نشرة كنيستي
نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.
أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي
كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.
الأحد بعد عيد رفع الصَّليب
العدد 38
الأحد 21 أيلول 2025
اللّحن 6- الإيوثينا 4
أعياد الأسبوع: *21: وداع عيد رفع الصَّليب، الرَّسول كُدْراتُس، النَّبيّ يونان *22: الشَّهيد في الكهنة فوقا أسقف سينوبي *23: تذكار الحبل بالنَّبيّ الكريم يوحنَّا المعمدان *24: القدّيسة تقلا أولى الشَّهيدات المعادلة الرُّسُل، البارّ سلوان الآثوسيّ *25: البارّة إفروسيني ووالدها بفنوتيوس *26: تذكار انتقال الرَّسول يوحنَّا الإنجيليّ اللَّاهوتيّ *27: القدّيس الشَّهيد كليستراتس وال49 المستشهدين معه.
كلمة الرّاعي
أعمال البِرّ والتَّبرير بالإيمان
"يَا إِخْوَةُ، إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ الإِنْسَانَ لا يُبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّاموس، بَلْ إِنَّمَا بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الـمَسِيحِ،
آمَنَّا نَحْنُ أَيْضًا بِيَسُوعَ الـمَسِيحِ لِكَيْ نُبَرَّرَ بِالإِيمَانِ بِالـمَسِيحِ لا بِأَعْمَالِ النَّاموس" (غل 2: 16)
يضع الرَّسُول بولس في رسالته إلى أهل غلاطية الَّتي حدَّدتها الكنيسة المقدّسة لهذا الأحد، الأساس الجوهريّ لتعليمه حول الخلاص بالمسيح لا بأعمال النَّاموس: "لا يُبَرَّرُ الإنسان بأعمال النَّاموس، بل بالإيمان بيسوع المسيح". كان النَّاموس في العهد القديم بمثابة المرآة الَّتي تكشف الخطيئة، وقد وضعه الله ليكشف الخطيئة ويدينها، وتاليًا هو لم يكن قادرًا على منح الإنسان الخلاص من الخطيئة والموت. أعمال النَّاموس – مهما كانت صالحة – لا تستطيع أن تمنح الإنسان الغلبة على الموت، لأنَّ النَّاموس يطالب بالكمال، "والكلُّ قد أخطأوا وأعوَزَهُم مجد الله" (رومية 3: 23). لذلك، جاء المسيح ليقدِّم برًّا جديدًا، لا يُنال بالاستحقاق، بل بالنِّعْمَة من خلال الإيمان به، إذْ تمَّم هو البِرّ كاملًا ومنحنا فيه (أي في يسوع) أن نقتني ثماره (أي البِرّ) أي قوَّتَه وكماله بالرُّوح القدس. بالنِّسبة لبولس التَّبرير وتاليًا الخلاص لا يقوم على الأعمال الظَّاهرة بل على الإيمان النَّابِع من قلبٍ متَّضعٍ، لأنّ "القلبَ المتخشِّع والمتواضِع لا يرذله الله" (مز 50 : 19).
* * *
قد يتساءل البعض: إذا كان التَّبريرُ بالإيمان، فهل هذا يفتح الباب للتَّهاون مع الخطيئة؟. يجيب بولس بحزم: "حاشى". فالإيمان الحقيقيّ بالمسيح يقود إلى موت عن الخطيئة، لا إلى التَّهاون معها. العودة إلى حياة الخطيئة بعد قبول النِّعْمَة تعني هدم ما بَناه الله فينا، وجَعْلَ أنفسنا متعدِّين من جديد. التَّبرير بالإيمان لا ينفصل عن الجهاد الرُّوحيّ لعيش هذا الإيمان بالتَّوبة والمصالحة والمسامحة لتطهير القلب والفكر والجسد، والعطاء والخدمة والتَّضحية، وعن حياة الصَّلاة منبع النِّعْمَة للإنسان في مسيرة جهاده الرُّوحيّ...
القدِّيس باسيليوس الكبير يكتب في هذا الإطار: "مَن يلتصق بالمسيح يلبس قوَّة قيامته، فلا يعود عبدًا للشَّهوات، لأنَّ النِّعْمَة الَّتي تبرِّر هي نفسها الَّتي تقدِّس"، مبرزًا أنَّ النِّعْمَة ليست عذرًا للخطية، بل قوَّةً للتَّحرُّر منها، فبدون النِّعْمَة لا يستطيع الإنسان أن يعرف أهواءه وخطاياه ولا أن يتوب عنها ويغلبها أي أن تتجدَّد طبيعته... وفي هذا السِّياق، فإنَّ قَوْلَ الرَّسول بولس "مع المسيح صُلِبْتُ"، ليس مجرَّد صورة شعريَّة، بل إعلان عن تحوُّلٍ جذريّ: موت الإنسان العتيق بكلِّ شهواته وأهوائه، وقيام إنسان جديد يحيا بالمسيح ويسلُك بروحه القدُّوس إعلانًا للخليقة الجديدة بالمسيح يسوع. لذلك، يقول القدِّيس سلوان الآثوسيّ: "حين يسكن المسيح في القلب، يَصير الصَّليب فرحًا، والموت عن الذَّات حياةً، لأنَّ النَّفْس تجد سلامها في محبَّةِ المصلوب"، رابطًا بين الصَّليب والحياة الجديدة في المسيح وموضحًا، أنَّ الصَّليب هو جوهر حياة المؤمن في هذا العالم...
* * *
يا أحِبَّة، إيماننا ليس أفكارًا نظريَّة وعقائد فلسفيَّة، بل حياة. فالمؤمن يحيا كلَّ يومٍ في سرِّ الذِّكرى أنَّ المسيح أحبَّه وبذل نفسه لأجله مِنْ خلال عيشه لوصِيَّة الرَّبّ واتِّحاده بالمسيح في نعمة الرُّوح القدس بالصَّلاة وجهاد التَّنقية والمحبَّة الفاعلة بالإيمان والأسرار المقدّسة. وفي هذا يكتب المطران جورج خضر: "الإيمان ليس فكرة نعتنقها، بل هو شخص نحيا فيه. أن تقول: أحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ، يعني أن تتخلَّى عن عَرْشِكَ الدَّاخليّ ليجلس عليه الرَّبُّ"، وهذه دعوة لأن يكون الإيمان علاقة حيَّة مع إلهٍ حَيّ وليس مجرَّد عقيدة وتعليم نظريّ، وأنَّ الإيمان هو في أن يصير القلب أرض الله ويصير الله ملك حياتنا وسيِّدها...
المقطع الرَّسائليّ في هذا الأحد يَدعونا أن نُراجع مسيرة حياتنا: هل نبني بِرَّنا على أعمالنا، أم على إيماننا بالمسيح الحَيّ فينا؟ التَّبرير بالإيمان لا ينفصل عن الجهاد الرُّوحيّ، بل يضعه في إطاره الصَّحيح: جهادٌ نابع من الشُّكر لله الَّذي أحبَّنا وبذل ابنه الوَحيد حتَّى الموْت لأجل خلاصنا، لكَيْمَا بقُوَّةِ حياته العاملة فينا أي بقُوَّةِ غلبته على الصَّليب وقيامته من بين الأموات نَحْيَا سِرَّ الحياة الجديدة برُوحِه القدُّوس...
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع...
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
طروباريَّة القيامة (باللَّحن السَّادِس)
إِنَّ القوَّاتِ الملائِكِيَّة ظَهَرُوا على قبرِكَ الـمُوَقَّر، والحرَّاسَ صَارُوا كَالأَموات، ومريمَ وَقَفَتْ عندَ القَبْرِ طَالِبَةً جَسَدَكَ الطَّاهِر، فَسَبَيْتَ الجَحِيمَ ولَمْ تُجَرَّبْ مِنْهَا، وصَادَفْتَ البَتُولَ مَانِحًا الحَيَاة، فَيَا مَنْ قَامَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ، يَا رَبُّ المـَجْدُ لَك.
طروباريَّة عيد رفع الصَّليب (باللَّحن الأوَّل)
خلِّصْ يا ربُّ شعبَكَ وبارِكْ ميراثَك، وامنَحْ عبيدَكَ المؤمنينَ الغلبَةَ على الشِّرِّير، واحفَظْ بقوَّةٍ صليبِكَ جميعَ المختصِّينَ بك.
قنداق عيد رفع الصَّليب (باللَّحن الرَّابع)
يا من ارتفعتَ على الصَّليب مُختارًا أيُّها المسيحُ الإله، امنح رأفتكَ لِشَعبكَ الجديدِ المـُسَمَّى بك، وفَرِّحْ بقوّتك عبيدَكَ المؤمنين، مانِحًا إيّاهُمُ الغلبةَ على مُحاربيهم. ولتكن لهم معونتُكَ سِلاحًا للسَّلامة وظفَرًا غيرَ مقهور.
الرّسالة (غل 2: 16- 20)
مَا أَعْظَمَ أَعْمَالَكَ يَا رَبُّ، كُلَّهَا بِحِكْمَةٍ صَنَعْتَ.
بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ.
يَا إِخْوَةُ، إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ الإِنْسَانَ لا يُبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّاموس، بَلْ إِنَّمَا بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الـمَسِيحِ، آمَنَّا نَحْنُ أَيْضًا بِيَسُوعَ الـمَسِيحِ لِكَيْ نُبَرَّرَ بِالإِيمَانِ بِالـمَسِيحِ لا بِأَعْمَالِ النَّاموس، إِذْ لا يُبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّاموس أَحَدٌ مِنْ ذَوِي الجَسَدِ. فَإِنْ كُنَّا، وَنَحْنُ طَالِبُونَ التَّبْرِيرَ بِالـمَسِيحِ، وُجِدْنَا نَحْنُ أَيْضًا خَطَأَةٍ، أَفَيَكُونُ الـمَسِيحُ إِذًا خَادِمًا لِلْخَطِيئَةِ؟ حَاشَى. فَإِنِّي إِنْ عُدْتُ أَبْنِي مَا قَدْ هَدَمْتُ أَجْعَلُ نَفْسِي مُتَعَدِّيًا لِأَنِّي بِالنَّاموس مُتُّ لِكَيْ أَحْيَا للهِ. مَعَ الـمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا، لا أَنَا، بَلِ الـمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. وَمَا لِي مِنَ الحَيَاةِ فِي الجَسَدِ أَنَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ بِابْنِ اللهِ الَّذِي أَحَبَّنِي وَبَذَلَ نَفْسَهُ عَنِّي.
الإنجيل (مر 8: 34- 38، 9: 1)
قَالَ الرَّبُّ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتْبَعَنِي فَلْيَكْفُرْ بِنَفْسِهِ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي. لِأَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ أَهْلَكَ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي وَمِنْ أَجْلِ الإِنْجِيلِ يُخَلِّصُهَا. فَإِنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ العَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ أَمْ مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟ لِأَنَّ مَنْ يَسْتَحِي بِي وَبِكَلامِي فِي هَذَا الجِيلِ الفَاسِقِ الخَاطِئَ، يَسْتَحِي بِهِ ابْنُ البَشَرِ مَتَى أَتَى فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ الـمَلائِكَةِ القِدِّيسِينَ. وَقَالَ لَهُم: الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ، إِنَّ قَوْمًا مِنَ القَائِمِينَ هَهُنَا لا يَذُوقُونَ الـمَوْتَ حَتَّى يَرَوْا مَلَكُوتَ اللهِ قَدْ أَتَى بِقُوَّةٍ.
حول الإنجيل
نعيش اليوم في مجتمعٍ مسيَّرٍ، بمعظمه، تسيطر عليه العقليّة الاستهلاكيّة في كافّة جوانبه الاقتصاديّة والسّياسيّة والدّينيّة، بحيث بتنا نطلب ما هو أفضل بين خياراتٍ كثيرةٍ. هكذا وصلنا إلى قناعةٍ بأنّ وجود خياراتٍ متعدّدةٍ وقدرتنا على اختيار أفضلها هو ما يجعلنا أحرارًا وسعداء، وبتنا نصرّ على هذا الأمر لدرجة الغضب حين نشعر بأنّنا محرومون ممّا هو الأفضل بالنّسبة إلينا.
تسيطر هذه الذّهنيّة في مجتمعٍ يُعتَبَر مسيحيًّا من خلال شكلٍ من المسيحيّة خالٍ من الصّليب، وهو مفهومٌ يعتمد على فكرة الحقّ بالخلاص دون أيّ جهدٍ من قبلنا. هذا الشّكل يسمّى "إنجيل الرّخاء"، ويُعرَّف عنه كونه إيمانًا يقوم على فكرة أنّ الازدهار الماليّ والصّحّة الجسديّة هما دائمًا إرادة الله لنا، وأنّ الإيمان والخطاب الإيجابيّ والمساعدات المادّيّة ستزيد من ثروتنا.
لا نريد كمسيحيّين إلَّا أن نعيش حياة رخاءٍ ونأمل دائمًا بأنّ الغد سيكون أفضل من النّاحيتين الاجتماعيّة والمادّيّة، لكنّ المسيح لم يتجسّد كي نعيش حياةً رغيدةً خاليةً من المرض ومليئةً بالنّجاحات المادّيّة، ولم يحمل المسيح صليبه كي لا نحمل صليبًا بتاتًا. لقد أتى المسيح كي ما تكون لنا حياةٌ وتكون لنا أفضل، لكنّ هذه الحياة ليست تلك المليئة بالمال والخالية من الألم.
تتجلّى الحياة الحياة الحقيقيّة في قول الرَّبّ يسوع: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي. فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي وَمِنْ أَجْلِ الْإِنْجِيلِ فَهُوَ يُخَلِّصُهَا" (مرقس 34:8-35). وفي هذا الكلام لا يوجد وعدٌ بالثّروة والصّحّة، بل ثمّة مع الصّليب تناقضٌ دائم: تميت نفسك فتحيا وتجد الفرح والسّلام الحقيقيّين.
بالتّالي، من النّاحية العمليّة، يفترض منّا الموت عن أنفسنا وألّا نهتمّ كيف نظهر للآخرين أذكياء وحسني المنظر وأنّنا نفقه الحديث في كلّ الأمور، وألّا نبحث دائمًا عن الملذّات والرّاحة.
كلّنا سنموت، لكن لنتعلّم كيف نموت ثمّ نحيا لا كيف نحيا ثمّ نخسر أنفسنا ونموت.
بين العقل والقلب
الميتروبوليت جورج خضر
الإنسان هو في نفسه وأريد بذلك أنَّ قِواه فيه. بعضها أو كثيرها من الله وأعني بذلك أنَّه يتحرَّك بما جاء إلى ذاته فصار ذاته. وأحد خارج عنه يحرِّكُه ولكن عندنا نحن المسيحيّين أنَّ هذا الواحد هو الله. في فَهمي لهذا أنَّ الله لا يحرِّكُكَ إذا بقي خارجًا عنك. إنَّه يحرِّكُك إذا دخل إليك بالنِّعْمَة وهذا صعب تصوُّره إذْ ينبغي أن تؤمن أنَّه فوقك. خارجًا منك بذاته وأنَّه منك وفيك بالنِّعْمَة. والنِّعْمَة نعمته أي هو. كيف، عند ذاك، تكون أنت أنت؟ ليس عندي تصوُّرٌ عقليّ لذلك. بتعبيرٍ أدَقّ كيف يكون فيَّ وليس منّي ولستُ منه؟ هذا سِرُّ الحُبّ الإلهيّ فينا. قلت فينا وما قلت مِنّا. كيف يعرف الرُّوحانيّ الكبير أنَّ الله فيه بكامِله وأنَّه مع ذلك ليس هو الله؟ هذه أشياءٌ يحسُّ بها الرُّوحانيّ ولا يفهمها. مَن قال عن علاقته بالله «أنا أهوى ومن أهوى أنا» فهِم بعمق النَّفْس ما قال ولم يفهم بالعقل أي رأي وآمن بمعنى أن اتَّصل أي وصل. هذه رؤية القلب الَّذي يسكنه الله.
مشكلتي مع أهل العقل أي الَّذين لا يؤمنون إلَّا به أنَّ ليس لك معهم لغة. ناس لا يؤمنون إلَّا بعقولهم وناسٌ إلى جانب عقولهم يؤمنون بالقلب. هل مِن مخاطبةٍ بينهم؟ التَّروّي الَّذي أواجه به أهل العقل المحِض أنَّ الَّذي عندهم عقل وقلب معًا يفهمون من ادَّعى العقلانيَّة وحدها. زَعْمي أنَّ بلادنا ليس عندها من كانت لهم عقلانِيَّةٌ وحدها بلا شعور ولعلَّ أهل الغرب لا يختلفون عنَّا عميقًا مهما ادَّعوا. ليس من إنسانٍ يستطيع أن يرمي العقل ولا من إنسان يستطيع أن يرمي القلب. هذان متعانقان مهما أردنا تنظيرًا أحاديًّا.
ناس عقلهم هو الأوَّل والحاكم، وناسٌ قلبهم هو الأوَّلُ والحاكم، ولكن لست أعرف إنسانًا مَوْزونًا انحصر بهذا وذاك. أنا لستُ فاحصًا كثيرًا من النَّاس، لكنَّ المؤمنين الَّذين أعرفهم من كانوا على مقدار من الفهم كبير عندهم توازن بين العقل والقلب. يحكم العقل وهو فيهم ولا تتحكَّم المشاعر غير المنضبطة.
المؤمن العظيم لا المؤمن الانفعاليّ أي مَن كان مثقَّفًا قادر أن يجمع بين القلب والعقل جمعًا متوازنًا. لا شَكَّ أنَّ بعضًا من المثقَّفين لا يؤمنون كما أنَّ بعضًا من الجهَّال لا يؤمنون. إنَّهم عند التَّضخُّم العقليّ يمكن أن يكون مرضًا كما تضخُّم الجهالة يمكن أن يكون مرضًا. الإيمان لا يأتي من الجَهل ولا يأتي من الثَّقافة. هو قوَّةٌ إلهيَّة تفوق قوَّةَ العقل وقوَّةَ الجَهل. الإيمان سِرٌّ كامِلٌ إذْ ليس له في الطَّبيعة سبب. كلُّه من الله. له شراكة مع القلب يعسر عليَّ تَبيانها عقليًّا.
لا أعرف إنسانًا يقول تعلُّقه الكبير بالعقل خاليًا من الشُّعور. الإنسان غريزة ومشاعر وعقل. لا أعرف أيًّا من هذه الثَّلاثة قائمًا وحده. نحن مسعى بين قلب وعقل.