نشرة كنيستي
نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.
أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي
كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.
الأحد (6) بعد العنصرة
العدد 29
الأحد 20 تمّوز 2025
اللّحن 5- الإيوثينا 6
أعياد الأسبوع: *20: النَّبيّ إيلياس التَّسبيتيّ *21: البارَّين سمعان المتبالِه ويوحنَّا رفيقه في النُّسك *22: القدِّيسة مريم المجدليَّة المعادِلَة الرُّسل، الشَّهيدة في العذارى مركيلَّا *23: تذكار نقل عظام الشَّهيد في الكهنة فوقا أسقف سينوبي، النَّبيّ حزقيال *24: العظيمة في الشَّهيدات كريستينا *25: تذكار رقاد القدِّيسة حنَّة أُمّ والدة الإله الفائقة القداسة، القدِّيسة أولمبيا الشَّمَّاسة *26: الشَّهيد في الكهنة ارمولاوس، البارَّة في الشَّهيدات باراسكيفي.
كلمة الرّاعي
إيليَّا النَّبيّ: الإيمان النَّاريّ
"قَدْ غِرْتُ غَيْرَةً لِلرَّبِّ إِلهِ الْجُنُودِ..." (1 مل 19: 10)
النَّبيّ إيليّا الغيُّور، كما يدلُّ لقبه عليه، امتاز بغيْرَته على ما لله أي بتألّمه من تَرْكِ شعبه لعبادة الله واتِّباعِهم البَعل. هذه خيانة للرَّبّ. هذا كان يُحرِقُهُ من الدَّاخل بسبب حُبِّهِ لله وأمانته له، وما هذه النَّار الَّتي في داخله إلَّا صورة عن النَّار الإلهيَّة الَّتي نزلتْ وأحرَقتْ "وَأَكَلَتِ الْمُحْرَقَةَ وَالْحَطَبَ وَالْحِجَارَةَ وَالتُّرَابَ، وَلَحَسَتِ الْمِيَاهَ الَّتي فِي الْقَنَاةِ" (1 مل 18: 38)، هذه هي نار الحُبّ الإلهيّ الَّتي تُحرق أشواك الأهواء وحجارة الأصنام الَّتي في قلب المؤمن. إيليّا تميَّز بهذا الحبّ النَّاريّ لله الَّذي جعله لا يقبل ولا بِذَرَّةِ انحرافٍ عن الإيمان بالإله الحَيّ الَّذي كان يعبده ويعرفه، وهذا كان اعتراف إيليّا الإيمانيّ الدَّائم "حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ الَّذي وَقَفْتُ أَمَامَهُ" (1 مل 17: 1).
* * *
إيمان إيليَّا كان اِنْدِفاعيًّا ونبوَّتَه كانت في مُواجهةِ أسياد هذا العالم، آخاب الملك وزوجته إيزابيل، لكنَّه لم يَخَفْ بل واجَهَهُم دون تراجُع، لكنَّه حين انتشى بانتصاره وقتل كهنة البَعْل دَخَلَهُ الخوف إذْ ارتعب من تهديدات إيزابيل، فهرب... فقط بقوّة الله نغلب وننتصر، ولكن حين نفقدها بسبب هنّة كبرياءٍ نصير لا حَوْلَ لنا ولا قُوَّة. روحُ الرَّبّ لا يَسكُن في القلوب المتكَبِّرة أو الدَّيّانة والقاسية وهو يَهرب سريعًا ويترك الإنسان عند مَيَلَانِ هذا الأخير إلى هذه الأهواء. لكنَّ، الرَّبّ لا يُهمل أحبّته بل يستردّهم سريعًا إذا أدركوا ضعفهم، وهكذا كشف الرَّبُّ نفسه لإيليّا لا بعناصر القوّة، الرِّيح والزَّلْزَلَة والنَّار بل بقوّة الحنان والرِّفق والسَّلام في النَّسيم العَليل (راجع 1 مل 19: 11 – 13). الرَّبُّ هو إلهُ الرَّحمة والخلاص وليس إله القتل والبَطْش، هو كَرَّمَ الإنسان بصورته وخلقه ليصير مثله أي أن يتقدَّس، لكنّ البشر، كما نرى في هذه الأيَّام الَّتي تُحيطنا فيها الحروب والقتل والإجرام، يعبد النَّاس إلهًا شيطانًا يدفعهم إلى التَّنكيل بالأبرياء والعُزَّل وهدر الدِّماء والأعراض باسمه. ليس هذا إله إيليَّا، إنّه إله العالم، إنَّه الشَّيطان الَّذي يعبدونه مَخْدُوعين ويتبعونه ظانِّين أنَّه الخالق، هذه الخديعة الكبرى للماكِرِ وأبو الكذب إبليس الَّذي صار له اتباع كثيرون مثل عبدة البَعْل الَّذين تَحَدَّاهُم إيليَّا وكشف لهم الله من خلال إيمان نبيّه ضلالتهم. عالم اليوم هو تحت سلطان إبليس... لكن ليس كلّه...
* * *
يا أحبّة، دَيْدَن المؤمن بالرَّبِّ يسوع تسبيحه لله قائلًا: "بَارِكُوا الرَّبَّ يَا جَمِيعَ أَعْمَالِهِ، فِي كُلِّ مَوَاضِعِ سِيَادَتِهِ. بَارِكِي يَا نَفْسِيَ الرَّبَّ" (مز 103: 22)، وهو مُدرِكٌ أنَّه حيث يكون المسيح فهناك الحَقّ والسَّلام والرَّحمة، ولذا صار حُضورُ الإنسان المسيحيّ المؤمن حضورًا للمسيح وبثًّا للحَقّ والسَّلام والرَّحمة. الكنيسة هي جسد الرَّبّ، وكلٌّ منَّا عضو في هذا الجسد، وتاليًا كلُّنا كجماعَةٍ وكأفراد مدعوُّون لنكون مطرحًا لسيادة الله أي مكانًا تكون فيه مشيئة الله محقَّقَة ومُطاعَة وفاعِلة ومُثمرة، وهكذا الرَّبُّ بنا يريد أن يجعل العالم مكانًا أفضل لأنّنا امتداد حضوره السّرّي أو الأسراريّ في هذا العالم. نحتاج أن تكون لنا غيرةَ إيليَّا وحرارة إيمانه الَّتي تُحرِق فينا كلّ أدران الخطيئة وأشواك الأهواء مُطَهِّرةً قلوبَنا وضمائرَنا من كلِّ شبهِ شرٍّ لِنَصير حاملينَ نورَ المسيح إلى هذا العالم التَّائه والمتألِّم والمُستَلَب من إبليس وأتباعه بوسائل متعدِّدَة ومتنوِّعة من التَّرهيب إلى التَّرغيب... حين نعرف ضعفنا ونلمس محبَّةَ الله وحنانِهِ علينا ورحمته، حينها نستطيع كإيليَّا أن نصير شهودًا للحَقِّ من دونِ خوفٍ حتَّى وَلَوْ كانت حياتنا على المِحَكّ، وأن نُحدِث تغييرًا في هذا العالم بقوّة المحبَّة الإلهيَّة النَّاريَّة في قلوبنا... فلنتمسَّك بالإيمان بالرَّبِّ، ولنتَّحِد، ولنتعاون ونتشارك لِنَصير واحدًا بالقلب والقَوْل والفِعل، فتصير صلاتَنا فاعلةً ومُحَقَّقةً ومستجابةً كصلاةِ إيليَّا لأجل سلام العالم وحُسْنِ ثَباتِ كنائس الله المقدَّسة واتّحاد الجميع ونجاتنا من كُلِّ حزنٍ وخِزيٍ وضَرَرٍ وشِدَّةٍ ومن الحروب الأهليَّة والموت الفُجائيّ وهُجوم القبائل الغريبة...
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع...
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
طروباريّة القيامة (باللَّحن الخامس)
لِنُسَبِّحْ نحنُ المـُؤمنينَ ونسجُدْ للكلمة. المـُساوي للآبِ والرُّوحِ في الأزَليّةِ وعدمِ الابتداء. المـَوْلودِ مَنَ العذراء لِخلاصِنا. لأنّه سُرَّ أن يَعلُوَ بالجَسَدِ على الصَّليب. ويحتمِلَ المـَوْت. ويُنهِضَ المـَوْتى بقيامتِهِ المـَجيدة.
طروباريّة النَّبيّ إيليّا (باللَّحن الرَّابع)
أَيُّهَا الـمَلاكُ بِالجِسْمِ قَاعِدَةُ الأَنْبِيَاءِ وَرُكْنُهُمْ، السَّابِقُ الثَّانِي لِحُضُورِ الـمَسِيحِ، إِيلِيَاسُ الـمَجِيدُ الـمُوَقَّرُ، لَقَدْ أَرْسَلْتَ النِّعْمَةَ مِنَ العُلَى لِأَلِيشَعَ لِيَطْرُدَ الأَسْقَامَ وَيُطَهِّرَ البُرْصَ. فَلِذَلِكَ يُفِيضُ الأَشْفِيَةَ لِمُكَرِّمِيهِ دَائِمًا.
القنداق (باللَّحن الثّاني)
يا شفيعَةَ المسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطةَ لدى الخالِق غيْرَ المرْدودةِ، لا تُعْرضي عَنْ أصواتِ طلباتِنا نَحْنُ الخَطأة، بَلْ تدارَكينا بالمعونةِ بما أنَّكِ صالِحَة، نَحنُ الصّارخينَ اليكِ بإيمان: بادِري إلى الشَّفاعَةِ وأسَرعي في الطّلْبَةِ يا والدَة الإلهِ، المتشَفِّعَةَ دائمًا بمكرِّميك.
الرّسالة (يع 5: 10- 20)
أَنْتَ الكَاهِنُ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتبةِ مَلْكِيصَادَق.
قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي.
يَا إِخْوَةُ، ٱتَّخِذُوا ٱلْأَنْبِيَاءَ ٱلَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ قُدْوَةً فِي ٱحْتِمَالِ ٱلْمَشَقَّاتِ وَفِي طُولِ ٱلْأَنَاةِ. فَإِنَّنَا نُطَوِّبُ ٱلصَّابِرِينَ، وَقَدْ سَمِعْتُمْ بِصَبْرِ أَيُّوبَ، وَرَأَيْتُمْ عَاقِبَةَ ٱلرَّبِّ، لِأَنَّ ٱلرَّبَّ مُتَحَنِّنٌ جِدًّا وَرَؤُوفٌ. وَقَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، يَا إِخْوَتِي، لَا تَحْلِفُوا، لَا بِٱلسَّمَاءِ، وَلَا بِٱلْأَرْضِ، وَلَا بِقَسَمٍ آخَرَ، وَلَكِنْ لِيَكُنْ كَلَامُكُمْ: نَعَمْ نَعَمْ، وَلَا لَا، لِئَلَّا تَقَعُوا فِي ٱلدَّيْنُونَةِ. هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ فِي مَشَقَّاتٍ؟ فَلْيُصَلِّ. أَوْ فِي سُرُورٍ؟ فَلْيُرَتِّلْ. هَلْ فِيكُمْ مَرِيضٌ؟ فَلْيَدْعُ قُسُوسَ ٱلْكَنِيسَةِ، وَلْيُصَلُّوا عَلَيْهِ، وَيَدْهِنُوهُ بِزَيْتٍ بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ، فَإِنَّ صَلَاةَ ٱلْإِيمَانِ تُخَلِّصُ ٱلْمَرِيضَ، وَٱلرَّبُّ يُنْهِضُهُ، وَإِنْ كَانَ قَدِ ٱرْتَكَبَ خَطَايَا تُغْفَرْ لَهُ. ٱعْتَرِفُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ بِٱلزَّلَّاتِ، وَصَلُّوا بَعْضُكُمْ لِأَجْلِ بَعْضٍ، لِكَيْ تَبْرَؤُوا. إِنَّ طَلِبَةَ ٱلْبَارِّ تَقْتَدِرُ كَثِيرًا فِي فِعْلِهَا. كَانَ إِيلِيَّا إِنسَانًا قَابِلَ ٱلْآلَامِ مِثْلَنَا، وَقَدْ صَلَّى أَنْ لَا يَنْزِلَ ٱلْمَطَرُ، فَلَمْ يَنْزِلْ عَلَى ٱلْأَرْضِ مُدَّةَ ثَلَاثِ سِنِينَ وَسِتَّةِ أَشْهُرٍ. ثُمَّ عَادَ وَصَلَّى، فَأَمْطَرَتِ ٱلسَّمَاءُ، وَأَخْرَجَتِ ٱلْأَرْضُ ثَمَرَهَا. أَيُّهَا ٱلْإِخْوَةُ، إِنْ ضَلَّ أَحَدٌ بَيْنَكُمْ عَنِ ٱلْحَقِّ، فَرَدَّهُ أَحَدٌ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّ ٱلَّذِي رَدَّ خَاطِئًا عَنْ ضَلَالِ طَرِيقِهِ، قَدْ خَلَّصَ نَفْسًا مِنَ ٱلْمَوْتِ، وَسَتَرَ جَمًّا مِنَ ٱلْخَطَايَا.
الإنجيل (مت 9: 1- 8)(متى 6)
فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ دَخَلَ يَسُوعُ السَّفِينَةَ وَاجْتَازَ وَجَاءَ إِلَى مَدِينَتِهِ. فَإِذَا بِـمُخَلَّعٍ مُلْقًى عَلَى سَرِيرٍ قَدَّمُوهُ إِلَيْهِ. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ إِيـمَانَـهُمْ قَالَ لِلْمُخَلَّعِ: ثِقْ يَا بُنَيَّ، مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ. فَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الكَتَبَةِ فِي أَنْفُسِهِمْ: هَذَا يُـجَدِّفُ. فَعَلِمَ يَسُوعُ أَفْكَارَهُمْ فَقَالَ: لِـمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِالشَّرِّ فِي قُلُوبِكُمْ؟ مَا الأَيْسَرُ أَنْ يُقَالَ: مَغْفُورَةُ لَكَ خَطَايَاكَ أَمْ أَنْ يُقَالَ قُمْ فَامْشِ؟ وَلَكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ ابْنَ البَشَرِ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الخَطَايَا. (حِينَئِذٍ قَالَ لِلْمُخَلَّعِ) قُمِ احْمِلْ سَرِيرَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ. فَقَامَ وَمَضَى إِلَى بَيْتِهِ. فَلَمَّا نَظَرَ الجُمُوعُ تَعَجَّبُوا وَمَـجَّدُوا اللهَ الَّذي أَعْطَى النَّاسَ سُلْطَانًا كَهَذَا.
حول الإنجيل
أفضل خدمة نقدِّمها لإنسانٍ هي أنْ نَضَعَهُ أمام المسيح، والمسيح هو الَّذي يعرف احتياجاته، ونرى في إنجيل اليوم أنَّهم قدَّموه بطريقةٍ غير عادِيَّة وأوقَعوا الضَّرَرَ بصاحِبِ البيت مُخرِّبين سقفَ بيته. والخطيئة هي سبب بُعدنا عن المسيح الَّذي يرُيد شفاءَنا، لذا أحيانًا كثيرة يساعدنا المرض على التوبة والرجوع إلى الله، لِنَعُود أبناءً له عندما نتقدَّم إليه عارِفين ضعفَنا ومقدِّمينه إلى الطَّبيب الشَّافي كي نَعود إلى البنُوَّة وليس كعبيدٍ بل بثقة الأبناء "ثِقْ يا بُنَيَّ".
روحُ المحبَّة هي الَّتي دفعتْ الأصدِقاء إلى حمل صاحبهم إلى ربِّنا يسوع المسيح، هذا هو مَفهوم الشَّفاعَة الَّذي يفرِّح المسيح، أن نُصلِّي بعضُنا لأجل بعض وأن نحمل مع بعضنا البعض الأتعاب كما يفعل الآباء القدِّيسون عندما يطلبون أن يحملوا آلام الآخَرين معهم ويجاهِدوا وإيّاهم لأجل الشفاء "احْمِلُوا بعضكم أثقال بعض، وهكذا تمِّموا ناموس المسيح" (غلا 6: 2). من هنا، قدرة الله يمنح المؤمن المُحِبّ أن يكون واسطة شفاء إخوته عبر الصَّلاة والشَّفاعة للنَّاس. فالمحبَّة الإلهيّة هي ناموس الحياة الجديدة ومَن عاشَها يستطيع أن يفعل أيّ شيء لأنَّه لن يُؤذي بل يُصلِح، وهذه ثمرة الإيمان، "فلمَّا رأى يسوع إيمانهم"، الإيمان هو إيمان الكلّ أي أنَّ الَّذي شُفِيَ أيضًا يملُكُ إيمانًا كأصدقائه، لذا المخلَّع شفي لأنه، أيضًا، يَحْمل إيمانًا.
الرَّبُّ يعرف مكنونات القلوب ويُحاسِب عليها، لذا أظهَر لهم ربَّنا يسوع المسيح حقيقةً كبيرةً بمعرفةِ الأفكار وقال:" لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِالشَّرِّ فِي قُلُوبِكُمْ؟" إذ اعتبَرَهُ اليَهود مُجَدِّفًا لأنَّهم يعلمون أنَّ الله وحده عنده سلطان غفران الخطايا وليس أيّ مخلوق. كلام السَّيِّد المسيح هنا يُفهم أنَّ كلا الأمْرَيْن مستحيل على البَشَر أنْ يقولوا مغفورةٌ لكَ خطاياك أو أن يقولوا قُمْ وأمْشِ، ومَن يفعل هذا هو قادرٌ أن يفعل تلك ولا يستطيع أن يفعل هذه أو تلك إلَّا الله، وبحدوث المعجزة صار عليهم أن يعترفوا أنَّ المسيح له سلطان على مغفرة الخطايا، إذًا فهو الله. المسيح هنا يُعْلِن أنَّه ابن الإنسان وابن الله الَّذي جاء ليغفر خطايا البشر ويشفيهم من خطاياهم.
اللهُ عارفٌ بكُلِّ شيء ويُريدنا أن نتخلَّص من ضعفاتنا وعندها يكون الله حاضرًا ومحقِّقًا العجائب بحسب المحبَّةِ الَّتي فينا.
"الحزن يُفْسِدُ النَّفْس".
للمغبوط الذكر الأرشمندريت الياس مرقص.
"افرحوا أيُّها الصِّدِّيقون بالرَّبّ".
وَرَدَتْ هذه الجُملة في كتاب التِّريودي الَّذي تُصَلّيه الكنيسة في فترة الصَّوْم الكبير.
"الحُزن يُفْسِدُ النَّفْس" أي أنّه لا يحدث فيها خللًا فقط بل يُخْرِجُها عن أصالتها، عن طبيعتها الَّتي خُلِقَتْ عليها. فالله لم يَخلق النَّفس للحزن بل للفرح: "اعبُدوا الرَّبَّ بفَرَحٍ" (مز ٩٩: ٢)، "افرحوا أيُّها الصِّدِّيقون بالرَّبِّ" (مز ٩٦: ١٢)، "ليفرح البحرُ وكلُّ ما فيه، والمسكونة والسَّاكنون فيها" (مز ٩٧: ٧).
لا شَكَّ أنَّ مسبِّبات الحزن كثيرة في الواقع ومتنوِّعَة... ولكن ينبغي أن لا نغرق فيها بل أن نتخطّاها وإلَّا، كما يَقولُ النَّبيّ داود، تكون النَّتيجة: "قد أنْتَنَتْ وَقَاحَتْ جراحاتي" (مز ٣٧: ٥). ولذا يتوسَّلُ عدم الوقوع في الحزن "لا يتسرّب إلَيَّ أيُّ حزنٍ" (مز ٢٩: ١٢) و"ارحمني ياربّ لأنّي حزين" (مز ٣٠: ٩(.
ولكن هناك إلى جانبُ الحزن النَّفسانيّ الحزن الرُّوحانيّ، الحزن على خطايانا. ويبدو أنّ هذا الحزن لا بُدَّ منه في الحياة الرُّوحيَّة، إذْ "أنَّه بضيقاتٍ كثيرةٍ يَنبغي أنْ نَدخُلَ ملكوت الله" (أع ١٤: ٢٢). وإلهنا إلهٌ مَصلوبٌ يَدعونا إلى حمل صليبنا وراءه.
ولكنَّ الحُزن أيضًا يجب أن نتخطّاه ونصل إلى القيامة: "أن نصعد في وادي البُكاء إلى المكان الَّذي نَقْصُد" (مز ٨٣: ٥ و٦).
ولهذا الصُّعود شروط منها:
- الشَّوْق: فالإنسان ما يشتاق إليه. في المزامير صرخات شَوْقٍ كثيرةٍ تدلُّ على روح النَّبيّ داود الَّذي كان "رجلًا حسب قَوْلِ الله" (أع ١٣: ٢٢)، وبخاصَّةٍ المزمور ١١٨، المنسوج بذلك الشَّوْق الجميل: "طوبى للَّذين لا عَيْبَ في طريقهم" (مز ١١٨: ٢)؛ وصلاة اسم يسوع مَبْنِيَّةً على الشَّوْق، شَوْق الخلاص وشَوْق العبادة، والشُّهداء ما كانوا لَوْلا شَوْقَهم الكَيانيّ الأقصى إلى الله.
- الاتّكال على رحمة الله: "لتكن ياربّ رحمتك علينا كمثل اتّكالنا عليك". أهمِيَّة موقفنا نحن في الصَّلاة: "ما تطلبونه في الصَّلاة آمِنوا بأنَّكم تَنالونه ("أو قد نلتموه") (مر ١١: ٢٤). نحن على صورة الله ولذلك يجب أن نكون في يَقينٍ، يقين الإيمان، وبالتّالي في شكرٍ وفرحٍ وسَلام. "رحمتك يا ربُّ تتبعُني جميعَ أيَّامِ حياتي". وعند ذاك نذوق حلاوة الحياة مع الله.
- الفَيْض: الخروج من الذّات بِفَيْضٍ، فَيْضَ الصَّلاة وفَيْضَ الأعمالِ، فَيْضَ التَّرتيل والتَّسبيح، وذلك كما يرِدُ في المزامير: "بكُلِّ قلبي"، "بكُلِّ قلبي وذِهني"، "بالرُّوح القُدس تَفيضُ سواقي النِّعْمَة ومَجاريها". لا حياةَ بِدون فَيْضٍ على مِثالِ الشَّلّالات وإلَّا يَكون النَتَن.
- الاتِّضاع: وهو الأهَمّ الأهَمّ، فَبِدُون الاتِّضاع، كلّ فضائِلِنا وجهاداتِنا النُّسكِيَّة باطِلَة على الإطلاق. ضرورة اتِّضاع لا حَدَّ له، ضرورةَ معرفَةِ الذَّات بالعُمق والحَسْرَة على عَجْزنا والدُّموع وحتَّى المرور باليأس ولكن المتَخَطَّى بالرَّبّ...
ثم الرّأفة بكلّ النَّاس وعدم مُعايَنَة الباطِل "لأنَّ الرَّبَّ ذَكَرَنا في مَذَلَّتِنا فإنَّ إلى الأبد رحمته" (مز ١٣٥: ٢٣).
إنّ أحد آباء البريّة لمّا حان وقت رقاده طلب أن يُعطى مهلةً لكي يبدأ فيتوب، وكان قد قضى حياته كلّها في جهاد النسّك والتوبة... ذلك أنّ معرفة الذات حقيقةً وفي العمق أمر أساسيٌّ جدًّا في طريق الخلاص، وأنّه يتطلّب العمر كلّه.
يقول المزمور ١٨: ١٢: "مَن يقدر أن يتبيَّن زلَّاته؟ نَقِّني من زَلَّاتي الخَفِيَّة". ونحن نطلب في صلاتنا: "هَبْ لي أنْ أَعْرِفَ ذُنوبي وعُيوبي".
"هَبْ لي": أي أنّها هبة... ولكن ينبغي أن نطلبها.
ويبدو لي أنَّ مِقدارَ القَداسة يُقاسُ بمِقدارِ معرفة الضَّعف الذَّاتيّ. فبولُس الرَّسُول، القدِّيس العظيم جدًّا يقول عن نفسه أنَّه أوَّلُ الخطأة. والرَّبُّ يسوع الإله القُدُّوس والفائق القداسة هو "حامل خطيئة العالم"، وما أدراك ما خطيئة العالم وذلك خلال جميع الأجيال حتّى نهاية الدَّهر. لأنّه القُدُّوس والفائق القداسة...
المرجع: "اِنفتح". الأرشمندريت الياس مرقص. 2008.