأرض. فهؤلاء كُلُّهُم مَشْهُودًا لهم بالإيمان لم ينالوا المواعِد، لأنَّ الله سبقَ فنظرَ لنا شيئًا أفضلَ أنْ لا يَكْمِلُوا بدونِنَا.
الإنجيل (مت 1: 1- 25)
كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إبْراهِيمَ، فإبْراهِيمُ وَلَدَ إسْحَقَ، وَإسْحَقُ وَلَدَ يَعْقُوبَ، وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يَهُوذَا وَإِخْوَتَهُ. وَيَهُوذَا وَلَدَ فَارَصَ وَزَارَحَ مِنْ تَامَارَ. وَفَارَصُ وَلَدَ حَصْرُونَ، وَحَصْرُونُ وَلَدَ أَرَامَ، وَأَرَامُ وَلَدَ عَمِّينَادَابَ، وَعَمِّينَادَابُ وَلَدَ نَحْشُونَ، وَنَحْشُونُ وَلَدَ سَلْمُونَ، وَسَلْمُونُ وَلَدَ بُوعَزَ مِنْ رَاحَابَ، وَبُوعَزُ وَلَدَ عُوبِيدَ مِنْ رَاعُوثَ، وَعُوبِيدُ وَلَدَ يَسَّى، وَيَسَّى وَلَدَ دَاوُدَ الْمَلِكَ، وَدَاوُدُ الْمَلِكُ وَلَدَ سُلَيْمَانَ مِنَ الَّتي كَانَتْ لِأُورِيَّا، وَسُلَيْمَانُ وَلَدَ رَحَبْعَامَ، وَرَحَبْعَامُ وَلَدَ أَبِيَّا، وَأَبِيَّا وَلَدَ آسَا، وَآسَا وَلَدَ يُوشَافَاطَ، وَيُوشَافَاطُ وَلَدَ يُورَامَ، وَيُورَامُ وَلَدَ عُزِّيَّا، وَعُزِّيَّا وَلَدَ يُوتَامَ، وَيُوتَامُ وَلَدَ آحَازَ، وَآحَازُ وَلَدَ حِزْقِيَّا، وَحِزْقِيَّا وَلَدَ مَنَسَّى، وَمَنَسَّى وَلَدَ آمُونَ، وَآمُونُ وَلَدَ يُوشِيَّا، وَيُوشِيَّا وَلَدَ يَكُنْيَا وَإِخْوَتَهُ في جلاءِ بَابِلَ، وَمِنْ بَعْدِ جلاءِ بَابِلَ يَكُنْيَا وَلَدَ شَأَلْتِئِيلَ، وَشَأَلْتِئِيلُ وَلَدَ زَرُبَّابِلَ، وَزَرُبَّابِلُ وَلَدَ أَبِيهُودَ، وَأَبِيهُودُ وَلَدَ أَلِيَاقِيمَ، وَأَلِيَاقِيمُ وَلَدَ عَازُورَ، وَعَازُورُ وَلَدَ صَادُوقَ، وَصَادُوقُ وَلَدَ آخِيمَ، وَآخِيمُ وَلَدَ أَلِيهُودَ، وَأَلِيهُودُ وَلَدَ أَلِعَازَارَ، وَأَلِعَازَارُ وَلَدَ مَتَّانَ، وَمَتَّانُ وَلَدَ يَعْقُوبَ، وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ الَّتي وُلِدَ مِنْهَا يَسُوعُ الَّذي يُدْعَى الْمَسِيحَ. فَكُلُّ الأَجْيَالِ مِنْ إِبْراهِيمَ إِلَى دَاوُدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً، وَمِنْ دَاوُدَ إِلَى جلاءِ بَابِلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً، وَمِنْ جلاءِ بَابِلَ إِلَى الْمَسِيحِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً. أَمَّا مَولِدُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَكَانَ هكَذَا: لَمَّا خُطِبَتْ مَرْيَمُ أُمُّهُ لِيُوسُفَ وُجِدَتْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَـجْتَمِعَا حُبْلَى مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. وَإِذْ كَانَ يُوسُفُ رَجُلُهَا صِدِّيقًا وَلَـمْ يُرِدْ أَنْ يَشْهَرَهَا هَمَّ بِتَخْلِيَتِهَا سِرًّا. وَفِيمَا هُوَ مُتَفَكِّرٌ فِي ذَلِكَ إِذَا بِـمَلاَكِ الرَّبِّ ظَهَرَ لَهُ فِي الحُلْمِ قَائِلاً: يَا يُوسُفُ ابْنَ دَاوُدَ لا تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ امْرَأَتَكَ مَرْيَمَ. فَإِنَّ الـمَوْلُودَ فِيهَا إِنَّـمَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَسَتَلِدُ ابْنًا فَتُسَمِّيهِ يَسُوعَ فَإِنَّهُ هُوَ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ، (وَكَانَ هَذَا كُلُّهُ لِيَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ الْقَائِلِ: «هَا إِنَّ الْعَذْرَاءَ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَيُدْعَى عِمَّانُوئِيلَ» الَّذي تَفْسِيرُهُ اَللهُ مَعَنَا). فَلَمَّا نَهَضَ يُوسُفُ مِنَ النَّوْمِ صَنَعَ كَمَا أَمَرَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ. فَأَخَذَ امْرَأَتَهُ وَلَـمْ يَعْرِفْهَا حَتَّى وَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ وَسَمَّاهُ يَسُوعَ.
حول الإنجيل
إنَّ نَسَبَ يسوع هو أكثر مِن مجرَّد سَرْد للأسماء، إنَّه تجسيد لقصَّة الإيمان والرَّجاء، ويعكس محبَّةَ الله ورغبته في الاتِّصال بالبشريَّة. من هنا تأتي أهميَّة نَسَب يسوع للَّذين نادوا أو أنكروا حقيقة تجسُّد المسيح مُدَّعين أنَّ السَّيِّد المسيح لم يتجسَّد بصورة بشريَّة حقيقيَّة إنَّما ظهر كخيال. لهذا ذكر الإنجيل المقدَّس نَسَبَ الرَّبّ يسوع للتَّأكيد على حقيقة التَّجسُّد الإلهيّ أي بمعنى أنَّ المسيح أخذ شكلًا إنسانيًّا وأيضًا أخذ الطَّبيعة الإنسانيَّة الكاملة، أي أخذ المسيح طبيعتنا نحن البشر واشترك فيها ومعنا.
لذلك يُعتَبر نسب يسوع تأكيدًا على تحقيق النُّبوءات القديمة. في الكتاب المقدَّس، وُعد الشَّعب الإسرائيليّ بِمَجيء مخلِّصٍ مِن نَسْلِ إبراهيم وداود. "ولكن أنتِ، يا بيت لحم، لستِ الصُّغرى بين رؤساء يهوذا" (متّى 2:6). مِن خلال نسبه، يؤكِّد يسوع على كَوْنِهِ المخلِّص الموعود به، ويُظهر نسب يسوع هويَّتَه كابنِ الله وابن الإنسان. إنَّ كونه من نسب يوسف بحسب التسلسل ومن مريم بحسب الجسد يُبرز الجانب الإنسانيّ فيه، ممَّا يجعله قريبًا من النَّاس. يسوع ليس فقط مخلِّصًا روحيًّا، بل أيضًا نموذجًا للإنسانيَّة. هذا الرَّبط بين الإلهيّ والإنسانيّ يعكس سرّ التَّجسُّد ويؤكِّد على أهميَّة العلاقة بين الله والبشر الَّتي وصلت إلى كمالها في يسوع المسيح.
أيضًا يُظهِر نسب يسوع تنوُّعًا في شخصيَّاته. يتضمَّن أسماءً معروفة وأخرى غير معروفة، بما في ذلك بعض النِّساء مثل راحاب وراعوث. هذا يعكس شموليَّة الرِّسالة المسيحيَّة، حيث يُبيِّن أنَّ الله يمكن أن يستخدم أيّ شخص لتحقيق خطَّتِه، بِغَضِّ النَّظر عن خلفيَّته الإيمانية أو وضعه الاجتماعيّ.
إنَّ نَسَب يسوع يؤكِّد لنا أنَّ حُبَّ الله لنا قويّ لدرجة أنَّ سَعْيَه إلينا لم يتوقَّف بسبب خطايانا. فالمسيح يُولَد دائمًا ليُنهِضَ الإنسان الَّذي يسقط كلَّ حين.
نور العالم
وُلِدَ الرَّبُّ يسوع في ليلةٍ هادئة، لكنَّ العالَم يومها لم يكن هادئًا. كان يعيشُ في ظلمةٍ كثيفة: ظلمة الخطيئة، وظلمة الجَهل بالله، وظلمة الموت والعداوة وانغلاق القلوب. كان كلُّ شيءٍ يصرخ في داخل الإنسان:
نحتاج نورًا… نحتاج خلاصًا… نحتاج مَن يفتح لنا طريق الحياة. وفي ملء الزَّمان، كما يقول الرَّسُول، أشرق النُّور. لم يأتِ نورٌ أرضيّ، ولا فلسفةٌ بشريَّة، بل نورٌ إلهيٌّ متجسِّد: «الشَّعب السَّالِك في الظُّلمة أبصر نورًا عظيمًا» (إش 9: 2). «النُّور يُضيء في الظُّلمة والظُّلمة لم تدركه» (يو 1: 5).
لم تكن الظُّلمة فقط غيابًا للنُّور، بل كانت عبوديَّة للخطيئة ويأسًا من الموت وقلبًا لا يعرف محبَّة الآب. كان الإنسان تائهًا بلا هدف. فجاءَ المسيح ليقول لنا: «لقد جئتُ نورًا إلى العالم، لكي لا يثبت في الظُّلمة كلُّ مَن يؤمِن بي» (يو 12: 46). هذا هو قلب الميلاد: الله يدخل إلى عالمنا المُظلِم ليفتح باب النُّور من الدَّاخِل، لا مِن الخارج.
الله لم يُرْسِل نورًا من السَّماء فقط، بل صار النُّور واحدًا منَّا: تجسَّد، وُلِدَ، عاش في وسط العالم، لكي يُشعل في قلب الإنسان نار المحبَّة الإلهيَّة، لكي يُعلِن أنَّ الخلاص ليس فكرة، بل شخصٌ يرافقنا. أضاء المسيح المغارة المتواضعة، لكي يعلِّمنا أنَّ النُّور الحقيقيّ لا يحتاج إلى قصور، بل إلى قلبٍ متواضعٍ مستعدٌّ لأن يستقبله.
عندما تجسّد الكلمة، صار الطَّريق واضحًا: من الظُّلمة إلى النُّور ومن العبوديَّة إلى الحرِّيَّة ومن الخطيئة إلى التَّوبة ومن الموت إلى القيامة. قال لنا بوضوح: «أنا هو الطَّريق والحَقّ والحياة» (يو 14: 6)، «مَن يتبعني فلا يمشي في الظُّلمة، بل يكون له نور الحياة» (يو 8: 12).
ميلاد المسيح هو الإعلان الإلهيّ: أنَّ الله لم يَعُدْ بعيدًا. لم يَعُد مجهولًا، لم يَعُد من حواجز بيننا وبينه. لقد صار الله معنا: "عِمَّانوئيل". النُّور الَّذي أتى به المسيح ليس زينة موسميَّة، بل أسلوب حياة: سيرٌ في طريق الحَقّ، وترْكٌ لأعمال الظُّلمة، وولادة روحيَّة جديدة بنعمة الرُّوح القُدس. لذلك علينا أن نرفض الخطيئة مهما كانت مغرية. أن نتوب كلَّ يوم وأن نحبَّ لأنَّ المحبَّة هي النُّور العمليّ. علينا أن ندع المسيح يقود حياتنا لا رغباتنا ولا خوفنا. جاء الرَّبُّ ليُعطينا «جِدَّة الحياة» (رو 6: 4)، أي حياةً جديدة تختلف جذريًّا عن حياتنا القديمة، حياة نُولَد فيها مِنْ جَديد بالمعموديَّة والتَّوبة والنِّعْمَة.
عندما نَسيرُ في النُّور، نصبح أبناء الملكوت، وأبناء النُّور، وأحبَّاءَ الآب، وشُركاء الحياة الأبديَّة منذ الآن. ولهذا قال الرَّبّ: «النُّور معكم زمانًا قليلًا بعد، فسيروا ما دام لكم النُّور…» (يو 12: 35). ميلاده لم يكن حدثًا تاريخيًّا فقط، بل بابًا للحياة الأبديَّة فتحه الله لكلِّ مَن يؤمن به ويسلك وراءه. فلْيَكُن ميلادَه هذا العام ميلادًا جديدًا فينا: ميلاد نور، وميلاد توبة، وميلاد محبَّة، لكي نقول مع الإنجيل: «والنُّور في الظُّلمة يُضيء»… والظُّلمة لن تطفئه فينا. آمين.