نشرة كنيستي
نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.
أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي
كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.
الأحد (5) بعد الفصح (الأعمى)
العدد 20
الأحد 17 أيَّار 2026
اللَّحن 5- الإيوثينا 8
أعياد الأسبوع: *17: الرَّسولان أندرونيكُس ويونياس *18: الشُّهداء بطرس ورفقته، القدِّيسة كلافذيَّة (كلوديا) *19: الشَّهيد باتريكيوس أسقف برصة ورفقته *20: وداع عيد الفصح العظيم المقدَّس، الشُّهداء ثلالاوس ورفقته، نقل عظام القدِّيس نيقولاوس، القدِّيسة ليديا بائعة الأرجوان *21: صعود ربِّنا وإلهنا ومخلِّصنا يسوع المسيح، القدِّيسان قسطنطين وهيلانة المعادلا الرُّسُل *22: الشَّهيد باسيليسكوس *23: القدِّيس ميخائيل المُعترِف، القدِّيسة مريم لِكلاوبّا حاملة الطِّيب، القدِّيسة سوسنَّا، الشَّهيدة ماركياني.
كلمة الرّاعي
الخليقة الجديدة والإبصار في الحَقّ
"لا هذا أخطأَ ولا أبواه، لكن لتظهَرَ أعمالُ اللهِ فيه" (يو 9: 3)
هل تسبِّب الخطيئة أمراضًا جسديَّة؟ وهل كلّ مرض جسديّ مرتبط بخطيئة؟ هذا أوضحه الرَّبُّ يسوع بجوابه على سؤال التَّلاميذ: "يا رَبُّ، مَن أَخْطَأَ أهذا أَمْ أبواهُ حتَّى وُلِدَ أعمَى؟" (يو 9: 2)، حين قال لهم: "لا هذا أخطأَ ولا أبواه، لكن لتظهَرَ أعمالُ اللهِ فيه" (يو 9: 3). ومع ذلك، فالخطيئة قد تُسبِّب أمراضًا جسديَّة للإنسان، على سبيل المثال، من يُدْمِن مُعاقرة الخمرة يُتلِف كبده ويمرض ويموت، وأمثلة أخرى كثيرة تدلُّ على ارتباط أمراض بخطايا أو أهواء يرتكبها الإنسان. أمّا في حادثة إنجيل هذا الأحد، فليس مرض أو تَشَوُّه خلق هذا الإنسان نتيجة خطيئة منه أو من أهله، بل نتيجة خَلَلٍ في الطَّبيعة البشريَّة حصل عند الحبل به. لكن المؤكَّد أنَّ الخطيئة تُسبِّب أمراضًا روحيَّة ونفسيَّة عند الإنسان، لأنّها انحراف عن الطَّبيعة الأصليَّة الصَّالحة الَّتي خُلِق الإنسان عليها من الله. الثَّابِت أنَّ الشَّهوة والهوى والخطيئة تُعْمِي البَصَر الرُّوحيّ للإنسان، لأنَّ القلب يتوسَّخ والرُّؤية تَنْحَجِب حين تحتجب كلمة الله عن فكر الإنسان وقلبه...
* * *
الأعمى منذ مولده حين أبصر، تفتَّحتْ حواسُّه الرُّوحيَّة أيضًا، وامتلأ من قوَّة الحَقّ بفعل النِّعْمَة الَّتي انسكبتْ عليه في الشِّفاء، فالرَّبّ دائمًا يشفي النَّفْس والجسد، والنَّتيجة ترتبط باستعداد الإنسان ورغبته في التَّغيير نحو الأفضل أي نحو النَّقاوة والحَقّ... "الحياة الأفضل" (راجع يو 10: 10) تتعلَّق بارتباط الإنسان بيسوع كنَبْعٍ ومصدرٍ لوُجوده. الفاقِد العَيْنَيْن، بعد أن أبْصَرَ الكَوْن جديدًا بعينَيه اللَّتَيْن خَلَقَهُما له يسوع، أبصر الحَقّ بفرحٍ بعينَيْ قَلْبِهِ، وصار شاهدًا له وحتَّى شهيدًا إذْ طُرِدَ من المجمع... الأعمى الَّذي أبْصَرَ لم يكتفِ بالفرح الجسديّ، بل دخل في مسيرةٍ إيمانِيَّةٍ عميقة: مِن مُجَرَّد معرفة أنَّ "يَسوع رجل" إلى الاعتراف به كـ "نَبِيّ"، ثمَّ إلى السُّجود له كـ"ابن الله". هذه المسيرة هي صورة لمسيرة كلِّ مؤمنٍ، حيث يبدأ باللِّقاء مع المسيح في خبرةٍ بسيطة، ثمَّ ينمو في الإيمان حتَّى يصل إلى الاعتراف الكامِلِ بالحَقّ. كلَّما ثبت الإنسان في الشَّهادة للحَقِّ وتحَمَّل لأجلها الضِّيق والشِّدَّة، كلَّما تكاثرتْ النِّعْمَة فيه ونَمَا في الرُّوح ومعرفَةِ الله أكثر فأكثر، وإذا خاف ورجع عن شهادته خسر كلَّ نعمة...
* * *
يا أحبَّة، إنَّ الخليقة الجديدة الَّتي يهبها لنا المسيح فيه ليست حدثًا خارجيًّا، بل هي ولادة داخليَّة في أعماق الكَيان البشريّ، حيث يُنقّى القلب ويستنير النُّوس (الذِّهن - العقل الرُّوحيّ) ليُبصِر نور الثَّالوث. فالخطيئة تُعمي، لكنَّ النِّعْمَة تفتح البَصيرة. والإنسان الَّذي يتطهَّر من أهوائه يصير قادرًا أنْ يَرى الله في كلِّ شيء، وأن يشهد للحَقِّ حتَّى وسط الاضطهاد، كما فعل الأعمى الَّذي طُرد من المجمع لكنَّه قُبِلَ عند المسيح.
هذا الإنجيل يُذَكِّرنا أنَّ الألم والضُّعف ليسا "عِقابًا" من الله كما يظنُّ البعض، بل هما فرصةً لتَجَلِّي عمل الله وقوَّته فينا. فكلّ جرح يمكن أن يتحوَّل إلى تعزية بنور المسيح، وكلّ عجزٍ يمكن أنْ يُصبح فرصةً لإظهار قوَّة الله فينا بالشَّهادة لِحَقّه. المسيح لا يكتفي بأنْ يُعطينا عُيونًا جديدة، يَمْنَحُنا قلبًا جديدًا، ويجعلنا خليقةً جديدة قادرة أنْ تُبصر الحَقّ وتعيش فيه وتشهد له لأجل خلاص العالم...
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع...
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
طروباريَّة القيامة (باللَّحن الخامس)
لِنُسَبِّحْ نحنُ المـُؤمنينَ ونسجُدْ للكلمة. المـُساوي للآبِ والرُّوحِ في الأزَليّةِ وعدمِ الابتداء. المـَوْلودِ مَنَ العذراء لِخلاصِنا. لأنّه سُرَّ بالجَسَدِ أن يَعلُوَ على الصَّليب. ويحتمِلَ المـَوْت. ويُنهِضَ المـَوْتى بقيامتِهِ المـَجيدة.
قنداق الفصح (باللَّحن الثَّامن)
وَلَئِنْ كُنْتَ نَزَلْتَ إلى قبرٍ يا مَن لا يموت، إِلَّا أَنَّكَ دَرَسْتَ قُوَّةَ الجحيم، وقُمْتَ غالِبًا أَيُّها المسيحُ الإله، وللنِّسوَةِ حامِلاتِ الطِّيبِ قُلْتَ افْرَحْنَ، وَاهِبًا لِرُسُلِكَ السَّلام، يا مانِحَ الواقِعِينَ القِيَام.
الرِّسالة (أع 16: 16- 34)
أنتَ يا ربُّ تَحْفَظُنا وَتَسْترُنا
خلّصْني يا ربُّ فإنَّ البارَّ قَدْ فَنِي
في تلك الأيَّام، فيما نحن الرُّسُل منطلقون إلى الصَّلاةِ، استقبلَتْنا جاريةٌ بها روحُ عرافةٍ، وكانت تُكسِبُ مواليَها كَسْبًا جزيلًا بعرافتها. فطفقت تمشي في إثر بولس وإثرنا وتصيح قائلة: هؤلاء الرِّجال هم عبيدُ الله العَلِيّ وهم يُبشِّرونكم بطريق الخلاص. وصنعت ذلك أيّامًا كثيرة، فتضجَّر بولسُ والتَفَتَ إلى الرُّوح وقال: إنِّي آمُرُكَ باسم يسوعَ المسيح أنْ تخرج منها، فخرج في تلك السَّاعة. فلمَّا رأى مواليها أنَّه قد خرج رجاءُ مكسَبهم قبضوا على بولس وسِيلا وجرُّوهما إلى السُّوق عند الحُكَّام، وقدَّموهما إلى الوُلاةِ قائلين: إنَّ هذين الرَّجُلَيْن يُبَلْبِلان مدينتنا وهما يهوديَّان، ويُناديان بِعاداتٍ لا يَجوز لنا قَبولُها ولا العملُ بها إذْ نحن رُومانِيُّون. فقام عليهما الجَمعُ معًا، ومَزَّق الوُلاةُ ثيابَهما وأمروا أن يُضرَبا بالعِصِيّ. ولمَّا أثخنوهما بالجراح ألقَوهما في السِّجن وأوصَوا السَّجَانَ بأنْ يحرسَهما بضبط. وهو، إذْ أُوصِيَ بمثل تلك الوَصِيَّة، ألقاهما في السِّجن الدَّاخليّ وضبطَ أرجُلهما في المِقطرة. وعند نصف اللَّيل كان بولسُ وسِيلا يُصَلِّيان ويُسَبِّحان الله والمحبوسون يسمعونهما. فحدثتْ بغتةً زلزلةٌ عظيمةٌ حتَّى تزعزعت أُسُسُ السِّجن، فانفتحت في الحال الأبوابُ كلُّها وانفكَّتْ قيودُ الجميع. فلمَّا استيقظ السَّجّانُ ورأى أبواب السِّجْن أنَّها مفتوحة، استلَّ السَّيْف وهَمَّ أنْ يقتل نفسه لِظَنِّه أنَّ المحبوسين قد هربوا. فناداه بولس بصوتٍ عالٍ قائلًا: لا تعمل بنفسِكَ سوءًا، فإنَّا جميعُنا ههنا. فطلَبَ مِصباحًا ووثَبَ إلى داخل وخَرَّ لبُولس وسيلا وهو مُرتعد، ثمَّ خرج بهما وقال: يا سَيِّدَيّ، ماذا ينبغي لي أن أصنع لكي أخلُص؟ فقالا: آمِن بالرَّبِّ يسوع المسيح فتخلُص أنتَ وأهلِ بيتِك. وكلَّماه هو وجميع مَنْ في بيته بكلمة الرَّبّ، فأخذهما في تلك السَّاعة من اللَّيل وغسل جراحهما واعتمد مِن وقته هو وذووه أجمعون. ثمَّ أصعدهما إلى بيته وقدَّم لهما مائدةً وابتهج مع جميع أهلِ بيته إذْ كان قد آمَن بالله.
الإنجيل (يو 9: 1- 38)
في ذلك الزَّمان، فيما يسوعُ مُجْتَازٌ رأى إنسانًا أَعْمَى منذ مَوْلِدِه، فسألَهُ تلاميذُه قائِلِين: يا رَبُّ، مَن أَخْطَأَ أهذا أَمْ أبواهُ حتَّى وُلِدَ أعمَى؟ أجاب يسوعُ: لا هذا أخطأَ ولا أبواه، لكن لتظهَرَ أعمالُ اللهِ فيه. ينبغي لي أنْ أعملَ أعمالَ الَّذي أرسلَنِي ما دامَ نهارٌ، يأتي ليلٌ حين لا يستطيع أحدٌ أن يعمل. ما دُمْتُ في العالَمِ فأنا نورُ العالَم. قالَ هذا وتَفَلَ على الأرض وصنع من تَفْلَتِهِ طِينًا وطَلَى بالطِّين عَيْنَيِ الأعمى وقال له: ٱذْهَبْ وٱغْتَسِلْ في بِرْكَةِ سِلْوَام (الَّذي تفسيرُهُ الـمُرْسَلُ)، فمضى وٱغْتَسَلَ وعَادَ بَصِيرًا. فٱلجيرانُ والَّذينَ كانوا يَرَوْنَهُ من قَبْلُ أنَّه أعمى قالوا: أليسَ هذا هو الَّذي كان يجلِسُ ويَسْتَعْطِي؟ فقالَ بعضُهُم: هذا هو، وآخَرونَ قالوا: إنَّه يُشْبِهُهُ. وأمَّا هو فكان يقول: إِنِّي أنا هو. فقالوا له: كيف ٱنْفَتَحَتْ عيناك؟ أجاب ذلك وقال: إنسانٌ يُقال له يسوع صنع طينًا وطلى عينيَّ وقال لي ٱذْهَبْ إلى بِرْكَةِ سِلْوَامَ وٱغْتَسِلْ، فمضيتُ وٱغْتَسَلْتُ فأبصرتُ. فقالوا له: أين ذاك؟ فقال لهم: لا أعلم. فأتَوا به، أي بالَّذي كان قبلاً أعمى، إلى الفَرِّيسيِّين. وكان حين صنعَ يسوعُ الطِّينَ وفتح عينَيْهِ يومُ سبت. فسأَلَهُ الفَرِّيسيُّون أيضًا كيف أَبْصَرَ، فقال لهم: جعلَ على عينَـيَّ طينًا ثمَّ ٱغتسَلْتُ فأنا الآن أُبْصِر. فقال قومٌ من الفَرِّيسيِّين: هذا الإنسانُ ليس من الله لأنَّه لا يحفَظُ السَّبت. آخَرون قالوا: كيف يقدِرُ إنسانٌ خاطِىءٌ أن يعملَ مثلَ هذه الآيات؟ فوقعَ بينهم شِقَاقٌ. فقالوا أيضًا للأعمى: ماذا تقول أنتَ عنه من حيثُ إِنَّه فتحَ عينَيْكَ؟ فقال: إِنَّه نبيٌّ. ولم يصدِّقِ اليهودُ عنه أنَّه كان أعمَى فأبصَرَ حتَّى دَعَوْا أَبَوَيِ الَّذي أبصرَ وسأَلُوهُما قائِلِينَ: أهذا هو ٱبنُكُمَا الَّذي تقولان إنَّه وُلِدَ أَعْمَى، فكيف أبصرَ الآن؟ أجابهم أبواه وقالا: نحن نعلمُ أنَّ هذا وَلَدُنا وأنَّه وُلِدَ أعمَى، وأمَّا كيف أبصرَ الآن فلا نَعْلَمُ، أو مَنْ فتحَ عينَيْه فنحن لا نعلَمُ، هو كامِلُ السِّنِّ فٱسْأَلُوهُ فهو يتكلَّمُ عن نفسه. قالَ أبواه هذا لأنَّهُمَا كانا يخافان من ٱليهود لأنَّ اليهودَ كانوا قد تعاهَدُوا أنَّهُ إِنِ ٱعتَرَفَ أحَدٌ بأنَّهُ المسيحُ يُخرَجُ من المجمع. فلذلك قال أبواه هو كامِلُ السِّنِّ فٱسألوه. فدعَوا ثانِيَةً الإنسانَ الَّذي كان أعمَى وقالوا له: أَعْطِ مجدًا لله فإنَّا نعلَمُ أنَّ هذا الانسانَ خاطِئ. فأجابَ ذلك وقال: أَخَاطِئٌ هو لا أعلم، إنَّما أعلم شيئًا واحِدًا، أَنِّي كنتُ أعمَى والآن أنا أُبْصِرُ. فقالوا له أيضًا: ماذا صنع بك؟ كيف فتح عينَيك؟ أجابهم: قد أَخْبَرْتُكُم فلم تسمَعُوا، فماذا تريدون أن تسمَعُوا أيضًا؟ أَلَعَلَّكُم أنتم أيضًا تريدونَ أن تصيروا له تلاميذَ؟ فَشَتَمُوهُ وقالوا له: أنتَ تلميذُ ذاك. وأمَّا نحن فإِنَّا تلاميذُ موسى، ونحن نعلم أنَّ اللهَ قد كلَّمَ موسى. فأمَّا هذا فلا نعلم مِن أين هو. أجابَ الرَّجلُ وقال لهم: إنَّ في هذا عَجَبًا أَنَّكُم ما تعلَمُونَ من أين هو وقد فتح عينَيَّ، ونحن نعلمُ أنَّ اللهَ لا يسمَعُ للخَطَأَة، ولكنْ إذا أَحَدٌ ٱتَّقَى اللهَ وعَمِلَ مشيئَتَهُ فله يستجيب. منذ الدَّهرِ لم يُسْمَعْ أَنَّ أَحَدًا فتحَ عينَي مولودٍ أعمى. فلو لم يَكُنْ هذا من الله لم يَقْدِرْ أن يفعلَ شيئًا. أجابوه وقالوا له: إِنَّكَ في الخطايا قد وُلِدْتَ بجُملَتِكَ، أَفَأَنْتَ تُعَلِّمُنَا؟ فأَخْرَجُوهُ خارِجًا. وسَمِعَ يسوعُ أَنَّهُم أَخْرَجُوهُ خارِجًا، فَوَجَدَهُ وقال له: أَتُؤْمِنُ أَنْتَ بابْنِ الله؟ فأجابَ ذاك وقالَ: فَمَنْ هو يا سَيِّدُ لأُؤْمِنَ به؟ فقال له يسوعَ: قد رَأَيْتَهُ، والَّذي يتكلَّمُ معكَ هوَ هُو. فقال: قد آمَنْتُ يا رَبُّ وسَجَدَ له.
حول الرِّسالة
بحسب ما يرد في هذا النَّصّ الإنجيلي، يَستخدِمُ الشَّيطان، إمرأةً بها روحٍ شرِّير لإثارةِ المشاكل والتَّشويش على خدمةِ الرَّسُول بولس. فكانتْ تصرخُ قائلةً: "هؤلاء النَّاس هم عبيدُ الله العَلِيّ الَّذين يُنادون لكم بطريقِ الخلاص" (أع 17:16). عرَفَ الرَّسُول بولس خبثَ الشَّيطان وإرادتِه لذلك قال: "لئلَّا يَطمع فينا الشَّيطان لأنَّنا لا نجهل أفكارَه" (2 كو 11:2).
يؤكِّد القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم أنَّ "المال هو سببُ الشُّرور في كلِّ مكانٍ". لذلك كان مواليها يُريدون أن تَبقى الفتاة تحت سيطرةِ الشَّيطان من أجل كَسْبِ مزيدٍ من المال، ولهذا السَّبب أمسكوا بولس وسيلا وجَرُّوهُما إلى الحُكَّام الرُّومانيِّين مُتهمينَهما بالخيانة ضِدَّ الدَّوْلَة الرُّومانِيَّة وتشويهِهِما لليهوديَّة. يفتِّشُ الشَّيطان دائمًا عن نجاحات البشارة ليستغلَّها لعملِ الشَّر. هذا ما أراده سيمون السَّاحِر قائلًا لبطرس ويوحنَّا: "أعطياني أنا أيضًا هذا السُّلطانَ حتَّى أيُّ مَنْ وضعتُ يديَّ عليه يقبلُ الرُّوحَ القُدُس" (أع 19:8). إذا كان "لا يجملُ الحمدُ في فمِ الخاطىء"(سيراخ 9:15). فكم بالأحرى لا يليقُ المديحُ في فمِ الشَّيطان؟
لم يُجب ولم يُدافع الرَّسُولان عن نفسيهما عندما مزقّ الوُلاةُ ثيابَهما علانيةً، وخوفًا مِن غضبِ الجمع ضُربا كثيرًا بالعِصي وهما عُريانين، ووُضِعا في السِّجنِ المُظلمِ تحت الأرض. يقول الرب للرَّسُول بولس: "تكفيك نعمتي، لأنَّ قُوَّتي في الضُّعفِ تُكْمَل" (2 كو 9:12) "الضِّيقُ يُنشىءُ صَبْرًا" (رو 3:5). رغم مُعانتِهما وأسرهِما لم يهدآ بل أمضيا اللَّيل ساهِرَيْن ويَقظَيْن وهما يُسَبِّحان الله بفرحٍ كبير. نحو نصفِ اللَّيل، "حدثَ بغتةً زلزلةٌ عظيمةٌ حتَّى تزعزعتْ أساساتُ السِّجن. فانفتحتْ الأبواب كلُّها وانفكتْ قيودُ الجميعِ" (أع 26:16).اعتقدَ السَّجَّان أنَّهما هَرَبا فكاد يقتل نفسَه لولا صُراخَ ومحبَّة الرَّسُول بولس له قائلًا: "لا تفعلْ شيئًا لأنَّا جميعَنا ههنا" (أع 28:16). أدركَ السَّجَّان أنَّ الرَّبَّ صنعَ هذه العجيبةُ من أجلِ خلاصِه. على الحال انفتحتْ أبوابَ قلبِه وانْحَلَّتْ قُيودَه واستضاءَ داخلَه فقال: "ماذا ينبغي لي أن أفْعَلَ لكي أَخْلُص؟" فقالا آمِن بالرَّبِّ يسوعَ المسيح فتَخْلُصَ أنتَ وأهلُ بيتِك" (أع 30:16-31). أي اغتسلْ وتحرَّرْ مِن خطاياك، كُن تِلميذًا لي، وتَعالَ اتْبَعني. لقد قاد الرَّبُّ السَّجَّان وأهل بيته إلى البنوَّة والتَّحرُّر من كلِّ الذُّنوبِ. ونحن أيضًا مَدعوِّين أنْ نتحرَّرَ مِن خطايانا لنكون أبناءَ الله ونمتلىء مِن فَرَح القيامة.
تَفَلَ وجَبَلَ وخَلَقَ
في رحلة الصَّوْم الكبير وفترة الفصح، تبرز قصَّة "المولود الأعمى" كأحد أعمق النُّصوص الَّتي تكشف هَوِيَّة المسيح ليس كَشَافٍ للأجساد فحسب، بل كخالقٍ يُعيدُ صياغةَ الوُجود الإنسانيّ مِن جذوره. إنَّ الرَّبط بين "التَّفل" و"الجَبل" و"الخَلق" يلخِّص الأبعاد اللَّاهوتيَّة الكامنة في تلك الحركة البسيطة والمُذهلة الَّتي قام بها الرَّبُّ يسوع عندما صنع طينًا وطَلى به عَيْنَي الأعمى. إنَّ استخدام الرَّبّ يسوع للتَّفْل ومزجه بتراب الأرض ليصنع طيناً ليس مجرَّد وسيلة طبِّيَّة بدائيَّة أو طقسٌ مادِّيّ عابِر، بل هو استحضارٌ رمزيّ ومباشَر لمشهد الخَلق الأوَّل في سِفر التَّكوين؛ فحينها، جَبَلَ اللهُ الإنسانَ من ترابِ الأرض ونَفَخَ فيهِ نَسَمَةَ حياةٍ، وهنا، يُجَدِّد الرَّبُّ يسوع، "الكلمة الَّذي به كان كلُّ شيء"، عمليَّة الخلق لإنسانٍ وُلِدَ بِنَقْصٍ تكوينيّ شَلَّ قدرته على مُعاينة النُّور.
هذا الأعمى لم يفقد بصره بمرور الزَّمَن نتيجة حادِثٍ أو مَرَضٍ، بل وُلد محرومًا منه أصلًا، ممَّا يعني أنَّه كان يفتقر إلى "عضو" البصر في تكوينه الجسديّ. لذا، لم يكن ما فعله يسوع مجرَّد ترميم لِعَيْنٍ تالِفَة، بل كان خلقًا ثانيًا وإتمامًا لما نَقَصَ في الطَّبيعة البشريَّة. ولم يكتفِ الرَّبُّ بصُنْعِ الطِّين، بل أرسل الرَّجُل إلى "بركة سِلوام" الَّتي تعني "المرسل"، ليكون هذا الفعل تجسيدًا لحتميَّة التَّعاون بين النِّعْمَة الإلهيَّة والإرادة البشريَّة؛ فالطَّاعة في الذَّهاب والاغتسال كانت بمثابةِ معموديَّةٍ انتقلَ بها الرَّجُل من ظلمةٍ الرَّحِم وظلمة العَمى إلى نورِ المعاينة والشَّهادة.
لقد عاد الأعمى بَصيرًا، ليس فقط بعيْنَيْهِ الجسديَّتَيْن، بل بِبَصِيرتِهِ الرُّوحيَّة الَّتي جعَلَتْهُ يُواجِه تكبُّر الفَرِّيسيِّين بجُرأة نادِرَةٍ، مُحَوِّلًا المحاكمة من اتِّهامٍ ليسوع بنقْضِ السَّبْت إلى إعلانٍ لمجْدِ الله. إنَّ هذا الشِّقاق الَّذي حدث بين الفَرِّيسيِّين كَشَفَ عن مُفارقة وجودِيَّة؛ فبينما تمسَّكوا هم بحرفِيَّة الشَّريعة وعَمَى القلوب، ترَقَّى الأعمى في معرفته بيسوع مِن كَوْنِهِ "إنسانًا" إلى "نبيّ" وُصولًا إلى السُّجودِ له كَرَبّ.
في الخِتام، يظهر أنَّ "أحد الأعمى" هو دعوةٌ لنا لنُبٍصِر "النُّورَ الَّذي لا يَغْرُب"، مُدرِكين أنَّ الَّذي جَبَلَنا مِن طينٍ قادرٌ على جَبْلِ انكساراتِنا ونواقِصنا ليُعيدَ خَلْقِنا مِن جديد في كلِّ حينٍ، فالمعجزة لم تكن فقط في إعادة البَصَر، بل في إعلان حُضورِ الخالق وسط خليقته لِيُعيدَ صياغتها بالرُّوح والحَقّ.