Menu Close
121025

نشرة كنيستي

نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.

أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي

كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.

الأحد (18) بعد العنصرة

العدد 41

الأحد 12 تشرين الأوَّل 2025

اللّحن 1- الإيوثينا 7

أعياد الأسبوع: *12: آباء المجمع المسكونيّ السَّابع، الشُّهداء بروفُس وأندرونيكس وطَرَاخوس، القدِّيس سمعان اللَّاهوتيّ الحديث *13: الشُّهداء كَربُس وبابيلوس وأغاثوذورس وأغاثونيكي * 14: الشُّهداء نازاريوس ورفقته، القدِّيس قزما المُنشئ أسقف مايوما *15: الشَّهيد في الكهنة لوكيانُس المعلِّم الإنطاكيّ *16: الشَّهيد لونجينوس قائد المئة ورفقته *17: النَّبي هوشع، الشَّهيد أندراوس *18: تذكار الرَّسول لوقا الإنجيليّ.

كلمة الرّاعي 

زرع الكلمة وثمار الرُّوح

أيُّها الإخوة والأخوات، تُعيِّد الكنيسة المقدَّسة في هذا الأحد لآباء المجمع المسكونيّ السَّابع، وتَتْلو علينا مثل الزَّارع (لوقا 8: 5–15) الَّذي يكشف لنا حركة كلمة الله في العالم من خلالنا نحن المؤمنين. فالزَّارِع خرج ليزرع كلمته، والكلمة هي نفسها للجميع، لكنَّ ثمرتها تختلف بحسب الأرض الَّتي تسقُط فيها. وهنا يظهر سِرُّ الحرِّيَّة الَّذي منحه الله للإنسان: فالقلب قد يكون طريقًا قاسيًا، أو صخرًا يابسًا، أو أرضًا مملوءةً أشواكًا، أو تربةً صالحة تحتضن الكلمة وتنمِّيها. يقول القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم: "ليس الفرق في البذار ولا في الزارع، بل في الأرض الَّتي تقبل الزَّرع. فالَّذين لا يؤمنون لا يُلام الله لأجلهم، بل هم أنفسهم الَّذين لم يفتحوا قلوبهم للكلمة". إذًا، النَّتيجة المتعدِّدة للزَّرع ليست في الكلمة الَّتي تُبشَّر، بل في كيفيَّة استقبالنا لها أو بالأحرى في أرضيَّة قلوبنا الَّتي تستقبلها. الله يفيضُ نعمتَه بسخاءٍ على الجميع ولا يحرم أحدًا من كلمته، لكنَّ ثمرة النِّعْمَةِ تُقاس باستعداد القلب.

*             *             *

في هذا المثل، الَّذين على الطَّريق هم الَّذين يسمعون الكلمة بآذانهم دون أن تدخل قلوبهم، فيأتي إبليس سريعًا لينزع ما زُرع، فيبقى القلب فارغًا. فهؤلاء قلوبهم أرض لا تُعطي ثمار ولا تصلح للزَّرع، مثل الطَّريق الَّتي تدوسها أرجل كثيرين، لذلك يشبهون، بحسب القدِّيس باسيليوس الكبير، "أرضًا مداسًا قاسيًا لا تحتفظ ببذرة لأنَّها لم تُحرَث بالتَّوبة ولا تُسقى بالدُّموع". أمَّا الَّذين على الصَّخر فهم الَّذين يقبلون الكلمة بفرحٍ أوَّليّ، لكنَّهم يذبلون سريعًا عند أوَّل تجربة، لأنَّهم بلا جذورٍ عميقة، وبالحقيقة قلوبهم قاسية لا تسمع للبذار أن تمتدَّ جذورها. يقول القدِّيس كيرلُّس الإسكندريّ: "هؤلاء يبدون متحمِّسين، لكنَّ الإيمان لم يتجذَّر فيهم بالصَّلاة والجهاد الرُّوحيّ، لذلك يسقطون حين تأتي الضِّيقات". أمَّا الَّذين في الشَّوْك فهم الَّذين يسمعون لكنَّ هموم الحياة وغِناها وشهواتها تخنق الثَّمرة فلا تستطيع أن تكبر وتعيش بل تموت لأنَّ الأشواك تأخذ طاقتها وغذاءها. القدِّيس غريغوريوس بالاماس يعلِّق قائلًا: "ليست الضَّرورات اليوميَّة هي الَّتي تضرّ، بل انغماس القلب فيها بلا اعتدال، فيُثقل ولا يعود قادرًا أن يُثمر".

أمَّا الأرض الجيِّدة فهي القلب الَّذي يُنقَّى بالتَّوبة، ويُسقَى بالنِّعْمَة، ويُزرَع فيه الإنجيل كلمةَ حياةٍ فيُثمر ثمارًا مضاعفة. ولكي تبقى الأرض صالحة للزَّرع يجب تنقيتها بشكلٍ دائمٍ وحرثها، وهذه هي حياة الجهاد الرُّوحيّ لتطهير القلب من الأهواء والشَّهوات والخطايا الَّتي تُعيق نموّ بذار الكلمة في القلب. وهذا ما يقوله القدِّيس أنطونيوس الكبير الَّذي يشبه القلب الجيِّد بالأرض الخصبة الَّتي تحتاج حراثةً دائمةً بالصَّلاة والسَّهَر الرُّوحيّ، وسقي مستمرّ بكلمة الله والأسرار المقدَّسة، يقول: " إذا نقّيتَ قلبك من الأهواء، جاء المسيح وسكن فيه، فيصير قلبك حديقةً مثمرةً للرُّوح".

*             *             *

يا أحِبَّة، هذا المثل ليس قصَّة قديمة يأخذ الإنسان منها عبرة أخلاقيَّة، بل هو اختبارٌ روحيّ عميق نعيشه يوميًّا. فكثيرًا ما نسمع كلمة الله في الكنيسة، أو نقرأ الإنجيل، أو نُصغي إليها في الصَّلاة، لكنَّ السُّؤال المطروح على ضمائرنا هو: أين تسقط هذه الكلمة في داخلنا؟ وهل قلوبنا أرض صالحة لاستقبالها؟ هل تُداس على طريق لا مبالاتنا؟ أم تذبل على صخرة سطحيَّتنا؟ أم تُخنَق في أشواك همومنا وانشغالاتنا ومخاوفنا وملذَّاتِنا وأهوائنا؟ أم تجد قلبًا متواضعًا متخشِّعًا مفتوحًا على التَّوبة، صبورًا على الجهاد، مثمِرًا في الرُّوح القدس؟!... الرَّبُّ يؤكِّد لنا بأنَّ "الَّذين يسمعون الكلمة ويحفظونها في قلبٍ جيِّدٍ صالحٍ، يثمرون بالصَّبر". والصَّبر هنا ليس انتظارًا سلبيًّا، بل هو جهاد يوميّ لحفظ الكلمة في قلوبنا وحياتنا وثباتٌ في السَّعي حتّى النِّهاية. فالقداسة لا تتحقَّق بلحظةٍ عاطفيَّةٍ عابِرَة، بل بمثابَرةٍ متواصلة، كما يقول القدِّيس إفرام السُّريانيّ: "الكلمة الَّتي تُزرَع في القلب تحتاج إلى مطر الدُّموع ونور الوصايا لتثمر بفرح". بكلام آخَر نحتاج نعمة الله لتحرِّكَ قلوبَنا إلى التَّوبة بواسطة إرهاصات الكلمة في حياتنا اليوميَّة من تواضعٍ ووَداعةٍ وانسحاق ودموع وصلاة... حتَّى نترجم الكلمة حياةً في يوميّاتِنا في العائلة والمجتمع والعمل والتَّجارب الَّتي نواجهها...

يا أحِبَّة، لنجعل من قلوبِنا أرضًا جيِّدةً تستقبل زرع المسيح وتُثمِرُ ثمارًا مضاعفة ليتمجَّد الله فينا كما تمجَّد في آباء المجمع المسكونيّ السَّابع الَّذين أوضحوا إيماننا بإكرام إيقونات الرَّبّ والقدِّيسين، ولنجعل هذه الثِّمار ظاهرة في العائلة، في العمل، وفي المجتمع، حتَّى يصبح الإنجيل ليس كلماتٍ مسموعةٍ فقط، بل حياة معاشة، تشهد أنّ المسيح هو الزَّارع وهو البذار وهو الثَّمر.

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع!...

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

طروباريَّة القيامة (باللَّحن الأوّل)

إنَّ الحجرَ لما خُتِمَ مِنَ اليَهود. وجَسَدَكَ الطّاهِرَ حُفِظَ مِنَ الجُند. قُمتَ في اليومِ الثّالثِ أَيُّها المـُخلِّص. مانِحًا العالمَ الحياة. لذلكَ قوّاتُ السّماوات. هتفوا إليكَ يا واهبَ الحياة. المجدُ لقيامتِكَ أَيُّها المسيح. المجدُ لِمُلكِكَ. المجدُ لتدبيرِكَ يا مُحبَّ البشرِ وحدك.

طروباريَّة الآباء (باللَّحن الثّامن)

أنتَ أيُّها المَسيحُ إلهُنا الفائق التَّسبيح، يا مَن أسّستَ آباءَنا القدِّيسين على الأرض كواكِبَ لامِعَة، وبهم هَدَيتنا جميعًا إلى الإيمان الحقيقيّ، يا جزيل الرَّحمة المجد لك.

القنداق (باللَّحن الثّاني)

يا شفيعَةَ المسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطةَ لدى الخالِق غيْرَ المرْدودةِ، لا تُعْرضي عَنْ أصواتِ طلباتِنا نَحْنُ الخَطأة، بَلْ تدارَكينا بالمعونةِ بما أنَّكِ صالِحَة، نَحنُ الصّارخينَ اليكِ بإيمان: بادِري إلى الشَّفاعَةِ وأسَرعي في الطّلْبَةِ يا والدَة الإلهِ، المتشَفِّعَةَ دائمًا بمكرِّميك.

الرّسالة (تي 3: 8- 15)

مُبَارَكٌ أَنْتَ يَا رَبُّ إِلَهَ آبَائِنَا.

لِأَنَّكَ عَدْلٌ فِي كُلِّ مَا صَنَعْتَ بِنَا.

يا ولدي تيطُس، صادقةٌ هي الكَلِمة، وإيَّاها أُريدُ أن تقرِّرَ حتَّى يهتمَّ الَّذين آمَنوا باللهِ في القيام بالأعمال الحسنة. فهذه هي الأعمالُ الحسنةُ والنَّافعة. أمّا المُباحَثاتُ الهذَيانيَّةُ والأنسابُ والخُصوُمَاتُ والمماحكاتُ النَّاموسيَّة فاجتنِبْها. فإنَّها غَيرُ نافعةٍ وباطلة. ورَجُلُ البِدعَةِ، بعدَ الإنذار مرَّةً وأُخرى، أعرِض عنهُ، عالِمًا أنَّ مَن هو كذلك قدِ اعتَسفَ، وهُوَ في الخطيئةِ يَقضي بنفسهِ على نَفسِه. ومتَى أرسلتُ إليكَ أرتمِاسَ أو تِيخيكوسَ فبادِرْ أن تأتيني إلى نيكوبولِس لأنّي قد عزمتُ أن أُشتّيَ هناك. أمّا زيناسُ معلِّمُ النَّاموس وأبُلُّوسُ فاجتَهد في تشييعهما متأهِّبَين لئلَّا يُعوِزَهما شيءٌ. وليتعلَّم ذوونا أن يقوموا بالأعمال الصَّالِحةِ للحاجاتِ الضَّروريَّة حتَّى لا يكونوا غيرَ مُثمِرين. يسلّمُ عليكَ جميعُ الَّذين معي. سَلِّمْ على الَّذين يُحبُّونَنا في الإيمان. النِّعْمَةُ معكم أجمعين. آمين.

الإنجيل (لو 8: 5- 15)(لوقا 4)

قَالَ الرَّبُّ هَذَا الـمَثَلَ: خَرَجَ الزَّارِعُ لِيَزْرَعَ زَرْعَهُ. وَفِيمَا هُوَ يَزْرَعُ سَقَطَ بَعْضٌ عَلَى الطَّرِيقِ فَوُطِئَ وَأَكَلَتْهُ طُيُورُ السَّمَاءِ. وَالبَعْضُ سَقَطَ عَلَى الصَّخْرِ، فَلَـمَّا نَبَتَ يَبِسَ لِأَنَّهُ لَـمْ تَكُنْ لَهُ رُطُوبَةٌ. وَبَعْضٌ سَقَطَ بَيْنَ الشَّوْكِ، فَنَبَتَ الشَّوْكُ مَعَهُ فَخَنَقَهُ. وَبَعْضٌ سَقَطَ فِي الأَرضِ الصَّالِحَةِ، فَلَـمَّا نَبَتَ أَثْمَرَ مِئَةَ ضِعْفٍ. فَسَأَلَهُ التَّلامِيذُ: مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هَذَا الـمَثَلُ؟ فَقَالَ: لَكُمْ قَدْ أُعْطِيَ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرَارَ مَلَكُوتِ اللهِ. وَأَمَّا البَاقُونَ فَبِأَمْثَالٍ لِكَيْ لا يَنْظُرُوا وَهُمْ نَاظِرُونَ، وَلا يَفْهَمُوا وَهُمْ سَامِعُونَ. وَهَذَا هُوَ الـمَثَلُ: الزَّرْعُ هُوَ كَلِمَةُ اللهِ. وَالَّذينَ عَلَى الطَّرِيقِ هُمُ الَّذينَ يَسْمَعُونَ، ثُمَّ يَأْتِي إِبْلِيسُ وَيَنْزِعُ الكَلِمَةَ مِنْ قُلُوبِهِمْ لِئَلَّا يُؤْمِنُوا فَيَخْلُصُوا. وَالَّذينَ عَلَى الصَّخْرِ هُمُ الَّذينَ يَسْمَعُونَ الكَلِمَةَ وَيَقْبَلُونَهَا بِفَرَحٍ، وَلَكِنْ لَيْسَ لَـهُمْ أَصْلٌ، وَإِنَّـمَا يُؤْمِنُونَ إِلَى حِينٍ، وَفِي وَقْتِ التَّجْرِبَةِ يَرْتَدُّونَ. وَالَّذي سَقَطَ فِي الشَّوْكِ هُمُ الَّذينَ يَسْمَعُونَ ثُمَّ يَذْهَبُونَ فَيَخْتَنِقُونَ بِهُمُومِ هَذِهِ الحَيَاةِ وَغِنَاهَا وَمَلَذَّاتِهَا فَلا يَأْتُونَ بِثَمَرٍ. وَأَمَّا الَّذي سَقَطَ فِي الأَرْضِ الجَيِّدَةِ، فَهُمُ الَّذينَ بَسْمَعُونَ الكَلِمَةَ فَيَحْفَظُونَـهَا فِي قَلْبٍ جَيِّدٍ صَالِحٍ وَيُثْمِرُونَ بِالصَّبْرِ. وَلَـمَّا قَالَ هَذَا نَادَى: مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ.

حول الإنجيل

لماذا يتكلَّم الرَّبُّ يسوع بالأمثال؟ البعض يقول لأنّ المثل بسيط الفهم؟. هل حقًّا المثل بسيط الفهم؟ إذا راجعنا الأمثال في الكتاب المقدَّس بعَهْدَيْه، القديم والجديد، نرى أنّ هناك صعوبة لفهم المحتوى والتَّعليم الكامِن في الأمثال لمن لم يُعطى له ذلك. الرَّبّ يسوع والرُّسُل والقدِّيسون فسَّروا لنا المعاني الخَفِيّة. فالمثل في الكتاب المقدَّس لا يُفهَم ما لم يهب الله السَّامع نعمة،ً وهذا ما يؤكّده المزمور: "أفتحُ بمثَلٍ فمي، أُذيعُ ألغازًا منذُ القِدَمِ" (مزمور 2:78). لماذا؟ هل يُريدنا الرَّبُّ أن لا نفهم؟ أم قلّة من النَّاس هي مخوّلة أن تفهم المكتوب؟ كما ادّعى الغنوصيّون قديمًا أنّ الأسرار والمعرفة عندهم وهم الَّذين يفقهون بها فقط!...

 الأمر ليس كما نظنّ، لأنّه بالـمَثَل، لا تكون الكلمة الَّتي يقولها الكتاب مُلزِمَة للشَّخص إذا لم يفهمها، لكنّ ذلك يضع عليه دينونة إذا كان رافضًا للفهم ولم يرد أن يسمع، إذ سيُدان من الله على حسب نواياه وأعمالِهِ. من يرفض أن يسمع الكلمة الإلهيَّة، لا يمكنه أن يعرف المسيح.

إذا انتبهنا، في إنجيل اليوم، لم يفهم أحد من السَّامعين المقصود من الـمَثَل، إذ حتَّى التَّلاميذ أتَوْا وسألوا المعلّم تفسيرًا: "مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هذَا الْمَثَلُ؟ فَقَالَ: ’لَكُمْ قَدْ أُعْطِيَ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرَارَ مَلَكُوتِ اللهِ، وَأَمَّا لِلْبَاقِينَ فَبِأَمْثَال، حَتَّى إِنَّهُمْ مُبْصِرِينَ لاَ يُبْصِرُونَ، وَسَامِعِينَ لاَ يَفْهَمُونَ" (الآية 10). نحن، أيضًا، الأمثال والإنجيل والكنيسة لن تفيدنا بشيء، إذا لم نسأل فهمًا للعَيْش، فنكون عندئذ فقط سامعين لا يعنينا الكلام، إذا لم نسعَ للمعرفة لتغيير طريقة حياتنا ولم نجاهد روحيًّا. وحدُهم التَّلاميذ، مِنَ الّذين كانوا يسمعون الرَّبَّ يسوع يسرد هذا المثل، سألوه إيضاحًا، فقط التَّلاميذ ظهرت عندهم الرَّغبة لفهم المثل، فهل تجاوبوا مع المعاني الإلهيَّة ورغبوا أن يتغيَّروا؟!... ما الَّذي يجعلنا لا نفهم هذه الأمثال؟ خطيئة الكبرياء. وكلّنا خطأة. يقول أشعياء النّبيّ: "غَلّظْ قلب هذا الشَّعب وثَقّلْ أُذُنَيه واطمُسْ عَينيه، لئلَّا يُبصرْ بعينيه ويسمعَ بأُذُنيه ويَفهمَ بقلبهِ، ويرجعَ فَيُشفى" (إشعياء 6: 10).

يا إخوة، مَن يريد أن يَخلُص عليه أن يسعى لتحقيق هذا الخلاص عبر طاعة الكلمة الإلهيَّة. فالسَّماع لا يُفيده بشيء إن لم تدخل الكلمة إلى القلب وتصير فعلًا في حياته اليوميَّة، لأنَّ الرَّبَّ يقول في نهاية هذا المثل: "من له أُذنان للسَّمع فليسمع"، أي من لديه الرَّغبة أن يتغيّر ومن لديه الرَّغبة أن يخلص، فهذا، وهذا فقط، يُعطى له أن يفهم، "فيرجع ويُشفى" آمين.

دور الإمبراطورة إيريني في المجمع المسكونيّ السَّابع

توفِّيَ الإمبراطور قسطنطين الخامس في العام 775، فخلفه ابنه لاون الرّابع الَّذي كان من مُحاربي الإيقونات. وبعد خمس سنواتٍ خلفه ابنه قسطنطين السَّادس وكان يبلغ آنذاك من العمر خمس سنواتٍ، فتولّت أمّه إيريني الحكم باسمه وكانت من المدافعين عن الإيقونات الشّريفة. وممّا قيل عنها أنّها كانت تخبّئ الإيقونات الشّريفة بين أغراضها الملكيّة وتوقّرها، وذلك في زمن حرب الإيقونات.

سعت الإمبراطورة إيريني إلى إعادة تكريم الإيقونات، لكنّها انتظرت الوقت المناسب خاصّةً أنّ الجيش كان في ذلك الوقت لا يزال يحارب الإيقونات.

وفي هذه الوقت تمّت ترقية طراسيوس العالِم الوَرِع التَّقيّ إلى السُّدّة البطريركيَّة، وكان يعلم أنّ الإمبراطورة إيريني تدافع عن الرّأي المستقيم، فكتب وصيّةً باسمها يدعو فيها البطاركة إلى مجمعٍ مسكونيٍّ في القسطنطينيَّة. ولكنّ المشاكل حصلت أثناء اِلتئام المجمع بسبب الجيش ولكنّها لم تيأس، فعادت ودعت إلى مجمعٍ في نيقية،  فعاد الآباء للاجتماع في مدينة نيقية في ظروفٍ صعبةٍ، إلَّا أنَّ أهمّ قرارات هذا المجمع كان بتثبيت مبدأ إكرام الإيقونات المقدّسة، وهذا ما أجمع عليه الآباء القدِّيسون جميعهم.

حاول البعض بعد ذلك محاربة هذا المجمع من خلال اعتبار سلطة الإمبراطورة إيريني باطلةً كونها امرأةً وأنَّه لم يسبق أن تولّت امرأةٌ الحكم، لكنّها ثبتت على مواقفها في ما يختصّ بتكريم الإيقونات الشّريفة رغم كلّ الظّروف.

رقدت الإمبراطورة إيريني في العام 802، وحاول الأباطرة من بعدها محاربة الإيقونات مجدّدًا مطاردين كلّ من يكرّمها، واستمرّت هذه الحرب حتّى العام 843 حين ثبّتت الإمبراطورة ثيوذورة عقيدة تكريم الإيقونات الشّريفة، منهيةً بذلك تلك الحرب.

بالتّالي كانت الإمبراطورة إيريني، رغم كلّ الصّعوبات والشّدائد المحدقة بحكمها وبالإمبراطوريّة آنذاك، وفيّةً لتكريم الإيقونات. وقد سعت رغم كلّ ذلك لانعاقد المجمع المسكونيّ السّابع الّذي أصدر قراراتٍ حول أهمّيّة تكريم الإيقونات الشّريفة، ما أعاد لها التّكريم الواجب في الكنيسة.