نشرة كنيستي
نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.
أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي
كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.
الأحد (7) بعد العنصرة (آباء المجمع المسكونيّ الرَّابع)
العدد 29
الأحد 19 تمُّوز 2026
اللَّحن 6- الإيوثينا 7
أعياد الأسبوع: *19: البارَّة مكرينا أخت باسيليوس الكبير، البارّ ذِيُّس *20: النَّبيّ ايلياس التَّسبيتيّ *21: البارَّان سمعان المتباله ويوحنَّا رفيقه في النُّسك *22: مريم المجدليَّة الحاملة الطِّيب المعادِلَة الرُّسُل، الشَّهيدة في العذارى مركيلَّا *23: نقل عظام الشَّهيد في الكهنة فوقا أسقف سينوبي، النَّبيّ حزقيال *24: العظيمة في الشَّهيدات خريستينا *25: رقاد القدِّيسة حَنَّة أمُّ والدة الإله الفائقة القداسة.
كلمة الرَّاعي
(من الأرشيف)
روح الغيرة الإلهيَّة عند الآباء والنَّبي إيليَّا
"قَدْ غِرْتُ غَيْرَةً لِلرَّبِّ إِلهِ الْجُنُودِ، لأَنَّ بَنِي إِسْـــــــــــــــرَائِــيــــلَ قَدْ تَرَكُوا عَهْدَكَ، وَنَقَضُوا مَذَابِحَكَ، وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَكَ بِالسَّيْفِ، فَبَقِيتُ أَنَا وَحْدِي، وَهُمْ يَطْلُبُونَ نَـــــــفْسِـــــــــــي لِيَأْخُذُوهَا" (1 ملوك 19: 10)
لستَ وَحْدَكَ يا إيليَّا لأنَّ الرَّبَّ أبقى لنفسه "فِي إِسْرَائِيلَ سَبْعَةَ آلاَفٍ، كُلَّ الرُّكَبِ الّتي لَمْ تَجْثُ لِلْبَعْلِ وَكُلَّ فَمٍ لَمْ يُقَبِّلْهُ" (1 ملوك 19: 18). الله لا يترك نفسه بدون شهود، وشهوده في كثير من الأحيان شُهداء على مذبح الحَقّ. لا يَهاب رجال الله الموت إذا ما واجهوه لأجل حَقِّ الله والأمانة له. هكذا عاش الأنبياء وكذا سَلَكَ آباء الكنيسة على مَرِّ القُرون. مَن يقرأ تاريخ الكنيسة يعرف أنَّ كلَّ مرحلةٍ من مَراحل إعلان العَقيدة القَويمة كانت مَخاضًا نَتَجَ عنه شُهود كُثُر أكانوا شهداء أم مُعتَرِفين. الأساس هو هذه الغيرة على الحَقّ والأمانة لرسالة الخلاص الَّتي كَشَفَها لنا الرَّبُّ في ذاته حين أتانا إنسانًا تامًّا وهو الإله الكامِل...
* * *
الآباء الَّذين نُعَيِّد لهم اليوم هُم آباء المجمع المَسكونيّ الرَّابع الَّذين اقَرُّوا العَقيدةَ الخاصَّة بأقنوم الكلمة المُتجسِّد بأَجْلَى بَيان، فحَدَّدوا الآتي: "إنَّ المسيح هو نفسه تامٌّ في الألوهة وتامٌّ في البشريَّة، إلهٌ حَقّ وإنسانٌ حَقّ. إنَّه مُساوٍ للآب في الألُوهة ومُساوٍ لنا في البشريَّة، شبيه بنا في كلِّ شيءٍ ما خَلا الخَطيئة. قبلَ كُلِّ الدُّهور وُلِدَ من الآب بحسب الألوهة، وفي الأيَّام الأخيرة هو نفسه، لأجلنا ولأجل خلاصنا، وُلِدَ مِن مَريم العذراء والِدَةَ الإله، بحسب البَشَرِيَّة. واحِدٌ هو، وهو نفسه المسيح، ابن الله، الرَّبّ، الَّذي يجب الاعتراف به في طبيعتَيِن مُتَّحِدَتَيْن من دونِ اختلاطٍ ولا تَحوُّلٍ ولا انقسامٍ ولا انفصال. وهو لم ينقسم ولم ينفصل إلى شخصَيْن، بل واحدٌ هو، وهو نفسه الابن الوَحيد، الإله الكلمة، الرَّبّ يسوع المسيح".
* * *
هذا الإيمان هو نورُ حياة المؤمنين، لأنَّه يكشف حقيقة الإنسان في قَصْدِ الله. شابَهَنَا الله في ما لنا لنُشابِهَه في ما له. هذه هي الخُلاصة الجَوْهَريَّة من عقيدة خلقيدونية، أنَّ الألوهة اتَّحَدَتْ بالطَّبيعة البشرِيَّة، اشتركتْ الطَّبيعة البشريَّة بما للألُوهَة في أقنومِ الرَّبِّ يسوع المسيح الإله المتَجَسِّد. هذا نَتَجَ عنه ما نُسَــــــــــــمِّـــــــــــــــــيـــــــه ”تــــــــــــــــبـــــــــادُل الخصائص“ (communication des idiomes) أي أنْ نَنْسُبَ إلى أقنوم الإله-الإنسان الواحد كلَّ ما يختَصُّ بالألُوهَة والطَّبيعة البشريَّة. كيف نَرَى هذا في الإنجيل؟ على سبيل المثال لا الحَصر، يقول الرَّبّ لليهود: ”قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ“ (يوحنا 8: 58). نرى في هذا التَّصريح إعلان الرَّبّ يسوع عن ألوهِيَّته ووُجوده الأزليّ. هو يتكلَّم مع اليهود كإنسانٍ واقِفٍ أمامَهم، ولكنَّه في نَفْسِ الوَقت الإله الَّذي كلَّم إبراهيم، وهو ”الكائن“ (كما عرَّف عن نفسه لموسى في حدث العلَّيقة المُلتهِبة في خروج 3) الَّذي خلق الكَوْن وحَرَّر إسرائيل من عُبودِيَّة مِصر. من ناحيةٍ أخرى ننسُب للألُوهَة ما يختَصُّ بالطَّبيعة البشريَّة، كما يعبِّر بولس الرَّسُول قائلًا: ”لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ“ (1 كورنثوس 2: 8). الرَّبّ لا يُمْكِن أنْ يُصلَب ويتألَّم ويَمُوت، ومع ذلك يقول بولس بأنَّهم ”صلبوا ربَّ المجد“. هكذا ننسُب ما هو للطَّبيعة البشريَّة إلى الألوهة من دون أن يعني هذا أنَّ الألوهة صُلِبَتْ، ولكن أقنوم الإله الكلمة صُلِبَ بالجسد.
ما نتيجة هذا علينا نحن البشر؟ الألُوهَة تستَقِرُّ في جسدنا بالنِّعْمَة، فنَصيرَ ”شركاء الطَّبيعة الإلهيَّة“ (2 بطرس 1: 4)، أي نُصبح بَشَرًا متألِّهين أي نحمل صفات الله وحياته وقوَّتَه...
هذه هي عقيدة المجمع الرَّابع المَسكونيّ، وهذا هو معنى الخَلاص في المسيحيَّة، إنَّه الحصول على الحياة الأبديَّة عبر الاشتراك بحياةِ الله، ذاتها، غير المخلوقة بالنِّعْمَة الَّتي نحصل عليها عبر اتِّحادنا بالمسيح في الرُّوح القُدس مِن خِلال أسرار الكنيسة المُقدَّسة والصَّلاة وكلّ عملٍ نقوم به بروح الرَّبّ...
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
طروباريَّة القيامة (باللَّحن السَّادس)
إِنَّ القوَّاتِ الملائِكِيَّة ظَهَرُوا على قبرِكَ الـمُوَقَّر، والحرَّاسَ صَارُوا كَالأَموات، ومريمَ وَقَفَتْ عندَ القَبْرِ طَالِبَةً جَسَدَكَ الطَّاهِر، فَسَبَيْتَ الجَحِيمَ ولَمْ تُجَرَّبْ مِنْهَا، وصَادَفْتَ البَتُولَ مَانِحًا الحَيَاة، فَيَا مَنْ قَامَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ، يَا رَبُّ المـَجْدُ لَك.
طروباريَّة الآباء (باللَّحن الثَّامن)
أنتَ أيُّها المَسيحُ إلهُنا الفائق التَّسبيح، يا مَن أسّستَ آباءَنا القدِّيسين على الأرض كواكِبَ لامِعَة، وبهم هَدَيتنا جميعًا إلى الإيمان الحقيقيّ، يا جزيل الرَّحمة المجد لك.
القنداق (باللَّحن الثَّاني)
يا شفيعَةَ المسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطةَ لدى الخالِق غيْرَ المرْدودةِ، لا تُعْرضي عَنْ أصواتِ طلباتِنا نَحْنُ الخَطأة، بَلْ تدارَكينا بالمعونةِ بما أنَّكِ صالِحَة، نَحنُ الصّارخينَ اليكِ بإيمان: بادِري إلى الشَّفاعَةِ وأسَرعي في الطّلْبَةِ يا والدَة الإلهِ، المتشَفِّعَةَ دائمًا بمكرِّميك.
الرِّسالة (تيطس 3: 8- 15)
افرَحوا أَيُّها الصِّدِّيقونَ بالرَّبِّ وابتَهِجوا.
طُوبَى لِلَّذينَ غُفِرَتْ آثامَهُم.
يا ولدي تيطس، صادقة هي الكلمة، وإيَّاها أُريد أن تُقَرِّر حتَّی يهتمّ الَّذين آمَنوا بالله في القيام بالأعمال الحَسَنَة، فهذه هي الأعمال الحَسَنَة والنَّافِعَة، أمَّا المباحثات الهذيانيّة والأنساب والخصومات والـمُماحكاتُ النّاموسيّة فَاجْتَنِيْهَا، فإِنَّها غيرُ نافعة وباطلة. ورجل البدعة بعد الإنذار مرّة وأخرى أعرض عنه، عَالِمًا أنَّ مَن هو كذلك قد اعتسف، وهو في الخطيئة يقضي بنفسه على نفسه. ومتى أُرسل إليك أرتيماس أو تيخيكوس فبادر أن تأتيني إلى نيكوبوليس لأنّي قد عزمت أن أُشَتِّيَ هناك. أمّا زيناس معلّم النّاموس وأبولّس فاجتهد في تشييعها متأهِّبَيْن لئلَّا يعوزها شيء. وليتعلّم ذوونا أن يقوموا بالأعمال الصّالحة للحاجات الضّروريّة حتّى لا يكونوا غير مثمرين. يسلّم عليك جميع الّذين معي. سلِّم على الّذين يُحبّوننا في الإيمان. النِّعْمَةُ معكم أجمعين، آمين.
الإنجيل (مت 5: 14- 19)
قال الرَّبُّ لتلاميذه: أنتم نور العالم. لا يمكن أن تَخفى مدينة واقعة على جبل، ولا يوقَد سراج ويُوضَع تحت المكيال، لكن على المنارة ليضيء لجميع الَّذين في البيت. هكذا فليُضئ نوركم قدَّام النَّاس ليَرَوْا أعمالكم الصَّالِحَة ويُمَجِّدوا أباكم الَّذي في السَّماوات. لا تَظُنُّوا أنّي أتيت لأحلّ النَّاموس والأنبیاء، إنَّي لم آتِ لأحُلَّ لكن لِأُتمِّم. الحَقَّ أقولُ لكم: إنَّه إلى أن تزول السَّماء والأرض لا يَزول حرفٌ واحدٌ أو نقطةٌ واحدةٌ من النَّاموس حتَّى يتمّ الكلّ. فكلّ من يَحُلُّ واحدةً مِن هذه الوَصايا الصِّغار ويُعَلِّم النَّاس هكذا، فإنَّه يُدْعَى صغيرًا في ملكوت السَّماوات. وأمَّا الَّذي يعمَل ويُعَلِّم فهذا يُدعى عظيمًا في ملكوت السّماوات.
حول الرِّسالة
الإيمان الَّذي يُرى بالأعمال
كثيرًا ما نسمع كلمة "أنا مؤمن" ونقولها بسهولة وثقة. لكنَّ القدِّيس بولس يُذَكّرنا في رسالته إلى تيطس بأنَّ الإيمانَ الحقيقيّ لا يَبقى حبيسَ الكلمات، بل يتحوَّل إلى حياةٍ تُعاش وأعمالٍ تُرى وتُلمَس. يقول بوضوح لا لِبْسَ فيه: "هذا الكلام أمين وأريد أن تؤكَّد هذه الأمور، لكي يهتمّ الَّذين آمَنوا بالله أنْ يكونوا سَبَّاقين إلى الأعمال الصَّالِحَة" (تي ٣: ٨). فالإيمان ليس مُجَرَّد اعتقادٌ داخليّ نحتفظ به لأنفسنا، بل هو بذرةٌ حَيَّةٌ تنمو وتُثمِر في كلِّ تَفصيل من تفاصيل يومنا.
حين يسكُنُ الرُّوح القُدس فينا، لا يمكن أن نبقى على حالِنا. شيئًا فشيئًا يُحرِّكنا نحو الآخَرين، يجعلنا نرى المحتاج ولا نَمُرُّ بجانبه مُرورَ الكِرام، يدفعنا لنكون حاضِرين حيث يُحتاج إلينا. الأعمال الصَّالحة ليست شرطًا للخلاص كما قد يظنُّ البعض، بل هي الثَّمَر الطَّبيعيّ لِمَن نال الخلاص مجّانًا بالنِّعْمَة. فالشَّجرة الحَيَّة لا يمكن إلَّا أنْ تُثْمِرَ، وكذلك القلب الَّذي لمسَتْهُ محبَّةُ الله لا يمكن إلَّا أن تفيض منه المحبَّة على مَن حَوْلِه.
غير أنَّ بولس الرَّسُول لا يكتفي بالدَّعوة إلى الأعمال الصَّالِحة، بل يُحذّرنا أيضًا ممّا يُفسد الجماعة من الدَّاخل. يُنبِّهنا إلى الجدالات والخُصومات والمشاحنات على أمورٍ لا تَبني أحدًا، ويصفها صراحةً بأنَّها "بلا فائدة وباطلة" (تي ٣: ٩). وفي كنيستنا اليوم، كَم مِن طاقَةٍ تُهدَر في خلافات صغيرة، وكم من وقتٍ ثمين يضيع في نقاشاتٍ عَقيمة! بينما العالم من حَوْلِنا يحتاج منَّا شهادةَ محبَّةٍ حقيقيَّةٍ وخدمة مَلمُوسَة. الكنيسة لا تُبنى بالجَدَل والانقسام، بل تُبْنَى حين يحمل كلٌّ منّا همَّ أخيه ويسعى بصدقٍ إلى خيره.
ويختم الرَّسُول رسالته بكلمات دافِئَة وعمليَّة في آنٍ معًا: "وليتعلَّم أيضًا ذَوُونا أن يتقدَّموا للأعمال الصَّالِحَة لوُجوه الضَّرورات، لكي لا يكونوا بلا ثمر" (تي ٣: ١٤). الكنيسة الحقيقيَّة هي عائلة يحمل فيها كلٌّ بعضًا، يتشاركون الأفراح والأحزان معًا ولا يتركون أحدًا يَمُرُّ بضيقه وحيدًا. وهذا ليس مثالًا نظريًّا يصعب تطبيقه، بل هو حياةٌ يوميَّة بسيطة: زيارة مريض، ابتسامة لمحزون، مساعدة عائلة في ضيق، كلمة تشجيع في وقتها تُغَيِّر مَسار يوم أحدهم.
العقيدة في حياتنا
كثيرون يظنُّون أنَّ العَقيدة هي مجموعة أفكارٍ لاهوتيَّة مُعقَّدَة تَخُصُّ رجال الدِّين أو الباحثين، بينما الحقيقة الأرثوذكسيَّة تَرى أنَّ العَقيدة هي التَّعبير الصَّحيح عن خبرة الإنسان مع الله. فالعقيدة ليست أمرًا نؤمِن به فقط، بل حياةً نَحياها. إنَّها الطَّريق الَّذي يقود الإنسان إلى اللِّقاء بالمسيح والثَّبات فيه والنُّموّ نحوه.
عندما دافعَتْ الكنيسة الأولى عن ألوهيَّة المسيح في مجمع نيقية، لم تكن تَخوض نِقاشًا فلسفيًّا أو معركةً فكريَّةً مُجرَّدة، بل كانت تُدافِع عن حقيقة الخَلاص نفسه. فالقدِّيس أثناسيوس الكبير أدْرَكَ أنَّ المسيح إنْ لم يَكُن إلهًا حقًّا، فلا يستطيع أن يخلِّص الإنسان حقًّا. لذلك قال عبارته الشَّهيرة: «صار الله إنسانًا لكي يَصير الإنسان شريكًا في الحياة الإلهيَّة». مِن هُنا نَفهم أنَّ العَقيدة ليست ترفًا فكريًّا، بل ضمانة الخلاص. فالكنيسة لا تتمسَّك بالعقيدة لأنَّها تحبُّ الجدَل، بل لأنَّها تحبُّ الإنسان وتريد أن تحفظ له الطَّريق الصَّحيح إلى الله. يقولُ الرَّبّ يسوع: «وتعرفون الحَقّ والحَقّ يُحرِّركم» (يوحنَّا 8: 32).
فالحَقّ في المسيحيَّة ليس فكرة مجرَّدَة ولا منظومة فلسفيَّة، بل هو شخص المسيح نفسه: «أنا هو الطَّريق والحَقّ والحياة» (يوحنَّا 14: 6). لهذا فإنَّ العَقيدة الأرثوذكسيَّة ليست مجموعة تعريفات عن الله، بل حماية لعلاقتنا بالله من التَّشويه والانحراف. إنَّها حفظ للإعلان الإلهيّ كما تسلَّمَتْهُ الكنيسة من الرُّسُل وعاشه القدِّيسون عبر الأجيال.
لقد فهم الآباء هذا الأمر بعمق. فالقدِّيس إيريناوس أسقف ليون رأى أنَّ الإيمان المستقيم والحياة المستقيمة لا ينفصلان عن بعضهما البعض، لأنَّ الإنسان يُصلّي كما يؤمن ويعيش كما يصلّي. فإذا تشوَّه الإيمان تشوَّهَتْ الصَّلاة، وإذا تشوَّهَت الصَّلاة ضعفت الحياة الرُّوحيَّة وفقدت وجهتها. وفي التَّقليد الأرثوذكسيّ لا يوجد انفصال بين العقيدة والعبادة. فما نعلنه في قانون الإيمان نرتِّله في القدَّاس، وما نرتِّله في القدَّاس ندعو إلى تجسيده في حياتنا اليوميَّة. لذلك كانت اللِّيتورجيا دائمًا المدرسة الأولى للعقيدة، لأنَّها لا تعلِّم الإنسان الحَقّ بالكلام فقط، بل تُدخله في اختبار هذا الحَقّ. ويقول القدِّيس باسيليوس الكبير: «إنَّ التَّعليم المستقيم يُحفظ في الكنيسة كما يُحفَظ نور المصباح في بيتٍ مُظلم».
فالعقيدة ليست قَيْدًا على الحرِّيَّة، بل نورًا للطَّريق. إنَّها البوصلة الَّتي تمنع السَّفينة من الضَّياع وسط أمواج الآراء المتبدِّلة والاتِّجاهات العابرة. غير أنَّ التَّحدّي الَّذي يواجِه الكنيسة اليوم لا يَكمُن فقط في الجَهل بالعقيدة، بل أحيانًا في سوءِ فَهمها أيضًا. فكثيرون يُدافعون عن العقيدة الأرثوذكسيَّة بغيرة كبيرة، لكنهم ينسون أن العقيدة الَّتي لا تقود إلى التواضع والمحبة تفقد غايتها الإنجيلية.
فالتَّمسُّك بالعقيدة لا يعني التَّعصُّب، كما أنَّ الأمانة للإيمان لا تعني احتقار الآخَرين. لقد عرف تاريخ الكنيسة قدِّيسين عُظماء دافعوا عن الحَقّ حتَّى الدَّم، لكنَّهم بَقوا ممتلئين محبَّةً واتِّضاعًا. فالقدِّيس أثناسيوس لم يُحارِب الآريوسيَّة لأنَّه أراد الانتصار على خصومه، بل لأنَّه أراد أن يحفظ للإنسان طريق الخلاص.
أمَّا في أيَّامنا، فثمَّةَ خطر حقيقيّ أنْ تتحوَّل العقيدة إلى شِعار للتَّميُّز أو إلى سبب للاستعلاء على الآخَرين. وعندما يحدث ذلك نفقد روح الإنجيل حتَّى وإنْ احتفظنا بحرف التَّعليم. فالرَّبّ لم يَقُلْ: «سيعرف الجميع أنَّكم تلاميذي لأنَّكم تربحون الجدالات»، بل قال: «بهذا يعرف الجميع أنَّكم تلاميذي إنْ كان لكم حُبٌّ بعضًا لبعض» (يوحنَّا 13: 35). ويقول القدِّيس إسحق السُّريانيّ: «لا تكره الخاطئ، لأنَّنا جميعًا مُذنِبون»، ويقول القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفم: «ليس شيء أبرد من مسيحيّ لا يهتمّ بخلاص الآخَرين».
إنَّ التَّعصُّب الأعمى لا يخدُم البِشارة، بل يُعيقُها. والاستكبار الرُّوحيّ لا يجذب أحدًا إلى المسيح، بل يُنَفِّر النَّاس من الكنيسة. فالنَّاس لا يبحثون فقط عن صحَّة التَّعليم، بل يُريدون أنْ يَرَوْا ثماره في حياة المؤمنين. يريدون أنْ يَرَوْا المحبَّة الَّتي تتجسَّد، والتَّواضع الَّذي يخدم، والرَّحمة الَّتي تغفر، والحَقَّ الَّذي يُضيء دون أن يجرح.
إنَّ العقيدة الأرثوذكسيَّة الحقيقيَّة لا تجعل الإنسان متكبِّرًا لأنَّه يعرف، بل متواضعًا لأنَّه التقى بالحَقّ. ولا تدفعه إلى إدانَة الآخَرين، بل إلى التَّوْبة عن نفسه. ولا تحصره في الماضي، بل تقوده إلى عَيْشِ الإنجيل اليوم.
لذلك لا يكفي أن نحفظ العقيدة في الكتب، بل يجب أن تُرى في بيوتنا، وفي أمانتنا، وفي محبَّتنا، وفي غفراننا، وفي مشاركتنا للأسرار المقدَّسة، وفي خدمتنا للفقراء والمتألِّمين، وفي شهادتنا الهادِئة للمسيح وسط عالم مضطرب. فالعقيدة الَّتي لا تتحوَّل إلى صلاةٍ تبقى معلومة. والعقيدة الَّتي لا تتحوَّل إلى محبَّة تبقى شعارًا. والعقيدة الَّتي لا تتحوَّل إلى تواضعٍ قد تُصبح سبَبَ دينونَةٍ لصاحبها. أمَّا العقيدة الَّتي تَصير حياة، فهي الَّتي تصنع قدِّيسين. لذلك كانت الكنيسة عبر الأجيال تردِّد مع الرَّسُول بولس: «يسوع المسيح هو هو أمسًا واليوم وإلى الأبد» (عبرانيّين 13: 8).
فالثَّبات في العقيدة ليس تعلُّقًا بالماضي، بل ثَباتًا بالمسيح نفسه، الَّذي هو مصدر الحياة والحَقّ والخَلاص. إنَّ العَقيدة الأرثوذكسيَّة ليست ما تقولُه الكنيسة عن المسيح فقط، بل هي الطَّريق الَّذي يَقودُ الإنسان إلى الاتِّحاد بالمسيح والعَيْش فيه والنُّموّ نحو ملْءِ قامته. وحين تُعاش بهذه الرُّوح، تصبح نورًا للعالم، وشهادةً للمحبَّة، وبشارةً حَيَّةً للخلاص الَّذي أعلنه الرَّبُّ لجميع النَّاس.