نشرة كنيستي
نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.
أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي
كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.
الأحد (12) من لوقا (البرص العشرة)
العدد 3
الأحد 18 كانون الثَّاني 2026
اللَّحن 7- الإيوثينا 10
أعياد الأسبوع: *18: القدِّيسَين أثناسيوس وكيرلُّس رئيسَي أساقفة الإسكندرية *19: البارّ مكاريوس المصريّ، القدِّيس مرقس أسقف أفسس *20: البارّ إفثيميوس الكبير، الشَّهيد إفسابيوس *21: البارّ مكسيموس المعترف، الشَّهيد نيوفيطس *22: الرَّسول تيموثاوس، الشَّهيد أنستاسيوس الفارسيّ *23: القدِّيس اكليمنضوس أسقف أنقرة، الشهيد أغاثنغلوس، البارّ ذيونيسيوس الأولمبيّ *24: البارَّة كساني وخادمتها، الشَّهيد بابيلا الأنطاكيّ ورفقته.
كلمة الرّاعي
الذَّبيحة لله...
"فَلْنُقَرِّبْ بِهِ إِذًا ذَبِيحَةَ التَّسْبِيحِ كُلِّ حِينٍ وَهِيَ ثَـمَرُ شِفَاهٍ مُعْتَرِفَةٍ لِاسْـمِهِ.
لاَ تَنْسَوِا الإِحْسَانَ وَالـمُؤَاسَاةَ فَإِنَّ اللهَ يَرْتَضِي مِثْلَ هَذِهِ الذَّبَائِحِ” (عب 13: 15 و16)
الذَّبائح في العهد القديم خمسة أنواع رئيسيَّة وَرَدتْ بشكلٍ واضح في سفر اللاويّين، وهي: المحرقة، تقدمة الحبوب، ذبيحة السَّلامة، ذبيحة الخطيَّة، وذبيحة الإثم (التَّعدّي). الأولى للتَّكفير عن الخطايا غير المتعمدة، والتَّعبير عن التَّكريس الكامل لله، وهي عبارة عن ثور أو كبش أو طائر بلا عيب (راجع: لاويّين 1: 1–17، 6: 8–13، خروج 29: 38–42). الثَّانية غايتها شكر لله على عطاياه، والتَّعبير عن الطَّاعة له، ويُقدِّم فيها دقيق مع زيت ولُبان، دون خمير أو عسل، مع قليل من الملح ( راجع: لاويّين 2: 1–16، 6: 14–23، خروج 29: 40–41). الثَّالثة هدفها الشَّركة مع الله ومع الجماعة، وتقديم الشُّكر على البركات، وموادها المقدَّمة هي حيوان من البقر أو الغنم أو الماعز، يَشترك فيه الكهنة والمقدِّم (راجع: لاويّين 3: 1–17 و7: 11–34). الرَّابعة لأجل التَّكفير عن الخطايا المحدَّدة، خاصَّةً غير المتعمدة، وهي مكوَّنة من ثور أو تَيْس أو حمامة بحسب حالة المذنب (راجع: لاويّين 4: 1–35، 5: 1–13، 6: 24–30 و16: 3–22). والخامسة هي ذبيحة الإثم أو التَّعدِّي وهي للتَّكفير عن الخطايا الَّتي تتضمَّن تعدِّيًا على حقوق الآخَرين أو على المقدَّسات، مع التَّعويض، ويُقَدَّم فيها كبش بلا عيب، مع دفع تعويض للمَضرور (راجع: لاويّين 5: 14–19، 6: 1–7 و7: 1–6).
هذا هو الشَّكل الشَّرعيّ للذَّبائح وشروطها وأهدافها، لكن في العهد القديم نفسه نرى مفهومًا آخَر للذَّبيحة والشَّريعة وهو يُعبِّر عن جوهر الشَّريعة – كلمة الله الَّذي هو الرَّحمة: "إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً، وَمَعْرِفَةَ اللهِ أَكْثَرَ مِنْ مُحْرَقَاتٍ" (هو 6: 6). غاية الذَّبيحة إذًا أن يعرف الإنسان الله ورحمته الَّتي تفتح للإنسان بابًا للتَّوبة والتَّغيير والبدء من جديد في مسيرة البِرّ... أمَّا حين تصير الذَّبيحة هدفًا بِحَدِّ ذاتها ويختبئ الإنسان بِشَرِّهِ خلفها ليقدِّم لله عبادة ظاهريّة، عند ذاك يرفضها الله، "لِمَاذَا لِي كَثْرَةُ ذَبَائِحِكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ. اتَّخَمْتُ مِنْ مُحْرَقَاتِ كِبَاشٍ وَشَحْمِ مُسَمَّنَاتٍ، وَبِدَمِ عُجُولٍ وَخِرْفَانٍ وَتُيُوسٍ مَا أُسَرُّ..." (إش 1: 11).
* * *
في العهد الجديد نفهم أنَّ المسيح هو الذَّبيحة الكاملة، حمل الله، الَّذي قدَّم نفسه مرَّةً واحدةً لفِداء البشريَّة، هو الحَمَل الطَّاهر الَّذي افتدى المؤمنين بدمه، وهذا ما يوضحه بطرس الرَّسول حين يقول "عالِمين أنَّكم افتُديتم... بدمٍ كريمٍ كما من حمل بلا عَيْب ولا دَنَس، دم المسيح" (بطرس الأولى 1 :18–19). الذَّبائح الحيوانيَّة كانت رموزًا وظلالًا، للمسيح الَّذي هو الذَّبيحة الكاملة، حمل الله، الَّذي قدَّم نفسه مرةً واحدةً لفِداء البشريَّة. "فبهذه المشيئة نحن مقدَّسون بتقديم جسد يسوع المسيح مرَّةً واحدة... وأمَّا هذا فبعدما قدَّم عن الخطايا ذبيحةً واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله" (عب 10:10–12)، وهذا ما يؤكِّد أنَّ ذبيحة المسيح واحدة وكاملة، لا تحتاج إلى تكرار كما في العهد القديم.
المؤمن يشترك في ذبيحة المسيح بحسب الكتاب المقدَّس مِن خلال الإيمان بعمله الخَلاصيّ على الصَّليب، والاتِّحاد به في المعموديَّة، والعَيْش في شركة الإفخارستيّا، وتقديم ذبائح روحيَّة من تسبيحٍ وعملٍ صالح. هذه المشاركة ليست بذبيحةٍ جديدة، بل دخول في الذَّبيحة الواحدة الكاملة الَّتي قدَّمها المسيح مرَّةً واحدةً وإلى الأبد لأجل الجميع. أمَّا ثمار الاشتراك في ذبيحة يسوع المسيح فهي غفران الخطايا، الاتِّحاد بالثَّالوث، الحياة الجديدة، وتقديم ذبائح روحيَّة يوميَّة من التَّسبيح، الصَّلاة، فعل الخير والعطاء. هذه نتيجة عَيْش الإنسان المؤمن لإيمانه بيسوع كذبيحةٍ مستمِرَّةٍ كما يوصِّف ذلك الرَّسُول بولس قائلًا: «أطلب إليكم... أن تُقدِّموا أجسادكم ذبيحةً حيَّةً مقدَّسة مَرْضِيَّة عند الله، عبادتكم العقليَّة". المسيحيّ هو كائنٌ ليتورجيّ، يعيش الحياة في شركة سِرِّ ذبيحة المسيح الأبديَّة ككاهنٍ خادمٍ للسِّرّ في حياة حياة الطَّاعَة للرَّبِّ وعَيْشِ القداسة بالتَّغرُّب عن العالم كيانيًّا في محبَّة يسوع...
* * *
يا أحبَّة،
إنَّ الذَّبيحةَ الَّتي يطلبها الله منَّا اليوم لم تَعُدْ ثورًا أو كبشًا أو طائرًا، بل قلبًا مُنسَحِقًا مملوءًا محبَّةً وطاعةً. فالمسيح، الذَّبيحة الكاملة، قَدَّم نفسه مرَّةً واحدةً لأجل خلاص العالم، وفتح لنا باب الشَّركة معه في سِرِّ الإفخارستيَّا وفي حياة الإيمان اليوميَّة. لذلك، دعوتنا أنْ نَحْيَا كذبيحةٍ حَيَّةٍ، نقدِّم لله تسبيحًا لا ينقطع، ونترجم إيماننا بأعمال رحمةٍ ومؤاساة، لأنَّ الله يرتضي مثل هذه الذَّبائح.
فلنحمل في حياتنا اليوميَّة روح الذَّبيحة الحقيقيَّة: أنْ نُميتَ فينا الإنسان العَتيق، ونُحيي الإنسان الجديد في المسيح، فنَصيرَ نحنُ أنْفُسِنا قربانًا مرضيًّا أمام الله، رائحةً طيِّبةً في المسيح يسوع. وهكذا تتحوّل حياتنا إلى ليتورجيا مستمرَّة، حيث كلُّ كلمة وكلُّ عمل وكلُّ فعل محبَّة يصبح ذبيحةً روحيَّة تُقدَّم لله، الَّذي "به نَحيا ونتحرَّك ونوجَد" (أع 17: 28).
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع...
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
طروباريّة القيامة (باللَّحن السَّابع)
حَطَمْتَ بِصَليبِكَ المَوت. وفتحتَ للِّصِّ الفِرْدَوس. وحوَّلتَ نَوْحَ حامِلاتِ الطّيب. وأمَرْتَ رُسلَكَ أن يَكرزِوا. بأنَّكَ قد قُمتَ أَيُّها المسيحُ الإله. مانِحًا العالمَ الرَّحمةَ العُظمى.
طروباريَّة القدِّيسين أَثَنَاسِيُوسَ وَكِيرلُّسَ (بِاللَّحْنِ الثَّالِث)
لَقَدْ تَلَأْلَأْتُـمَا بِأَفْعَالِ اسْتِقَامَةِ الرَّأْيِ، وَأَخَذْتُـمَا كُلَّ رَأْيٍ وَخِيمٍ، فَصِرْتُـمَا مُنْتَصِرَيْنِ لابِسَيِ الظَّفَرِ. وَإِذْ قَدْ أَغْنَيْتُمَا الكُلَّ بِـحُسْنِ العِبَادَةِ، وَزَيَّنْتُمَا الكَنِيسَةَ بِزِينَةٍ عَظِيمَةٍ، وَجَدْتُـمَا بِاسْتِحْقَاقِ الـمَسِيحِ الإِلَهِ، مَانِحًا الجَمِيعَ بِصَلَوَاتِكُمَا الرَّحْمَةَ العُظْمَى.
قنداق دُخول السَّيِّد إلى الهيكل (باللَّحن الأوّل)
يا مَنْ بمَوْلِدِكَ أيُّها المسيحُ الإله، المُستَوْدَعَ البَتوليّ قدَّسْتَ. ويَدَيْ سمعانَ كما لاقَ بارَكْتَ. وإيّانا الآن أدركتَ وخلَّصْتَ. إحفَظْ رعيَّتَكَ بسلامٍ في الحروب وأيِّد الَّذين أحببتَهُم، بما أنَّكَ وحدَكَ مُحبٌّ للبَشَر.
الرّسالة (عب 13: 7- 16)
مُبَارَكٌ أَنْتَ يَا رَبُّ إِلَهَ آبَائِنَا.
لِأَنَّكَ عَدْلٌ فِي كُلِّ مَا صَنَعْتَ بِنَا.
يَا إِخْوَةُ اُذْكُرُوا مُدَبِّريكُمُ الَّذينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. تَأَمَّلُوا فِي عَاقِبَةِ تَصَرُّفِهِمْ وَاقْتَدُوا بِإِيـمَانِـهِمْ. إِنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ هُوَ أَمْسِ وَالْيَوْمَ وَإِلَى مَدَى الدَّهْرِ. لاَ تَنْقَادُوا لِتَعَالِيمَ مُتَنَوِّعَةٍ غَرِيبَةٍ. فَإِنَّهُ يَـحْسُنُ أَنْ يُثَبَّتَ الْقَلْبُ بِالنِّعْمَةِ لا بِالأَطْعِمَةِ الَّتي لَـمْ يَنْتَفِعْ الَّذينَ تَعَاطَوْهَا. إِنَّ لَنَا مَذْبَـحًا لاَ سُلْطَانَ لِلَّذِينَ يَـخْدِمُونَ الْمَسْكِنَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهُ، لأَنَّ الْحَيَوَانَاتِ الَّتي يُدْخَلُ بِدَمِهَا عَنِ الْخَطِيئَةِ إِلَى الأَقْدَاسِ بِيَدِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ تُـحْرَقُ أَجْسَامُهَا خَارِجَ الْمَحَلَّةِ. فَلِذلِكَ يَسُوعُ أَيْضًا تَأَلَّـمَ خَارِجَ الْبَابِ لِيُقَدِّسَ الشَّعْبَ بِدَمِ نَفْسِهِ. فَلْنَخْرُجْ إِذًا إِلَيْهِ إِلى خَارِجِ الْمَحَلَّةِ حَامِلِينَ عَارَهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَنَا هَهُنَا مَدِينَةٌ بَاقِيَةٌ بَلْ نَطْلُبُ الآتِيَةَ. فَلْنُقَرِّبْ بِهِ إِذًا ذَبِيحَةَ التَّسْبِيحِ كُلِّ حِينٍ وَهِيَ ثَـمَرُ شِفَاهٍ مُعْتَرِفَةٍ لِاسْـمِهِ. لاَ تَنْسَوِا الإِحْسَانَ وَالـمُؤَاسَاةَ فَإِنَّ اللهَ يَرْتَضِي مِثْلَ هَذِهِ الذَّبَائِحِ.
الإنجيل (لو 17: 12- 19)(لوقا 12)
في ذلك الزَّمان، فيما يسوعُ داخِلٌ إلى قريةٍ استقبلهُ عشَرةَ رجالٍ بُرصٍ، ووقفوا من بعيدٍ ورفعوا أصواتَهم قائلين: يا يسوعُ المعلِّم ارحمنا. فلمَّا رآهم قال لهم: امضُوا وأروا الكهنةَ أنفسَكم. وفيما هم منطلقون طَهُروا. وإنَّ واحدًا منهم لمَّا رأى أنَّه قد بَرِئ رجع يمجِّد الله بصوتٍ عظيم وخَرَّ على وجههِ عند قدَميه شاكرًا لهُ، وكان سامريًّا. فأجاب يسوع وقال: أليس العشرةُ قد طُهروا، فأين التِّسعة؟ ألم يوجَدْ من يرجِع ليمجّد الله إلَّا هذا الأجنبيَّ؟ وقال له: قُمْ وامضِ إيمانُك قد خلَّصك.
حول الإنجيل
إنَّ البَرَصَ هو مرضٌ جلديّ مُعْدٍ وخطير وَرَدَ في شريعة موسى أنَّه نجاسة مُعدية، لذلك كان المُصاب بهذا المرض يُنبَذ بعيدًا عن المناطق المأهولة داخل المدينة أو القرية فيسكن خارج الأسوار أو وسط القبور، ويكون مشقوق الثَّوْب، ورأسه يكون مكشوفًا ويُغَطّي شاربَيْه، ويُنادي: نَجِس، نَجِس. وهذا بعد أن يفحصه الكاهن بدِقَّة ويتأكَّد مِن مَرَضه (لاويّين 13و14).
هذا المقطع الإنجيليّ يحدِّثنا عن حادثة شفاء من البرص..."استقبلهُ (أي استقبل الرَّبّ يسوع) عشرة رجال برص ووقفوا من بعيد". إذ لا يُسمح لهم بالاقتراب من النَّاس كي لا ينقلوا إليهم العَدْوى وصرخوا "يا معلِّم ارحمنا" قال لهم الرَّبُّ يسوع: "امضوا وأرُوا أنفسكم للكهنة". لقد تمَّت العجيبة فورًا عندما نظر الرَّبُّ إليهم لكنَّه أرسلهم لكي يُعلَن شفاؤهم. هو لم يأتِ لينقض الشَّريعة بل ليتمَّمها... لأنّه بحسب الشَّريعة على الكاهن أن يتفحَّص مَن يدّعي الشِّفاء من هذا المرض عازلًا إيَّاه مدَّة أربعة عشر يومًا، وإذا تأكَّد من شفائه يأمره بتقديم الذَّبيحة المناسبة إلى الهيكل وبعدها يُسمح له بالعودة إلى المجتمع.
عندما شعر العشرة بشفائهم رجع واحد فقط ليشكر الله فسأل الرَّبُّ يسوع "أين التِّسعة؟" كأنَّه يُعَبِّر عن عتبه على اليهود إذْ أُرسِل لخلاصهم، لكنَّهم لم يقبلوه. فهم يتقبَّلون عطايا الله دون شكرٍ وتسبيح. فالتِّسعة هم من اليهود والسَّامريّ الأجنبيّ المنبوذ من أمَّة اليهود هو الَّذي رجع ليشكر الله معترفًا بيسوع الَّذي شفاه أنَّه الله الظَّاهر بالجسد إذ خَرَّ بوجهه على قدميه... لقد رأى وآمن فعاد، هذه العودة ليست مجرَّد حركة انتقاليَّة بل هي حركة الرُّجوع إلى الله، هي حركة داخليَّة تعني التَّوبة وهذا ما أكَّده الرَّبُّ حيث قال له"إيمانك قد خلَّصك". لقد امتلك السَّامريّ العناصر الأساسيَّة لإتمام العجيبة الَّتي لم تكن له على مستوى الجسد فقط بل عجيبة شفاء كيان الانسان بأكمله: الإيمان، التَّوْبة وتمجيد الله وتقديم الشُّكر له.
يقدِّم لنا القدِّيس أثناسيوس الكبير الَّذي نُقيم تذكاره اليوم، في رسالته الفصحيَّة السَّادسة هذا الأبرص السَّامريّ مثلًا حيًّا لحياة الشُّكر الَّتي تكشف عن قلبٍ يتعلَّق بواهِب العطيَّة (الله) أكثر من العطيَّة ذاتها، إذ يقول: أحَبَّ (الرَّبُّ) ذاك الَّذي قدم الشُّكر، بينما غضب من الآخرين ناكري المعروف، لأنَّهم لم يعرفوا المخلِّص، بل انشغلوا بتطهيرهم من البرص أكثر من الَّذي طهَّرهم.
الكلمة الشّفاء
ليست الكلمة في الإيمان الأرثوذكسيّ مجرَّد صوتٍ يُنطَق، ولا فكرةٍ تُقال، بل هي قوَّةُ حياة، ونعمةٌ فاعلة، وحضورٌ إلهيّ يَشفي ما تكسَّر في الإنسان. فالكلمة، بحسب إعلان الكنيسة، هي شخص قبل أن تكون لفظًا، لأنّ “في البدء كان الكلمة… والكلمة صار جسدًا” (يو 1: 1–14). ومن هنا تنبع قدرتها على الشِّفاء: لأنّها مشارِكة في طاقة الكلمة المتجسِّد، يسوع المسيح.
في سِفر التَّكوين، يخلق الله بالكلمة: “وقال الله فكان”. هذه الكلمة الخالقة لم تفقد فاعليَّتها بعد السُّقوط، بل صارت في التَّجسُّد كلمةً شافية، تدخل إلى عمق الجرح البشريّ لا لتُدين بل لتُقيم. يقول القدِّيس أثناسيوس الكبير أنّ الكلمة المتجسِّد “أخذ ما لنا ليهبنا ما له”، أي أنّه دخل ضعفنا ليُدخلنا إلى قوّته. فالشِّفاء في الكنيسة ليس إصلاحًا خارجيًّا، بل إعادة خلق. الكلمة لا تلمس العارض، بل الجذر؛ لا تُسكِّن الألم فحسب، بل تُعيد الإنسان إلى صورته الأولى. في الأناجيل، يشفي المسيح غالبًا بالكلمة وحدها: “قم فاحمل سريرك”، “أردتُ أن أطهُر”. ليست المعجزة في الحركة الجسديَّة، بل في سلطان الكلمة. القدِّيس كيرلُّس الإسكندريّ يرى في هذه الكلمات فعلًا خلاصيًّا، لأنّها صادرة عن الكلمة الَّذي يحمل في ذاته حياة الآب. ويعلِّمنا الآباء أنّ المرض الأعمق هو مرض النَّفس: انقسام الدَّاخل، عبوديَّة الخوف، فساد الفكر. لذلك يقول القدِّيس يوحنّا الذَّهبيّ الفم أنّ كلمة الإنجيل هي مستشفى مفتوح، يدخل إليه الجريح فيخرج وقد بدأت قيامته. في اللِّيتورجيا، لا تُتلى الكلمة لتُسمَع فقط، بل لتُعاش. فالقراءات الإنجيليَّة، والوعظ، والتَّسابيح، ليست تعليمًا نظريًّا، بل وسائل شفاء. الكلمة المقروءة في الكنيسة تتحوَّل، بالرُّوح القدس، إلى كلمة شخصيَّة تخاطب جرح الإنسان في زمانه ومكانه. القدِّيس مكسيموس المعترف يؤكّد أنّ الكلمة الإلهيَّة، حين تُقبَل بالتَّوبة والطَّاعة، تُنَقّي الفكر، وتهذِّب الإرادة، وتُعيد الانسجام بين النَّفس والجسد. هكذا يصبح السَّماع بداية شفاء، والصَّمت أمام الكلمة بداية قيامة. إنْ كانت كلمة الله تشفي، فكلمات الإنسان قد تشفي أو تجرح. لذلك يشدِّد الآباء على قداسة الكلمة المنطوقة. يقول القدِّيس إسحق السُّريانيّ: “كما أنّ الجرح يُشفى بمرهَمٍ لطيف، كذلك النَّفْس تُشفَى بكلمةٍ وَديعة”. فالكلمة الخارجة من فم المؤمن مدعوَّةً أن تكون امتدادًا لكلمة المسيح، لا أداة كسر بل بَلْسَمَ تعزية. الكلمة الشَّافية ليست حِكمة بشريَّة ولا بلاغة لغويَّة، بل شركة في الكلمة المتجسِّد. وكلّما اقترب الإنسان من المسيح، صار لكلمته وزن الحياة، وصار صوته يحمل أثر القيامة. في عالمٍ مُثقل بالجراح، تبقى الكنيسة أمينة لرسالتها: أن تُعلِن الكلمة، لا كخبرٍ يُقال، بل كدواءٍ يُعطى، وكحياةٍ تُوهَب.