نشرة كنيستي
نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.
أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي
كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.
الأحد (5) بعد العنصرة (آباء المجمع المسكونيّ الرّابع)
العدد 28
الأحد 13 تمّوز 2025
اللّحن 4- الإيوثينا 5
أعياد الأسبوع: *13: آباء المجمع المسكونيّ الرّابع، تذكار جامع لجبرائيل رئيس الملائكة، القدِّيس استفانوس السَّابويّ، الشَّهيدة مريم، البارَّة سارة *14: الرَّسول أكيلَّا، القدِّيس نيقوديموس الآثوسيّ، القدِّيس يوسف رئيس أساقفة تسالونيك *15: الشَّهيدَيْن كيريكس وأمُّه يوليطة *16: الشَّهيدَيْن في الكهنة نقولا وحبيب خِشِّة، الشَّهيد في الكهنة أثينوجانس ورفقته *17: القدِّيسة مارينا العظيمة في الشَّهيدات *18: الشَّهيد إميليانوس، البارّ بمفو *19: البارَّة مكرينا أخت القدِّيس باسيليوس الكبير، البارّ ذيّس.
كلمة الرّاعي
آباء المجمع المسكونيّ الرَّابع: نور الإيمان
"فليُضِئ نورُكم قُدَّام النَّاس لِيَرَوْا أعمالَكم الصَّالحة ويُمَجِّدوا أباكم الَّذي في السَّماوات" (مت 5: 16)
في العالم حرب قائمة بين الحَقِّ والباطل، بين النُّور والظُّلمة، بين الخير والشَّرّ... هذه الحرب ليست بين مفاهيمٍ وأفكارٍ وفلسفات بل بين أشخاصٍ مؤمنون بالحَقِّ والنُّور والخير وآخَرين هم في الباطل والظُّلمة والشَّرّ. هذه المفاهيم ليست قائمة بذاتها أو هي مبادئ موجودة في عالم مُثُلٍ بل هي صفات أشخاص يجسِّدونها، فلا وجود للحَقِّ أو النُّور أو الخير إلَّا في الله لأنَّ هذه هي من صفاته، وكذلك لا وجود للباطل والظُّلمة والشَّرِّ إلَّا مِنْ خِلال إبليس ومن يتبعونه. المفاهيم الفلسفيَّة لا قيمة لها بدون من يطبِّقها، وكذلك فلا وُجود للشَّرّ والظُّلمة والباطل إلَّا في الَّذين يسلكون فيهم. الصَّلاح مِنْ صفات الله والطَّلاح من صفات الشَّيطان، وهنا نحن لا نضع الشَّيطان بإزاء الله فهو مخلوق لكنَّه يوسوس للإنسان لكي يفسده، أمَّا الله فهو الحياة ومصدر كلّ فرح لأنّه محبَّة، وتاليًا صفات الله تعبّر عنه ولا يمكننا أن نفصلها عن كينونته فهي التَّعبير عن سرِّه ونحن نعرفها بقدر ما نعرفه وبحسب ما يكشف لنا في خبراتنا معه عبر الصَّلاة والتَّأمُّل وعيش كلمته بنعمة روحه القدُّوس.
* * *
"مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. هَلْ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ عِنَبًا، أَوْ مِنَ الْحَسَكِ تِينًا؟" (مت 7: 16)، هكذا يُعرف البشر من ثمارهم، فمن كانت ثماره صالحة بحسب كلمة الله فهذا من الله، ومن كانت ثماره فاسدة بحسب فحص كلمة الله فهو ضدّ الله. حياتنا عبارة عن حرب روحِيَّة تدور رحاها في القلب بين مشيئة الله الصَّالحة ووسوسات الشِّرّير وأهوائنا وشهواتنا الفاسدة، وفي هذه الحرب لا نستطيع أن نغلب إلَّا بالتَّواضع كما يعلّمنا القدِّيس أنطونيوس الكبير: "رأيت كلّ فخاخ العدوّ ممدودةً على الأرض، فقلت متنهّدًا: ترى من ينجو منها؟ فسمعت للحال صوتًا يقول: التَّواضع". بالتَّواضع يقتني الإنسان فضيلة التَّمييز الَّتي من دونها لا يستطيع أن يسلك في الطَّريق دون أن يتأذّى من السَّقطات أو مِنْ شبه البِرّ، وفي هذا يعلِّمنا القدِّيس أنطونيوس الكبير أيضًا: "ثمّة أناس أفنَوا أجسادهم بالنُّسْك، لكنّهم ظلّوا بَعيدين عن الله لكونهم لم يقتنوا فضيلة التَّمييز". فالشَّيطان يهاجم المجاهد الرُّوحيّ عن اليمين وعن اليسار لأنَّه إن لم يوقعه في التّهاون يوقعه في التَّشدُّد، كلاهما عمًى للبصيرة والقلب لأنّ المتحكِّم في الإنسان يكون مشاعره وعواطفه الَّتي هي المصيدة لدماره، فالمشاعر كاذبة ولا يُتَّكلُ عليها في الحياة الرُّوحيَّة الأصيلة لأنَّ تعزية الرُّوح القُدس وزيارة النِّعْمَة تختلف بطبيعتها عن حركة المشاعر الإنسانيَّة الَّتي تزول بسهولة وتتغيَّر بينما تعزية النِّعْمَة ثابتةً لأنّ مصدرها ثابتٌ وهو الله.
* * *
آباء الكنيسة، بالعُموم، هم المُختَبَرون الَّذين استناروا بنور النِّعْمَة الإلهيّة بطاعتهم للوَصيَّة لأنَّهم يُحِبُّون الله (راجع يو 14: 21 و23)، أي التَزَموا كلمته حياتًا وأسلموا ذواتهم له بالكليّة. طبعًا، هي مسيرة شاقّة وكبيرة الصُّعوبة لا بل مُستَحيلة بقوَّة الإنسان، لكنَّها ممكنة ومُحقَّقة بقوّة الله. الآباء هم الَّذين اختاروا المسيح لا العالم، وهم الَّذين عرفوه بالرُّوح القدس الَّذي أنارهم بنور المعرفة الإلهيَّة فصاروا حصونًا للإيمان ومعلِّمي المسكونة. ليس كلُّ معلمٍ أبًا، فالأبوّة تفترض الإخصاب بالرُّوح القدس لولادة أبناءٍ لله في المسيح يسوع ربّنا بالكلمة (راجع 1 كو 4: 15)، وهذا يفترض أن يكون الوالد قد أفرغ نفسه (في 2: 7) لِيَصير المسيح فيه "الكلّ في الكلّ" (1 كو 15: 28). الآباء أحرار يَلِدون للمسيح أبناء أحرارًا، فالعبد لا يستطيع أن يعلّم الحُرِّيَّة أو يصفها لأنّه لم يختبرها، وهذه الحرِّيَّة في المسيح هي تحقيق صورة الله فينا بالرُّوح القُدس. هذا هو إيمان المجمع المسكونيّ الرَّابع الَّذي اختبره الآباء الَّذين أعلنوه ولذلك دافعوا عنه وأثبتوه في وجه هرطقة أوطيخا. فالمسيح ضمّ طبيعتنا البشريّة إلى أقنومه الإلهيّ بدون أن تذوب في الألوهة، إذا حافظت على كينونتها في تمايُزٍ من دون انفصال أو انقسام أو امتزاج أو اختلاط، لكنَّها صارَتْ متَّحدةً مع الطَّبيعة الإلهيَّة وتاليًا مشتركة فيما للألوهة لأنّ الأقنوم واحدٌ وهو يضمّ الطَّبيعتين، فصار كلّ ما للطبيعة البشريَّة يُنسَب لشخص الابن المتجسِّد الواحد، وكلّ ما يختصّ بالطّبيعة الإلهيَّة يُنسب إلى نفس الشَّخص من دون أن تختلط الطَّبيعتَيْن، فمثلًا يقول الرَّسول بولس: "اِحْتَرِزُوا إِذًا لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً، لِتَرْعَوْا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ" (أع 20: 28)، فهل لله دم وجسد، كلّا ليس للطَّبيعة الإلهيَّة الَّتي للمسيح دمًا ولكن للإنسان يسوع المسيح جسد ودم، وهذا صار ما يُسمَّى بتبادل الخصائص إذْ يمكنك أن تتكلَّم عن الخصائص الإنسانيَّة الَّتي للمسيح وأنت تتحدَّث عن أقنوم الكلمة-المسيح، كما يمكنك أن تتكلَّم عن الخصائص الإنسانيَّة وأنت تُشير إلى الكلمة-المسيح، فهو الشَّخص نفسه. نتيجة هذا علينا نحن البشر هي أنّ اتِّحادنا بيسوع المسيح عبر دخولنا في جسده-الكنيسة يمنحنا أن نشترك في ألوهيَّته بالنِّعْمَة لا بالجوهر فنقتَني حياةَ الله وصفاته ونتّحِد بها وهكذا نصير آلهةً بالنِّعْمَة أي مُشابهين لله رغم كوننا مخلوقين، وهذا هو التَّألُّه والحياة الأبديَّة وميراث ملكوت السَّماوات...
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع...
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
طروباريّة القيامة (باللَّحن الرّابع)
إنَّ تلميذاتِ الرَّبّ تعلَّمنَ مِنَ الملاكِ الكرْزَ بالقيامةِ البَهج. وطَرَحنَ القَضاءَ الجَدِّيَّ. وخاطبنَ الرُّسلَ مُفتَخِراتٍ وقائِلات. سُبيَ المَوتُ وقامَ المَسيحُ الإله. ومنحَ العالمَ الرَّحمةَ العُظمى.
طروبارية الآباء (باللَّحن الثّامن)
أنتَ أيّها المَسيحُ إلهنا الفائق التّسبيح، يا مَن أسّستَ آباءَنا القدّيسين على الأرض كواكب لامعة، وبهم هَدَيتنا جميعًا إلى الإيمان الحقيقيّ، يا جزيل الرّحمة المجد لك.
القنداق (باللَّحن الثّاني)
يا شفيعَةَ المسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطةَ لدى الخالِق غيْرَ المرْدودةِ، لا تُعْرضي عَنْ أصواتِ طلباتِنا نَحْنُ الخَطأة، بَلْ تدارَكينا بالمعونةِ بما أنَّكِ صالِحَة، نَحنُ الصّارخينَ اليكِ بإيمان: بادِري إلى الشَّفاعَةِ وأسَرعي في الطّلْبَةِ يا والدَة الإلهِ، المتشَفِّعَةَ دائمًا بمكرِّميك.
الرّسالة (تي 3: 8- 15)
افرَحوا أَيُّها الصِّدِّيقونَ بالرَّبِّ وابتَهِجوا.
طُوبَى لِلَّذينَ غُفِرَتْ آثامَهُم.
يا ولدي تيطس، صادقة هي الكلمة، وإيّاها أريد أن تُقَرِّر حتّی يهتمّ الَّذين آمَنوا بالله في القِيام بالأعمال الحَسَنَة، فهذه هي الأعمال الحَسَنة والنَّافِعَة، أمّا المباحثات الهذيانِيَّة والأنساب والخُصومات والـمُماحكاتُ النَّاموسِيَّة فَاجْتَنِبْهَا، فإِنَّها غيرُ نافعة وباطلة. ورجل البدعة بعد الإنذار مرَّةً وأخرى أعرض عنه، عَالِمًا أنَّ مَن هو كذلك قد اعْتَسَف، وهو في الخطيئة يَقْضِي بنفسه على نفسه. ومتى أُرسل إليك أرتيماس أو تيخيكوس فبادر أن تأتيني إلى نيكوبوليس لأنّي قد عزمت أن أُشَتِّيَ هناك. أمّا زيناس معلِّم النَّاموس وأبولُّس فاجتهد في تشييعها متأهِّبَيْن لئلَّا يعوزهما شيء. وليتعلّم ذوونا أن يقوموا بالأعمال الصّالِحَة للحاجات الضَّروريّة حتّى لا يكونوا غير مُثْمِرين. يُسَلِّم عليك جميع الَّذين معي. سلِّم على الَّذين يُحبُّونَنَا في الإيمان. النِّعْمَةُ معكم أجمعين، آمين.
الإنجيل (مت 5: 14- 19)
قال الرَّبُّ لتلاميذه: أنتم نورُ العالم. لا يمكن أن تَخفى مدينةٌ واقعة على جبلٍ، ولا يوقَد سراجٌ ويوضَع تحت المكْيَال، لكن على المنارَة لِيُضِيءَ لجميع الَّذين في البيت. هكذا فليُضِئ نوركم قُدَّام النَّاس لِيَرَوْا أعمالَكم الصَّالحة ويُمَجِّدوا أباكم الَّذي في السَّماوات. لا تظِنُّوا أنّي أتيت لأحلّ النَّاموس والأنبیاء، إنّي لم آتِ لأحُلَّ لكن لِأُتمِّم. الحَقَّ أقول لكم: إنَّه إلى أن تزول السَّماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من النّاموس حتّى يتمّ الكلّ. فكلّ من يحلُّ واحِدَةً مِنْ هذه الوَصايا الصِّغار ويُعَلِّم النَّاس هكذا، فإنّه يُدْعَى صَغيرًا في ملكوت السّماوات. وأمّا الّذي يعمل ويعلّم فهذا يُدعى عَظيمًا في ملكوت السّماوات.
حول الرِّسالة
"فَمَنْ نَقَضَ إِحْدَى هذِهِ الْوَصَايَا الصُّغْرَى وَعَلَّمَ النَّاسَ هكَذَا، يُدْعَى أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ، فَهذَا يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ" (الآية 19).
أوْدَعَنا الرَّبُّ الإله وَصاياه الإلهيَّة لكي تُساعِدَنا في مسيرتنا على طريق الخلاص، ويبقى السُّؤال الأهمّ، مَن الَّذي يُساعدنا كي نعرف ونطبِّق هذه الوَصايا بحسَبِ مشيئة الله؟ كثيرون هم المسيحيُّون الَّذين يدَّعون بأنَّ لديهم نظرة خاصَّة عن تعاليم المسيح وطريقة تطبيقها؛ حسنًا مَن قال لكَ أنَّ ما تعرفه عن المسيح أو ما تفعله، بحسب ما يقول لك فكرك، هو فعلًا بحسب مشيئة الله؟ اسمعوا ما يقوله الرَّبّ على لسان النَّبيّ: "... كَرِهْتُ أَعْيَادَكُمْ، وَلَسْتُ أَلْتَذُّ بِاعْتِكَافَاتِكُم (حفلاتكم الدِّينيَّة). إِنِّي إِذَا قَدَّمْتُمْ لِي مُحْرَقَاتِكُمْ وَتَقْدِمَاتِكُمْ لاَ أَرْتَضِي، وَذَبَائِحَ السَّلاَمَةِ مِنْ مُسَمَّنَاتِكُمْ لاَ أَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، حَمَلْتُمْ ... تِمْثَالَ أَصْنَامِكُمْ، نَجْمَ إِلهِكُمُ الَّذي صَنَعْتُمْ لِنُفُوسِكُمْ. فَأَسْبِيكُمْ إِلَى مَا وَرَاءَ دِمَشْقَ. قَالَ الرَّبُّ إِلهُ الْجُنُودِ اسْمُهُ" (عاموس 5: 21 - 24). إذًا شعب إسرائيل، شعب الله المختار الَّذي من المفترض أن يعبد الله، هم عبدة أوثان من جهة الله، ونحن أيضًا قد لا نختلف عنهم كثيرًا إذا شابهناهم في الموقف من الله؛ فإسرائيل كان شعبًا عَنيدًا يعبد الله بالظَّاهِر، أي على هَواه، ويتفاخَر بأنَّه مِنْ نَسْلِ إبراهيم، لذلك ينعتهم الرَّبّ بأنَّهم شعبٌ زانٍ، أي شعبٌ خائن له ولوصاياه. عندما نسأل أحدهم: "لماذا لا تأتي إلى الكنيسة؟"، يُجيب بأنَّه مؤمِنٌ ويُصلِّي في البيت، يعني أنَّه قام بتركيب صلاة على ما يراه هو مناسب؛ ونسأل آخر: "لماذا لا تصوم؟" يرّد علينا بأنَّ الأفعال هي المهمَّة وليس الانقطاع عن الأكل. هؤلاء النَّاس، بسلوكهم هذا، قد سَنُّوا قانونًا إيمانيًّا خاصًّا بهم، ووضعوا لأنفسهم وصايا تُلائم ظروفهم، بالتَّالي أصبح هؤلاء آلهة، لأنَّهم هم يعلِّمون أيّ من الوصايا يجب أن تُطبّق، هم من يَفصل بين الصَّواب والخطأ، هم مَن يحدِّد طريق خلاصهم، بالتَّالي أصبحوا، مِن دُون أن يَعُوا ذلك، يعبدون أنفسهم. فنحن لا نستطيع أنْ نَعرف إنْ كنَّا على صواب أم على خطأ دون مقياس، لأنَّ المزمور يقول: "الكُلّ قَد زاغوا، فَسَدُوا معًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا، لَيْسَ وَلا وَاحِدٌ" (مز 14: 3). إذًا، كلُّنا فاسِدون وبحاجةٍ لإصلاح. فلِكَيْ يُساعد الله الإنسان أَوْجَد الكنيسة لتُرْشِدَهُ وتساعده في تقويم طريقه، ليس بالفَرض طبعًا إنَّما بالمحبَّة. مِن هنا علينا أنْ نَلجأ للكنيسة لكي تساعدنا في تصحيح أفكارنا وأفعالنا وتُقَوِّم مسيرتَنا نحو الملكوت، فَمِن دون الكنيسة لا شَكَّ بأنَّنا سنَضِلّ، علينا أن ننتبه لأنفسنا ولا نعيش على هوانا لكي لا نصل إلى نهاية حياتنا ونسمع الرَّبّ يقول لنا: أنتم عبدة أوثان، "فابعدوا عنّي يا مَلاعين إلى النَّارِ الأبديَّة" (متى 25: 41).
شهادة المجامع
بدأت الكنيسة تعرف المجامع المسكونيَّة بعد أن صارَتْ المسيحيَّة ديانةً مَسموح بها في الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة. وكانت هذه المجامع تنعقد لِضروراتٍ حتْمِيَّةٍ تختصُّ بالإيمان والعقيدة، بجوار بحثِ الأمور المتعَلِّقَة بالتَّنظيم الكَنَسِيّ. يَحضر هذه المجامع أساقِفَة يمثِّلون العالم المسيحيّ شرْقًا وغربًا يدعوهم الإمبرطور الرُّومانيّ.
في الكنيسة الأرثوذكسيَّة سبعُ مجامِعٍ مسكونِيَّة:
1- المجمع الأوَّل (325 م): اِنعقد في نيقْيَة، وقد حَضَرهُ 318 أسقفًا، وسبب انعقاده بِدْعَةُ آريوس الَّذي أنْكَرَ لاهوت المسيح. حَرَم المجمع آريوس وشَدَّد على أنَّ الابنَ مُساوٍ للآب في الجَوْهَر ووَضَع الجزء الأوَّل مِنْ قانون الإيمان.
2- المجمع الثَّاني (381 م): اِنعقد في القسطنطينيَّة بسبب بِدْعَة مقدونيوس الَّذي أنكر ألُوهِيَّة الرُّوح القُدس. حَضَره 150 أسقفًا ووضع تكملةً لدستور الإيمان النِّيقاوِيّ: "وبالرُّوح القُدس الرَّبّ المُحيي ..."
3- المجمع الثَّالث (431 م): اِنعقد في أفسس وحَرَم بِدْعَة نَسطوريوس الَّذي نادى بأنَّ المسيح أقنُومَيْن وطبيعَتَيْن ولا ينبغي بذلك القَوْل أنَّ العذراء والدة الإله، وحَضَرَهُ 200 أسقفًا. علَّم المجمع الثَّالث أنَّ المسيح هو الله الكلمة المتجسِّد، حَبِلَت به العذراء مريم كاملًا بلاهوته وناسوته، أي أنّ مريم سكن في أحشائها ابن الله الولود من الآب قبل كلّ الدهور واتَّخذ من جسدها الطبيعة البشريّة كاملة مُتحِدًا إيّاها مع طبيعته الإلهيّة في أقنومه الإلهيّ الواحد، لذلك أطلق المجمع تسمية "والدة الإله (THEOTOKOS)" على العذراء مريم.
4- المجمع الرَّابِع (451 م): اِنعقد في خلقيدونية وحَرَم أوطيخا الَّذي علَّم أنَّ الطَّبيعةَ البشريَّة تلاشت باتِّحادِها بالطَّبيعة الإلهيَّة فيَكُون المسيح مِنْ أقنومٍ واحِدٍ ذو طبيعةٍ واحِدَة. حَضَرَهُ 630 أسقفًا، اعتَرَفوا أنَّ المسيح شخصٌ واحدٌ وأقنومٌ واحدٌ من طبيعتَيْن بلا انْقِسامٍ أو انفصالٍ أو تَشَوُّشٍ أو امتِزَاج.
5- المجمع الخامِس (553 م): اِنعقد في القسطنطينيَّة وحرَم تعاليم خاطئة لبعض الأشخاص حَوْل الخَلاص والنَّفْس والثَّالوث.
6- المجمع السَّادِس (680 - 681 م): اِنعقد في القسطنطينيَّة ضِدَّ هرطقة المونوثيليتيَّة القائلة أنَّ المسيح لديه مشيئةٌ واحدة وفعلٌ واحد، حَضَرَه 170 أسقفًا علَّموا أنَّ المسيح أقنومٌ واحدٌ من طبيعتَيْن ومشيئتَيْن وفِعْلَيْن على أنَّ المشيئة البشريَّة في المسيح تخضع بحرّيتها الكاملة للطَّبيعة الإلهيَّة القادرة على كلِّ شيء.
7- المجمع السَّابِع (787 م): اِنعقد في نيقْيَة ضِدَّ هرطقة مُحارِبي الإيقونات الَّذين حكموا على إكرامها كعبادة أوثانٍ، وأوْصَوا بإتلافها ومحاكمة مُكَرِّميها. حضَرَ المجمع 350 أسقفًا، أوجبوا احترام وتكريم الإيقونات لما تمثِّله، فالادرام لا يوجَّه نحو المادَّة المصوَّرة، بل إلى الشَّخصيَّة المقدَّسة الَّتي تمثِّلها الإيقونة.