Menu Close
120726

نشرة كنيستي

نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.

أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي

كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.

الأحد (6) بعد العنصرة  

العدد 28

الأحد 12 تمُّوز  2026

اللَّحن 5- الإيوثينا 6

أعياد الأسبوع: *12: القدِّيس باييسيوس الآثوسيّ، الشَّهيدان بروكلس وايلاريوس، القدِّيسة فيرونيكي النَّازفة الدَّم *13: تذكار جامع لجبرائيل رئيس الملائكة، القدِّيس استفانوس السَّابَوي، الشَّهيدة مريم، البارَّة سارة *14: الرَّسول أكيلا، القدِّيس نيقوديموس الآثوسيّ، القدِّيس يوسف رئيس أساقفة تسالونيكي *15: الشَّهيدان كيريكس وأمَّه يوليطة *16: الشَّهيدان في الكهنة نقولا وحبيب خشِّة الدِّمشقيَّين، الشَّهيد في الكهنة أثينوجانس ورفقته *17: القدِّيسة الشَّهيدة مارينا العظيمة في الشَّهيدات *18: الشَّهيد إميليانوس، البارّ بمفو.

كلمة الرّاعي 

القدِّيسان نقولا وحبيب خِشِّة الدِّمشقيَّان

شهيدان مِنْ لَحْمنا ودمنا

يطلُّ علينا بعد ستَّة أيَّام عيد القدِّيسَيْن الشَّهيدَيْن في الكهنة، نقولا وحبيب خِشِّة. وفي كلّ مرّةٍ تُعلن كنيستُنا قداسةَ واحدٍ من أبنائها، تفتح لنا كُوَّةً نُطلُّ منها على السَّماء، فنكتشف أنَّ القداسة ليست حكايةً من زمنٍ سَحيق، ولا حِكرًا على النُّسَّاك في الأديار، بل هي ممكنةٌ هنا، في مُدننا وبيوتنا ورعايانا. ومن أجمل ما أنعم الله به علينا أنَّ المجمع الأنطاكيّ المقدَّس، في دورته العادِيَّة الرَّابعة عشرة المنعقدة في البلمند بتاريخ التَّاسع عشر من تشرين الأوَّل 2023، أعلن قداسة كاهِنَيْن شهيدَيْن من كرسِيِّنا: الأب نقولا خِشِّة، وابنه بالجسد الأب حبيب خِشِّة الدِّمشقيَّيْن. وقد أُقيمتْ صلاة الشُّكر ووُقِّع طرس إعلان القداسة في دير سيِّدة البلمند البطريركيّ يوم السَّبت الحادي والعشرين منه، برئاسة غبطة أبينا البطريرك يوحنَّا العاشر وآباء المجمع المقدَّس، وثبَّتوا تذكارهما الجامع في السَّادس عشر من تمُّوز من كلِّ عام. وفي هذَيْن الأبوَيْن يتحقَّق قَوْل الرَّسُول: «اذكُروا مُرشديكُم الَّذين كَلَّموكُم بكلمَةِ الله، وانظروا إلى نهاية سيرتهم فتمثَّلوا بإيمانهم» (عب 13: 7).

إذا تأمَّلنا في هذا العيد، يتجلَّى لنا أبٌ وابنُه - لا مِن القرون الأولى للمسيحيَّة حيث كان المسيحيُّون يُعانون الاضطهاد والقتل فيستشهدون لأجل الإيمان بالرَّبّ يسوع المسيح - بل من أمسنا القريب، نالا معًا إكليل الشَّهادة، وكأنّ الدَّم الَّذي سُفِك في الأب جرى في عروق الابن حتَّى بلغ به الغاية نفسها. فلنفحص سيرتهما باختصار لنتعرَّف عليهما، وهكذا يشدُّ الشَّوق القارئ ليتوسَّع في البحث عن حياتهما وشهادتهما.

*             *             *

وُلد نقولا خشّة في دمشق سنة 1856، في حَيّ القيمريَّة العريق، من أبوَيْن تقيَّيْن. تاجر بالحرير في شبابه كأبناء الشَّام، لكنَّ قلبه كان مُعَلَّقًا بالكنيسة. كان مِن رُوَّاد النَّهضة الَّتي أعادَتْ إلى الكرسيّ الأنطاكيّ تألُّقَه، فرُسم كاهنًا سنة 1900 في الكاتدرائيَّة المريميَّة، وصار واعِظًا يشُدُّ النُّفوس إلى الله، وراعِيًا يُطفِئُ الخصومات ويرُدُّ الشَّاردين. ثمّ أُرْسِل سنة 1908 وَكيلًا بطريركيًّا إلى أبرشيَّة كيليكية، فجعل مَقَرَّه في مِرْسِين، فوحَّد شعبه، وأعاد بناء الكنائس، وفتح المدارس، وافتقد الفقراء الَّذين كانوا أحَبَّ النَّاس إليه.

وحين عصفتْ بالمنطقة حملاتُ الإبادة والتَّهجير، وقف كالجبل يُدافِع عن رعيَّتَه وعن إخوتنا الأرمن المنكَّل بهم، لا يخاف سلطانًا ولا يُحابي ظالمًا. فضاق به الطُّغاة، وزُجّ به في السِّجن سنة 1917 حيث عانى من التَّعذيبٍ الوَحْشِيّ، فكُسِرتْ أضلاعُه واحدًا واحدًا، وهو يتمتم بكلام الكتاب المقدَّس حتَّى أسلم روحه. مات كما يموت الرُّعاةُ الصَّالِحُون، فقد قال الرَّبّ: "أنا هو الرَّاعي الصَّالح، والرَّاعي الصَّالح يبذل نفسه عن الخراف" (يو 10: 11)؛ وصَدَقَ فيه قَوْل كاتب المزامير: "كريمٌ في عينَي الرَّبِّ موتُ أبراره" (مز 116: 15).

*             *             *

أمّا ابنه حبيب، فوُلد في دمشق سنة 1894، ونال شهادةً جامعيَّة، وعمل في التِّجارة سنواتٍ قبل أن يترك كلَّ شيء ويدخل الكهنوت سنة 1932، فخدم في المريميَّة ثمّ في رعيَّة القصاع وكنيسة الصَّليب المقدَّس معظَم حياته. كان رجلَ صلاةٍ وصومٍ وزُهد: يُقيم القدَّاس كلَّ صباح، ويفتقد رعيّته بيتًا بيتًا سيْرًا على قدَمَيْه. عُرِف بسخاءٍ يفوق الوَصف؛ كان يُعطي السَّائل كلَّ ما في جَيْبِهِ، ويستدَين ليزوِّج فتاةً فقيرة، بل كان يحمل طعام بيته تحت جبّته ليضعه على مائدة عائلةٍ معوزة.

في هذا الأب تجسَّد قولُ القدِّيس باسيليوس الكبير: "الخبزُ الَّذي تحفظه في المخبأ هو مُلكٌ للجائعين، والثَّوبُ الَّذي تُقفِل عليه الخزانة هو مُلكٌ للعُراة، والحذاءُ الَّذي يتلفُّ عندك هو مُلكٌ للحفاة". وتحقّق فيه ما نَبَّه إليه القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفم: "أتريد أن تُكرِّم جسد المسيح؟ لا تُهمله متى كان جائعًا... بينما تقدِّم له على المذبح ثيابًا حريريَّة وتتركه في الخارج يَهلك بَرْدًا وجوعًا"؛ فكان الأب حبيب يتمِّم سِرَّ الشُّكر بقوَّة المسيح على مذبح الفقير، كما يخدمه على المذبح المقدَّس. وكان يقول للمُهاجِر: ابقَ! لذلك، هو أحبَّ دمشقه وحرَّض أبناءها على التَّمسُّك بأرضهم.

وكان يُصَلِّي أن يموت شهيدًا كأبيه، فاستُجيب له إذ في السَّادس عشر من تمُّوز 1948، وبينما كان في خلوةٍ روحيَّة عند سفح جبل الشَّيخ يقرأ في الكتاب المقدَّس، اعترضه من ظَنُّوه غير ما هو، فعذَّبوه وكسروا عظامه وألقوه في الوادي، فمضى إلى ربَّه شهيدًا. وصدق فيه قَوْلُ المخلِّص: «مَن أراد أن يخلِّصَ نفسه يُهلكُها، ومَن يُهلِكُ نفسه من أجلي يجدها» (متَّى 16: 25).

*             *             *

ماذا نتعلَّم مِن هذَيْن الأبوَيْن؟

هذان الأبوان لم يتركا مجلّداتٍ في اللَّاهوت، لكنّ حياتهما عظةٌ مستمرَّة:

يعلِّماننا أنَّ الكاهن راعٍ يبذل نفسه لا أجيرٌ يهرب؛ وأنَّ القداسة مسيرةُ كلِّ مؤمنٍ لا الرُّهبان وحدهم، كما ذكَّرنا غبطة البطريرك يوحنَّا العاشر، فهي أنْ ننسى ما وراءَنا مِن ظُلْمَةٍ ونمتَدّ إلى الفضيلة. ويعلِّمانِنا أنَّ محبَّة القريب هي الطَّريق؛ يقول القدِّيس أنطونيوس الكبير بهذا الخُصوص: "حياتَنا وموتنا هما مع قريبنا، فإنْ رَبِحْنَا قريبنا رَبِحْنا الله". ويعلِّماننا أنَّ الفقر لا يمنع السَّخاء، وأنَّ المؤمِن يَقف مع المظلوم أيًّا كان دينُه، وأنَّ حبَّة الحِنْطًة إنْ لم تَقَعْ في الأرض وتَمُتْ تبقى وحدها، وإنْ ماتَتْ أتَتْ بثَمَرٍ كثير (يو 12: 24).

*             *             *

ولماذا سيرتُهما اليوم بالذَّات؟

لأنَّ عيدَهُما على الأبواب في الأسبوع القادم، ولأنّنا نعيش زمنًا يُشبه زمنهما: حروبٌ وضِيق، واقتصادٌ منهار، وإغراءُ الهجرة يطرق كلّ باب. وقد نبَّهَنا القدِّيس أنطونيوس منذ قرون: "يأتي وقتٌ يُصاب فيه النَّاس بالجنون، فإذا رأوا مَن ليس مجنونًا هاجموه قائلين: أنت مجنون، لأنّك لست مثلنا". فحين يجنُّ العالم حولنا، يكشف لنا الشَّهيدان كيف نبقى عُقَلاء بالإيمان، فـ "قُوَّة المسيحيَّة في الوَداعة والاحتمال لا في القَهر" (الذهبيّ الفم)؛ وهذه قوَّةُ شهيدَينا: لم يَحملا سيفًا، بل احتملا حتَّى النِّهاية. وها هما يَقُولان لنا من مجدهما: إنَّ الأرض الَّتي وُلدتم فيها مقدَّسة فلا تتركوها للخراب، والكنيسةُ في الشِّدَّة لا تُغلَق أبوابها بل تتّسع صدورها، والرَّاعي الحَقّ يبقى مع شعبه ولو كَلَّفَهُ ذلك حياته. وليَكُن على شفاهنا في ضيقنا ما لم يُفارِق شَفَتَيْ الذَّهبيّ الفم حتَّى النَّفَس الأخير: "المجدُ لله على كلِّ شيء".

يا أحبَّة، لنلتمس شفاعة هذيْن القدِّيسَيْن الأنطاكيَّيْن، ولنَقْتَدي بغَيرتهما وسخائهما وثباتهما، عاملين بنصيحة القدِّيس أنطونيوس الكبير: "حيثما تذهب ليَكُن الله نُصْبَ عينَيْك". وليكن تذكار الشَّهيدين في الكهنة نقولا وحبيب الدِّمشقيَّيْن في السَّادس عشر من تمُّوز عيدًا لبيوتنا جميعًا كما هو عيدٌ لكنيستنا، فنُرَبِّي أبناءنا على أنَّ القداسة ممكنة، وأنّ "طوبى للمضطهدين من أجل البِرّ فإنَّ لهم ملكوت السَّماوات" (متّى 5: 10).

بركةُ القدّيسَيْن الشَّهيدَيْن في الكهنة نقولا وحبيب لتَكُن معَنا جميعًا، وصلواتُهما سياجًا لكرسيّنا الأنطاكيّ المقدَّس ولأبرشيَّتِنا وشعبها.

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع.

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

طروباريَّة القيامة (باللَّحن الخامس)

لِنُسَبِّحْ نحنُ المـُؤمنينَ ونسجُدْ للكلمة. المـُساوي للآبِ والرُّوحِ في الأزَليّةِ وعدمِ الابتداء. المـَوْلودِ مَنَ العذراء لِخلاصِنا. لأنّه سُرَّ بالجَسَدِ أن يَعلُوَ على الصَّليب. ويحتمِلَ المـَوْت. ويُنهِضَ المـَوْتى بقيامتِهِ المـَجيدة.

طروباريَّة القدِّيس باييسيوس الآثوسيّ (اللَّحن الخامس)

لأبينا باييسيوس هَيَّا نُعْلِي المَديح، مَن استبانَ نموذجًا حَيًّا للمُجاهِدين، وهو خَتْمٌ للرُّهبان وكَمَالَهُم مملوءٌ محبَّةً كالنَّسْرِ يُحَلِّقُ بالرُّوح ويَدْفُقُ بالإنعامِ وهو شَفِيعٌ للنَّاس حارٌّ ومُسْتَجيبُهم بسرعةٍ.

القنداق (باللَّحن الثَّاني)

يا شفيعَةَ المسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطةَ لدى الخالِق غيْرَ المرْدودةِ، لا تُعْرضي عَنْ أصواتِ طلباتِنا نَحْنُ الخَطأة، بَلْ تدارَكينا بالمعونةِ بما أنَّكِ صالِحَة، نَحنُ الصّارخينَ اليكِ بإيمان: بادِري إلى الشَّفاعَةِ وأسَرعي في الطّلْبَةِ يا والدَة الإلهِ، المتشَفِّعَةَ دائمًا بمكرِّميك.

الرِّسالة (غلا 5: 22-26، 6: 1-2)

يفتخر الأبرارُ بالمَجْدِ                 

رنِّموا للرَّبِّ ترنيمةً جديدة

يا إخوةُ، إنَّ ثمرَ الرُّوحِ هو المحبَّةُ والفرحُ والسَّلامُ وطولُ الأناةِ واللُّطفُ والصَّلاحُ والإيمانُ والوداعَةُ والعفَاف. وهذه ليسَ ناموسٌ ضِدَّها. والَّذين للمسيحِ صلبوا أجسادَهم مع الآلام والشَّهوات. فإنْ كنَّا نعيشُ بالرُّوحِ فلْنَسلُكْ بالرُّوحِ أيضًا ولا نكُنْ ذوي عُجبٍ ولا نُغاضِبْ ولا نَحسُدْ بعضُنا بعضًا. يا إخوةُ، إذا أُخِذَ إنسانٌ في زلَّةٍ فأصلحِوا أنتم الرّوحيينَ مثلَ هذا بروح الوادعة. وتبصَّرْ أنتَ لنفسِكَ لئلَّا تُجرَّبَ أنتَ أيضًا. إحمِلوا بعضُكم أثقالَ بعضٍ، وهكذا أتِمّوا ناموسَ المسيح.

الإنجيل (مت 9: 1- 8) (متَّى 6)

فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ دَخَلَ يَسُوعُ السَّفِينَةَ وَاجْتَازَ وَجَاءَ إِلَى مَدِينَتِهِ. فَإِذَا بِـمُخَلَّعٍ مُلْقًى عَلَى سَرِيرٍ قَدَّمُوهُ إِلَيْهِ. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ إِيـمَانَـهُمْ قَالَ لِلْمُخَلَّعِ: ثِقْ يَا بُنَيَّ، مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ. فَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الكَتَبَةِ فِي أَنْفُسِهِمْ: هَذَا يُـجَدِّفُ. فَعَلِمَ يَسُوعُ أَفْكَارَهُمْ فَقَالَ: لِـمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِالشَّرِّ فِي قُلُوبِكُمْ؟ مَا الأَيْسَرُ أَنْ يُقَالَ: مَغْفُورَةُ لَكَ خَطَايَاكَ أَمْ أَنْ يُقَالَ قُمْ فَامْشِ؟ وَلَكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ ابْنَ البَشَرِ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الخَطَايَا. (حِينَئِذٍ قَالَ لِلْمُخَلَّعِ) قُمِ احْمِلْ سَرِيرَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ. فَقَامَ وَمَضَى إِلَى بَيْتِهِ. فَلَمَّا نَظَرَ الجُمُوعُ تَعَجَّبُوا وَمَـجَّدُوا اللهَ الَّذي أَعْطَى النَّاسَ سُلْطَانًا كَهَذَا.

حول الإنجيل

لمّا شَفى يسوعُ الرَّجُلَ الأعمى منذ مولده، سألَه تلاميذُه: "مَن أخطأَ: أَهذا أَم أبواه، حتّى وُلِدَ أَعمى؟" (يو 1:9 و2). نستنتج، من هذا السُّؤال، أنَّ المرض، في المعتقَد اليهوديّ، سببُه الخطيئة. وهذا السُّؤالُ نفسُه يستتبع، في السِّياق، تَساؤلًا آخَر: عندما – في حادثة الشِّفاء الَّتي رواها لنا متَّى اليوم – قالَ يسوع للمَفلُوج: "ثِق يا بُنَيّ، قد غُفِرَت لكَ خطاياك"، هل قصَدَ أن يكلِّم الحاضرين بمنطقهم؟ أي، هل قصدَ أن يقول للمفلوج: أَحُلَّكَ من خطيئتك فتَبرأُ من عِلَّتِكَ الجسديَّة؟ رُبَّما. غيرَ أنَّ المؤكَّد أنَّه إنَّما أراد، أساسًا، أن يُعلِّمَ الحاضرين أنَّ غفرانَ الخطايا والتَّوْبَةَ عنها أهمُّ من شفاء الجسد. وفي هذا يقول القدِّيس إسحق السُّريانيّ في "نُسكيّاته": "مَن عَرَف خطاياه وشَعَر بها هو أعظم مِمَّن يُقيم الموتى بصَلاته". أمَّا الحاضِرون فَخَذَلَهم يسوعُ بقوله هذا للمَفلُوج، إذْ تَوَقَّعوا منه أن يَشفيَه.

فَهَل تَعَمَّد يسوعُ أن يَخذُلَ الحاضرين في ما تَوَقَّعوه؟ طبعًا لا. وكيف يَخذُلُهم وهو الَّذي "كان يَطُوف في الجليل كلّه، يُعلّم في مجامعهم، ويُعلن بشارةَ الملكوت، ويشفي الشَّعبَ من كلِّ مرضٍ وعِلَّة"؟ (متّى 23:4). غيرَ أنّه أراد أن يُحدِثَ فيهم صدمةً إيجابيّةً، عَلَّ الصَّدمةَ تفتحُ عقولَهم وقلوبَهم على ما كان مُغلقًا دُونَها، فيُدرِكوا أَنّ في الأشفية الَّتي كان يسوع يُجريها في الشَّعب ما هو أهمُّ من شفاء الجسد وَأَولى، ورُبّما أصعب، وهو شِفاءُ النَّفْس؛ وهذا ما يدلّ عليه، في السِّياق، سؤالُه للحاضرين: أَيُّما هو الأَيسر؟ أن يُقالَ: مغفورةٌ لك خطاياك، أَم أنْ يُقالَ: قُم وامشِ؟". مع ذلك، ولئلَّا يتركَهم يتململون في ضعفِهم البشريّ، استجاب لرغبتهم وقال للمفلوج: "قُم، احمِل فراشك واذهب".

هذه الحادثةُ تضعُ تحت السُّؤالِ مكانةَ المعجزة في إيماننا؛ والجوابُ هو التّالي: مع أنَّنا نُقِرُّ بالمعجزات، ونُؤمن بأَنّه "حيث يشاءُ الإلهُ يُغلَبُ نظام الطّبيعة" (من سَحَرِ الميلاد)، إلّا أنّنا لا نبني إيمانَنا عليها؛ أي أنّنا لا ننتَظِرُ حصولَ المعجزة حتّى نؤمن. ذلك "بأنّ اليهودَ يطلبون آيةً، واليونانيّين يطلبون حكمةً، أَمَّا نحن فنُنادي بالمسيح مَصلوبًا، عِثارًا لليهود وجَهالةً لليونانيِّين" (1 كور 22:1 و23). ولعلَّ هذا ما يُفسِّر لماذا لا تشترطُ كنيستُنا الأرثوذكسيَّةُ اجتراحَ المعجزة في سِيرةِ مَن تدرسُ إعلانَ قداسته/ها، إذْ يَكفيها شرطًا أن تكونَ السِّيرةُ الشَّخصيَّةُ سيرةَ قداسة.

ثُمَّ، إذا كانتِ المعجزةُ هي لمسةَ اللهِ وقوَّتَه – وهي كذلك – فمَن قال إنَّ هاتَين لا تَتجَلَّيان إلَّا في ما يفوق الطَّبيعة؟ مَن قال إنَّ لمسةَ الله وقوَّته لا تَتجَلَّيان في نَواميس الطَّبيعة؟ مَن قال إنَّهما لا تَتجَلَّيان، مثلًا، في كلِّ مرّةٍ تحملُ فيها امرأةٌ وتَلِدُ إنسانًا للعالم؟ أو على حَدِّ مِبضَعِ جرّاحٍ ماهرٍ كلَّما تَمَّت على يده جراحةٌ ناجحة؟ ... إلخ. نحن اعتَدنا أن نرى المعجزة فقط في ما هو خارجٌ على مألوفِنا اليَوْمِيّ، في "الخارق"؛ لكن، ينبغي لنا أنْ نَراها أيضًا، وبالأَحرى، في ما نعتبره مألوفًا يوميًّا. أَوَليس هذا ما يُفسِّرُ انذهالَ داوُدَ أمام عظمةِ الخالق المتمثّلةِ في نظام الكَوْن البَديع (المألوفِ مِنَّا)، وهُتافَه: "السَّمواتُ تُذيعُ مجدَ الله، والفلكُ يُخبِّر بأعمال يدَيه" (مز 1:19)؟

نحن آمَنَّا، مرّةً وإلى الأبد، بقيامةِ المسيح من بين الأموات وقيامتِنا به ومعه. هذه، في إيماننا، هي المعجزةُ الكُبرى؛ والباقي تَهجِئاتٌ وتَمتمات.

صلاة الرَّبّ يسوع في خبرة القدِّيس باييسيوس الآثوسيّ

من ترداد الإسم إلى اتِّحاد القلب بالمسيح

تُشكِّل صلاة الرَّبّ يسوع إحدى أعمق الخبرات الرُّوحيَّة في التَّقليد الأرثوذكسيّ الشَّرقيّ، فهي ليست مجرَّد صيغة لفظيَّة قصيرة، بل هي مسيرة روحيَّة تهدف إلى إعادة توجيه كيان الإنسان كلَّه نحو حضور الله. وتقوم هذه الصَّلاة على تكرار اسم الرَّبّ يسوع المسيح بإيمانٍ وتوبة: «ربّي يسوع المسيح، يا ابن الله، ارحمني أنا الخاطئ». ويرى التَّقليد الآبائيّ أنَّ استدعاء اسم المسيح ليس ذِكرًا خارجيًّا، بل دخول في علاقةٍ حَيَّةٍ مع شخصِ المسيح نفسه، لأنَّ «الاسم» في المفهوم الكتابيّ يرتبط بحضور الشَّخص وعمله.

ينطلق هذا التَّعليم من الأساس الكتابيّ للصَّلاة الدَّائمة، حيث يدعو الرَّسُول بولس المؤمنين قائلًا: «صَلُّوا بلا انقطاع» (1 تس 5:17). كما تجد صلاة يسوع جذورها في صلاةِ العشَّار التَّائب: «اللَّهُم ارحمني أنا الخاطئ» (لوقا 18:13)، إذْ تكشِف أنَّ بداية الطَّريق الرُّوحيّ ليست الشُّعور بالكمال، بل الاعتراف بالحاجة إلى رحمة الله. وهنا تلتقي صلاة يسوع مع جوهر الحياة النُّسكيَّة: تنقية القلب من الكبرياء والأهواء لكي يُصبح الإنسان قابلًا لعمل النِّعْمَة الإلهيَّة.

في خبرة القدِّيس باييسيوس الآثوسيّ (1924-1994)، تأخذ صلاة يسوع بُعدًا رعويًّا عميقًا؛ نادى بها سلاحًا جبّارًا ضدَّ مكائد العدوّ، وشدَّد أنَّها ليست حِكْرًا على الرُّهبان، بل هي دعوة لكلِّ إنسانٍ ليُحَوِّل حياتَه اليوميَّة إلى لقاءٍ مع الله. فقد كان يؤكِّد أنَّ قوَّةَ الصَّلاة لا تكمُن في كثرة الكلمات، بل في حضور القلب واتِّضاعِهِ أمام المسيح.

ويشرح القدِّيس أنَّ الإنسان عندما يحمل اسم المسيح في قلبه يبدأ بالتَّحرُّر من اضطراب الأفكار، لأنَّ نعمة الله تعمل في داخله وتقوده نحو السَّلام والمحبَّة. كما يربط القدِّيس باييسيوس بين صلاة يسوع والتَّوبة الدَّاخليَّة؛ فالصَّلاة الحقيقيَّة لا تُغَيِّر مشاعر الإنسان فقط، بل تُعيد تشكيل طريقة وُجوده. وذكر اسم المسيح باستمرار يقود إلى ما يُسمِّيه الآباء «يقظة القلب»، أي حالة روحيَّة يصبح فيها الإنسان منتبِّهًا لحضور الله في كلِّ لحظةٍ من حياته. لذلك كان القدِّيس باييسيوس يحذِّر من اعتبار الصَّلاة تجربة عاطفيَّة مؤقَّتة، مؤكِّدًا أنَّ ثمرها الحقيقيّ يظهر في التَّواضع، والصَّبر، والمحبَّة تجاه الآخَرين.

إنَّ أهميَّة صلاة يسوع في تعليم القدِّيس باييسيوس تكمن في أنَّها تجمع بين البُعد اللَّاهوتيّ والبُعد العمليّ؛ فهي إعلانُ إيمانٍ بالمسيح، وفي الوقت نفسه طريق لتَحويل القلب. فالإنسان الَّذي يكرِّر اسم يسوع بإيمانٍ لا يبحث فقط عن راحةٍ نفسيَّة، بل عن تجديدِ حياته كلِّها في المسيح. وهكذا تُصبح صلاة يسوع، في رؤية القدِّيس باييسيوس، مدرسةً للاتِّحاد بالله، يتحوَّل فيها القلب تدريجيًّا إلى محَلٍّ لحضور النِّعْمَة الإلهيَّة الَّتي تُنير وتقدِّس كلَّ إنسانٍ آتٍ إلى هذا العالم، آمين!