Menu Close
070925

نشرة كنيستي

نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.

أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي

كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.

أحد عيد رفع الصَّليب             

العدد 37

الأحد  14 أيلول 2025

أعياد الأسبوع: *14: عيد رفع الصَّليب الكريم المُحيي*15: الشَّهيد نيقيطا، القدّيس سمعان التَّسالونيكيّ *16: العظيمة في الشَّهيدات إفيميَّة، القدّيس مرتينوس أسقف رومية *17: الشَّهيدات صوفيَّا وبناتها بيستي وإلبيذي وأغابي *18: القدّيس إفمانيوس العجائبيّ أسقف غورتيني *19: الشُّهداء تروفيموس وسباتيوس ودوريماذُن *20: الشُّهداء إفسطاثيوس وزوجته ثيوبيستي وولديهما أغابيوس وثيوبيستوس.

كلمة الرّاعي 

الصَّليب في وسط المسكونة

الكنائس قديمًا كان يُرفع على رأس قبّتها الأساسيّة ما يرمز إلى الصَّليب المزروع في وسط المسكونة، وكان هذا عبارة عن صليب في وسط ما يشبه الهلال. هذا كان رمزًا للصَّليب المزروع في وسط هذا العالم الَّذي به صار الخلاص وعليه كُشف، ليكون رمزًا لخلاص العالم بصليب الرَّبِّ يسوع المسيح.

الصَّليب حاضر مع الإنسان منذ البدء في الجنّة ممثَّلًا بشجرة معرفة الخير والشّرّ التي كان على الإنسان أن يمتنع عن الأكل منها إلى حين ينضج في معرفة الله والحَقّ لئلَّا يموت. صارت هذه الشَّجرة رمزًا للمعصية والسُّقوط ورفض محبّة الله، بها خدع إبليس الإنسان الأوّل بوهم ألوهيّةٍ دون الله. بيسوع المسيح ابن الله المتجسِّد صارت شجرة معرفة الخير والشَّرّ طريقًا للخلاص لأنّ عليها، أي على الصَّليب، سمّر الله العالم السَّاقط وكذب وخداع إبليس واستُعلِنَ حقُّ الله ومحبَّته لخليقته وتحقَّق تألُّه الإنسان وظهرت الخليقة الجديدة.

*             *             *

الصَّليب في وسط المسكونة عثرة وجهالة، عثرة للَّذين إيمانهم وهميّ وخرافيّ ومبنيّ على الخوارق، وجهالة لأصحاب حكمة هذا العالم المبنيَّة على القوَّة والتَّسلُّط. الكثير من النَّاس يتعاطون الإيمان كالسِّحْر، ويظنُّون الإله دوره استجابة طلباتهم وتحقيق أمنياتهم، ومنهم مَن يريدون الله إله حرب يعينهم في "فتوحاتهم" وينصرهم على غيرهم ويحكِّمَهُم برقاب العباد. آخَرون يعتقدون بأنّ ذكائهم وخبراتهم وعلمهم يجعلهم يسيطرون على الأقدار ويتحكَّمون بالحياة والوجود. في الحالتين رغبة للتَّألُّه دون الله الحَقّ عبر اختراع إلهٍ على صورة أهواء البشر.

الله كما كشفه لنا يسوع المسيح على الصَّليب لا يَمُتُّ لآلهة هذا العالم بشيءٍ، هو على الصَّليب الجبّار في قمّة الضُّعف الظَّاهِر، والمحِبّ بلا حدود أمام شرّ الأشرار والَّذي حكمته تهب الإنسان حياةً أبديَّة. هذا كلّه أتمّه الله على الصَّليب بابنه الوحيد يسوع المسيح. من يعرف قوّة الصَّليب وحكمته يتألّه، لأنّ هذا يميت العالم القديم الَّذي فيه بصليب الوصيَّة الإلهيَّة ويقتني حكمة المحبَّة الإلهيَّة الَّتي هي خبرة وتذّوق الحياة الأبديّة.

*             *             *

يا أحبّة، لا مهرب من الصَّليب في هذا العالم، لكنّ الله أتى ليجعل من صليب كلّ إنسان في هذه الدُّنيا أداة خلاص وليس أداة موت. قبل يسوع كانت الآلام والتَّجارب والِمحَن صوَرًا للموت النِّهائيّ، أمَّا مع الرَّبِّ يسوع فصارت أكاليل مجدٍ لمن يحملها ويغلبها بقوّة الإيمان وعمل النِّعْمَة الإلهيَّة. يسوع حَوَّل بصليبه الموت إلى حياة والذّلَّ إلى مجدٍ والضّعف إلى قوَّة والحقد إلى محبَّة والإدانة إلى مغفرة والشَّرّ إلى خير والظُّلمة إلى نور... نقل الإنسان من المواتيَّة والفنائيَّة إلى الحياة الأبديَّة والخلود... صار الصَّليب رمَزًا لقوَّة الله وغلبته النِّهائيَّة على الشَّيطان. من يتمسَّك بالصَّليب وبرسم إشارة الصَّليب في حياته عبر الطَّاعة لله ولكلمته تصير له هذه الإشارة علامة حضور للغالب الموت وبها يبارك حياته وأعماله وأفكاره وكيانه.

على الصَّليب تغيَّر كلّ الوجود، ظهرت الخليقة الجديدة والمحبوسين في العالم السُّفليّ تحرّروا، دُمّرت مملكة إبليس إلى الأبد لأنّ الغلبة نهائيّة، المعارك مستمرّة على صعيد كلّ إنسان وعلى صعيد البشريّة إلى أن يأتي يوم الرَّبّ-يوم القيامة، لكنَّ الفوز تحقَّق. على المؤمنين في هذا العالم أن يحملوا الصَّليب كأداة غلبة. المسيح بنا يُريد أن يغيِّر العالم ليصير مكانًا أفضل. الخلاص مُعطى لمن يقبل يسوع مخلِّصًا ولمن يتمسَّك بالاعتراف بالرَّبّ. الخلاص حصل وتمّ في يسوع، كلّ إنسان بواسطة حمله للصَّليب وراء يسوع يستطيع أن يقتني هذه الغلبة وهذا الخلاص... "ذوقوا وانظروا ما أطيب الرَّبّ..."، "هلّموا خذوا نورًا من النُّور الَّذي لا يعرُوه مساء..."، "لأَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ يَغْلِبُ الْعَالَمَ. وَهذِهِ هِيَ الْغَلَبَةُ الَّتِي تَغْلِبُ الْعَالَمَ: إِيمَانُنَا" (1 يو 5: 4).

ومن استطاع أن يقبل فليقبل...

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

طروباريّة عيد رفع الصَّليب (باللَّحن الأوّل)

خلِّصْ يا ربُّ شعبَكَ وبارِكْ ميراثَك، وامنَحْ عبيدَكَ المؤمنينَ الغلبَةَ على الشِّرِّير، واحفَظْ بقوَّةٍ صليبِكَ جميعَ المختصِّينَ بك.

قنداق عيد رفع الصَّليب (باللَّحن الرَّابع)

يا من ارتفعتَ على الصَّليب مُختارًا أيُّها المسيحُ الإله، امنح رأفتكَ لِشَعبكَ الجديدِ المـُسَمَّى بك، وفَرِّحْ بقوّتك عبيدَكَ المؤمنين، مانِحًا إيّاهُمُ الغلبةَ على مُحاربيهم. ولتكن لهم معونتُكَ سِلاحًا للسَّلامة وظفَرًا غيرَ مقهور.

الرّسالة (1 كو 1: 18- 24)

اِرْفَعُوا الرَّبَّ إِلَهَنَا، وَاسْجُدُوا لِمَوْطِئِ قَدَمَيْهِ.

الرَّبُّ قَدْ مَلَكَ فَلْتَسْخَطِ الشُّعُوبُ.

يَا إِخْوَةُ، إِنَّ كَلِمَةَ الصَّليب عِنْدَ الهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا، نَحْنُ الـمُخَلَّصِينَ، فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ. لِأَنَّهُ قَدْ كُتِبَ: سَأُبِيدَ حِكْمَةَ الحُكَمَاءِ، وَأَرْفُضُ فَهْمَ الفُهَمَاءِ. فَأَيْنَ الحَكِيمُ؟ وَأَيْنَ الكَاتِبُ؟ وَأَيْنَ مُبَاحِثُ هَذَا الدَّهْرِ؟ أَلَيْسَ اللهُ قَدْ جَهَّلَ حِكْمَةَ هَذَا العَالَمِ؟ فَإِنَّهُ إِذْ كَانَ العَالَمُ، وَهُوَ فِي حِكْمَةِ اللهِ، لَمْ يَعْرِفِ اللهَ بِالحِكْمَةِ، ارْتَضَى اللهُ أَنْ يُخَلِّصَ بِجَهَالَةِ الكِرَازَةِ الَّذينَ يُؤْمِنُونَ. لِأَنَّ اليَهُودَ يَسْأَلُونَ آيَةً، وَاليُونَانِيِّينَ يَطْلُبُونَ حِكْمَةً، أَمَّا نَحْنُ فَنَكْرِزُ بِالـمَسِيحِ مَصْلُوبًا شَكًّا لِلْيَهُودِ وَجَهَالَةً لِلْيُونَانِيِّينَ. أَمَّا لِلْمَدْعُوِّينَ مِنَ اليَهُودِ وَاليُونَانِيِّينَ، فَالـمَسِيحُ قُوَّةُ اللهِ وَحِكْمَةُ اللهِ.

الإنجيل (يو  19: 6- 11، 13- 20، 25- 28، 30-35)

فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، عَقَدَ رُؤَسَاءُ الكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ عَلَى يَسُوعَ مَشُورَةً لِيُهْلِكُوهُ. فَأَتَوْا إِلَى بِيلَاطُسَ قَائِلِينَ: "اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ!". فَقَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: "خُذُوهُ أَنْتُمْ وَاصْلُبُوهُ، فَإِنِّي أَنَا لا أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً". أَجَابَهُ الْيَهُودُ: "إِنَّ لَنَا نَامُوسًا، وَبِحَسَبِ نَامُوسِنَا يَجِبُ أَنْ يَمُوتَ، لأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ابْنَ اللهِ". فَلَمَّا سَمِعَ بِيلاَطُسُ هذَا الكَلامَ ازْدَادَ خَوْفًا. وَدَخَلَ أَيْضًا إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ وَقَالَ لِيَسُوعَ: "مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟" فَلَمْ يَرُدَّ يَسُوعُ عَلَيْهِ جَوَابًا. فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: "أَلا تُكَلِّمُنِي؟ أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ لِي سُلْطَانًا أَنْ أَصْلِبَكَ وَلِي سُلْطَانًا أَنْ أُطْلِقَكَ؟" فَأَجَابَ يَسُوعُ: "مَا  كَانَ لَكَ عَلَيَّ مِنْ سُلْطَانٍ، لَوْ لَمْ يُعْطَ لَكَ مِنْ فَوْقُ. فَلَمَّا سَمِعَ بِيلاَطُسُ هذَا الكَلامَ أَخْرَجَ يَسُوعَ، ثُمَّ جَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّ القَضَاءِ فِي مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ "لِيثُسْتْروتُن" وَبِالْعِبْرَانِيَّةِ "جَبَّاثَا". وَكَانَتْ تَهْيِئَةُ الْفِصْحِ، وَكَانَ نَحْوُ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ. فَقَالَ لِلْيَهُودِ: "هُوَذَا مَلِكُكُمْ!" أَمَّا هُمْ فَصَرَخُوا: "ارْفَعْهُ! ارْفَعْهُ! اصْلِبْهُ!" فَقَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ "أَأَصْلِبُ مَلِكَكُمْ؟" فَأَجَابَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ: "لَيْسَ لَنَا مَلِكٌ غَيْرُ قَيْصَرَ". حِينَئِذٍ أَسْلَمَهُ إِلَيْهِمْ لِلصَّلْبِ .فَأَخَذُوا يَسُوعَ وَمَضَوْا بِهِ. فَخَرَجَ، وَهُوَ حَامِلٌ صَلِيبَهُ إِلَى الـمَوْضِعِ الـمُسَمَّى "الجُمْجُمَةَ"، وَبِالعِبْرَانِيَّةِ يُسَمَّى "الجُلْجُلَةَ"، حَيْثُ صَلَبُوهُ وَآخَرَيْنِ مَعَهُ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَا، وَيَسُوعُ فِي الوَسَطِ. وَكَتَبَ بيلاطُسُ عُنْوَانًا وَوَضَعَهُ عَلَى الصَّليب، وَكَانَ الـمَكْتُوبُ فِيهِ: "يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ مِلِكُ اليَهُودِ". وَهَذَا العُنْوَانُ قَرَأَهُ كَثِيرُونَ مِنَ اليَهُودِ لِأَنَّ الـمَوْضِعَ الَّذي صُلِبَ فِيهِ يَسُوعُ كَانَ قَرِيبًا مِنَ الـمَدِينَةِ. وَكَانَ مَكْتُوبًا بِالعِبْرَانِيَّةِ وَاليُونَانِيَّةِ وَالرُّومَانِيَّةِ. وَكَانَتْ وَاقِفَةً عِنْدَ صَلِيبِ يَسُوعَ، أُمُّهُ، وَأُخْتُ أُمِّهِ مَرْيَمُ الّتي ِلِكِلُوبَا، وَمَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ أُمَّهُ وَالتِّلْمِيذَ الَّذي كَانَ هُوَ يُحِبُّهُ وَاقِفًا، قَالَ لأُمِّهِ: "يَا امْرَأَةُ، هُوَذَا ابْنُكِ". ثُمَّ قَالَ لِلتِّلْمِيذِ "هُوَذَا أُمُّكَ". وَمِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ أَخَذَهَا التِّلْمِيذُ إِلَى خَاصَّتِهِ. وَبَعْدَ هذَا رَأَى يَسُوعُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ تَمَّ، فَأَمَالَ رَأْسَهُ وَأَسْلَمَ الرُّوحَ. ثُمَّ إِذْ كَانَ يَوْمُ التَّهْيِئَةِ، فَلِئَلاَّ تَبْقَى الأَجْسَادُ عَلَى الصَّليب فِي السَّبْتِ، لأَنَّ يَوْمَ ذلِكَ السَّبْتِ كَانَ عَظِيمًا، سَأَلَ الْيَهُودُ بِيلاَطُسَ أَنْ تُكْسَرَ سُوقُهُم وَيُذْهَبَ بِهِمْ. فَجَاءَ الجُنْدُ وَكَسَرُوا سَاقَيِ الأَوَّلِ وَالآخَرِ الَّذي صُلِبَ مَعَهُ. وَأَمَّا يَسُوعُ فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَيْهِ وَرَأَوْهُ قَدْ مَاتَ لَمْ يَكْسِرُوا سَاقَيْهِ. لكِنَّ وَاحِدًا مِنَ الجُنْدِ طَعَنَ جَنْبَهُ بِحَرْبَةٍ، فَخَرَجَ لِلْوَقْتِ دَمٌ وَمَاءٌ. وَالَّذي عَايَنَ شَهِدَ، وَشَهَادَتُهُ حَقٌّ.

حول الرِّسالة

يُشكّل الصَّليب قلب الكرازة المسيحيَّة وسِرَّ خلاص الإنسان، وهو ليس مجرَّد أداة موت، بل طريق حياةٍ وقيامة. في نظر العالم، يبدو الصَّليب جهالةً وضعفًا، أمّا في نظر المؤمنين فهو قوّة الله وحكمة الله (١ كو ١: ١٨، ٢٤).

١. الصَّليب كقوَّة الله

يواجه القدِّيس بولس في رسالة اليوم مفارقة عميقة: اليهود يطلبون آية ملموسة، واليونانيُّون يفتِّشون عن حكمة عقليَّة، أمّا الكنيسة فتعترف بالمسيحٍ مصلوبًا هو بالذَّات قوَّة الله وحكمة الله. الصَّليب إذًا ليس هزيمة بل انتصارًا إلهيًّا. فيه يُهزَم الموت ويُباد الفساد، وتُفتَح للإنسان طريق الحياة الجديدة. لذلك يهتف القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم: "الصَّليب هو رأس خلاصنا، سببٌ لعدد لا يُحصى من الخيرات".

٢. الصَّليب كدينونة العالم

في إنجيل اليوم (يو ١٩: ٦-١١) نرى مواجهة المسيح مع بيلاطس: اليهود يصرخون "اِصلِبه!"، وبيلاطس يتخبَّط في خوفه. هنا يظهر أنَّ الصَّليب ليس فقط أداة موت، بل لحظة دينونة العالم: السُّلطة الزَّمنيَّة (بيلاطس) عاجزة عن إدراك الحَقّ، والسُّلطة الدِّينيَّة (اليهود) ترفض ابن الله. المسيح وحده ثابتٌ في الطَّاعة، مُعْلِنًا أنَّ كلَّ سلطانٍ في الأرض لا يُعطى إلَّا من فوق. هكذا يصير الصَّليب مرآة تكشف قلب الإنسان: مَن يُؤمِن به ينال الحياة، ومن يرفضه يَدين نفسه.

٣. الصَّليب كطريقِ الحكمة الإلهيَّة

الكنيسة الأرثوذكسيَّة ترى أنَّ الصَّليب هو مدرسة، فيه نتعلَّم أنَّ طريق الله ليس كطُرُقِ النَّاس. الحكمة الحقيقيَّة لا تُقاس بالمنطق البشَريّ، بل بحُبِّ الله الَّذي يبذل ذاته. لذلك نقول في ترانيمنا: "نسجد لآلامك أيُّها المسيح، فأرِنا قيامتك المجيدة". إذًا الصَّليب ليس حدثًا "ماضويًا" فقط، بل خبرة يوميَّة في حياة الكنيسة. حين نحمل صليبنا باتِّحادٍ مع المسيح، نكتشف أنَّ الألم والطَّاعة والمحبَّة حتَّى البذل ليست عبثًا، بل هي الطَّريق إلى القيامة.

في الخُلاصة، بينما يرى العالم في الصَّليب ضعفًا وفضيحة، يعلنه الآباء عرشَ المجد وسلاح النّصرة وباب الفردوس. فالَّذي سُمِّر على الصَّليب لم يكن مغلوبًا، بل هو الَّذي غلب بالمحبَّة، وصار صليبه قوَّة خلاصٍ لكُلِّ من يؤمن.

لأنّنا به نَغلِب

... أي أنّنا بالصَّليب نَغلِب. ففي رسامة الأسقف قسطنطين كيّال كانت للمطران جورج خضر عظةٌ خاطب بها الأسقفَ الجديد، واستَهلّها بما حرفيّتُه: "سيادةَ الأخ الجليل، كان شفيعُك القدّيسُ قسطنطين الكبير في معركةٍ لمّا شاهد صورةَ الصَّليب في السّماء، وسَمع صوتًا يقول له: "بهذا تَغلِب". ونحن نعرف أنّه، في أزمنة الاضطهاد، كان الرّاسخون في الإيمان يُقاومون، بجرأةٍ، كلَّ تهديد. وإذ تَسَلّحوا بعلامة الصَّليب الظّافر، اعترفوا، بالفم الملآن، باسم يسوعَ المسيح، وبَذلوا أنفسَهم للتَّعذيب. هذا كلُّه، ممدودًا إلى أبعاده الأخيرة، يعني، في ما يعنيه، أنَّ الغلبةَ بالصَّليب ليست نصيبَ قسطنطين وحدَه، ولا نَصيبَ الشُّهداءِ وحدَهم، لكنّها نصيبُ كلّ واحد منّا إذا آمن، حقًّا، بالصَّليب وقوّةِ الغلبة الَّتي فيه، واتّخذه له حِرزًا حَريزًا.

ورُبَّ سائلٍ هنا: قسطنطينُ كان بحاجة إلى الصَّليب لأنَّه كان في معركة، وتُعوِزه قوَّة الصَّليب لتَشدَّ أَزرَه؛ وكذلك الشُّهداء، إنّهم بحاجة إليه ليتمكّنوا، بقوّته، من الصُّمود في وجه الَّذين يضطهدونهم، فلا يَدفعَهم هَوانُهم إلى خيانة إيمانهم وإنكار المسيح. أمّا نحن فما حاجتنا إلى الصَّليب؟ ما الحرب الَّتي نخوضها ونحتاج فيها إلى الصَّليب لنَغلِب به؟ الجواب بسيط: نحن، أيضًا، نخوض حربًا غيرَ منظورة، ولا هَوادةَ فيها، ضدّ قوى الشّرِّ الَّتي في العالم، ضدّ الشَّيطان الَّذي يُحاربنا ليلًا نهارًا، يُحاربنا في كلِّ وقت وكلّ مكان، يُحاربنا في كلّ ظرف وحال، يُحاربنا بلا هَوادة ولا كَلَل، وكلُّ همّه أن يقتنصَنا لحِزبه. أجل، نحن، أيضَا، نحتاج إلى الصَّليب لنَغلِب به "الخطيئةَ المحيطةَ بسهولةٍ بنا" على ما يقول كاتب الرّسالة إلى العبرانيّين في 1:12، ولكي نغلب معها كلَّ ضعف قد يَسْرَبُ إلينا بسببها وكلَّ هَوان. وهذا ما يُفسّر لماذا خصّصتِ الكنيسة الأحد الَّذي في مُنتصَف الصّوم الأربعينيّ المقدَّس للصَّليب. فالكنيسة، بحِسّها الرِّعائيّ، تأخذ في الاِعتبار أنّ الصّائم قد يتعب في مُنتصَفِ المسيرة الصّياميّة، ولذلك تنصب أمامه صليب المسيح ليتشدَّد به من ضعف وتتجدَّد فيه القوّة الَّتي تُمكّنه من متابعة المسيرة. باختصار نحن، أيضًا، كما قسطنطينُ الكبير وكما الشُّهداءُ الأبرار، نستمدّ من الصَّليب قوّةً نَقهر بها الموت اليوميّ الَّذي يَسرَب إلينا بفعل الخطيئة، وبها نُجدّد فينا صورة الجمال القديم.

أمّا بعد، وإذا كانت للصَّليب هذه القوّةُ، فبفضل المعلَّق عليه. يقول بولس: "إنّ كلمة الصَّليب عند الهالكين جهالةٌ، وأمّا عندنا، نحن المخلَّصين، فهي قوّة الله" (1 كو 18:1). ثمّ، بعد هذا بقليل، يتابع مُوضحًا: "إنّ اليهود يسألون آيةً، واليونانيّين يطلبون حكمةً... أمّا للمدعوّين من اليهود واليونانيّين فالمسيح قوّة الله وحكمة الله (1 كو 22:1، 23، 24)؛ ما يعني أنّ خشبة الصَّليب لا تستمدّ قوّتها من ذاتها بل من المعلَّق عليها. ولذا، نحن لا نرفع خشبة الصَّليب في الكنيسة إلّا وأيقونةُ المصلوب مرسومةٌ عليها. باختصار، ليست الخشبةُ ما يَهمّنا بل إنّما المعلَّقُ عليها. إنّه هو قوّتُنا وخلاصُنا، وبه نَغلِب.