نشرة كنيستي
نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.
أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي
كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.
الأحد (19) بعد العنصرة
العدد 42
الأحد 19 تشرين الأوَّل 2025
اللّحن 2- الإيوثينا 8
أعياد الأسبوع: *19: تذكار النَّبيّ يوئيل، الشَّهيد أُوَّارس *20: الشَّهيد أرتاميوس، القدِّيس جراسيموس النَّاسك الجديد *21: أبينا البارّ إيلاريُّون الكبير، القدَّيسة مارينا الَّتي من رايثو *22: القدِّيس افيركيوس المعادل الرُّسل، الفتية السَّبعة الَّذين في أفسُس *23: يعقوب الرَّسُول أخي الرَّبّ وأوَّل أساقفة أورشليم *24: الشَّهيد أريثا (الحارث) ورفقته *25: الشَّهيدَين مركيانوس ومرتيريوس، القدِّيسة طابيثا الرَّحيمة الَّتي أقامها بولس.
كلمة الرّاعي
ضعف الإنسان وقوَّة الله
" تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لِأَنَّ قُوَّتِي فِي الضُّعْفِ تُكْمَلُ" (2 كو 12: 9)
ضعف الإنسان وهشاشته يشكِّلان أزمة له، لذلك يحاول الإنسان ويَسعى في حياته لكي يَقوى ويتحصَّن ليَحصل على الأمان، لكن في هذا العالم لا قوَّة مطلقة ولا أمان إذْ كلّ شيء معرَّض للزَّوال في لَحظة. المقطع من رسالة بولس الرَّسُول إلى أهل كورنثوس الَّذي رتّبته الكنيسة المقدسة لهذا الأحد غنيّ جدًّا، فيه مزيج من الشَّهادة الشَّخصيَّة، والاختبار الرُّوحيّ العميق، والتَّعليم اللَّاهوتيّ العمليّ. هو يدعونا بصراحة إلى التَّواضع، والثِّقة في نعمة الله، والافتخار لا بالقوَّة والإنجازات، بل بالضَّعف الَّذي فيه يُعلَن مجد المسيح وقوَّة الله تُستَعلن فينا.
* * *
شكَّك بعض المغرضين برسالة بولس، في محاولةٍ منهم لإبعاده عن قيادة الجماعة المسيحيَّة، لذلك يبدأ الرَّسُول كلامه بتأكيد صدقه: "يَا إِخْوَةُ، قَدْ عَلِمَ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الـمَسِيحِ الـمُبَارَكُ إِلَى الأَبَدِ أَنِّي لا أَكْذِبُ..." هنا نسمع صوت بولس الَّذي يواجه من يشكِّكون في دعوته وخدمته، مُدافِعًا لا عن كرامته الشَّخصيَّة، بل عن أمانته في حمل إنجيل المسيح. ويُشير إلى حادثة هروبه من دمشق في زنبيل، مُشيرًا إلى بدايات خدمته المملوءة بالخطر والاتِّضاع. بولس تحمَّلَ الضِّيقات لأجل إنجيلِ الرَّبِّ والكنائس الَّتي أسَّسها، هو بذل دمًا وكان مستعدًّا للموت لأجل نقاوة الكرازة. المتكبِّر قد يفعل شيئًا من هذا، لكنَّه يفعله لمجده الخاص ولأجل الأوّليَّة والظُّهور وتمجيده من النَّاس. أمَّا مجدُ بولس فهو مختلف ومتضادّ، لأنَّه مجد الخدمة المتواضِعَة المضَحِّيَة.
أمانة بولس للرَّبِّ وتواضعه هما أساس كرازته، لذلك مَنَّ عليه الرَّبُّ بنعمةٍ خاصَّةٍ إذْ يقول: "إِنِّي أَعْرِفُ إِنْسَانًا فِي الـمَسِيحِ... اخْتُطِفَ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ... وَسَمِعَ كَلِمَاتٍ سِرِّيَّةً..." هو لا يذكر نفسه مباشرةً، بل يتحدَّث عن "إنسانٍ في المسيح"، باتِّضاعٍ شديد. بدلًا من الافتخار بالرُّؤى والسُّموّ الرُّوحيّ، يُخفي هويَّته ليرفع المجد لله أوَّلًا وليُعلِّمَنا أنَّ المجد المُعطى للإنسان بالنِّعْمَة ليس سوى مِن تحنُّن الله، ويُحفَظ بالتَّواضع، إذْ بدون التَّواضع يخسر الإنسان كلَّ عطيَّةٍ إلهيَّة.
* * *
يحفظ الرَّبُّ الإنسان المحِبّ لله في التَّواضع بسماحه بالتَّجارب والآلام والضُّعفات، ليس أنّه يجلبها عليه بل يحوّلها فيه إلى فرصةٍ للثَّبات في الإيمان والنِّعْمَة، وهذا ما يقوله الرَّسُول بولس حين يعلنك أُعْطِيتُ شَوْكَةً فِي الجَسَدِ، مَلاكَ الشَّيْطَانِ لِيَلْطِمَنِي لِئَلَّا أَسْتَكْبِرَ .لا نعرف بالتَّحديد ما هي هذه الشَّوْكة، مرض، ألم نفسيّ، اضطهاد، لكن نعلم ما تُنتج: كسر الكبرياء، والالتِجاء إلى الله. بولس صلَّى ثلاث مرَّات لكي تزول، فكان الجواب الإلهيّ: "تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لِأَنَّ قُوَّتِي فِي الضُّعْفِ تُكْمَلُ." حين يتَّضع الإنسان يُدرك ضعفه، وحين يعرف الإنسان ضعفه يتَّضع، عندئذ يصير قابلًا للمعونة الإلهيَّة وقادرًا على أن ينفتح على النِّعْمَة الَّتي تجعل من ضعفه قوَّة... هذه قوَّة الإيمان والرَّجاء الَّتي يمنحها الله للَّذين يُطيعونه ويطلبونه، بها يغلبون كلَّ ضعفٍ ويسندون كلَّ ضعيف ويمجِّدون الرَّبّ. وعليه، من اختبر هذه القوَّة الإلهيَّة يتَّضع ويتحرَّر من الكبرياء، وهذا ما عبَّر عنه الرَّسُول بولس بقَوْلِه: "فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِالحَرِيِّ بِأَوْهَانِي، لِتَسْتَقِرَّ فِيَّ قُوَّةُ الـمَسِيحِ." لم يَعُد الفَخْر بالقوَّة لأنَّ قوَّته ليست منه بل من الله، وهذه القوَّة أخذها حين اتَّضع واعترف بأوْهانِه. تاليًا، هو يقول لأهل كورنثوس أنَّ كلَّ ما صنعه مهمّ من كرازةٍ وخدمةٍ هو مِن الله لا منه، وعليه فحين يشكّكون به يشكّكون بعمل الله وقوَّته، وهنا نرى قوَّةَ الحكمة الَّتي منحها الرَّبُّ لبولس حين اتَّضع وقبل أن يحمل شوكة الجسد كملاك شيطان يجرّبه على الدَّوام ليبقى في الاعتراف بضعفه والتَّيقُّن من عمل الله فيه إذ قبل إعلان الرَّبّ له "تكفيك نعمتي"... وهنا الرِّسالة الرُّوحيَّة العظيمة: مَنْ يَجرُؤ على أن ينسُب لنفسه شيئًا إذا أدرك كم مِن مَلاك شيطان يضربه وكم من شوكةٍ في الجسد ما زالت باقيةً فيه؟!...
* * *
أيُّها الأحبَّاء، هذه الكلمات ليست فقط لبولس، بل لكلِّ واحدٍ منَّا. فإنْ كنَّا نخدم، فلنتَّضِع. وإنْ اختبرنا عمقًا روحيًّا، فلنُخفه عن العيون. وإنْ وَضَع الله في طريقنا شوكةً، فلنطلب النِّعْمَة لا الإزالة. لأنَّ الله لا يُخطئ، وهو يعرف كيف يكمِّل قوَّتَه في ضعفنا.
فلنتعلَّم مِن بولس أنَّ المجد الحقيقيّ ليس في الرُّؤى، بل في الحياة الَّتي تُعاش بالاتِّضاع، وفي الإيمان الرَّاسخ بالله الثَّقة فيه، وخاصَّةً وسط الألم. وعندما ندرك أنَّه ليس لنا في أنفسنا ما نفتخر به سوى ضعفاتنا، فلننظر إلى المسيح، الَّذي قَبِل أن يُعلَّق على صليب ضعفنا، ليُعطينا قوَّةَ قيامَتِه، متيَقِّنين أنَّ قوَّة الله ستُستَعلن في ضعفنا...
"ومن استطاع أن يقبل فليقبل..."
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
طروباريَّة القيامة (باللَّحن الثّاني)
عندما انحدرتَ إلى المَوْت. أَيُّها الحياةُ الَّذي لا يَموت. حينئذٍ أَمَتَّ الجحيمَ بِبَرْقِ لاهوتِك. وعندما أقمتَ الأمواتَ من تحتِ الثَّرى. صرخَ نحوكَ جميعُ القُوّاتِ السّماويّين. أَيُّها المسيحُ الإله. مُعطي الحياةِ المجدُ لك.
القنداق (باللَّحن الثّاني)
يا شفيعَةَ المسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطةَ لدى الخالِق غيْرَ المرْدودةِ، لا تُعْرضي عَنْ أصواتِ طلباتِنا نَحْنُ الخَطأة، بَلْ تدارَكينا بالمعونةِ بما أنَّكِ صالِحَة، نَحنُ الصّارخينَ اليكِ بإيمان: بادِري إلى الشَّفاعَةِ وأسَرعي في الطّلْبَةِ يا والدَة الإلهِ، المتشَفِّعَةَ دائمًا بمكرِّميك.
الرِّسالة (2 كو 11: 31- 33، 12: 1- 9)
قُوَّتِي وَتَسْبِحَتِي الرَّبُّ.
أَدَبًا أَدَّبَنِي الرَّبُّ.
يَا إِخْوَةُ، قَدْ عَلِمَ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الـمَسِيحِ الـمُبَارَكُ إِلَى الأَبَدِ أَنِّي لا أَكْذِبُ. كَانَ بِدِمَشْقَ الحَاكِمُ تَحْتَ إِمْرَةِ الـمَلِكِ الحَارِثِ يَحْرُسُ مَدِينَةَ الدِّمَشْقِيِّينَ لِيَقْبِضَ عَلَيَّ، فَدُلِّيتُ مِنْ كُوَّةٍ فِي زِنْبِيلٍ مِنَ السُّورِ، وَنَجَوْتُ مِنْ يَدَيْهِ. إِنَّهُ لا يُوَافِقُنِي أَنْ أَفْتَخِرَ فَآتِي إِلَى رُؤَى الرَّبِّ وَإِعْلانَاتِهِ. إِنِّي أَعْرِفُ إِنْسَانًا فِي الـمَسِيحِ مُنْذُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً (أَفِي الجَسَدِ لَسْتُ أَعْلَمُ، أَمْ خَارِجَ الجَسَدِ لَسْتُ أَعْلَمُ، اللهُ يَعْلَمُ) إِخْتُطِفَ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ. وَأَعْرِفُ أَنَّ هَذَا الإِنْسَانَ (أَفِي الجَسَدِ أَمْ خَارِجَ الجَسَدِ لَسْتُ أَعْلَمُ، اللهُ يَعْلَمُ) اخْتُطِفَ إِلَى الفِرْدَوْسِ وَسَمِعَ كَلِمَاتٍ سِرِّيَّةً لا يَحُلُّ لِإِنْسَانٍ أَنْ يَنْطِقَ بِهَا. فَمِنْ جِهَةِ هَذَا أَفْتَخِرُ. وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ نَفْسِي فَلا أَفْتَخِرُ إِلّا بِأَوْهَانِي، فَإِنِّي لَوْ أَرَدْتُ الاِفْتِخَارَ لَـمْ أَكُنْ جَاهِلاً لِأَنِّي أَقُولُ الحَقَّ. لَكِنِّي أَتَحَاشَی لِئَلاّ يَظُنَّ بِي أَحَدٌ فَوْقَ مَا يَرَانِي عَلَيْهِ أَوْ يَسْمَعُهُ مِنِّي. وَلِئَلَّا أَسْتَكْبِرَ بِفَرْطِ الإِعْلانَاتِ أُعْطِيتُ شَوْكَةً فِي الجَسَدِ، مَلاكَ الشَّيْطَانِ لِيَلْطِمَنِي لِئَلَّا أَسْتَكْبِرَ. وَلِهَذَا طَلَبْتُ إِلَى الرَّبِّ ثَلاثَ مَرَّاتٍ أَنْ تُفَارِقَنِي، فَقَالَ لِي: تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لِأَنَّ قُوَّتِي فِي الضُّعْفِ تُكْمَلُ. فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِالحَرِيِّ بِأَوْهَانِي لِتَسْتَقِرَّ فِيَّ قُوَّةُ الـمَسِيحِ.
الإنجيل (لو 7: 11- 16)(لوقا 3)
في ذلك الزَّمان، كان يسوع منطلقًا إلى مدينة اسمها نايين، وكان كثيرون من تلاميذه وجمعٌ غفير منطلقين معه. فلمّا قرب من باب المدينة، إذا مَيْتٌ محمول، وهو ابنٌ وحيد لأمّه، وكانت أرملة، وكان معها جماعةٌ كثيرة من المدينة. فلمّا رآها الرَّبُّ تحنَّن عليها، وقال لها: لا تبكي. ودنا ولمس النَّعش، فوقف الحاملون. فقال: أيّها الشابّ، لك أقول قُم. فاستوى الميْتُ وبدأ يتكلَّم، فسلّمه إلى أمِّه. فأخذَ الجميعَ خوفٌ، ومجَّدوا الله قائلين: لقد قام فينا نبيٌّ عظيمٌ، وافتقدَ اللهُ شعبَه.
حول الإنجيل
يُظهِر المسيح شعورًا عميقًا بالرَّحمة تجاه الأرملة الَّتي فقدت ابنها. هذا يعكس طبيعة الله الرَّحيمة، وقدرته على الشُّعور بألم البشر ومساندتهم في الأوقات الصَّعبة وتُظهِر هذه المعجزة عمق رحمة الله تجاه البشريَّة. إذ يتعاطف يسوع مع الأرملة، الَّتي فقدت كلَّ شيءٍ بعد فقدان زوجها وابنها. وهذا يُظهِر لنا أنَّ الله موجودٌ في أوقات الألم والفَقد ويستجيب لاحتياجات قلوبنا.
فمِن خلال إحياء ابن الأرملة، يُظهِر المسيح سلطته المطلقَة على الموت. لأنَّ هذه المعجزة تبشِّر بأنَّ الموت ليس النِّهاية، وأنَّ لديه القوَّة لإعطاء الحياة. وهذا يُلْهِم المؤمنين بالأمل في القيامة والحياة الأبديَّة.
فهو لم يطلب من الأرملة أن تُبدي إيمانًا مُسبقًا، ولكن ردّ فعل المسيح كان بسبب تعاطفه. هذا يُظهر أنَّ الإيمان يمكن أن يأتي بشكلٍ مفاجئٍ، وأنَّ الله يعمل دائمًا وبالأحرى في أوقات الضَّعف، وهو يدعو الجميع إلى الوثوق به.
هذا عُبِّر عنه بلمس يسوع للنَّعش وتوجيه الحديث إلى الأم من خلال الكلمات المطمئنة (لا تبكي)، ممّا يعطينا مثالًا على كيفيَّة تواصل يسوع بشكل مباشر وإنسانيّ.
و يُذَكِّرنا هذا بأنَّ الله يُعطينا الأمل والرَّاحة في الأوقات الصَّعبة ويتطلَّب منّا الاستجابة بقلوبٍ مفتوحة.
فهذه المعجزة تُظهِر كيف يمكن لله أن يحوِّل الأوقات العَصيبة إلى لحظات فرح.
فنحن نرى كيف يعود الفتى إلى حياته، وهذا يعكس قدرة الله على منح التَّحوُّل والشِّفاء والرُّجوع إلى الحياة، ممَّا يشجِّع المؤمنين على الأمل في تجديد الحياة في مجالات مختلفة. فتأثير المعجزة على المجتمع حواليهم يُظهِر أنَّ عمل الله ليس فقط لراحة الفرد بل يمتدّ ليؤثِّر على المجتمع بأسره، إذْ انتشر خبر المعجزة وشهد النَّاس بعظمة يسوع، ممَّا يؤدِّي إلى تعزيز الإيمان في قلوب النَّاس... والمعجزة تُظهر سلطان المسيح على الحياة والموت، حيث أنَّه لم يُحيي الفتى فقط بل أعاده إلى أمِّه، ممَّا يؤكِّد على قوَّته الإلهيَّة وقدرته على تغيير الواقع ممَّا يعكس القصَّة رسالة الرجاء، حيث نرى أنَّ الله يمكنه أنْ يحوِّل أحْلَك المواقف إلى أوقات للفرح. الأرملة، الَّتي كانت تُعاني من فقدانٍ كبير، حصلت على استعادة حياتها وابتسامة جديدة من خلال معجزة المسيح.
لأنَّ المعجزة لم تؤثِّر فقط على الأرملة والفتى، بل أثَّرت أيضًا على الحضور في ذلك الوقت، ممَّا أدَّى إلى انتشار الخبر وسَماع النَّاس عن أعمال المسيح العظيمة.
مَزِّقوا قلوبَكم لا ثيابَكم
في سفرِ يوئيل النَّبيّ، يوجِّهُ الرَّبُّ نداءً مؤثِّرًا إلى شعبِه: "مزِّقوا قلوبَكم لا ثيابَكم وارجعوا إلى الرَّبِّ إلهِكم، لأنَّه رؤوفٌ رحيمٌ، بطيءُ الغضبِ وكثيرُ الرَّأفةِ ويندمُ على الشَّرِّ" (يوئيل 13:02). هذه الكلماتُ ليستْ مجرَّدَ دعوة إلى التَّوبةِ، بل إعلانٌ عن جوهرِ العلاقةِ بين الإنسانِ واللهِ، حيثُ لا تُقاسُ التَّوبةُ بالمظاهرِ الخارجيَّةِ، بل بانكسارِ القلبِ وصدقِ الرُّجوعِ. ففي العهدِ القديمِ، كان تمزيقُ الثِّيابِ علامةً على الحزنِ، لكنَّ اللهَ يطلبُ ما هو أعمقُ: أن يُمزَّقَ القلبُ من كبريائِه وتَعَلُّقِه بالخطيئةِ، وأن ينفتحَ أمامَه بتواضعٍ وصدقٍ.
في التَّقليدِ الأرثوذكسيِّ، تُفهَمُ التَّوبةُ على أنَّها تحوُّلٌ داخليٌّ، لا مجرَّدُ ممارسةٍ شكليَّةٍ. إنَّها ليستْ شعورًا بالذَّنبِ فحسبُ، بل عودةٌ إلى الحياةِ، إلى النُّورِ، إلى حضنِ الآبِ. التَّوبةُ فعلُ حبٍّ، حيثُ يكتشفُ الإنسانُ أنَّه ابتعدَ عن مصدرِ الحياةِ، فيعودُ إليه بشوْقٍ ونَدَمٍ. لذلك، الكنيسةُ الأرثوذكسيَّةُ لا تركِّزُ على التأديب، بل على الشِّفاءِ. فسِرُّ التَّوبةِ والاعترافِ هو سرُّ شفاءِ النَّفسِ، لا محاكمةٌ لها. اللهُ لا يطلبُ مظاهرَ الحزنِ، بل يطلبُ القلبَ المنكسِرَ والمتواضعَ، كما قال داودُ النبيُّ: "القلبُ المنكسِرُ والمتواضعُ لا يرذلُه اللهُ". (مزمور 17:50).
تمزيقُ القلبِ لا يعني اليأسَ، بل أن نواجهَ ضعفَنا بصدقٍ، أن نكفَّ عن التَّبريرِ، أن نصرخَ من الدَّاخلِ: "ارحمني يا اللهُ كعظيمِ رحمتِك". هو أن نكفَّ عن التَّظاهرِ بالبرِّ، وأن نفتحَ أعماقَنا أمامَ اللهِ طالبينَ رحمتَه. في الصَّومِ، في الصَّلاةِ، في الاعترافِ، نمارسُ هذا التَّمزُّقَ الدَّاخليَّ الَّذي يقودُنا إلى القيامةِ. فالتَّوبةُ ليستْ لحظةً عابرةً، بل مسيرةً مستمرَّةً، نعيشُها يومًا بعد يومٍ، في كلِّ قرارٍ، في كلِّ نظرةٍ، في كلِّ كلمةٍ.
اللهُ لا ينظرُ إلى الخارجِ، بل إلى القلبِ. لذلك، فإنَّ دعوةَ "مزِّقوا قلوبَكم لا ثيابَكم" هي نداءٌ لكلِّ واحدٍ منَّا أن يعيشَ التَّوبةَ كحياةٍ، لا كحدَثٍ مؤقَّتٍ. أن نكفَّ عن الاكتفاءِ بالشَّكلِ، ونغوصَ في الجوهرِ. أن نطلبَ اللهَ لا من بابِ الخوفِ، بل من بابِ الحبِّ. أن نعودَ إليه لا لأنَّنا نخشى العقابَ، بل لأنَّنا اشتقنا إلى وجهِه، إلى حضنِه، إلى رحمتِه الَّتي لا تزولُ. بهذه الرُّوحِ، تصبحُ التَّوبةُ طريقًا إلى الفرحِ، وتتحوَّلُ الحياةُ المسيحيَّةُ إلى مسيرةِ حبٍّ دائمٍ نحوَ اللهِ الَّذي ينتظرُنا دائمًا بأذرعٍ مفتوحةٍ.