Menu Close
140626

نشرة كنيستي

نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.

أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي

كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.

الأحد (2) بعد العنصرة     

العدد 24

الأحد 14 حزيران 2026

اللَّحن 1- الإيوثينا 2

أعياد الأسبوع: *14: تذكار جامع للقدِّيسين الأنطاكيّين، النَّبيّ أليشع، القدِّيس مِثوديوس رئيس أساقفة القسطنطينيَّة *15: النَّبيّ عاموس، البارّ إيرونيمس *16: القدِّيس تيخن أسقف أماثوس *17: الشُّهداء إيسفروس ورفقته، الشُّهداء مانوئيل وصابل واسمعيل *18: الشُّهداء لاونديوس ورفقته *19: الرَّسول يهوذا نسيب الرَّبّ، البارّ بايسيوس الكبير *20: القدِّيس مِثوديوس أسقف بتارُن، الأب نيقولاوس كباسيلاس.

كلمة الرّاعي 

عيد جميع قدِّيسي الكُرسيّ الأنطاكيّ المقدَّس

وتأمُّل في سيرة رجُلَيْن أضاءا لنا الطَّريق إلى القداسة

"لذلك نحن أيضًا، إذْ يُحيط بنا مثل هذه السَّحابة من الشُّهود، فْلنُلْقِ عّنا كل ثقل والخطيئة المحيطة بسهولة بنا، ولنُسابق بالصَّبر في الجهاد الموضوع أمامنا..."(عبرانيِّين 12: 1)

تحتفل كنيسة أنطاكية وسائر المشرق، في الأحد الثَّاني من زمن العنصرة، بعيد جميع قدِّيسيها. ليس هذا العيد مُجرَّد ذكرى تاريخيَّة لأسماء نقشتها الأجيال على ألواحٍ حجريَّة، بل هو تأكيد على أنَّ الكنيسة كيانٌ حيٌّ بروح الله إذْ هي جسد المسيح الحَيّ، يمتدُّ عبر الزَّمن إلى الأبديَّة، جسد واحد يضمّ في شركة سرِّيَّة الأحياءَ والرَّاقدين، أولئك الَّذين اكتملوا في النُّور وأولئك الَّذين ما زالوا يَسيرون في درب الجهاد...

القدِّيس في التَّقليد الكنسيّ ليس شخصيَّة خارقة بعيدة عن الواقع، ولا صورةً ذهبيَّة مُعَلَّقة فوق عالم البشر. هو إنسانٌ مِن لحمٍ ودم، وُلد في مدينة أو قرية، تعلَّم في مدرسة وجامعة، عمِلَ وعَلَّم، أحبَّ وحزن، عرف الإغراء والشَّكّ. غير أنَّه في مكانٍ ما مِن مساره الحياتيّ قال نعم لله بشكلٍ نهائيّ وكاملٍ، وسلك هذا الطَّريق بأمانةٍ حتَّى النِّهاية. وهذه القداسة — الَّتي تجمع بين الإنسانيَّة الكاملة والتَّكريس الكامل لله — هي الَّتي نحتفل بها في عيد جميع القدِّيسين الأنطاكيِّين.

في هذا الإطار يليق بنا أن نتأمَّل في سيرة رَجُلَيْن أنطاكيَّين ما تزال ذكراهما حَيَّةً في الكنيسة والمجتمع: المطوبَي الذِّكر والمثلثَيْ الرَّحمة المتروبوليت بولس بندلي، والأرشمندريت الياس مرقص.

*             *             *

المتروبوليت بولس بندلي: الرَّاعي الَّذي عرف خرافه باسمائها

كان بولس بندلي راعيًا بالمعنى الإنجيليّ العَميق للكلمة. تولَّى رعايَة أبرشيَّة عكَّار وتوابعها للرُّوم الأرثوذكس في لبنان لِعُقودٍ، وكان يعرف خرافه بالإسم، ليس مَجازًا بل حرفيًّا. في الأرياف والجبال والقرى النَّائية الَّتي يتألَّف منها نسيج أبرشيَّتِهِ، كان يحمل الكتاب المقدَّس (الخبز الرُّوحيّ) والخبز المادِّيّ في آنٍ معًا. كان راعيًا يقترب من النَّاس في بساطةٍ مكينة ومتجذّرة في الإيمان ومتجَلِّيَة في التَّواضع...

أسهم المتروبوليت بولس في تجديد الحياة الرِّعائيَّة في الأبرشيَّة على مستوياتٍ مُتعدِّدَة. فهو كان رسولًا في أبرشيَّةِ عكَّار على مثال شفيعه بولس الرَّسول المصطفى، وذلك عبر رحلاته التَّبشيريَّة في رعايا الأبرشيَّة ومباركته للعمل البِشاريّ لحركة الشَّبيبة الأرثوذكسيَّة في عكَّار - وهو مِن خرِّيجيها - وخدمته للمُحتاجين والفقراء، وإنشائه للمؤسَّسات التَّعليميَّة والاجتماعيَّة، وعلاقاته الأخويَّة مع كلِّ مكوِّنات أرض عكَّار في شقَّيها اللُّبنانيّ والسُّوريّ حامِلًا شهادة المحبَّة الَّتي لا تَعرف التَّمييز بين إنسانٍ وإنسان، وكتاباته اللَّاهوتيَّة والرُّوحيَّة الَّتي تكشف عن مطرانٍ جَمَعَ بين العمق الرُّوحيّ والبَساطة في التَّعبير. خِطبه في التُّوبة والإفخارستيَّا واللِّقاء مع المسيح في وجه الآخَر تنبع من قلبٍ اختَبَرَ ما يقول.

رقد بولس بندلي في الرَّبِّ في الثَّالث من حزيران 2008، وبعد سنةٍ على وفاته أقام المتروبوليت باسيليوس منصور راعي الأبرشيَّة الجديد قدَّاس ذكراه. لكنَّ ذكراه لم تبقَ في قاعات الاحتفال وحسب، بل بَقِيَتْ في قلوب الَّذين عرفوه، وفي الكنائس والمؤسَّسات الَّتي بناها أو رمَّمَها، وفي جيل من الكهنة والعلمانيِّين الَّذين حملوا شيئًا من روحه الرِّعائيَّة وإيمانه وفكره...

في سياق عيد جميع القدِّيسين الأنطاكيِّين، يجسِّد المتروبوليت بولس نموذج الأسقف - الرَّاعي الَّذي لا يَسكُن في البروج العاجِيَّة، بل ينزل إلى الحياة اليوميَّة لشعبه ويحمل معهم ثقلها وفرحها، ويؤمن أنَّ الله يُرى في القلب وفي وجْهِ الآخَر.

*             *             *

الأرشمندريت الياس مرقص: الَّذي ترك العالم ليملكه

تختلف سيرة الأرشمندريت الياس مرقص في بنيتها الخارجيَّة عن سيرة المتروبوليت بولس، غير أنَّها تصدر من الينبوع ذاته.

وُلد مَرسيل اسبيرو مرقص في 5 أيَّار 1921 في اللَّاذقيَّة السُّوريَّة. درس الحقوق وبلغ مناصب رفيعة في الإدارة المدنيَّة، فعُيِّن رئيسًا لدائرة محافظة اللَّاذقيَّة، ومحافِظًا بالإنابة، ثم قائِمَقامًا. كان بإمكانه أن يُمضي حياته في هذا المسار المرموق، إلَّا أنَّ الله كان يعمل في داخله بهدوءٍ وعمق.

كان مرسيل مرقص أحد المؤسِّسين الفعليِّين لحركة الشَّبيبة الأرثوذكسيَّة الَّتي تأسَّستْ في 16 آذار 1942، إلى جانب جورج خضر وجبرائيل سعادة وآخرين. في العام 1955، ألقى محاضرة في كلِّيَّة اللَّاهوت في أثينا أذهلت الأساتذة، حتَّى إنَّ بعضهم قال: "هذا هو اللَّاهوت، لا ما نُدَرِّسَهُ هنا" (يُنقل هذا الكلام عن الشَّمَّاس اسبيرو جبُّور (المثلَّث الرَّحمات)، في رسالة كتبها بعنوان "حركة الشَّبيبة الأرثوذكسيَّة تَنْبُش الَّتاريخ الأبيض للكرسيّ الأنطاكيّ"، مؤرَّخَة في 17 أيَّار 1995). لم يكن هذا مجرَّد مديح أكاديميّ، بل شهادةً على أنَّ شابًّا من الكرسيّ الأنطاكيّ حمل في قلبه لاهوتًا حَيًّا نابعًا من الاختبار لا مِنَ الكتب وحدها.

وفي عام 1958، في قرار لا يُفَسَّرُ بمنطق هذا العالم، ترك كلّ ذلك — المنصب والمكانة والمستقبل الواعِد — وترهَّبَ في دير القدِّيس جاورجيوس (دير الحرف)، مُتَّخِذًا من النَّبيّ إيليَّا شفيعًا وسَمِيًّا، ليُصبح الأرشمندريت الياس مرقص. فَنِيَ في حياة الصَّلاة والصَّمت والتَّوْبة، وعاش حتَّى 23 شباط 2011، مُقَدِّمًا للكنيسة الأنطاكيَّة في القرن العشرين نموذجًا للرّهبانيَّة الحقَّانِيَّة المتجَذِّرَة في النَّهضة الرُّوحيَّة. كان رجل تواضع كبير يُخفي كِبَرَه الرُّوحيّ بلِباسِ النِّكْتَة الطَّريفة والطَّرافة ذات العُمق الرُّوحيّ والتَّعليميّ...

في عام 2024، نظّمتْ لجنة إحياء تراثه بالتَّعاون مع حركة الشَّبيبة الأرثوذكسيَّة ندوة تحت عنوان "بين سيرة القداسة والخصوصيَّة الأنطاكيَّة" — وهذا العنوان ذاته يقول الكثير: ثمَّةَ مَن يرى في الياس مرقص قدِّيسًا، وثمَّة شعب كنيسة يتأمَّل في إمكانيَّة إعلانه شفيعًا رسميًّا.

*             *             *

خاتمة: بين سيرتَين، درسٌ واحدٌ لنا

على تنوُّعِ مَسلكَيهما — الأسقف الرَّاعي والرَّاهب المنْسَحِب — يجمع بولس بندلي والياس مرقص جوهر واحد: الأمانة للمحبَّة الأولى. كلاهما أحَبَّ الكنيسة أكثر من نفسه فلم يقبلا أن يُريحا نفسيهما فيها إلَّا بخدمة النَّهضة والبشارة. وكلاهما آمن بأنَّ الحياة الرُّوحيَّة ليست هروبًا من العالم، بل حُضورًا أعمق فيه — حضور الإنسان المتحرِّر من ذاته ليكون بالكامل في خدمة الله والآخرين.

هذا هو الدَّرس الَّذي يمنحنا إيَّاه عيد جميع القدِّيسين الأنطاكيِّين: ليست القداسة امتيازًا لفئة مختارة، بل هي دعوة مُوَجَّهة لكلِّ مؤمنٍ، في كلِّ جيل، في كلِّ بيئة. اللَّاهوتيّ والمحامي، الرَّاهب والمطران، الرَّجل والمرأة — كلّهم مدعوّون إلى الأمانة ذاتها، بأشكالٍ لا تُعَدّ ولا تُحصى... لذلك، حين تحتفل الكنيسة الأنطاكيَّة بعيد جميع قدِّيسيها، فهي في الواقع تؤكِّد لكلِّ مؤمنٍ: أنتَ لستَ وَحْدَكَ في الدَّرب. أمامك سحابةُ شهودٍ رأوا ما أنت تَرجوه، وعاشوا ما أنْتَ تطمح إليه، وتجاوزوا ما أنْتَ تخشاه.

وفي لبنان وسوريَّا وكلّ أنطاكيَة المجروحة اليوم، المثْقَلَة بأزماتها ومخاوفها وهجرة أبنائها، تأتي سيرة هؤلاء القدِّيسين لتقول: إنَّ أرض أنطاكية أنجبَتْ رجالًا ونساءً قالوا نعم لله في أصعب الأوقات. وإنَّ الكنيسة الَّتي أنجبتْ في الأزمنة الأخيرة بولس بندلي والياس مرقص وغيرهما قادرة أن تُنجِبَ جيلًا جديدًا يحمل هذا الميراث، لا بشهادة الكلمة فقط، بل بشهادةِ الحياة في الرُّوح.

"فمُ الرَّبِّ تكلَّم" (إش 40: 5) ، وقدِّيسو أنطاكية هم ثمار هذه الكلمة في التَّاريخ...

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع...

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

طروباريَّة القيامة (باللَّحن الأوَّل)

إنَّ الحجرَ لما خُتِمَ مِنَ اليَهود. وجَسَدَكَ الطّاهِرَ حُفِظَ مِنَ الجُند. قُمتَ في اليومِ الثّالثِ أَيُّها المـُخلِّص. مانِحًا العالمَ الحياة. لذلكَ قوّاتُ السّماوات. هتفوا إليكَ يا واهبَ الحياة. المجدُ لقيامتِكَ أَيُّها المسيح. المجدُ لِمُلكِكَ. المجدُ لتدبيرِكَ يا مُحبَّ البشرِ وحدك.

طروباريّة جميع القدّيسين الأنطاكيِّين (باللَّحن الرَّابع)

هيّا نُكَرّمُ يا رِفاقَ الإيمان، القدِّيسِينَ الأنطاكيِّينَ جميعًا، الرُّسُلَ الأطهارَ ورُؤساءَ الكهنةِ والأبرارَ مع الشُّهداءِ مُقتَفينَ آثارَهُم. ناظرينَ سيرَتَهُم المـَلأى بالعجائب، ولنَسلُك نحن أيضًا بسَلام لكي نَفوزَ بالسَّكَنِ في الفردوس.

القنداق (باللَّحن الثَّاني)

يا شفيعَةَ المسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطةَ لدى الخالِق غيْرَ المرْدودةِ، لا تُعْرضي عَنْ أصواتِ طلباتِنا نَحْنُ الخَطأة، بَلْ تدارَكينا بالمعونةِ بما أنَّكِ صالِحَة، نَحنُ الصّارخينَ اليكِ بإيمان: بادِري إلى الشَّفاعَةِ وأسَرعي في الطّلْبَةِ يا والدَة الإلهِ، المتشَفِّعَةَ دائمًا بمكرِّميك.

الرّسالة (أع 11: 19- 30)

ما أعظم أعمالك يا ربُّ

كلَّها بحكمةٍ صنعت باركي يا نفسي الرَّبّ

في تلك الأيَّام لـمَّا تبَدَّد الرُّسُل مِنْ أجْلِ الضِّيق الَّذي حصل بسبب استفانوس، اجتازوا إلى فينيقية وقبرص وأنطاكية وهم لا يُكَلِّمون أحدًا بالكلمة إلَّا اليهود فقط. ولكنَّ قَوْمًا منهم كانوا قبرصيِّين وقَيْرَوانيِّين فهؤلاء لـمّا دخلوا أنطاكية أخذوا يكلّمون اليونانيّين مُبَشِّرين بالرَّبِّ يسوع. وكانت يَدُ الرَّبِّ معهم، فآمَن عددٌ كثير ورجعوا إلى الرَّبّ. فبلغ خبر ذلك إلى آذانِ الكنيسة الَّتي بأورشليم فأرسلوا برنابا لكي يجتاز إلى أنطاكية. فلمّا أقبل ورأى نعمة الله فرح ووَعَظَهُم كلُّهم بأنْ يَثبُتوا في الرَّبِّ بِعَزيمَةِ القلب، لأنّه كان رجلًا صالِحًا ممتَلِئًا مِنَ الرُّوح القُدس والإيمان. وانْضَمَّ إلى الرَّبِّ جَمْعٌ كثير. ثمَّ خرج برنابا إلى طَرسوس في طَلَبِ شاوُل، ولـمَّا وجدَهُ أتى به إلى أنطاكية. وتردَّدا معًا سنةً كامِلَةً في الكنيسة وعَلَّمَا جمعًا كثيرًا، ودُعِيَ التَّلاميذُ مَسيحيِّين في أنطاكية أوّلًا. وفي تلك الأيّام انحدر من أورشليم أنبياءُ إلى أنطاكية. قام واحِدٌ منهم اسمه أغابوس فأنبأ بالرُّوح أنْ سَتَكونُ مَجاعَةً عظيمةً على جميع المسكونة، وقد وقع ذلك في أيّام كلوديوس قيصر. فعزم التَّلاميذُ بحسب ما تَيَسَّر لِكُلِّ واحِدٍ منهم أن يُرْسِلُوا خِدْمَةً إلى الإخوة السّاكنين في أورشليم. ففعلوا ذلك وبعثوا إلى الشّيوخ على أيدي برنابا وشاول.

الإنجيل (مت 5: 14- 19)

قال الرَّبُّ لتلاميذه: أنتم نورُ العالم. لا يمكن أن تَخفى مدينةٌ واقعة على جبلٍ، ولا يوقَد سراجٌ ويوضَع تحت المكْيَال، لكن على المنارَة لِيُضِيءَ لجميع الَّذين في البيت. هكذا فليُضِئ نوركم قُدَّام النَّاس لِيَرَوْا أعمالَكم الصَّالحة ويُمَجِّدوا أباكم الَّذي في السَّماوات. لا تظِنُّوا أنّي أتيت لأحلّ النَّاموس والأنبیاء، إنّي لم آتِ لأحُلَّ لكن لِأُتمِّم. الحَقَّ أقول لكم: إنَّه إلى أن تزول السَّماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من النّاموس حتّى يتمّ الكلّ. فكلّ من يحلُّ واحِدَةً مِنْ هذه الوَصايا الصِّغار ويُعَلِّم النَّاس هكذا، فإنّه يُدْعَى صَغيرًا في ملكوت السّماوات. وأمّا الَّذي يعمل ويعلّم فهذا يُدعى عَظيمًا في ملكوت السّماوات.

حول الإنجيل

"فَمَنْ نَقَضَ إِحْدَى هذِهِ الْوَصَايَا الصُّغْرَى وَعَلَّمَ النَّاسَ هكَذَا، يُدْعَى أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ." (الآية 19) هناك العديد من الوصايا علينا أن نطبّقها في حياتنا، مَنْ الَّذي يُساعدنا في حياتنا لكي نطبِّق هذه الوَصايا؟ وكيف نعرف الوَصايا المطلوبة؟ كثيرون هم النَّاس الَّذين يدَّعون بأنَّ الإيمان هو مُعامَلَة أو أعمال صالحة أو بعض المعايير الأخلاقيَّة؛ كيف عَلِمْتَ هذا؟ كيف تعلم أنَّك تسير على الطَّريق الصَّحيح؟ كيف تعلم أنَّ المسيح هو راضٍ عنك؟ اسمعوا ما يقوله الرَّبُّ على لِسان عاموس النَّبيّ: "(...) كَرِهْتُ أَعْيَادَكُمْ، وَلَسْتُ أَلْتَذُّ بِاعْتِكَافَاتِكُم (حفلاتكم الدِّينيَّة). إِنِّي إِذَا قَدَّمْتُمْ لِي مُحْرَقَاتِكُمْ وَتَقْدِمَاتِكُمْ لاَ أَرْتَضِي، وَذَبَائِحَ السَّلاَمَةِ مِنْ مُسَمَّنَاتِكُمْ لاَ أَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، حَمَلْتُمْ (...) تِمْثَالَ أَصْنَامِكُمْ، نَجْمَ إِلهِكُمُ الَّذي صَنَعْتُمْ لِنُفُوسِكُمْ. فَأَسْبِيكُمْ إِلَى مَا وَرَاءَ دِمَشْقَ. قَالَ الرَّبُّ إِلهُ الْجُنُودِ اسْمُهُ". (عاموس 5: 21 - 24). هؤلاء هم إسرائيل القديم، شعب الله المختار حينها، يقول عنهم الرَّبُّ أنَّهم عبدة أوثان؛ إسرائيل القديم كان شعبًا عنيدًا معظمهم يعبد الله بالظَّاهر ويتفاخر بأنَّه من نسل إبراهيم، يعبدون الله على هواهم، لذلك ينعتهم الرَّبُّ بالشَّعب الزَّاني، أي الشَّعب الخائن الَّذي لا يلزم الوصايا.

لسنا بعيدين نحن اليوم عن هذا النَّوع من العبادة إذْ يَدَّعي البعض بأنَّه مؤمنٌ لكنَّه لا يُشارك في القدَّاس الإلهيّ والصَّلوات الكنسيَّة ولا يصوم، طبعًا هذا لا يتبع وصايا الله إنَّما يتبع القانون الَّذي وضعه هو، هو معيار نفسه في وضع تلك القوانين، بالتَّالي أصبح هذا إلهًا، دون أن يدري، يميِّز بين الصَّواب والخطأ، يعبد نفسه وليس الله. إنْ لم يسترشد الإنسان ويسأل! كيف يعلم أنَّه يسلك الطَّريق الَّذي يُرضي الرَّبّ؟ إذْ يَقول المزمور: "الكلّ قد زاغوا، فَسَدُوا معًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا، لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ." (مز 14: 3) إذًا كلُّنا فاسدين وبحاجة لإصلاح. والكنيسة موجودة لتُصْلِح الإنسان، لتساعده كي يتقوَّم.

هدف الكنيسة الأساسيّ هو تقديس الإنسان، هو مساعدة الإنسان على معرفة الله، من دون الكنيسة لا نستطيع أن نصل إلى مكان. فعلينا أن ننتبه لأنفسنا ولا نعيش على هوانا لكي لا نصل إلى يوم الدَّينونة ويقول لنا الله أنتم عبدةُ أوثانٍ، فابْعُدوا عنِّي يا مَلاعين إلى النَّار الأبديَّة.

شفاعة القديسين من أمام عرش الله

"في البدء خَلَقَ اللهُ السَّماوات والأرض" (تك 1:1) وكلُّ ما فيها. وفي اليوم السَّادِس خَلَقَ اللهُ الإنسان، "على صورة الله خَلَقَهُ" (تك 27:1). هذا الامتياز جعل الإنسان قادرًا على التَّواصُل مع الله ورؤيته وَجهًا لِوَجْه (خر 33: 11) أي رؤية مَجْدَه ونوره الأزليِّين. وقد وضعه الله في الفردوس قَيِّمًا على الكَوْن. أصبح الإنسان وَسيطًا– أي شفيعًا – لكُلِّ مخلوقات الأرض أمام الله.

لكنَّ الخطيئة أدْخَلَتْ الموت إلى طبيعة الإنسان (تك 17:2) وبالتَّالي خَسِرَ شفاعته لدى الله طالما استقَرَّ ملتذًّا بخطيئته. هذا الواقع الجديد الأليم الَّذي حَلَّ على الطَّبيعة البشريَّة لم يمنع تجلِّيات الله أمام أشخاصٍ أحبُّوا الله على قدر الطَّاقة البَشريَّة المريضة فيهم. وبالتَّالي استطاعوا أنْ ينبروا واقفين في حضرة الله ويطرحوا ضعفاتهم أمامه، ويرجونه الصَّفْح والإحسان والبركات لهم ولكلِّ الشَّعْب. فإبراهيم أستمهلَ الرَّبّ هلاك سدوم (تك ١٨: ٢٠-٣٢)، وبطلبٍ من موسى، أستمهل الله هلاك الشَّعب العِبريّ الَّذي تركه وصنع عجلًا مذهبًا ليتَّخذه إلهًا له. (خر١١:٣٢). والنَّبيّ إيليَّا صَلَّى من أجل الأرملة (١مل ١٩:١٧-٢٢) ومن أجل المطر (١مل٤٢:١٨) ...

إذًا لم تنقطع رحمة الله عن شعبه خلال عهد الخطيئة، ولم يصمّ أذنَيه عن تضرُّعات أبراره، إلى أنْ أتى الشَّفيع والوسيط الحقيقيّ والوحيد يسوع المسيح (1تيم 2: 5) الَّذي أعاد البشريَّة إلى الجلوس عن يمين الله (مر 19:16) وجعلها قادرة من جديد على الاتِّحاد بالنِّعْمَة الإلهيَّة المؤلِّهَة.

في العهد الجديد، اتَّحدَتْ الألوهيَّة بالبشريَّة بشخص يسوع، وأصبحت البشريَّة قادرة أن "تمون" على الله لكي يعمل مشيئته من خلالها، لا كمثل آدم وحسب، بل بما يفوق ما أعطي لآدم قبل الخطيئة. يكفي أن نتأمَّل بأنَّ الله قد سمح لنا نحن البشر أنْ نشترك في جسده ودمه في القدَّاس الإلهيّ لنعرف أيُّ مَجْدٍ قد أُعطي للطَّبيعة البشريَّة. فسفر الرُّؤيا يُبرِزُ لنا المكانة الجديدة للبشريَّة المُفتداة أمام عرش الله: «وَلَمَّا أَخَذَ السِّفْرَ خَرَّتِ الأَرْبَعَةُ الْحَيَوَانَاتُ وَالأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ شَيْخًا أَمَامَ الْخَروفِ، وَلَهُمْ كُلِّ وَاحِدٍ قِيثَارَاتٌ وَجَامَاتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوَّةٌ بَخُورًا هِيَ صَلَوَاتُ الْقِدِّيسِينَ» (رؤ٨:٥). الشُّيوخ – الَّذين يمثِّلون شعب الله في العَهْدَيْن– يمْثُلُون أمام الخروف، يسوع، ويقدِّمون صلواتهم أمامه. «وَجَاءَ مَلاَكٌ آخَرُ وَوَقَفَ عِنْدَ الْمَذْبَحِ، وَمَعَهُ مِبْخَرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَأُعْطِيَ بَخُورًا كَثِيرًا لِكَيْ يُقَدِّمَهُ مَعَ صَلَوَاتِ الْقِدِّيسِينَ جَمِيعِهِمْ عَلَى مَذْبَحِ الذَّهَبِ الَّذي أَمَامَ الْعَرْشِ.» (رؤ٣:٨). أصبحت صلوات القدِّيسين مادَّةً للتَّقدمة أمام عرش الله مع البخُّور، والله يقبلها وهي حاضرة أمامه: «فَصَعِدَ دُخَانُ الْبَخُورِ مَعَ صَلَوَاتِ الْقِدِّيسِينَ مِنْ يَدِ الْمَلاَكِ أَمَامَ اللهِ» (رؤ٤:٨). فبشفاعات قدِّيسيك أيُّها الرَّبُّ يسوع المسيح ارحمنا وخلِّصنا. آمين.