نشرة كنيستي
نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.
أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي
كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.
الأحد الثُّالث من الصَّوْم (السُّجود للصَّليب المقدَّس)
العدد 11
الأحد 15 آذار 2026
اللَّحن 7- الإيوثينا 7
أعياد الأسبوع: *15: الشُّهداء أغابيوس والسَّبعة الَّذين معه *16: الشَّهيد سابينوس المصريّ، البارّ خريستوذولس *17: القدِّيس ألكسيوس رجل الله *18: القدِّيس كيرلُّس رئيس أساقفة أورشليم *19: الشُّهداء خريسنثوس وداريّا ورفقتهما *20: المديح الرَّابع، الآباء الـ 20 المقتولون في دير القدِّيس سابا *21: الأسقف يعقوب المعترف، البارّ سِرابيون.
كلمة الرّاعي
الصَّليب ويَقين الغلبة على الموت
"لأنَّ مَن أَرادَ أَن يُخَلِّصَ نَفسَهُ يُهلِكُها، وَمَن أَهلَكَ نَفسَهُ مِن أَجلي وَمِن أَجلِ الإنجيلِ يُخَلِّصُها" (مر 8: 35)
في وسط الفردوس قديمًا كان يوجد شجرتان، شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشَّرّ، وهما خشبتان ترمزان للصَّليب في وسط حياة المؤمن، صليب للحياة الأبديَّة وصليب للموت الأبديّ. شجرة إذا أكلتَ منها تحيا وأخرى إذا أكلتَ منها تموت لأنّك تُمنع حينها من الأكل من الشَّجرة الأولى أو بالأحرى لأنّك لا تعود قادرًا أن تأكل من الشَّجرة المحْيِيَة إذْ شرط الأكل منها طاعة الوَصيَّة الإلهيَّة. مَن يعتاد على طاعة نفسه أي التَّمسُّك بمشيئته الذَّاتيَّة لا يَعود قادرًا أن يتذَوَّق ثمار طاعة المشيئة الإلهيَّة أي أن يشترك في الحياة مع الله، لأنَّ الله شركة ووَحدة أي عطاء للذَّات، وأمَّا مطيعُ نفسه فلا شركة له مع أحد بل هو معتاد على الاستهلاك ليحيا... وتاليًا هو غير قادر كيانيًّا على التَّعاطي مع الآخَر المختلف دون أن يُذيبه في نفسه أي يلغي وجوده الشَّخصيّ...
* * *
نوعان من الصَّليب: (أ) الصَّليب الَّذي هو أداة للموت وإلغاء الوُجود، هو جَوْهَر حياة الإنسان الَّذي يعيش لنفسه فقط، فهو يَرى في الآخَر دَوْمًا تهديدًا لوجوده وسببَ ألم له ولذا يسعى لإلغائه، فيَصلُبُ الآخَر في داخله أي يُميته ككائنٍ شخصيّ نِدِّيٍّ له بإزائه ليَحيا عبر استهلاكه. (ب) والصَّليب الآخَر الَّذي هو مصدر للحياة والوُجود، لأنَّ المصلوب عليه يختار طوعًا الموت ليُحيي الآخَر بحُبِّه فيَستهلك ذاته لأجل حياة الآخَرين، وهذا الصَّليب لا أحد يستطيع أن يحمله وأن يعيشه إلَّا المسيح ابن الله الحَيّ ومَن كان مُتَّحِدًا به، لأنّ الحياة إذا كانت محدودة في الزَّمَن لا يعود للتَّضحية من فعل أبديّ في حياة المحبوب... إذْ أبديّة الوُجود مرتبطة جوهريًّا بسِرِّ المحبَّة السَّرمديَّة الَّتي هي حياة الله وسرّ الشَّركة في الله مع التَّمايُز في الوَحدة... والله نفسه...
في منطق هذا الدَّهر، "الآخَر هو الجحيم" (العبارة الأصليَّة: "L’enfer, c’est les autres") بحسب الفيلسوف الوجوديّ جان بول سارتر، والعبارة تعكس جوهر الفلسفة الوُجوديَّة: أنَّ الإنسان محكوم بعلاقته بالآخَرين، وأنَّ هذه العلاقة قد تتحوَّل إلى "جحيم" حين تسلبه حرِّيَّته. فالعلاقة بالآخَر بحسب سارتر تعني أنَّ وُجود الآخَر يفرض علينا نظرة خارجيَّة تَحِدُّ من حرِّيَّتنا، فنصبح موضوعًا في نظره، لا ذاتًا حرَّةً بالكامل. وتاليًا ندخل في الجحيم الَّذي ليس مكانًا بل هو حالة وجوديَّة ناتجة عن صراع الذَّات مع نظرة الآخَرين إليها. فالآخَر يذكِّرنا بأنَّنا لسنا مُطلقين، بل محكومون بعلاقاته معنا، وهذا يولِّد توتَّرًا وجوديًّا يشبه "الجحيم" أي هذا الألم الَّذي لا نهاية ولا علاج له... وهنا يدخل الإنسان في الموت أو في هلاك نفسه كلَّما حاول أن يكون حُرًّا من الآخَر لأنّه لا يستطيع إذْ هو مُحتاجٌ إليه، فينتقل من حاجته إلى الآخَر المختلف الَّتي تقيِّد "حرّيته" والَّذي بدونه لا ينوجد إلى جعل الآخَر وُقودًا لوجوده... عبر السَّعي للسَّيطرة عليه وإخضاعه له... وإن فشل في ذلك ازداد ألمه وجحيمه... فيصير عائشًا كميت وتفقد الحياة لذّتها عنده وتمتلئ نفسه مرارة فيطلب اللَّذَّات السَّريعة ليُغَيِّر طعم المرارة، فيغرق في الإدمان والعادة دون جدوى ودون شفاء... وهذا جحيمه...
* * *
يا أحبَّة، صليب الخلاص هو أن نختار أن نَصلِب العالم فينا لنَحْيَا في المسيح، أي أن نُهلكَ فينا كلّ ميلٍ إلى إشباع الأنا والخضوع للكبرياء وبهذا نُهلك أنفسنا من أجل المسيح وإنجيله، أي نصلب ونُميت الخوف من الآخَر ومن الاختلاف لأنّ إنجيل المسيح هو شخصه ذاته الَّذي كشف لنا أنّ غاية الوجود هي أن نحبَّ حتّى المنتهى عبر إفراغ ذواتنا (راجع فيليبي 2: 5 – 11) من كلّ ما ليس من الله ليصير الله فينا الكلّ في الكلّ... فنجد راحةً وفرحًا بالاخَر الَّذي يصير هو حياتنا في المسيح... وهذا هو الموت الَّذي نغلبه بصليب اتّباعنا ليسوع المسيح، أنّه موت حاجتنا الكيانيّة إلى إماتة الآخَر فينا وانبعاث حاجتنا الكيانيَّة إلى حياة الآخَر فينا وحياتنا فيه...
أن نصل إلى هذه الحالة الرُّوحيَّة من الحرِّيَّة الدَّاخليَّة يعني أن نكون قد غلبنا أهواءنا وشهواتنا وتعلُّقاتنا، وهذه لا تتحقَّق إلَّا متى صارت محبَّة الله فينا قبل محبَّتنا لأنفسنا، أي طاعته هي أساس حياتنا إذْ نكون أسلمنا مشيئتنا بالكُلِّيَّة لمشيئته، ومشيئته قداستنا (راجع 1 تسالونيكي 4: 3)... هذه هي حُرِّيَّة أبناء الله (راجع رومية 8: 21) إنّها تحرُّر من عبوديَّة الخطيئة والفساد لأنّ محبَّة الله الَّتي بالنِّعمة الإلهيَّة تُحرِق كلَّ هوًى وشهوة فينا وتطهِّر القلب والذّهن (νοῦς) فيُعاين الإنسان مجد الله ويتمجَّد معه بنوره غير المخلوق متيقِّنًا بهذه الخبرة من غلبة الموت إلى الأبد لأنَّ محبَّة الله صارت هي حياته الَّتي منها وبها وفيها يحيا ويتحرَّك ويوجد (راجع أعمال 17: 28) ...
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع...
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
طروباريَّة القيامة (باللَّحن السَّابع)
حَطَمْتَ بِصَليبِكَ المَوت. وفتحتَ للِّصِّ الفِرْدَوس. وحوَّلتَ نَوْحَ حامِلاتِ الطّيب. وأمَرْتَ رُسلَكَ أن يَكرزِوا. بأنَّكَ قد قُمتَ أَيُّها المسيحُ الإله. مانِحًا العالمَ الرَّحمةَ العُظمى.
طروباريّة أحد السُّجود للصَّليب (باللَّحن الأوَّل)
خلِّصْ يا ربُّ شعبَكَ وبارِكْ ميراثَك، وامنَحْ عبيدَكَ المؤمنينَ الغلبَةَ على الشِّرِّير، واحفَظْ بقوَّةٍ صليبِكَ جميعَ المختصِّينَ بك.
قنداق (باللَّحن الثَّامن)
إنّي أنا عبدكِ يا والدة الإله، أكتب لكِ راياتِ الغلبة يا جُنديّةً مُحامية، وأقدّم لكِ الشُّكرَ كمُنقِذَةٍ من الشَّدائد، لكنْ بما أنّ لكِ العِزَّةَ الَّتي لا تُحارَب، أعتِقيني من صنوف الشّدائد، حتّى أصرخ إليكِ إفرحي يا عروسًا لا عروسَ لها.
الرِّسالة (عب 4: 14- 16، 5: 1- 6)
خَلِّصْ يَا رَبُّ شَعْبَكَ، وبارك ميراثك.
إِلَيْكَ يَا رَبُّ أَصْرُخ، إِلَهِي.
يا إخوَة، إذ لَنا رَئيسُ كَهَنَةٍ عَظيم، قَدِ اجتازَ السَّماواتِ، يَسوعُ ابنُ اللهِ، فلنَتَمَسَّك بِالإعتِراف. لأنَّ لَيسَ لَنا رَئيسُ كَهَنَةٍ غَيرُ قادِرٍ أَن يَرثِيَ لأوَهانِنا، بَل مُجَرَّب في كُلِّ شَيءٍ مِثلَنا، ماخَلا الخَطيئَة. فَلنُقبِل إذَن بِثِقَةٍ، إلى عَرشِ النِّعمَةِ، لِنَنالَ رَحمَةً، وَنَجِدَ ثِقَةً لِلإغاثَةِ في أَوانِها. فَإنَّ كُلَّ رَئيسِ كَهَنَةٍ مُتَّخَذٍ مِنَ النّاسِ، يُقامُ لأجَلِ النّاسِ فيما هُوَ للهِ، لِيُقَرِّبَ تَقادِمَ وَذَبائِحَ عَنِ الخَطايا، في إمكانِهِ أَن يُشفِقَ عَلى الَّذينَ يَجهَلونَ وَيَضِلّونَ، لِكَونِهِ هُوَ أَيضًا مُتَلَبِّسًا بِالضُّعف. وَلِهَذا يَجِبُ عَلَيهِ أَن يُقَرِّبَ عَنِ الخَطايا لأجَلِ نَفسِهِ كَما يُقَرِّبُ لأجَلِ الشَّعب. وَلَيسَ أَحَد يَأخُذُ لِنَفسِهِ الكَرامَةَ، بَل مَن دَعاهُ اللهُ كَما دَعا هَرون. كَذَلِكَ الـمَسيحُ، لَم يُمَجِّد نَفسَهُ لِيَصيرَ رَئيسَ كَهَنَةٍ، بَل الَّذي قالَ لَهُ أَنتَ ابني وَأَنا اليَومَ وَلَدتُكَ. كَما يَقولُ في مَوضِعٍ آخَرَ، أَنتَ كاهِن إلى الأبَدِ عَلى رُتبَةِ مَلكيصادَق.
الإنجيل (مر 8: 34- 38، 9: 1)
قالَ الرَّبُّ، مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني فَليَكفُر بِنَفسِهِ وَيَحمِل صَليبَهُ وَيَتبَعني، لأنَّ مَن أَرادَ أَن يُخَلِّصَ نَفسَهُ يُهلِكُها، وَمَن أَهلَكَ نَفسَهُ مِن أَجلي وَمِن أَجلِ الإنجيلِ يُخَلِّصُها. فَإنَّهُ ماذا يَنتَفِعُ الإنسانُ لَو رَبِحَ العالَمَ كُلَّه وَخَسِرَ نَفسَهُ؟ أَم ماذا يُعطِي الإنسانُ فِداءً عَن نَفسِهِ. لأنَّ مَن يَستَحي بي وَبِكَلامي في هَذا الجيلِ الفاسِقِ الخاطِئِ، يَستَحي بِهِ ابنُ البَشَرِ مَتى أَتى في مَجدِ أَبيهِ مَعَ الـمَلائِكَةِ القِدّيسين. وَقالَ لَهُم، الحَقَّ أَقولُ لَكُم، إنَّ قَومًا مِنَ القائِمينَ هَهُنا لا يَذوقونَ الـمَوتَ حَتّى يَرَوا مَلَكوتَ اللهِ قَد أَتى بِقُوَّة.
حول الإنجيل
ها قد وَصَلتْ رحلتنا الجهاديَّة إلى منتصف الصَّوْم الأربعينيّ المقدَّس، الَّذي غايته الاستعداد للفصح المجيد، لقيامة المسيح وانتصاره على الموت، وبالتَّالي قيامة كلَّ إنسانٍ يؤمن بيسوع، في اليوم الأخير. "كلُّ مَن آمن بي وإنْ ماتَ فسيَحْيَا" (يوحنَّا 11: 25).
لماذا وضعتْ الكنيسة خدمة السُّجود لصليب الرَّبِّ يسوع في وسْطِ الصَّوْم؟
في هذه المسيرة المبارَكَة يمكن للمؤمن أنْ يتعب أو يضعف أو تَخورَ قِوَاه، لذلك رتَّبتْ الكنيسة وضع الصَّليب في وسْطِ الصَّوْم، لكي يتأمَّل المؤمن المسيح المصلوب الَّذي تألَّم من أجلنا، ويُدرِكُ برجاء، أنَّ طريق القيامة يَمُرُّ حَتْمًا عبر حمل الصَّليب، فتتجدَّد قِواه ويُتابع سَيْرَه بجهادٍ أكبر، مُشارِكًا المصلوب تحمُّل الآلام ومُنتظرًا فرح القيامة.
ما هي شروط اتِّباع الرَّبّ يسوع؟
لا يمكن أن نتبع الرَّبّ يسوع حتَّى القيامة من دون حمل الصَّليب في حياتنا، "مَن أرادَ أن يأتي ورائي فليُنْكِر نَفْسَه ويحمل صليبه ويتبعني" (مرقس 8 : 34). يضع المسيح شَرْطَيْن بين أوَّل دعوة لاتِّباعه وثاني دعوة: هو أنْ يُنكر نفسه، وأنْ يحمل صليبه، وهذان الشَّرطان مرتبطان ببعضهما البعض. فالتَّخلِّي عن شهواتنا وأهوائنا النَّابعة من أنانيَّتنا والانطلاق نحو الآخَر والعناية به ورحمته هو الصَّليب الحقيقيّ الَّذي يحمله كلّ من أراد أن يتبع المسيح. الصَّليب هو بذل الذَّات محبَّةً بالآخَرين، وهذا ما يجعل الصَّليب مُرتبطًا بالمحبَّة. "ما مِن حُبٍّ أعظم من هذا أنْ يبذُلَ الإنسانُ نفسه عن أحبَّائه" (يوحنَّا 15: 13). وقد طبَّق الرَّبّ يسوع هذه المقولة عندما بذل نفسه على الصَّليب لأجلنا جميعًا. "لأنّه هكذا أحبَّ الله العالم حتَّى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كلُّ مَن يؤمِن به بل تكون له الحياة الأبدِيَّة" (يو3 :16).
ما هو صليب المؤمن في هذه الأيَّام؟
صليب الإنسان المؤمن في هذه الأيَّام قد يكون: تحمُّل المرض والعناية بالمرضى، الجهادات الرُّوحيَّة والجسديَّة، الأصوام والأسهار، التَّغلُّب على الأهواء والضُّعفات، ممارسة الفضائل، العمل في سبيل العائلة وتربيتها وتعليمها والعناية بها، مُحارَبَة الأفكار الغريبة الَّتي يزرعها العدو وتنقلها، إلى أولادنا، الألعاب التِّكنولوجيَّة عبر وسائل الإنترنت والتَّواصل، التَّمييز بين تعاليم الكنيسة المؤدِّيَة إلى الحياة الأبديَّة والتَّعاليم المندَسَّة المؤدِّيَة إلى الهلاك...
هل صليب المؤمن هو مشاركة في صليب المسيح نفسه؟
هذا كلّه صليب الإنسان المؤمن، الَّذي إنْ حمله بإخلاص، فسيشعر في كيانه أنّه يشارك المسيح في حمل الصَّليب، "مع المسيح صُلِبتُ، فلستُ أنا أحيا بل المسيح يَحيا فِيّ" (غلاطية 2: 20). ويكون عندئذ صليب المؤمن هو صليب المسيح، ولكن هذا يؤدِّي حتمًا إلى إهلاك النَّفس والاستشهاد، في سبيلِ المسيح، ولكن لا تَخَفْ أيُّها المؤمن فـ "...مَن يُهلِكُ نفسه من أجلي يجدها..." (متى 16: 25).
ماذا يستفيد مَن تقاعس عن حمل صليب الحياة وفضَّل أن يربح العالم الزَّائل وشهواته؟
إنّه سيخسر حتَّى نفسه، "وماذا يُعطي الإنسان فداءً عن نفسه؟" يسألنا الرَّبُّ، الَّذي قدَّم نفسه فداءً عنّا، بتعليقه على الصَّليب... يبقى علينا أن نحمل الصَّليب بفرح... لأنَّ مَن يحمله معه سيُقيمه في اليوم الأخير، وسيدخلنا إلى ملكوته السَّماويّ... آمين.
طريق الجهاد في الحياة الأرثوذكسيَّة
يُعتبَر الجهاد الرُّوحيّ طريقًا أساسيًّا للنُّموّ في المسيح، وليس مجرَّد مجهودٍ إنسانيّ أو اِلتزامٍ أخلاقيّ خارجيّ. الجهاد هو استجابَة حُرَّة لنعمة الله، يدخل فيها الإنسان بكليّته، قلبًا وفكرًا وجسدًا، ليُشفى من أهوائه ويتجدَّد على صورة المسيح.
يعلِّمنا الآباء القدِّيسون أنَّ الجهاد يبدأ بـ "التَّوبة" الصَّادقة، أي تغيير الذِّهن (الميتانِيّا)، حيث يعترف الإنسان بضعفه أمام الله، ويعود إليه بقلبٍ منسحقٍ ومتواضع. فالتَّوبة ليست لحظة عابرة، بل أسلوب حياة، فيه يتعلَّم المؤمن أن يقوم بعد كلِّ سقطة، واضعًا ثقته برحمة الله لا ببرِّه الذَّاتيّ.
ويأخذ الجهاد أشكالًا متعدِّدة في حياة الكنيسة: الصَّوْم، والصَّلاة، والسَّهر، وقراءة الكتاب المقدَّس، والاعتراف، والاشتراك في الأسرار المقدَّسة، ولا سِيَّما الإفخارستيَّا الَّتي هي ينبوع الحياة والقوَّة. في هذه المسيرة، لا يجاهد المؤمن وحده، بل داخل جسد الكنيسة، مُتَّكِئًا على نعمة الرُّوح القدس وإرشاد الأب الرُّوحيّ.
كما يشمل الجهاد جهاد المحبَّة والغُفران، إذ لا يمكن للإنسان أن يتقدَّم روحيًّا وهو يحمل في قلبه حقدًا أو دينونة للآخَرين. فالمسيح يدعونا أن نحمل صليب بعضنا بعضًا، وأن نتعلَّم التَّواضع وطول الأناة، لأن في ذلك تُشفى النَّفس وتستنير.
إنَّ طريق الجهاد، وإنْ بَدا صعبًا، هو في جوهره طريق الفرح الحقيقيّ، لأنَّ مَن يجاهد بأمانة يختبر عمل النِّعْمَة في داخله، وينمو من مجدٍ إلى مجد، حتَّى يصير الإنسان، بالنِّعْمَة، شريكًا في حياة المسيح، سائرًا نحو القيامة والحياة الأبديَّة.
الصَّليب فرح كلّ المسكونة
. الصَّليب، بالنّسبة لنا، يحمل في ذاته قوّة القيامة والحياة الجديدة لأنّ المسيح عليه غلب الشِّرِّير وقيَّد التِّنّين المولِّد أفكار الفساد أعـني إبليس. في المسيح وعلى الصَّليب ”ابْتُلِعَ الْمَوْتُ إِلَى غَلَبَةٍ“ (1 كو 15: 54). في المسيح القائم من بين الأموات دُشِّنت الخليقة الجديدة الَّتي فيها الله هو ”الكلّ في الكلّ“ (1 كو 15: 28).
. إنّ سرّ الصَّليب هو أنِّي ”أُسَرُّ بِالضَّعَفَاتِ وَالشَّتَائِمِ وَالضَّـرُورَاتِ وَالاضْطِهَادَاتِ وَالضِّيقَاتِ لأَجْلِ الْمَسِيحِ. لأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ“، إنّه سرّ قوّة الله الظّاهرة والفاعلة في ضعف الإنسان. لا وَهَن في المسيح، لأنَّني ”أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي“ (فيليبي 4: 13). بهذا صار الصَّليب سلاح غلبتنا في هذا العالم بإيماننا واتّحادنا بيسوع المسيح الرّبّ الَّذي صُلِبَ عليه مفجِّرًا الجحيم ومطلقًا حياته في العالم بروح الآب له المجد إلى الأبد آمين.