نشرة كنيستي
نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.
أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي
كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.
أحد الفصح العظيم المقدَّس
العدد 15
الأحد 12 نيسان 2026
أعياد الأسبوع: *12: أحد الفصح العظيم المُقدَّس *13: الإثنين من أسبوع التَّجديدات (إثنين الباعوث)، القدِّيس مرتينوس المعترف بابا رومية *14: الثُّلاثاء من أسبوع التَّجديدات، الرُّسُل أريسترخس وبوذوس وتروفيمُس وهم من السَّبعين *15: الأربعاء من أسبوع التَّجديدات، الرَّسول الشَّهيد كريسكس *16: الخميس من أسبوع التّجديدات، الشَّهيدات أغابي وإيريني وشيونيَّة الأخوات العذارى، القدِّيسة غاليني ورفقتها اللَّواتي من كورنثوس *17: الجمعة من أسبوع التجديدات (ينبوع الحياة)، تذكار تجديد هيكل الكلِّيَّة القداسة سيِّدتنا أمُّ الإله الينبوع الحَيّ، الشَّهيد في الكهنة سمعان الفارسيّ ورفقته *18: السَّبت من أسبوع التّجديدات، البارّ يوحنَّا تلميذ غريغوريوس البانياسيّ.
كلمة الرّاعي
القيامة: فِصحنا نحو الحياة الأبديَّة
"فأمَّا كلُّ الَّذينَ قَبِلوهُ فقد أعطاهُم سُلطانًا أن يكونوا أولادًا للهِ" (يو 1: 12)
الحياة تَجَدُّد دائم وإلَّا لا تكون حياةً. البعض يعيشها برَتابةٍ ورُكود لأنَّ مصدر التَّجدُّد لا يأتي من الحياة نفسها بل من مصدرها. ومَن كان منفصلًا عن المصدر لا يتجدَّد أي لا يسير نحو كماله أي تحقيق معنى وجوده ولا يرتَقي بالرُّوح بل يبقى في نِطاق التُّراب... التَّجدُّد يتطلَّب عُبورًا من عَتاقةٍ إلى جدَّة، مِن فكرٍ إلى فكر ومِن ظلمةٍ إلى نور... لا بُدَّ من تغيير داخليّ أو بالأحرى ثورة وانقلاب في كيان الإنسان. ليحدث هذا يجب خلق وَعي مُتجدِّد لحقيقة الإنسان بحسب كَشْفِ يسوع المسيح. الإنسان ليس "ترابًا ورمادًا" (تك 18: 27) ومصيره ليس كمصير البهيمة (راجع، جامعة 3: 19). إعلان يسوع المسيح أتى ليُعيدَ الرَّجاء للإنسان بالكرامة الأبديَّة بالقيامة... فنهاية الإنسان في المسيح ليست كنهاية باقي المخلوقات بل هي حياةٌ أبديَّة ومجدٌ سَرمديّ...
* * *
قيامة الرَّبّ يسوع المسيح من بين الأموات حرَّرتْ الجنس البشريّ من خوف الموت لأنَّه صار مؤقَّتًا، ولأنَّ انتظارَ استعلان يوم الرَّبّ، يكون لمن هم في المسيح،انتظارًا في النُّموّ بالنِّعْمَة الإلهيَّة. الحياة لا تتوقَّف بعد الموت، لذلك لا يتوقَّف النُّموّ الرُّوحيّ للإنسان البارّ... انتظار القيامة العامَّة هو انتظار لإعادة اتِّحاد جسد الإنسان مع روحه واكتمال الشَّخص في ملكوت الله. هذا صار مُعطى في المسيح وبواسطة الاتِّحاد معه بنعمة الرُّوح القدس. الرُّوح القدس هو الَّذي يجعل الاتِّحاد بالمسيح واقتناء الحياة الأبديَّة مُمْكنًا لنا نحن البشر. الرُّوح القدس يُشْرِكنا في قيامة المسيح وحياته الأبديَّة... هذا ليس أمرًا يتحقَّق في المجيء الثَّاني فقط بل هو مُعطى منذ الآن للَّذين "لا مِن دَمٍ ولا مِنْ مشيئةِ لحمٍ ولا مِنْ مَشيئةِ رَجُلٍ لكنْ مِنَ الله وُلِدوا" (يو 1: 13). مَن يتحرَّر من الخوف لا يَعود يُخطِئ، لأنَّ سبب الخطيئة هو الخوف الكيانيّ الكامِن في أعماق القلب من الموت... هذا يأتي مِن كوننا أبناء آدم الأوَّل وعلى شبهه، لكن مَن خَرَج مِن جرن المعموديَّة يَصير ابن آدم الثَّاني وعلى مثاله... إنسانًا طاهر القلب والكيان مُلتَصقًا بكلمة الله وطاعتها وشاهدًا للنِّعْمَة والحَقّ... وحاملًا في ذاته نور الحياة الحقيقيَّة بيسوع المسيح الرَّبّ...
* * *
يا أحِبَّة، القيامة تفعل فينا كما فعلت في الرُّسُل، شرط أن نؤمن. القيامة خَلْقٌ جديد للخليقة بأسرها، علينا أن نكون باكورتها ليصير العالم مكانًا أفضل. الحروب مصدرها الخوف من الآخَر، وسببها الطَّمَع والجشع، ومُحَفِّزها المصالح والكبرياء، ومُغَذِّيها الحقد والأنانيَّة... صانِعوها يربطون وجودهم بقوَّتهم الفانية، ويظنُّون أنَّ غلبة وقتيَّة، مهما طال زمنها، تشبه الأبديَّة وتُغني عنها، لذلك فهم يبيدون سريعًا... القيامة حرَّرتنا من خوف الَّذين يقتلون الجسد، هذا (أي الجسد) إلى انحلال مهما طال عمرنا، المهمّ حرِّيَّة الرُّوح اي انعتاق القلب من الأهواء وامتناع الإنسان عن الخطيئة... القيامة تحرِّرنا من العادة المميتة، أي تَعَوُّد الخطيئة وإدمانها، إنَّها قَطع لكلّ اعتياد، فالخبرة تعلِّمنا أنَّ الخروج من القديم يتطلَّب قطعًا للرَّغبة بالنَّظر إلى الخلف، وهذا بِيَد الإنسان كمشيئة ويتحقَّق بقوَّة النِّعْمَة في صلاة "القلب المتخشِّع والمتواضع"... القيامة خبرة متجدِّدة في حياتنا طالما نحن في هذا العالم، إنَّها بكلمةٍ أُخرى التَّوبة أي فصحنا، عبورنا، إلى الحياة الأبديَّة عندما تصير قلوبنا مملوءة محبَّة للرَّبِّ وللإخوة... أي حين يتحوَّل الإنسان من مُتَمَرِّدٍ على الله غريب عنه إلى مُطيعٍ لكلمته وابنٍ ووَارِثٍ له...
القيامة اتِّحاد بالله وسُكناهُ فينا بالمسيح في نعمة الرُّوح القدس، وهذه هي الحياة الأبديَّة وملكوت السَّماوات الَّذي نتذوَّقه الآن وننتظر استعلانه الأخير في مجيء ربِّنا يسوع المسيح في آخِر الأزمنة. فلنَكُن نحن حُضور يسوع في هذا العالم المتألِّم ونوره وسلامه لتزداد النِّعْمَة ويَسُود الحَقّ وتمسح عن كلِّ وجهٍ كلَّ دمعة... هكذا تصير قيامتنا فصح العالم نحو الحياة الأبديَّة إذْ تتجَلَّى الخليقة الجديدة الَّتي بالمسيح المنبعِث من الرَّمْس...
المسيح قام! حقًّا قام!
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
طروباريَّة القيامة (باللَّحن الخامس)
المسيحُ قامَ من بينِ الأموات، ووَطِئَ الموتَ بالموتِ، ووَهَبَ الحياةَ للَّذينَ في القُبُور.
الإيباكويي (الطِّاعة) (باللَّحن الرَّابع)
سَبَقتِ الصُّبحَ اللَّواتي كُنَّ مع مريم، فَوَجَدْنَ الحجَرَ مُدحْرَجًا عَن القَبْرِ، وَسَمِعْنَ الملاكَ قائِلًا لهُنَّ: لِمَ تَطلُبْنَ مع الموتى كإنسانٍ الَّذي هُوَ في النُّورِ الأزليّ، أُنْظُرْنَ لَفَائِفَ الأكْفَانِ وأسْرِعْنَ وَاكْرِزْنَ في العالَم بأنَّ الرَّبَّ قَدْ قامَ وأمَاتَ الموتَ، لأنَّه ابنُ اللهِ المُخَلِّصُ جِنْسَ البَشَرِ.
قنداق الفصح (باللَّحن الثَّامن)
وَلَئِنْ كُنْتَ نَزَلْتَ إلى قبرٍ يا مَن لا يموت، إِلَّا أَنَّكَ دَرَسْتَ قُوَّةَ الجحيم، وقُمْتَ غالِبًا أَيُّها المسيحُ الإله، وللنِّسوَةِ حامِلاتِ الطِّيبِ قُلْتَ افْرَحْنَ، ولِرُسُلِكَ وَهَبْتَ السَّلام، يا مانِحَ الواقِعِينَ القِيَام.
الرِّسالة (أع 1: 1- 8)
هذا هُوَ اليَوْمُ الَّذي صَنَعَهُ الرَّبّ. فَلْنتهلَّلْ ونَفْرَحْ بِهِ
اعْتَرِفُوا للرَبِ فإنَّهُ صالحٌ وإنَّ إلى الأبدِ رَحْمَتَهُ
إنّي قد أنشأتُ الكلامَ الأوّلَ يا ثاوفيلَسُ في جميع الأمورِ الَّتي ابتدأ يسوع يعملّها ويُعلِّمُ بها، إلى اليومِ الَّذي صَعِدَ فيهِ من بعدِ أن أوصى بالرُّوح القدُسِ الرُّسلَ الَّذينَ اصطفاهم، الَّذين أراهُمْ أيضًا نفسَهُ حيًّا بَعْدَ تألُّمهِ ببراهينَ كثيرةٍ، وهو يتراءَى لهم مدَّة أربعينَ يومًا ويُكلِّمُهُم بما يختصُّ بملكوتِ الله. وفيما هو مجتمعٌ معهم أوصاهم أن لا تبرحوا من أورشليمَ بل انتظروا موعِدَ الآب الَّذي سمعتموهُ مني، فإنَّ يوحنا عمَّدَ بالماء وأمَّا أنتم فَسَتُعَمَّدُونَ بالرُّوح القدس، لا بعدَ هذه الأيّام بكثيرٍ. فسألهُ المجتمعونَ قائلينَ: يا ربُّ، أفي هذا الزّمان تردُّ الملكَ إلى إسرائيلَ. فقالَ لهم ليس لكم أن تَعْرِفوا الأزمنةَ أو الأوقاتَ الَّتي جعلَها الآبُ في سلطانِه، لكنَّكم ستنالونَ قوَّة بحلولِ الرُّوح القدس عليكُمْ، وتكونونَ لي شهودًا في أورشليمَ وفي جميع اليهوديَّةِ والسّامرة، وإلى أقصى الأرض.
الإنجيل (يو 1: 1-17)
في البدءِ كانَ الكَلِمةُ والكَلِمةُ كانَ عندَ الله وإلهًا كانَ الكَلِمَة. هذا كانَ في البدءِ عندَ الله. كُلٌّ بهِ كانَ وبغيرِهِ لم يكُنْ شَيءٌ ممَّا كُوِّن. بهِ كانتِ الحياةُ والحياةُ كانَتْ نُورَ النّاس والنُّورُ في الظّلمَةِ يُضيءُ والظّلمَةُ لم تُدْرِكْهُ. كانَ إنسانٌ مُرسَلٌ مِنَ اللهِ اسمُهُ يُوحَنَّا. هذا جاءَ لِلشَّهادَةِ ليشهد للنُّور. لكي يؤمنَ الكلُّ بِواسطتِهِ. لم يكنْ هوَ النُّورَ بل كان ليشهَدَ للنُّورِ. الكلمةُ هو النُّور الحق، الآتي إلى العالم والمُنيرُ كُلَّ إنسانٍ. في العالم كانَ والعالمُ بِهِ كُوِّنَ والعالمُ لَمْ يعرِفْهُ. إلى خاصَّتِهِ أتى وخاصَّتهُ لم تقبَلهُ. فأمَّا كلُّ الَّذينَ قَبِلوهُ فقد أعطاهُم سُلطانًا أن يكونوا أولادًا للهِ، وهم الَّذينَ يؤمنون باسمِهِ، الَّذينَ لا مِن دَمٍ ولا مِنْ مشيئةِ لحمٍ ولا مِنْ مَشيئةِ رَجُلٍ لكنْ مِنَ الله وُلِدوا. والكلمَةُ صارَ جسدًا وحلَّ فينا (وقد أبْصرْنا مجدَهُ مجدَ وحيدٍ من الآب) مملوءًا نِعمة وحقًّا. ويُوحَنَّا شَهِدَ لهُ وصرَخَ قائلًا: هذا هُوَ الَّذي قلتُ عَنهُ إنَّ الَّذي يَأتي بَعدي صارَ قبلي لأنَّهُ مُتَقدِّمي. ومن مِلئِهِ نحنُ كلُّنا أخَذْنا ونعمةً عوضَ نعمةٍ. لأنَّ النّاموسَ بموسى أُعطِي. وأمَّا النِّعمَةُ والحقُّ فبِيسُوعَ المسيحِ حَصلا.
حول الإنجيل
يبدأ العهد القَديم بالعبارة: "في البَدْءِ خَلَقَ الله السَّماء والأرض" (تك 1: 1)، أمَّا الإنجيليّ يوحنَّا فيُشير أنَّ هذا الخلق تَمَّ بفعل الكلمة الإلهيّ، أي يسوع المسيح ابن الله الوَحيد. يستهلُّ يوحنَّا إنجيله بهذه الصِّيغة، ليس ليتكلَّم عن بَدء الخليقة كما العهد القديم، بل ليتكلَّم عن الوِلادة الأزليَّة للكلمة الإلهيّ الَّذي هو عِلَّة الخليقة وسبب وجودها.
إنَّ يسوع الكلمة الإلهيّ كان قبل الخليقة وكان مع الله، وكان حينها هو الله بذاته. هذا الإعلان هو أساس إيماننا أنَّ الرَّبَّ يسوع هو "ابن الله الوحيد الموْلُود من الآب قبل كلِّ الدُّهور... مولود غير مَخلوق، مُساوٍ للآب في الجَوْهَر" (دستور الإيمان النِّيقاويّ). هذه الافتتاحيَّة تعكس خُلاصَةَ مضمون إنجيلِ يوحنَّا الَّذي يُسَلِّطُ الضَّوْءَ على أُلوهيَّة الرَّبّ يسوع ووَحدَتِهِ الكاملة بالله الآب: "أنا والآب واحد" (يو 10: 30) و "مَن رآني فقد رأي الآب" (يو 14: 9). يشَدِّد يوحنَّا أنَّ يسوع هو مصدر الحياة وقد بَثَّها في الوُجود، وبها أبْصَرَ العالم النُّور فصارَ كلُّ إنسانٍ مَوْجودًا. لكنَّ الإنسانَ اختار الابتعاد عن الله وسقط بالخطيئة وأعاد نفسه إلى ظلمة الموت عِوَضَ نور الحياة. لكنَّ النُّور أقدَر من الظُّلمة ولا يمكن أن تحجبه ظلمة الخطيئة لذلك "صار الكلمة الإلهيّ جسدًا" ليُعيدَ ضياءَ الحياة لجسد الإنسان السَّاقِط، فيَهَبَهُ الحياة الجديدة أو بالأحرى الأخيرة الَّتي هي الحياة الإلهيَّة بِحَدِّ ذاتها. تجسَّد الرَّبُّ يسوع وشارَكَ الإنسان آلامه وحمل عاقبة سقوطه وارتضى الصَّليب طَوْعًا ليغفر الخطايا وقام مانحًا الإنسان ولادةً جديدة "ليس من دمٍ ولا من مشيئة جسدٍ ولا من مشيئة رجلٍ بل من الله" (آية 13). هذه الوِلادة من الله، كما يصفها الإنجيليّ يوحنَّا تشترط الإيمان بيسوع ربًّا وإلهًا ومُخَلِّصًا، لذلك سبق وقال "أمَّا كلُّ الَّذين قبلوه (أي آمنوا به وتبعوه) فأعطاهم سلطانَ أن يَصيروا أولادَ الله (أي) المؤمنون باسمه".
اليوم في غمرة الاحتفال بالفصح المجيد وبقيامة الرَّبِّ يسوع وغلبته على الموت تُذَكِّرُنا الكنيسة، من مضمون إنجيل اليوم، أنَّ هذا الفعل الإلهيّ المَجيد يمنحنا ولادةً جديدةً، ولادةً أزلِيَّة، شبيهة بولادة الكلمة الإلهيّ. شاركنا الرَّبّ يسوع بتجسُّده واقع ولادتنا البشريَّة بالجسد أمَّا بموته وقيامته فقد أشركنا بولادته الإلهيَّة ومَنَحَنَا حياةً أبديَّة.
وتزلزلت الجحيم
عبارةٌ تُعْلِن سِرًّا عظيمًا في الإيمان الأرثوذكسيّ، إذْ تُشير إلى لحظة انتصار المسيح على الموت وقِوى الظُّلمة. فالكنيسة لا تنظر إلى نزول الرَّبّ يسوع إلى الجحيم كَحَدَثٍ عابِرٍ، بل كعَمَلٍ خَلاصيّ حاسم غيَّر تاريخ البشريَّة وفتح باب الرَّجاء لكلِّ إنسان.
عندما أسْلَمَ الرَّبُّ روحه على الصَّليب، ظنَّ إبليس أنَّه قد انتصر، وأنَّ الموْتَ قد ابتلع الحياة. لكنَّ ما حدث كان العكس تمامًا، لأنَّ المسيح دخل إلى الجحيم بسُلطان لاهوتِهِ، مثل نورٍ قويٍّ اقتحَم ظلامًا دامِسًا. لذلك يقول القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفم في عظة الفصح الشَّهيرة: "أُخذ الجحيم إذْ ذاقَ الجَسَد، ووَجد الله؛ أخذ الأرضيّ، وصادف السَّماويّ". هذه الكلمات تُعَبِّر عن دهشة الجحيم أمام سِرِّ التَّجسُّد، إذْ لم تستطع أن تحتمل حضور الله المتجسِّد.
إنَّ زلزلة الجحيم تعني سقوط سلطان الموت الَّذي كان يستعبد الإنسان منذ خطيئة آدم. فالمسيح لم يكتفِ بأنْ يموت، بل حَطَّمَ الموْت من الدَّاخل، وكَسَر شَوْكَتَهُ، كما يُعلن الرَّسول بولس: "أين شوكتك يا مَوْت؟ أين غلبتكِ يا هاوية؟". وهكذا صار الموت بعد القيامة معبرًا إلى الحياة، لا نهايةً مُخيفةً كما كان في السَّابق.
وتُظهِر الإيقونة الأرثوذكسيَّة هذا الحدث بصورةٍ عميقة، إذْ نرى المسيح قائمًا في المجد داخل الجحيم، تُحيطُ به هالةُ النُّور، وتحت قدمَيْه الأبواب المحطَّمة والسَّلاسِل المكسورة. هذه الصُّورة ليست مُجَرَّد فَنٌّ، بل إعلانٌ عقائديّ يؤكِّدُ أنَّ قوَّة الله أقوى من كلِّ القيود، وأنَّ الخلاص عطيَّةً مجَّانيَّةً لكلِّ مَن يقبل عمل المسيح في حياته.
لذلك تبقى عبارة "وتزلزلت الجحيم" رسالةَ رجاء للمؤمنين، خاصَّةً في أوقات الضِّيق والخوف، لأنَّ الرَّبَّ الَّذي زلزل الجحيم قادرٌ أن يزلزل كلَّ يأسٍ في قلبِ الإنسان، ويمنحه قوَّة القيامة وفرح الغلبة على الخطيئة والموت، فيحيا ثابتًا في الإيمان منتظرًا قيامة الأموات والحياة في ملكوت الله الَّذي لا يزول إلى الأبد، آمين.
نور القيامة.!..
وكان العيد فرحًا وتهليلًا، بعد صمتِ إنساننا العتيق وموته في الصّوم.!!. الرّايات تخفق فوق رؤوسنا، والفرح يحرّك فينا الحياة إلى أيّام جديدة، لا نعرف فيها الحزن، ولا القلق، ولا الخوف. و"توما" – إنسانيـّـة الأرض، تريد أن تلمس جسد المسيح، تريد أن تدخل جنب المسيح؛ لتحتمي به من نفسها، وفراغها، وعودتها إلى ما كانت عليه!
الرّبّ الإله مات جسديًّا، وقام جسديًّا؛ والإنسانيـّـة، الّتي اسمها "توما"، تركض إليه، لتلمسه، لتتبرّك، لتصدّق، لتختبئ فيه، لتتكهرب بدمه وماء جنبه... إنّها تطلب لمسه؛ لتحيا، من خلال اللّمس، حياتَها الجديدة في جنب السّيّد، حيث كانت، بتوما، الولادة الجديدة.!!!.
ثمّ عاد السّؤال عن القبر! عاد التّسآل: مَن في القبر؟!... وأتت، وإيّاكنّ، إلى القبر، حاملاتُ الطّيب، لتطييب جسد الميت... تأخَّرْنَ عن الدّفن، لأنّهنّ لم يُرِدْنَ أن يحنّطن المدفون، عربون الحياة لهنّ. عُدْنَ إلى القبر... بلا ترتيب... عريسنا هناك... حبّنا هناك... حياتنا هناك... فكيف نحيا بعيدًا عن حياتنا؟!... لماذا لم نمت معه؟!... وما عرفت النّسوة، ولا نحن، اليأس!... هو، هنا، كان، وكائن، وسيكون؛ فلا تَجْزَعْنَ!... فقط، اقبلن الحزن كما قبلتنّ الفرح، وعاهدن الرّبّ بأنّكنّ لن تـتركن الصّليب، ولا القبر، ولا جرار العرس، ولا لعازر!...
معك، يا ألله نحيا، وإليك نقدّم ذواتنا قربانًا... لا لنا، يا ألله، لا لنا، بل لاسمك نعطي مجدًا! فالّتي لك ممّا لك نقدّمها لك! طيوب الأرض أهرقناها تحت خشبة صليبك! ماذا نطيِّب، يا ربّ، ماذا نطيِّب؟!... أنطيّب الموت، وأنت قائم؟! أم القبرَ، وأنت جالس عن يمين الآب في السّموات؟!... نحن نطيِّب مشاعر حبّنا، نطيِّب ذواتنا الّتي تحبّك، نطيِّب ما نعرف، وأنت العارف أنّك وحدك الطِّيب!...
ليست لنا، يا ألله، دراهم نشتري بها طيبًا لك، لكنّنا نقدّم إليك دموعًا، نغسل بها ذواتنا قدّام ضريحك، قدّام قبرك الجديد؛ علّك، إذا رأيتنا نتنقّى، تَظهر لنا، وتختمنا بنورك؛ فنخرج، نحن الجالسين في ظلمة الموت وظلاله، إليكَ؛ ونسكن في جنبك، في قلبك، فيك؛ ونذوق القيامة الّتي وعدتنا بها! فانظر، يا ربّ، إلينا، وتحنّن علينا، وارحمنا!...
(المرجع: أحاديث ديريّة. الأمّ مريم زكّا. الجزء الثّالث. آب 2003).
>