Menu Close
150625

نشرة كنيستي

نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.

أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي

كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.

الأحد (1) بعد العنصرة (جميع القدِّيسين)

العدد 24

الأحد 15 حزيران 2025

اللّحن 8- الإيوثينا 1

أعياد الأسبوع: *15:  جميع القدِّيسين، النَّبيّ عامُوص، البارّ إيرونيمُس *16: بدء صوم الرُّسُل، القدِّيس تيخُن أسقف أماثوس *17: الشُّهداء إيسفروس ورفقته، الشُّهداء مانوئيل وصابل واسمعيل *18: الشُّهداء لاونديوس ورفقته *19: الرَّسول يهوذا نسيب الرَّبّ، البارّ باييسيوس الكبير *20: القدِّيس مثوديوس أسقُف بتارُن، الأب نيقولاوس كباسيلاس *21: الشَّهيد يوليانوس الطَّرسوسيّ.

كلمة الرّاعي 

جهاد القداسة

" ولْنُسَابِقْ بالصَّبْرِ في الجِهادِ الَّذي أمامَنَا، ناظِرِين إلى رئيسِ الإيمانِ ومكمِّلِهِ يسوع" (عب 12: 2)

يعتقد الكثير من النَّاس أنّ القداسة ليست لجميع النَّاس، وأنَّ العوام من المؤمنين ليس مطلوبًا منهم أن يصيروا قدِّيسين، بل يكفي أنْ يقوموا بـ"واجباتهم" الإيمانيَّة من حضور القدَّاس وربَّما تقديم التَّبرُّعات وممارسة بعض الصَّلوات الشَّخصيَّة. هذه هي النَّظرة السَّائدة عند المؤمنين غير المطَّلعين على تعليم الكتاب والكنيسة، وهم غير الأتقياء البُسطاء الَّذين يعيشون بروح القداسة إيمانهم، وهم كُثُر ومخفيّون عن أعيُن الكثيرين. يكفي أنْ نَعرف وصيَّة الرَّبِّ الَّتي تقول: "وَتَكُونُونَ لِي قِدِّيسِينَ لأَنِّي قُدُّوسٌ أَنَا الرَّبُّ، وَقَدْ مَيَّزْتُكُمْ مِنَ الشُّعُوبِ لِتَكُونُوا لِي." (لا 20: 26)، وأيضًا: "بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ. لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ»." (1 بط 1: 15 و 16). إذًا، القداسة هي دعوة الله لنا...

*             *             *

ما هو الطَّريق الَّذي علينا أنْ نَسْلُكَه لنتقدَّس؟ إنّه السَّيْر وراء يسوع المسيح، وهذا طريقٌ اختياريّ بمعنى أنَّ الله لا يفرضه علينا لأنّنا أحرار أن نقبله أو نرفضه، والرَّبّ يسوع يقول لنا صراحة: "إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي، فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَتْبَعْنِي" (لو 9: 23). طريق القداسة، إذًا، هو طريق جهاد كبير أوّله "إنكار" الذَّات ووسطه "حمل الصَّليب" وغايته السَّيْر وراء المعلِّم أيّ التَّشَبُّه به في كلِّ ما يفعل. في الحقيقة، هذه المراحل الثَّلاث هي واحدة، لأنّ من لا يُنْكِر نفسَه، أي يتحرَّر من حُبِّها وإرضائها، لا يستطيع أن يحمل الصَّليب الَّذي هو كمال المحبَّة، أي إخلاء الذَّات في طاعة الله وعيش وَصِيَّتِه، وتاليًا التَّحرُّر من المشيئة الذّاتيَّة لتَبَنِّي "فكر المسيح"، حتّى يستطيع أن يسير وراء يسوع في مشروعه الخلاصيّ للخليقة قاطبةً وعنوانه: "لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ" (يو 15: 13).

*             *             *

يا أحِبَّة، القداسة هي غاية حياتنا وهي تشبّه بالله "القدُّوس"، وهذا لا يمكن أن يتحقَّق إلَّا بنعمة الرُّوح القُدس الَّذي هو روح التَّقديس. الرُّوح القُدس يقودنا إلى يسوع وإلى طاعته، ويسوع يقودنا نحو الآب في مسيرةٍ لانهائيَّة. لكن، في هذا العالم علينا أن نُجاهِد لنُحافِظ على النِّعْمَة الإلهيَّة، وهذا الجهاد هو حفظ الوَصِيَّة، "الَّذي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ الَّذي يُحِبُّنِي، وَالَّذي يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي، وَأَنَا أُحِبُّهُ، وَأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي" (يو 14: 21) وفي نفس الوقت، "الَّذي لاَ يُحِبُّنِي لاَ يَحْفَظُ كَلاَمِي. وَالْكَلاَمُ الَّذي تَسْمَعُونَهُ لَيْسَ لِي بَلْ لِلآبِ الَّذي أَرْسَلَنِي" (يو 14: 24). إدًا طريق القداسة أساسه محبَّة الله، وهذه المحبَّة هي فوق كلّ محبَّةٍ وقبل كلّ محبَّة أخرى، فـ "مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلا يَسْتَحِقُّنِي. وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوْ بِنْتًا أَكْثَرَ مِنِّي فَلا يَسْتَحِقُّنِي. وَمَنْ لا يَأْخُذُ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعُنِي فَلا يَسْتَحِقُّنِي". محبَّة الله أوَّلًا تُحرِّرنا من النَّفْعيَّة والمصلحة ومن التَّعلُّق المَرَضِيّ وهي صليب لأنّها انسلاخ عن الإنسان العتيق الَّذي لا يصنع شيئًا إلَّا ليأخذ شيئًا مقابله والَّذي هو أسير التَّسلُّط وعبد لروح التّمَلُّك. لذلك، أعطانا يسوع العلاج: "كُلُّ مَنْ تَرَكَ بُيُوتًا أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَبًا أَوْ أُمًّا أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلادًا أَوْ حُقُولاً مِنْ أَجْلِ اسْمِي يَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ، وَيَرِثُ الحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ". لا خسارة في اتّباع الرَّبِّ يسوع وحمل الصَّليب وراءه مهما كانت الصُّعوبات لأنّ الحياة الأبديَّة لا تُقدَّر بثمن...

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع...

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

طروباريّة القيامة (باللَّحن الثّامِن)

انْحَدَرْتَ مِنَ العُلوِّ يا مُتحنِّن. وقَبِلتَ الدَّفنَ ذا الثّلاثةِ الأيّام. لكي تُعتقَنا مِنَ الآلام، فيا حياتَنا وقيامتَنا يا رَبُّ المجدُ لك.

طروباريَّة أحد جميع القدِّيسين  (باللَّحن الرَّابِع)

 أيُّها المسيحُ الإله، إِنَّ كنيسَتَكَ مُتَسَربِلَةٌ بدماءِ شُهَدائِكَ الَّذين في العالم كبِرفِيرةٍ وَأُرجُوَان، وَبِهم تُنادِيكَ قائلةً: وَجِّهْ رأفَتَكَ لشعبِكَ، وٱمْنَحِ السَّلامَ لِعَبِيدِك، وَهَبْ لِنُفُوسِنَا الرَّحمة العُظْمَى.

قنداق أحد جميع القدِّيسين  (باللَّحن الرَّابِع)

أيُّها الرَّبُّ البارِئُ كلَّ الخليقةِ ومُبدِعُها، لكَ تُقَرِّبُ المسكونَةُ كبواكير الطَّبيعة الشُّهَدَاءَ اللاَّبِسِي اللاَّهوت. فبِطَلِباتِهِم وَشَفاعَةِ والدةِ الإله، اِحْفَظْ بالسَّلامةِ التّامَّةِ كنيسَتَكَ وَشَعبَك، يا جَزِيلَ الرَّحْمَةِ وَحدَك

الرّسالة (عب 11: 33- 40، 12: 1-2)

عَجِيبٌ هو اللهُ في قدِّيسيه

في المجامِعِ بَارِكُوا الله

يا إخوةُ، إنَّ القدِّيسينَ أَجمَعِين بالإيمانِ قَهَرُوا الممالِكَ وعَمِلُوا البِرَّ ونَالُوا المواعِدَ وسَدُّوا أَفْوَاهَ الأُسُود، وأَطْفَأُوا حِدَّةَ النَّارِ ونَجَوْا من حَدِّ السَّيْفِ وتَقَوَّوْا من ضُعْفٍ، وصارُوا أَشِدَّاءَ في الحربِ وكَسَرُوا مُعَسْكَرَاتِ الأجانِب. وأَخَذَتْ نساءٌ أَمْوَاتَهُنَّ بالقِيامة. وعُذِّبَ آخَرُونَ بتوتيرِ الأعضاءِ والضَّرْبِ، ولم يَقْبَلُوا بالنَّجَاةِ ليَحْصُلُوا على قيامةٍ أفضل. وآخَرُونَ ذَاقُوا الهُزْءَ والجَلْدَ والقُيُودَ أيضًا والسِّجن. ورُجِمُوا ونُشِرُوا وٱمْتُحِنُوا وماتُوا بِحَدِّ السَّيْف. وسَاحُوا في جُلُودِ غَنَمٍ ومَعْزٍ وهُمْ مُعْوَزُون مُضَايَقَونَ مجَهُودُون. ولم يَكُنِ العالمُ مُسْتَحِقًّا لهم. فكانوا تائِهِينَ في البراري والجبالِ والمغاوِرِ وكهوفِ الأرض. فهؤلاء كلُّهُم، مَشْهُودًا لهم بالإيمانِ، لم يَنَالُوا الموعِد. لأنَّ اللهَ سبَقَ فنظَرَ لنا شيئًا أَفْضَلَ، أنْ لا يُكْمَلُوا بدونِنَا. فنحن أيضًا، إذا يُحْدِقُ بنا مثلُ هذه السَّحابَةِ من الشُّهُودِ، فلْنُلْقِ عنَّا كُلَّ ثِقَلٍ والخطيئةَ المحيطَةَ بسهولةٍ بنا. ولْنُسَابِقْ بالصَّبْرِ في الجِهادِ الَّذي أمامَنَا، ناظِرِين إلى رئيسِ الإيمانِ ومكمِّلِهِ يسوع.

الإنجيل (متى 10: 32- 33، 37-38، 19: 27- 30)

قَالَ الرَّبُّ لِتَلامِيذِهِ: كُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِي قُدَّامَ النَّاس، أَعْتَرِفُ أَنَا بِهِ قُدَّامَ أَبِي الَّذي فِي السَّمَاوَاتِ. وَمَنْ يُنْكِرُنِي قُدَّامَ النَّاس، أُنْكُرِهُ أَنَا قُدَّامَ أَبِي الَّذي فِي السَّمَاوَاتِ. وَمَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلا يَسْتَحِقُّنِي. وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوْ بِنْتًا أَكْثَرَ مِنِّي فَلا يَسْتَحِقُّنِي. وَمَنْ لا يَأْخُذُ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعُنِي فَلا يَسْتَحِقُّنِي. فَأَجَابَ بُطْرُسُ وَقَالَ لَهُ: هُوَذَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ، فَمَاذَا يَكُونُ لَنَا؟ فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: الَحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الَّذينَ تَبِعْتُمُونِي فِي جِيلِ التَّجْدِيدِ، مَتَى جَلَسَ ابْنُ البَشَرِ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ، تَجْلِسُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ كُرْسِيًّا تَدِينُونَ أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ الاِثْنَيْ عَشَرَ. وَكُلُّ مَنْ تَرَكَ بُيُوتًا أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَبًا أَوْ أُمًّا أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلادًا أَوْ حُقُولاً مِنْ أَجْلِ اسْمِي يَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ، وَيَرِثُ الحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ. وَكَثِيرُونَ أَوَّلُونَ يَكُونُونَ آخِرِينَ، وَآخِرُونَ يَكُونُونَ أَوَّلِينَ.

حول الإنجيل

كيف نحبّ وكيف نترك؟

"من أحَبّ أًبًا أو أمًّا أكثر مِنّي... (متّى 10 ، 37).

"وكلّ من ترك بيوتًا... (متّى 19 ،29).

للكتاب المقدّس، بعامّة، قراءتان الأولى حرفيّة- ناموسيّة والثَّانية كتابيّة- روحيّة ( نسبة للرُّوح القدس).

* الأولى لا تعرف من الكتاب إلَّا حروفًا وكلماتٍ تُستخلص منها أوامرٌ تُسمّى إلهيّة، يُطلب تنفيذها دون إدراك للمضمون الخلاصيّ الكامِن فيها. وكثيرًا ما تُعتَمَد هذه القراءة، للأسف، في خطابات بعض الواعظين. قراءة كهذه تشَوِّه الكتاب وتَنْحَت لله أصنامًا مُبايِنة لحقيقته. إذ تُحَوِّلُه من إلهٍ يبغي شركة حياةٍ معنا إلى إلهٍ يُصدر الأوامِر والوَيْل والنَّار لمن يخالفها. على مثل هذا الإله يؤَسِّس التَّسلُّط على البشر.

* الثَّانية تَقرأ الكلماتِ والحروف على ضوء فكر الكتاب وروحه اللَّذَيْن يهدفان إلى كشف الحياة الإلهيَّة للبشر لتكون نموذجًا خلاصيًّا لحياتهم وتقديسهم. فالكتاب لا يُفهَم إلَّا بالكتاب وبالرُّوح القُدس الَّذي أَوْحى به. هذه القراءة تجعل من الكتاب مجال شركة وألفة مع الإله المحبّ الَّذي يُعْطِي ولا يأخذ يُفيد ولا يَستفيد. على مثال هذا الإله تُؤسَّس محبّةٌ للبشر وشركةُ حياة.

* تمثِّل قراءة هاتين الآيتين نموذجًا لما ذُكر. قراءة ناموسيّة للآية الأولى تقودنا إلى جعل محبّتنا لأهلنا عائقًا أمام محبّتنا لله، وتاليًا إلى وضع حدود للأولى حتّى نستحقّ المسيح. هنا تنشأ إشكاليّة كبرى: ما هي حدود محبّتي لأهلي؟ كيف أحبّ المسيح أكثر منهم؟ هل هناك قياسات كبرى من المحبّة يطلبها الله منّا تجاهه تختلف عن قياسات أخرى أصغر منها نخصّ بها آباءنا وأمّهاتنا وأبناءنا؟ هل  يبدو لنا المسيح، هنا، بهذه النّفعيّة الَّتي لا تحتمل أن يكون البشرُ محبوبين أكثر منه؟ هل محبّة البشر لآبائهم وأبنائهم تحطّ من قدر محبّتهم لله؟ أسئلة تقلقنا إذا وقفنا عند كلمات هذه الآية وانتزعناها من سياق النَّصّ الكتابيّ.

* قراءة كتابيّة للآية تجيب عن هذه التَّساؤلات بل لا تطرحها أصلًا. الإصحاح العاشر من متّى هو كلام موجّه من الرَّبّ إلى الرُّسل لتنبيههم من الاضطهادات الَّتي سيعانون منها خلال تبشيرهم باسمه ومن التَّضحيات الَّتي يتطلّبها هذا التَّبشير. دافع التَّبشير هو المحبّة والمحبّة فقط، محبّةٌ للبشر على قدر ما هو محبّةٌ لله، وهدفه نقل محبّة الله الَّتي خبِروها في حياتهم معه إلى البشر أجمعين. ليس هناك تباين أو منازعة بين محبّة الإنسان لله ومحبّة الإنسان للإنسان، كلاهما انعكاس لمحبّة الله الَّتي سكبها علينا. "أحبّوا بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم" ( يو13 ، 34)، "لتكون فيكم المحبّة الَّتي أحببتني إيّاها" (يو 17 ، 26) وإذا لم تكن هكذا فستكون محبّة نفعيّة والنَّفعيّة هي نقيضة المسيح. صاحبها لا يبشّر إلَّا بذاته ولا يحبّ إلَّا ذاته. من يرى في الأب والأمّ  والأبناء امتدادًا لذاته هو يحبّهم أكثر من المسيح.

* في الآية الثَّانية (متّى 19 ،29) الطَّلب أكثر قساوة من الأولى. فيها يطلب المسيح منك لا أن تحبّ أهلك أكثر منه فحسب بل أن تتركهم. القراءة الكتابيّة لهذه الآية تُكمل فهمنا للآية الأولى. السِّياق الَّذي وردت فيه هذه الآية هو الَّذي يُقصي سوء فهمنا لها. الكلام في الإصحاح التَّاسع عشر الَّذي وردت فيه هذه الآية هو عن الشَّاب الغنيّ الَّذي حجب غناه عنه الحياةَ الأبديّة وعن ضرورة التَّخَلِّي عن الخيرات المادِّيَّة كمصدر خلاص لنا. الملفت في تعداد الأهل الَّذين يُطلب تركُهم أنّه بيدأ بالبيوت وينتهي بالحقول. الأهل محاطون بعقارات ماديّة وكأنّ العنصر الجامع بين الأهل والعقارات هنا هو المنافع والمكاسب النَّابعة منهم. المطلوب أن يُترك من طرف المؤمن هو ما يكسبه من القرابة الجسديّة ومن الحقول والبيوت من مال واستقرار وراحة وأمان  وحنان. سياق النَّصّ يتحدّث عن التَّضحية والتَّخلّي كمبدأ سلوكيّ شامل في حياة المؤمن ليكون على صورة لانفعيّةِ الله. من ترك أبًا أو أمًّا...الخ حبًّا بذاته أو استقالةً من مسؤوليّة تجاههم أو طلبًا لراحة أو بحجّة التَّفرُّغ للعبادة والتَّكرُّس لله هو مُنافِق. لك أن تتركهم حين تكون أنت بحاجة إليهم وتتكرَّس لله وليس العكس. تركك والحالة هذه تضحية تهبك التَّقديس. أمّا إذا كانوا هم بحاجة إليك فتركك لهم أنانيّة هدفها تجنّب العطاء والألم في سبيل من تدّعي محبّتك لهم ومحبّةَ المسيح أكثر منهم.

شفاعة جميع القدِّيسين

في الحديث عن شفاعة القدِّيسين تكثر التَّساؤلات في الأوساط المسيحيَّة ممَّن لا يعرفون الكتاب المقدَّس والكنيسة حَقَّ المعرفة، وبخاصَّةً أنَّ مفهوم شفاعة القدِّيسين قد تلوَّثَ بالاعتقادات الشَّعبيَّة والخرافات على مدى العصور. ومن هذه التَّساؤلات: لماذا نطلب شفاعة القدِّيسين؟  هل يستطيع القدِّيسون أن يسمعوا صلواتِنا ويستجيبوا لها وهم أموات؟ هل يوجد مخلِّص آخَر سوى المسيح؟ ولماذا نحتاج إلى وسطاء بيننا وبين المسيح؟

في لوقا (20: 37-38) يُظهِر الرَّبُّ يسوع أنَّ إبراهيم واسحق ويعقوب هم أحياءٌ عند الله وليسوا أمواتًا، لأنَّ الله “ليس إله أموات بل إله أحياء، لأنَّ الجميع عنده أحياء”. وفي تَجَلِّي الرَّبّ على الجبل يظهر أنَّ موسى لم يكن مائتًا كما نفهم الموت بل كان حيًّا ويتحدَّث إلى يسوع. نعرف أنَّهم أحياءٌ عند الله بقَوْلِ الرَّبّ يسوع: “أنا هو القيامة والحياة. مَن آمَنَ بي وإن مات فسيَحيا” بل قد انتقل مِنَ الموت إلى الحياة. والرُّقاد هو النَّوْم كما فهمه الرُّسُل لمّا قال لهم يسوع إنّ لعازر قد رقد. وبما أنّ روحه ستعود إليه فالموت هنا رقاد لأنَّ لعازر سيقوم. فهو حَيٌّ لم يَمُتْ. لكن إن كان الله إله أحياء لا إله أموات، فكيف يموت من آمن بالمسيح؟ مِنَ الواضح هنا أنَّ الموت ليس بعد موتًا. كلُّ المسيحيِّين سيموتون جسديًّا. لكنَّهم لا يموتون روحيَّا. فالموت يفصلهم جسديًّا عن الأحياء هنا ولكنَّه لا يفصلهم روحيًّا عن الله. الخطيئة وحدها تفصلنا عن الله. أيضًا بما أنَّ كلَّ المسيحيّين هم أعضاءٌ في الكنيسة، جسد المسيح الواحد، إذ، “لا مَوْت ولا حياة .. تقدر أن تفصلنا عن محبَّةِ الله” (رو 8: 38-39).

حتَّى لو كان الرَّاقِدون بالمسيح أحياء عند الله، فلماذا نُصَلِّي إلى القدِّيسين طالبين شفاعتهم؟ يقول القدِّيس بولس: "فاطلب أوَّل كلَّ شيءٍ أن تُقام طلباتٍ وصلواتٍ وابتهالاتٍ وتشكُّرات لأجل جميع النَّاس" (1 تيمو2: 1). إذًا كان بولس يطلب من كلِّ المسيحيّين أن يُصَلُّوا لأجل جميع النَّاس، فكم بالأحرى أنْ يطلب من القدِّيسين الَّذين سبقونا، خاصَّةً أنَّهم أقرب إلى المسيح كما يشهد القدِّيس بولس عن نفسه.

لماذا  أطلب شفاعة القدِّيسين وأن يصلُّوا من أجلي؟ ألا يقول الكتاب إنَّ المسيح وحده هو المخلِّص، وبالتَّالي لماذا لا أصَلّي له وحده، لأنَّه سيسمعني حتمًا؟ أنا سأوجه هذا السُّؤال لبولس نفسه، وأسأل، لماذا يا بولس تريديني أن أصَلِّي لأجل جميع النَّاس (1 تيمو 2: 5)؟ ألا يستطيع النَّاس أنْ يُصَلُّوا لأجل أنفسهم؟

 بالطَّبع إنَّ المسيح هو المخلِّص وحده. لكنَّنا لا يمكننا أن نهمل شركة القدِّيسين وشفاعتهم، لأنَّ المسيح نفسه يُريدنا أن نفعل هذا. فالمسيح من جهةٍ هو المخلِّص، لكنَّ الكتاب يقول: المسيحيّ يخلِّص أيضًا (يع 5: 20؛ يهو 22: 23)؛ القدِّيس بولس يخلّص (رو 11: 14)؛ الكِرازة تخلّص (1 كور 1: 21؛ 1 تيمو 4: 16)؛ المعموديَّة تخلّص (1 بط 3: 21)؛ الصَّلاة تخلّص (يع 5: 15)؛ الملائكة تخلّص (أشعيا 63: 9). كيف يخلّص هؤلاء جميعًا؟ أبقَوَّتِهم؟ أم بتَقْوَاهم؟ بالطَّبع بالمسيح، وفي المسيح ومع المسيح، وبدون المسيح لا يوجد خلاص. بالطَّريقة نفسها تخلّصنا صلوات القدِّيسين بالمسيح فقط، لأنَّ المسيح نفسه قال: “إن ثبتُّم في وثبت كلامي فيكم تطلبون ما تريدون فيكون لكم". أي إذا طلب القدِّيسون من أجلنا في الصَّلاة إلى الرَّبّ سيستجيب الرَّبّ لهم. إذًا شفاعة القدِّيسين لنا تحقِّق وصيَّة الرَّبّ أن نُحِبَّ بعضنا بعضًا  وأن نُصَلِّي معًا. فلا أحدٌ يُخلَّص وحيدًا في الأرثوذكسيَّة. لأنَّنا كلّنا جسدٌ واحدٌ، إيمانٌ واحد، وصلاة واحدة، ولا أحد يكمل بدون الآخرين (عبرانيّين 11: 39-40).