نشرة كنيستي
نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.
أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي
كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.
أحد الأجداد القدِّيسين
العدد 50
الأحد 14 كانون الأوَّل 2025
اللّحن 2- الإيوثينا 5
أعياد الأسبوع: *14: أحد الأجداد القدِّيسين، الشُّهداء ثيرسُس ورفقته *15: الشَّهيد في الكهنة آلافثاريوس وأمه أنثيَّا *16: النَّبي حجّي، والقدِّيسة ثيوفاني الملكة العجائبيّة *17: النَّبيّ دانيال والفتية الثَّلاثة القدِّيسين، القدِّيس ديونيسيوس أسقف آيينا *18: الشّهيد سابستيانوس ورفقته، القدِّيس موذستُس أسقُف أورشليم *19: الشَّهيد بونيفاتيوس، القدِّيسة أغليَّة الرُّوميَّة *20: تقدمة عيد الميلاد المجيد، القدِّيس إغناطيوس المتوشِّح بالله أسقٌف أنطاكية مدينة الله العُظمى.
كلمة الرّاعي
أحد الأجداد: "اِخلَعوا الإنسان العتيق… والْبَسوا الجديد"
في هذا الأحد الثَّاني قبل عيد الميلاد، تضع الكنيسة أمامنا سلسلة الَّذين سبقوا المسيح من أصحاب العهد والأنبياء والأبرار والصِّدِّيقين، الَّذين كانوا أمناء للوعد الإلهيّ، مُنتظرين مَجيء المخلِّص. فهؤلاء الآباء، من آدم إلى نوح إلى إبراهيم إلى موسى إلى داود، ومن الأنبياء إلى الصِّدِّيقين، هم رجال إيمان عاشوا رجاء الظُّهور الإلهيّ، وسلكوا بحسب "الإنسان الجديد" حتّى قبل أن يُستعلن بالكامل في المسيح بالإيمان والتَّوبة والطَّاعة.
وفي هذا الإطار، رتَّبتْ الكنيسة أن تُتلى الرِّسالة إلى أهل كولوسي (3: 4 - 11) حيث يخبرنا الرَّسُول بولس بأنَّه "متى ظهر المسيح الَّذي هو حياتنا، فأنتم أيضًا تظهرون معه في المجد". هذا الظُّهور الَّذي يتحدّث عنه الرَّسُول هو نفسه الَّذي نحتفل به في ميلاد الرَّبّ. فالطّفل المولود في المغارة هو "ظهور" الله في الجسد، كما يقول القدِّيس أثناسيوس الكبير: لقد صار الله إنسانًا لكي يَصير الإنسان إلهيًّا بالنِّعمة، وتاليًا فإنَّ ميلاد الرَّبّ هو تحقيق لتمجيد الإنسان في الله بيسوع المسيح ابن الله المتجسّد.
* * *
إنَّ الأجداد الَّذين نُعَيِّد لهم في هذا الأحد عاشوا على رجاء هذا الظُّهور، وحين وُلِدَ الرَّبّ عاينوا بالرُّوح هذا السِّرّ كما قال يسوع: "أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ" (يو 8: 56). كانوا ينتظرون "الحياة" الَّتي ستُعطى للعالم، والحياة تجسَّدَتْ في المسيح والَّذي هو تمجيدنا في الله. فالميلاد ليس حَدَثًا تاريخيًّا فقط، بل هو بداية مجد الإنسان الجديد. هذا الإنسان الجديد يتحقَّق بإماتة أعمال الجسد: الزِّنَى، النَّجاسة، الهوى، الطَّمَع… الَّتي ليست أعمالًا أخلاقيَّة، بل هي دعوة إلى تحوُّلٍ جذريّ في الحياة. فالآباء الَّذين نحتفل بهم لم يكونوا كاملين، لكنَّهم كانوا تائبين، مجاهدين، ساعين إلى الله.
يقول القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم: "الآباء لم يخلُصوا بأعمالهم فقط، بل بإيمانهم الَّذي جعلهم يرفضون الإنسان العتيق". إنَّ إماتة الأهواء هي الطَّريق الَّذي سلكه إبراهيم حين ترك أرضه، وداود حين تاب، والأنبياء حين حملوا كلمة الله في عالم مُعانِد. وهكذا يصبح أحد الأجداد دعوة لنا لنعيش الإيمان كما عاشوه: إيمانًا فعّالًا، يرفض الخطيئة ويحاربها ويطلب وجه الله.
* * *
أن نخلع الإنسان العتيق ونلبس الإنسان الجديد "الَّذي يتجدَّد للمَعْرفة على صورة خالقه" هو قلب لاهوت الميلاد: فالمسيح لم يولَد فقط ليُظهِر الله في الجسد، بل ليجعلنا نحن قادرين على أن نولد من جديد فيه ولكي يُتْحِدَ الإنسان بالله. يقول القدِّيس غريغوريوس النِّيصُصي: "كما أنَّ آدم القديم وُلد من الأرض، هكذا الإنسان الجديد يولد من السَّماء في المسيح". إنَّ هذا التَّجدُّد يتحقَّق عبر الأجيال من خلال النُّموّ في معرفة الله الَّتي كانت تتعمّق جيلًا بعد جيل قبل المسيح، وهكذا كان كلُّ واحدٍ من الآباء خطوة نحو اكتمال الصُّورة في المسيح، أمّا اليوم فكلُّ واحدٍ من المؤمنين مدعوٌّ ليَصير "صورة خالقه" عبر التَّوبة والمحبَّة والاتِّحاد بالرَّبّ. لذلك، في المسيح تزول الفوارق، وتُخلق عائلة البشريَّة الجديدة. فالأجداد الَّذين نُعَيِّد لهم هم الأجداد بالوَعد وبِرّ التَّوبة ففيهم أبرارًا وخطأة، ملوكًا وبُسَطاء، رجالًا ونساءً، يهودًا وأمميّين. وفي هذا يقول القدِّيس إيريناوس أسقف ليون: "المسيح جمع في نفسه البشريَّة كلّها، ليُعيدها إلى الآب".
* * *
يا أحبَّة، إنَّ الكنيسة تحضِّرنا من خلال هذا الأحد إلى سِرِّ وَحدة العائلة البشريَّة الَّتي قبل المسيح وبعده، والَّتي تجد معناها الحقيقيّ في ميلاد الرَّبّ يسوع المسيح، حيث يصبح "المسيح هو كلّ شيء وفي الجميع". فهذه الذِّكرى هي إعلان بأنَّ تاريخ الخلاص هو تاريخ تجدُّد الإنسان. وفي ضوء كلام الرَّسُول بولس، نفهم أنَّ الميلاد هو ظهور الحياة الجديدة، وأنَّ الأجداد الَّذين انتظروا تحقيق وَعْد الله بالخلاص هم شُهود هذا الظُّهور عبر الإيمان والطَّاعة، وأنَّنا مدعوُّون لخلع الإنسان العتيق ولبس الجديد بالتَّوبة، وأنَّ العائلة الجديدة الَّتي وُلدَتْ في المسيح تشمل البشريَّة كلّها المدعوَّة إلى خلاصه.
أيُّها الأحبّة، فلنستعدّ لاستقبال ميلاد الرَّبّ بقلوبٍ تتجدَّد، ولنَسِرْ في خطى الأجداد والآباء الَّذين سبقونا بالإيمان وهم قبل الشَّريعة وبعدها، لكي "نظهر معه في المجد" عندما يكتمل ظهور المسيح في حياتنا والولادة المستمرَّة فيه بالنِّعْمَة في التَّوبة حتّى يُستَعلن مجده بنا في العالم للخلاص...
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
طروباريّة القيامة (باللَّحن الثَّاني)
عندما انحدرتَ إلى المَوْت. أَيُّها الحياةُ الَّذي لا يَموت. حينئذٍ أَمَتَّ الجحيمَ بِبَرْقِ لاهوتِك. وعندما أقمتَ الأمواتَ من تحتِ الثَّرى. صرخَ نحوكَ جميعُ القُوّاتِ السّماويّين. أَيُّها المسيحُ الإله. مُعطي الحياةِ المجدُ لك.
طروباريّة الأجداد (باللّحن الثّاني)
لقد زكّيتَ بالإيمان الآباءَ القُدَماءَ، وبِهِم سبقتَ فخطبتَ البيعة الَّتي من الأمم. فلْيفتخرِ القدِّيسون بالمجد، لأنْ مِن زَرْعهم أَيْنَعَ ثمرٌ حَسيبٌ، وهو الَّتي ولدَتْك بغير زرعٍ. فبتوسُّلاتهم أيُّها المسيح الإله اِرحمنا.
قنداق تقدمة الميلاد (باللّحن الثّالث)
اليومَ العذراءُ تأتي إلى المـَغارة لِتَلِدَ الكلمةَ الَّذي قبل الدُّهور وِلادةً لا تُفسَّر ولا يُنطق بها. فافرحي أيّتها المـَسكونةُ إذا سَمِعْتِ، ومَجِّدي مع الملائكةِ والرُّعاة الَّذي سَيَظْهَرُ بمشيئته طفلًا جديدًا، وهو إلهُنا قبلَ الدُّهور.
الرّسالة (كو 3: 4- 11)
مُبَارَكٌ أَنْتَ يَا رَبُّ إِلَهَ آبَائِنَا.
لَأَنَّكَ عَدْلٌ فِي كُلِّ مَا صَنَعْتَ بِنَا.
يَا إِخْوَةُ، مَتَى ظَهَرَ الـمَسِيحُ الَّذي هُوَ حَيَاتُنَا، فَأَنْتُمْ أَيْضًا تَظْهَرُونَ حِينَئِذٍ مَعَهُ فِي الـمَجْدِ. فَأَمِيتُوا أَعْضَاءَكُمُ الَّتي عَلَى الأَرْضِ الزِّنَى وَالنَّجَاسَةَ وَالـهَوَى وَالشَّهْوَةَ الرَّدِيئَةَ، وَالطَّمَعَ الَّذي هُوَ عِبادَةُ وَثَنٍ. لِأَنَّهُ لِأَجْلِ هَذِهِ يَأْتِي غَضَبُ اللهِ عَلَى أَبْنَاءِ العِصْيَانِ. وَفِي هَذِهِ أَنْتُمْ أَيْضًا سَلَكْتُمْ حِينًا إِذْ كُنْتُمْ عَائِشِينَ فِيهَا. أَمَّا الآنَ فَأَنْتُمْ أَيْضًا اطْرَحُوا الكُلَّ، الغَضَبَ وَالسَّخْطَ وَالـخُبْثَ وَالتَّجْدِيفَ وَالكَلامَ القَبِيحَ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ، وَلا يَكْذِبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، بَلِ اخْلَعُوا الإِنْسَانَ العَتِيقَ مَعَ أَعْمَالِهِ، وَالْبَسُوا الإِنْسَانَ الجَدِيدَ الَّذي يَتَجَدَّدُ لِلْمَعْرِفَةِ عَلَى صُورَةِ خَالِقِهِ، حَيْثُ لَيْسَ يُونَانِيٌّ وَلا يَهُودِيٌّ، لا خِتَانٌ وَلا قَلَفٌ، لا بَرْبَرِيٌّ وَلا إِسْكِيثِيٌّ، لا عَبْدٌ وَلا حُرٌّ، بَلِ الـمَسِيحُ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ وَفِي الجَمِيعِ.
الإنجيل (لو 14: 16- 24)(لوقا 11)
قَالَ الرَّبُّ هَذَا الـمَثَلَ: إِنْسَانٌ صَنَعَ عَشَاءً عَظِيمًا وَدَعَا كَثِيرِينَ. فَأَرْسَلَ عَبْدَهُ فِي سَاعَةِ العَشَاءِ يَقُولُ لِلْمَدْعُوِّينَ: تَعَالَوْا فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ أُعِدَّ. فَطَفِقَ كُلُّهُمْ وَاحِدٌ فَوَاحِدٌ يَسْتَعْفُونَ. فَقَالَ لَهُ الأَوَّلُ: قَدِ اشْتَرَيْتُ حَقْلًا، وَلا بُدَّ لِي أَنْ أَخْرُجَ وَأَنْظُرَهُ، فَأَسْأَلُكَ أَنْ تُعْفِيَنِي. وَقَالَ الآخَرُ: قَدِ اشْتَرَيْتُ خَمْسَةَ فَدَادِينِ بَقَرٍ، وَأَنَا مَاضٍ لِأُجَرِّبَـهَا، فَأَسْأَلُكَ أَنْ تُعْفِيَنِي. وَقَالَ الآَخَرُ: قَدْ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فَلِذَلِكَ لا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَجِيءَ. فَأَتَى العَبْدُ وَأَخْبَرَ سَيِّدَهُ بِذَلِكَ. فَحِينَئِذٍ غَضِبَ رَبُّ البَيْتِ وَقَالَ لِعَبْدِهِ: أُخْرُجْ سَرِيعًا إِلَى شَوَارِعِ الـمَدِينَةِ وَأَزِقَّتِهَا، وَأَدْخِلِ الـمَسَاكِينَ وَالجُدْعَ وَالعُمْيَانَ وَالعُرْجَ إِلَى هَهُنَا. فَقَالَ العَبْدُ: يَا سَيِّدُ، قَدْ قُضِيَ مَا أَمَرْتَ بِهِ، وَيَبْقَى أَيْضًا مَحَلٌّ. فَقَالَ السَّيِّدُ: أُخْرُجْ إِلَى الطُّرُقِ وَالأَسْيِجَةِ وَاضْطُرَّهُمْ إِلَى الدُّخُولِ حتّى يَمْتَلِئَ بَيْتِي. فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ لا يَذُوقُ عَشَائِي أَحَدٌ مِنْ أُولَئِكَ الرِّجَالِ الـمَدْعُوِّينَ، لِأَنَّ الـمَدْعُوِّينَ كَثِيرُونَ، وَالـمُخْتَارِينَ قَلِيلُونَ.
حول الإنجيل
في مسيرتنا نحو ميلاد ربِّنا يسوع تُهيِّؤنا الكنيسة قبل أربعين يومًا بالصَّوْم الميلاديّ وعبر أناجيل الآحاد للاستعداد لاستقبال ربِّنا يسوع المسيح مولودًا في مغارة بيت لحم، قاصدةً في هذه الفترة التَّحضيريَّة، أنْ تُحَوِّلَ قلوبنا إلى مذودٍ عبر تغيير سلوكنا وتحويل أَذهانِنَا وقلوبنا نحو المولود الإلهيّ.
في هذه المسيرة نصل إلى الأحد الثَّاني قبل ميلاد ربِّنا يسوع المسيح وهو أحد "الأجداد القدِّيسين" حيث تُطلِعنا الكنيسة على آباء العهد القديم وهم أجداد الرَّبّ يسوع الَّذين أتَوْا من نسبٍ إيمانيّ بحيث آمنوا به وتنبَّؤوا بمجيئه وماتوا على رجاء ولادته كمخلِّصٍ للبشريَّةِ جمعاء، رجال العهد القديم الَّذين "شُهد لهم بالإيمان" (عب 11).
وفي هذا السِّياق يُطالِعُنا إنجيلُ اليوم بمَثَلٍ قاله الرَّبُّ عن "إنسانٍ صَنَعَ عشاءً عظيمًا ودَعا كثيرين"، وهو ما يذكِّرُنا بنبوءة إشعياء النَّبيّ الَّذي تحدَّث أيضًا عن مأدبةٍ يُقيمها الرَّبُّ للَّذين يترقَّبون خلاصه، ويترجَّوْن تحقيق ملكه في الأرض كلِّها: "وفي جبَلِ صِهيَونَ يُهَيِّئْ الرَّبُّ القديرُ لكُلِّ الشُّعوبِ مأدُبةً عامِرةً بلُحومِ العُجولِ المُسَمَّنَةِ ... ويُبيدُ السَّيِّدُ الرّبُّ الموتَ إلى الأبدِ ويمسَحُ الدُّموعَ مِنْ جميعِ الوجوهِ، ... هوَ الرّبُّ تكلَّمَ. فيُقالُ في ذلِكَ اليومِ: هذا إلهُنا اَنتَظَرناهُ وهوَ يُخلِّصُنا. هذا هوَ الرّبُّ اَنتَظَرناهُ، فلنَبتَهِج ونفرَحْ بخلاصِهِ”. (اش 25).
إذًا الرَّبُّ يدعونا جميعًا للمشاركة في المائدة الاحتفاليَّة الَّتي هي تعبيرٌ عن فرح المشاركة في ملكوت الله، فهو "الدَّاعي إيّانا إلى ملكوته ومجده" (1 تسا 12:2). وميلاد ربّنا يسوع المسيح كمخلِّصٍ للبشريَّة اليوم في بيت لحم هو إعلانٌ واضحٌ أنَّ وقت تلبية دعوة الله لنا قد حان، مائدة الله معدَّة وملكوته مُهيَّأ.
ولكن نرى في هذا المثل أنَّ المدعوِّين بدأوا يستعفون بحججٍ مرتبطةٍ بهموم الحياة الأرضيَّة الَّتي حجبت عن عيونهم رؤية مجيء المخلِّص مولودًا في مذود، بالتَّالي رفضوا تلبية الدَّعوة: "اليوم، إنْ سمعتُم صوتَهُ فلا تُقَسّوا قلوبَكم" لأنْ "هوَّذا الآن وقتٌ مَقبول، هوَّذا اليوم يوم خلاص".
إنَّ الله يُحقِّق وعده ويدعو البشر بيسوع المسيح إلى وَليمَة الملكوت. ولكن، إذا استهان "أولاد الملكوت" بدعوة الله، فـ "أولاد أزِقَّةِ هذا العالم" و"المساكين"، الَّذين يبدون وكأنّهم غير معنيِّين بدعوة الله، سيدخلون عِوَضًا عنهم.
إنَّ تَمَسُّكَ الإنسان بهذه الدُّنيا وما فيها، يجعله يَنسى الرَّبّ، وينظر إلى العَطِيَّة دونَ المُعطي، فما قيمة الهدِيَّة إذا فقدنا محبَّةَ الله الَّذي أهداها؟
الرَّبُّ في هذا المثل يُنَبِّهنا أن نكون مُستَعدِّين لتلبية الدَّعوة الإلهيّة، وبخاصَّةً حين يأتي المسيح ثانية بِمَجدٍ، مُعْلِنًا ملكوت الله فنسمع بفرح الهتاف العظيم:"طوبى للمَدعُوِّين إلى وليمة عرس الحمل" (رؤ 19: 9).
استمراريَّة القداسة في الكنيسة
"ها أنا معكم كلَّ الأيَّام إلى انقضاء الدَّهر" (متّى 28: 20).
تُعتَبَر القداسة في اللَّاهوت الأرثوذكسيّ صفةً جوهريَّة لله، وقد تحدَّد هذا المفهوم بناءً على الآية الأساسيَّة: "بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ. لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ" (1 بط 1: 15-16).
يفسر القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفم هذه الدَّعوة بأنَّها اِلتزام بالابتعاد عن الخطيَّة. القداسة هي تطهير مستمرٌّ للعودة إلى الشَّبه الأصليّ الَّذي خلقنا عليه الله. لم تنقطع القداسة في الكنيسة لأنَّها حافظتْ على الوسائط الفاعلة لنقل النِّعْمَة الإلهيّة فالكنيسة الأرثوذكسيَّة تؤمن أنّ الأساقفة هم خُلفاء الرُّسُل مباشرة. هذه الخلافة الَّتي تتمّ عبر وضع الأيدي (السِّيامَة) تضمن استمراريَّة نقل السّلطة الرَّسُوليَّة والنِّعْمَة الإلهيّة. والقدِّيس إغناطيوس الأنطاكيّ أكَّد في القرن الأوَّل على أنَّ الأسقُف هو مركز وَحدة الكنيسة ووجود المسيح. لا يمكن أن توجد كنيسة حقيقيَّة، أي مقدَّسَة، من دون الأسقُف، لأنَّ القَداسَة مُعلَنَة ومُمنوحة في التَّجمُّع الكنسيّ المنظَّم حسب الرُّسُل.
تُعتبر الأسرار المقدَّسة، وخاصَّةً سِرّ الإفخارستيّا، هي النَّبع المستمرّ للقداسة. فالقدَّاس الَّذي يُقام اليوم هو نفس عمل التَّقديس الَّذي أقامه المسيح في العلِّيَّة. القداسة هي دعوة مفتوحة لكافَّة المؤمنين في كلِّ عصر. هدف هذه الدَّعوة هو: التَّألُّه، أي الوصول إلى ملء قامة المسيح والاشتراك بالنِّعْمَة في الحياة الإلهيّة. يرى القدِّيس باسيليوس الكبير أنَّ القداسة تتطلَّب جهدًا مستمرًّا وتنظيمًا للحياة. استمرار القداسة يتطلَّب استمرار الجهاد والصَّلاة والزُّهد. إنَّه يشدِّد على أنَّ النِّعْمَة تُعطى، لكن يجب علينا التَّعاوُن معها لِنَيْلِ ثمار القداسة، وأفضل دليل على استمراريَّتها هو أنَّ الكنيسة لم تتوقَّف عن إنجاب القدِّيسين في كلِّ جيلٍ وعصر، حتّى في أصعب الظُّروف. هؤلاء القدِّيسون الجدُد هم بُرهانٌ حَيّ على أنَّ:
- النِّعْمَة الإلهيّة لم تتغيَّر.
- نموذج الكمال الإلهيّ ما زال قابلًا للتَّحقيق البشريّ.
في الختام، إنَّ استمراريَّة القداسة في الكنيسة هي حقيقةٌ حيَّةٌ وملموسة، أساسها الله القدُّوس، ووسيلتها هي الأسرار الرَّسُوليَّة السَّليمة، وغايتها هي تألُّه كلُّ مؤمنٍ بالنِّعْمَة ليشترك في مجد الله إلى الأبد.