نشرة كنيستي
نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.
أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي
كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.
الأحد (22) بعد العنصرة
العدد 45
الأحد 09 تشرين الثَّاني 2025
اللَّحن 5- الإيوثينا 11
أعياد الأسبوع: *9: القدِّيس نكتاريوس أسقف المدن الخمس، الشَّهيدَين أونيسيفورُس وبورفيريوس، البارَّة مطرونة، القدِّيس يوحنّا القصير، البارَّة ثيوكتيستي *10: القدَّيس أرسانيوس الكبادوكيّ، الرَّسول أولمباس وكوارتُس ورفقتهما، الشَّهيد أوريستوس *11: الشٌّهداء ميناس ورفقته، القدِّيسة استفانيس، القدِّيس ثيوذورس الإستوذيتيّ *12: القدِّيس يوحنَّا الرَّحيم رئيس أساقفة الإسكندريَّة، البارّ نيلس السِّينائيّ *13: القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفم رئيس أساقفة القسطنطينيَّة * 14: الرَّسُول فيلبُّس، القدِّيس غريغوريوس بالاماس *15: بدء صَوْم الميلاد، الشُّهداء غورياس وصاموناس وأفيفس.
كلمة الرّاعي
في الصَّوْم والإشراق الرُّوحيّ
صَوْم الميلاد: لقد افتقدنا من العُلى مخلِّصنا...
صَوْم الميلاد يبدأ في الخامس عشر من تشرين الثَّاني، ويستمرّ إلى عيد ميلاد ربِّنا ومخلِّصنا يسوع المسيح في الخامس والعشرين من كانون الأوَّل. ربَّما كثيرون لم يَسمعوا به، وقِلَّةً تمارسه. البعض يعتبر أنَّ الصَّوْم الأساسيّ هو الصَّوْم الكبير ويتغاضى عن باقي الأصوام أو لا يعرف بها، ما خَلا على الأرجح صَوْم السَّيِّدة. كنيستنا الأرثوذكسيَّة تُربّي الإنسان على حياة الصَّوْم، فبالإضافة إلى صَوْم الميلاد والصَّوْم الكبير وصَوْم السَّيِّدة، يوجد صَوْم بارامونَي الميلاد والظُّهور الإلهيّ وصَوْم الرُّسُل وصَوْم عيد قطع رأس يوحنّا المعمدان وصَوْم عيد رفع الصَّليب، وبالإضافة إليهم صَوْم الأربعاء والجمعة على مدار السَّنَة، ما خَلا الفترات الَّتي تفسِّح فيها الكنيسة الصَّوْم في هذين اليومين. إذًا، الصَّوْم هو نمط الحياة الطبيعيّة للإنسان الملتزم باصوام الكنيسة، وتاليًا، المؤمن يرتاح بين صَوْم وصَوْم إذا طبيعة حياته الكنسيّة مؤسَّسة على الصَّوْم.
لماذا هذا التركيز على محورية الصَّوْم في حياة المؤمن؟! لأنّ الرَّبَّ يسوع قال: "هذا الجنس لا يمكن أن يخرج بشيء إَّلا بالصَّلاة والصَّوْم"(مرقس 9: 29)، أي أنّ الإنسان لا يتحرَّر من سلطان الأرواح الشِّرّيرة والأهواء والشَّهوات عليه " إَّلا بالصَّلاة والصَّوْم". من هنا نرى صعوبة أن يصلّي الإنسان ويصَوْم، فهذا يتطلَّب جهدًا وتعبًا وبعض حرمان وهو ما يناقض حياة الرَّفاه والكسل، وخاصَّةً بالنِّسبة لإنسان هذا الزَّمَن. لكن، كلّما ازداد الثَّمَن كلَّما كان المطلوب أعظم... فما الَّذي نطلبه في صَوْمنا؟!...
* * *
أصوام الكنيسة مرتبطة بأعيادها، وصَوْم الميلاد كما يدُلُّ عليه اسمه غايته الوصول إلى الاحتفال بعيد ميلاد الإله المتأنِّس من مريم البتول. لا يستطيع قبول هذا السِّرّ مَن لا يعرف أنّه بحاجةٍ إلى مخلِّصٍ ينقذه من الموت والخطيئة، ومن يعتقد أنَّ نور الشَّمس هو النُّور كلُّه في العالم. مَن لا يؤمن بما لا يُرى كيف يرجو ما لا يُقبل بالعقل؟!... أي أنَّ الإله والخالق السَّرمَديّ والَّذي لا بَدء له يَصير طفلًا من أمٍّ بتول، ويُحْمَلُ على ذراعَيها ويغتذي لبنًا من ثدييها!... مَن لا يعرف قوَّة الرُّوح لا يستطيع أن يؤمن بعمل الرُّوح!... فبدون نعمة الرُّوح القدس يبقى الإنسان في ظلمة العالم المخلوق وجهله بالقياس مع نور الله غير المخلوق ومعرفته!... من هنا، كان صَوْم الميلاد مسيرة تطهُّرٍ وتنقيةٍ للعقل والقلب والرُّوح والجسد، وإذا لم يكن مسعى الصَّوْم التَّنقية يصير تمرينًا جسديًّا نفسانيًّا يغذّي الأنا والعُجب عند الإنسان، لأنَّه يردّ أتعابه وثمارها إلى نفسه إذْ هو لا يطلب فيها الله...
إنسان اليوم محاطٌ بأفكارٍ وأعمالٍ وأقوال وصُوَر تُبعده عن مسيرة الطُّهر لأنّ الطَّهارة صارت ممجوجة في هذا العالم (أي العالم الخاضع للشَّيطان) الَّذي يسعى لسؤدُدِ روح الفساد والإفساد على الأطفال والرِّجال والنِّساء وعلى مَحو صورة الله من فكر الإنسان المعاصِر وحياته وكيانه... وهذا هو عمل الشَّيطان اليوم، وهذا ما يتمّ التَّرويج له بالتَّرغيب والتَّرهيب... وهذه كلِّها حرب على المسيح وعلى الَّذين للمسيح ليُمحى ذكره، لأنَّ الشَّيطان يعرف أنَّ الله رفع يسوع "وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ." (فيليبي 2: 9 – 11).
* * *
الصَّوْم المسيحيّ صارَ أمرًا غريبًا عن منطق الحياة في هذا الزَّمن، ويوجد مسيحييُّون قد ألغَوا الصِّيام ببعده النُّسكيّ من عيشهم المسيحيّ، فلم يعد الانقطاع عن الزَّفر موجودًا ولا الانقطاع لوقتٍ محدَّد عن الطَّعام والشَّراب مُحّدَّدًا في صيامهم الشَّرعيّ. هذا إنْ دَلَّ على شيءٍ فهو يدلُّ على أنَّ الصَّوْم صار فارغًا من روح الجهاد وهذا ما يُريده الشَّيطان أن يستسلم المسيحييُّون للكسل ويتركوا تقاليد آبائهم وقدِّيسيهم الَّذين تقدَّسوا بعيش أسرار الفضيلة من خلال نِعَم الصَّلاة والصَّوْم. لم يَعُد لدى الإنسان المعاصِر القوَّة الدَّاخليَّة والإرادة ليجاهد، صارت كلمة جهاد غريبة عن قاموسه، واستُبدِل الجهاد بأنظمة طعامٍ وشرابٍ خالِيَة من الرُّوح والتَّقوى. طبعًا، هذا هو المنحى العالميّ الَّذي يريد أن يفرض ذاته على الكنائس وعلى المسيحيِّين في حياتهم حتَّى تصير شهادتهم للرَّب يسوع أخلاقيَّة اجتماعيّة نفسانيّة وعاطفيّة، أي بالشَّكل قد تشبه التَّقوى وعمل الرُّوح ولكن في المضمون هي خاوية فارغة إلَّا من الرِّضا على الذَّات...
يا أحبّة، بالحقيقة كلّنا نُحارِب لنخضع لنير العالم هذا ولنستبدل النُّور غير المخلوق بنور يشبهه ولكنَّه مزيَّف لأنّه صادرٌ عن الأنانيَّة وحبّ الذَّات، "ولا عجب، لأنَّ الشَّيطان نفسه يغيّر شكله إلى شبه ملاك نور" ( 2كو 11:14). ليكن هذا الصَّوْم فرصةً لنا لنعْبُر من الظُّلمة إلى النُّور الحقيقيّ ومن الخطيئة إلى البِرّ ومن العصيان إلى التَّوبة ومن النَّجاسة إلى الطَّهارة ومن الباطل إلى الحَقّ ومن الكسل إلى النَّشاط ومن الرَّتابة إلى التَّجدُّد ومن حبِّ القنية إلى العطاء ومن الاستهلاك إلى التَّضحية ومن الحسد إلى الحُبّ ومن العبوديَّة إلى الحرِّيَّة ومن الموت إلى الحياة لنستعدّ لاستقبال سيّد الحياة في قلوبنا... إنْ صُمنا صَوْمًا مقبولًاومرضيًّا للرَّبّ، فإنَّنا سنُعاين المسيح في قلوبنا كما عاينته العذراء في المذود، فالصَّوْم هو طريق عودتنا إلى الله وتجديد صورة الرَّبّ فينا، وهو الإشراق الرُّوحيّ الَّذي يملأ النَّفْس سلامًا وفرحًا، ويجعلها قادرة أن تُعايِن حضور الله في حياتها اليوميَّة وفي كلّ إنسان...
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع...
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
طروباريَّة القيامة (باللَّحن الخامس)
لِنُسَبِّحْ نحنُ المـُؤمنينَ ونسجُدْ للكلمة. المـُساوي للآبِ والرُّوحِ في الأزَليّةِ وعدمِ الابتداء. المـَوْلودِ مَنَ العذراء لِخلاصِنا. لأنّه سُرَّ بالجَسَد أن يَعلُوَ على الصَّليب ويحتمِلَ المـَوْت. ويُنهِضَ المـَوْتى بقيامتِهِ المـَجيدة.
طروباريَّة القدِّيس نكتاريوس أسقف المدن الخمس (باللَّحن الأوَّل)
أيُّها المؤمِنونَ لنُكَرِّم نكتاريوس. مَوْلُودَ سيلِيفريا ورايةَ آيينا. مَنْ آخِرَ الأزمنةِ ظَهَر. مُحِبٌّ للفضيلةِ أصيل. وخادِمٌ وَقورٌ للمسيح. مُنبعٌ فِي كلِّ حالٍ أشفيةً لِمَن إليهِ يَصرخون.المجدُ للَّذي قد مَّجَّدَكَ.المجدُ لِمَن أعطاكَ المعجزات. المجدُ للَّذي يصنعُ بكَ الأشفية للجميع.
قنداق دخول السَّيِّدة إلى الهيكل (باللّحن الرّابع)
إنّ الهيكَلَ الكُلِّيَّ النَّقاوة هيكل المـُخلِّص. البتول الخدر الجزيل الثَّمن. والكنز الطّاهر لمجد الله. اليوم تدخل إلى بيت الرَّبّ. وتُدخِل معها النِّعْمَة الَّتي بالرُّوح الإلهيّ. فلتُسبّحها ملائكةُ الله. لأنَّها هي المـِظَلَّةُ السَّماويّة.
الرّسالة (غل 6: 11- 18)
أَنْتَ يَا رَبُّ تَحْفَظُنَا وَتَسْتُرُنَا مِنْ هَذَا الجِيلِ.
خَلِّصْنِي يَا رَبُّ فَإِنَّ البَارَّ قَدْ فَنِيَ.
يَا إِخْوَةُ، أُنْظُرُوا مَا أَعْظَمَ الكِتَابَاتِ الَّتي كَتَبْتُهَا إِلَيْكُمْ بِيَدِي. إِنَّ كُلَّ الَّذينَ يُرِيدُونَ أَنْ يُرْضُوا بِحَسَبِ الجَسَدِ يُلْزِمُونَكُمْ أَنْ تَـخْتَتِنُوا، وَإِنَّـمَا ذَلِكَ لِئَلَّا يُضْطَهَدُوا مِنْ أَجْلِ صَلِيبِ الـمَسِيحِ. لِأَنَّ الَّذينَ يَـخْتَتِنُونَ هُمْ أَنْفُسُهُمْ لا يَحْفَظُونَ النَّامُوسَ، بَلْ إِنَّـمَا يُرِيدُونَ أَنْ تَـخْتَتِنُوا لِيَفْتَخِرُوا بِأَجْسَادِكُمْ. أَمَّا أَنَا فَحَاشَى لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلَّا بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الـمَسِيحِ الَّذي بِهِ صُلِبَ العَالَـمُ لِي، وَأَنَا صُلِبْتُ لِلْعَالَـمِ. لِأَنَّهُ فِي الـمَسِيحِ يَسُوعَ لَيْسَ الخِتَانُ بِشَيْءٍ وَلا القَلَفُ، بَلِ الخَلِيقَةُ الجَدِيدَةُ. وَكُلُّ الَّذينَ يَسْلُكُونَ بِحَسَبِ هَذَا القَانُونِ فَعَلَيْهِمْ سَلامٌ وَرَحْمَةٌ، وَعَلَى إِسْرَائِيلِ اللهِ. فَلا يَجْلِبْ عَلَيَّ أَحَدٌ أَتْعَابًا فِيمَا بَعْدُ، فَإِنِّي حَامِلٌ فِي جَسَدِي سِمَاتِ الرَّبِّ يَسُوعَ. نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الـمَسِيحِ مَعَ رُوحِكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ. آمِين.
الإنجيل (لو 8: 41- 56) (لوقا 7)
في ذلك الزَّمان، دنا إلى يسوعَ إنسانٌ اسمُه يايرُسُ، وهو رئيسٌ للمَجمع، وخَرَّ عند قَدَمَيْ يسوع، وطلب إِليه أن يَدْخُلَ إلى بيته، لأنّ له ابنةً وحيدة لها نحوُ اثنتي عشْرَة سنةً قد أشرفت على الموت. وبينما هو منطلقٌ كان الجموع يزحمونه. وإنّ امرأةً بها نزفُ دمٍ منذ اثنتي عشْرَة سنةً، وكانت قد أنفقت معيشتَها كلَّها على الأطبّاء، ولم يستطعْ أحدٌ أن يشفيَها، دَنَتْ مِنْ خلفِهِ ومَسَّتْ هُدْبَ ثوبه، وللوقت وَقَفَ نزفُ دمِها. فقال يسوع: "مَنْ لَمَسَني؟" وإذ أنكر جميعُهم قال بطرسُ والَّذين معه: "يا معلّم، إنّ الجموعَ يضايقونك ويزحمونك. وتقول مَنْ لَمَسَني؟"، فقال يسوع: "إنّه قد لَمَسَني واحدٌ، لأنّي علمت أَّن قوّةً قد خرجت منّي". فلمّا رأت المرأة أنَّها لم تخْفَ جاءت مرتعدةً وخَرَّتْ له وأخبرت أمام كلّ الشَّعب لأيّةِ عِلَةٍ لَمَسَتْه وكيف بَرِئَت للوقت. فقال لها: "ثقي يا ابنةُ، إيمانُك أبرأكِ فاذهبي بسلام". وفيما هو يتكلّم جاء واحدٌ من ذوي رئيس المجمع وقال له: "إنّ ابنتَك قد ماتت فلا تُتعبِ المعلّم". فسمع يسوع، فأجابه قائلًا: "لا تَخَفْ، آمن فقط فتبرأَ هي". ولمّا دخل البيت لم يَدَعْ أحدًا يدخل إِلّا بطرسَ ويعقوبَ ويوحنّا وأبا الصّبيّة وأمّها. وكان الجميع يبكون ويلطمون عليها. فقال لهم: "لا تبكوا، إنّها لم تمت ولكنَّها نائمة". فضحكوا عليهِ لِعِلْمِهم بأنّها قد ماتت. فأمسك بيدها ونادى قائلًا: "يا صبيّة قومي". فرجعت روحُها في الحال. فأمر أن تُعطى لتأكل. فدهش أبواها، فأوصاهما أن لا يقولا لأحدٍ ما جرى.
حول الرِّسالة
تلتقي رسالة القدِّيس بولس إلى أهل غلاطية مع إنجيل لوقا في نقطةٍ واحدة: قوَّة الصَّليب المُحيي، القوَّة الَّتي ترفع الإنسان من موت الجسد والنَّفس إلى حياة الإيمان “وأمَّا مِن جهَتي فحاشا لي أن أفتخر إلَّا بصليب ربِّنا يسوع المسيح، الَّذي به قد صُلِب العالم لي وأنا للعالم” (غلاطية ٦: ١٤) وفي الإنجيل نرى الصَّليب حاضرًا في وجع امرأتين: النَّازِفَة دمًا منذ اثنتي عشرة سنةً، وابنة يايرس الميتة في الثَّانية عشرة من عمرها. كلتاهما تمثِّلان النَّفْس البشريَّة الجريحة، الَّتي نَزَفت حياتها بالخطايا، أو ماتَتْ روحيًّا باليأس. وكما أعاد يسوع الحياة لهما، هكذا يَمُدُّ يده في كلِّ زمانٍ إلى مَن يؤمن به إيمانًا حيًّا. النَّازفة لم تكلِّم يسوع، لم تطلب صراحة، بل لمَسته بإيمانٍ صامتٍ متواضع. هذا هو الإيمان الأرثوذكسيّ الحقيقيّ: لا صَخْبَ فيه ولا استعراض، بل توبةً خفِيَّةً تفتح قلب الله. إنَّها صورةٌ للنَّفْس الَّتي تلجأ إلى الأسرار المقدَّسة، تلمس ثوب المسيح في الكنيسة – في المعموديَّة، في الإفخارستيَّا، في الاعتراف – فتُشفى من نزفها الرُّوحيّ. كما يقول القدِّيس باسيليوس الكبير: “كلّ من يقترب من المسيح بقلبٍ نقيّ، ينال قوَّةً تشفيه، لأنَّ المسيح لا يلمسه أحد بالإيمان إلَّا وخرجتْ منه قوَّةً”. أمَّا ابنة يايرس، فهي صورة العالم الَّذي يظنُّ أنَّ الله تأخّر، وأنَّ “الفتاة قد ماتت.”
لكنَّ يسوع يدخل البيت المغلَق، يطرد ضجيج البكاء، ويمسك بيدها قائلًا: “يا صبِيَّة، قومي”، كلمة المسيح أقوى من الموت. هو لا يبدِّل الأحداث فقط، بل يغيِّر الواقع. في زمنٍ يغلب عليه اليأس، يذكِّرنا الرَّبّ أنَّ الموت ليس النِّهاية، وأنَّ الإيمان لا يعرف المستحيل. هكذا عاش القدِّيس باييسيوس الآثوسيّ في أمراضه الكثيرة، إذْ كان يقول: “كلّ ألمٍ هو زيارة من الله. عندما نقول له: لتكن مشيئتك، نصبح نحن الَّذين نربح”. كان جسده يتآكل من المرض، لكنَّه كان يَشِعُّ حياةً لمن يقترب منه. وكذلك القدِّيس بافلوس الجديد أسقف أثينا (†٢٠٠٢)، الَّذي كان يُدعى “الأسقف المبتَسِم”، رغم آلامه الكثيرة، لأنَّه كان يرى في كلِّ تجربةٍ نعمةً مخفيَّة. كان يقول لتلاميذه: “إنَّ المسيح لا يشفي دائمًا الجسد، بل يشفي القلب لِيَصير قادرًا أن يحبّ، حتّى في الوجع”. وهذا ما عبّر عنه أيضًا الشَّيخ صفرونيوس الأثوسيّ حين قال: “الإيمان ليس أن نطلب من الله أن يغيّر الواقع، بل أن نُعطى أن نحيا الواقع معه”. في النِّهاية، يقول الرسول بولس: “نعمة ربّنا يسوع المسيح مع روحكم أيُّها الإخوة. آمين”. هي النِّعْمَة نفسها الَّتي تُقيم، وتَشفي، وتُبدِّل الموت إلى حياة.
بين التَّبالُه والتَّواضع
عَرَفَتْ الكنيسة، عَبرَ تاريخها، فئةً من الرُّهبان، كان لهم نَمَطُهم الخاصّ، بلِ الغريب، في التَّصرُّف، وعُرِفُوا بِـ "المتبالهين من أجل المسيح". هؤلاءِ لم يَكونوا بُلَهاءَ فعلًا – كما قد يتبادر إلى الأذهان – لكنّهم كانوا يتصرّفون كمُختلّيِ العقول لئلَّا تُساورَهم تجربةُ الزُّهُوّ، إذِ العاقلُ غالبًا ما يزهو بعقله. إنّهم رُهبان اعتادُوا، من وقت لآخَر، أن يتركوا صوامعَهم أو مناسِكَهم، ويخرجوا إلى العالم، إلى المدن والقرى، ويقوموا بتصرّفات غريبةٍ هي، في عُرف المجتمع، ضربٌ من البلاهة والجنون والحماقة، أمّا في قاموسهم فَلَها معانٍ عميقةٌ ومَرامٍ بعيدةٌ، وهي أنّها تفضح الواقعَ الَّذي يعيشه هذا العالم، والحقيقةَ الَّتي يُبطنها هذا الواقع والمحجوبةَ تحت غطاء "التّمدُّن المزَيَّف".
يعيش المُتبالِهُ، على غِرار المُشَرَّدين، في الأزقّة والشَّوارع، مع أُناسٍ مَحرومين، مَرذولين من المجتمع، مع الزُّناة والفاسقين. ويبدو، ظاهريًّا، أنّه يقلّدُهم في طريقة عَيشهم، بينما هو يبغي أن يكشف لهم "حقيقة الخلاص" بأسلوبٍ يستطيعون أن يفهموه، ويُناسبُ مستواهم الرُّوحيّ؛ ولذلك كثيرًا ما يتوسَّل معهم المزاج والتَّهريج. يقدِّم المُتبالِهُ نفسَه للعالم على شاكلة إنسان خاطئ، فيَعمدُ، أحيانًا، أمام النَّاس، إلى كَسرِ أصوام الكنيسة، في حين أنّه، في الخَفاء، يُمارِسُ، في طعامه، أقصى دَرجات الزُّهد والنُّسك، إذ يعود، ليلًا، إلى جماعة القدّيسين، وإلى خلواته وصلواته وإلى مُعاينة وَجه الله.
تاليًا، قد يَكونُ بين التَّباله والتَّواضُع غيرُ قاسَمٍ مشترَك، لكنَّ القاسَمَ الأساسَ بينهما هو الاِنسحاق والاِمِّحاء. فالتَّبالُه هجرٌ كُلّيٌّ للأنا، ولذا فإنّنا نُصيبُ القولَ لو قُلنا أنَّ المتبالِهَ يُذكّرُنا بأنَّ رسالة الإنجيل هي "حَماقةُ العالم". بهذا المعنى يصحّ القولُ إنّ المتبالِهَ "يُبالِغ" في رفض معاييرِ العالم ومُثُله لكي "يهزّ" ضمير هذا العالم الضّائعِ في متاهات الحضارة الـمُزيّفة والسّكران بها. إنّه يَصدِمُ العالم "المتمدِّن" ويَصعَقُه، علّه يصحو من سكرته فيرى معايير الإنجيل ومُثُلَه الَّتي أضاعَها. فإذا ما ضاعت قِيَمُ الإنجيل – يقول المتبالهُ – تَصير "الهويّة المسيحيّة" مقتصِرةً على المقاييس والقِيمِ التَّقليديّة الَّتي لِعالَمٍ يقيسُ الحياةَ الحقيقيّة بمقياس علم الأخلاق المدنيّة والواجبات الاِجتماعيّة. بهذا المعنى قد يكون صحيحًا أنّ المتباله إناءٌ للنِّعمة الإلهيَّة – أقلُّه كما يعتبر هو ذاتَه – ولَدَيه الخبرةُ الآنيّة بملكوت الله. إنّه يعيش الملكوت وهو، بعدُ، في العالم، لِيَصِحّ فيه ما قاله السَّيِّد لرُسُله "أنا اخترتُكم من العالم لكنّكم لستم من العالم" (يو 19:15). المتبالِه، بمعنًى من المَعاني، يُظهر، نَبَويًّا، التَّضادّ بين "دهر العالم الحاليّ" و"دَهر الملكوت". بتعبيرٍ آخَرَ، هو يعيش حياتَه الأرضيّة "انقضائيًّا".
لم يُعرَفِ "التّبالهُ من أجل المسيح" في الغرب كما عُرف في الشّرق. عندنا، في الشّرق، قدّيسون متبالهون أهمّهم، مثالًا، في القرن السّادس، سمعان الحمصيّ ورفيقُه يُوحنّا، في القرن التّاسع / العاشر أندراوس القسطنطينيّ. وفي تقليد الكنيسة الرّوسيّة عندنا، من القرن الخامس عشر، يوحنّا المتبالِه... وغيرُهم كثيرون.
ليس ما تَقَدَّم تزكية للتّبالُه؛ فقط هو محاولَةٌ متواضعة لقراءَةِ خبرةٍ قد تُثير الجَدل، لكنّها مفيدةٌ إذ تبقى، في كلّ حال، تَهجئةً من تهجئات القداسة.