نشرة كنيستي
نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.
أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي
كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.
الأحد بعد عيد الظُّهور الإلهيّ
العدد 2
الأحد 11 كانون الثّاني 2026
اللَّحن 6- الإيوثينا 9
أعياد الأسبوع: *11: البارّ ثيودوسيوس رئيس الأديرة، البارّ ڤيتاليوس *12: الشَّهيدتَيْن تتيانا وآفستاثيَّا، البارّ فيلوثيوس الأنطاكيّ الشَّهيد *13: الشَّهيدَيْن أرميلس واستراتونيكس، البارّ مكسيموس (كَفُسُوكاليفيا) *14: وداع عيد الظُّهور الإلهيّ، تذكار الآباء المقتولين في سيناء ورايثو *15: البارَّين بولس الثيبي ويوحنَّا الكوخيّ *16: السُّجود لسلسلة بطرس المكرَّمَة، الشَّهيد دمسكينوس *17: القدِّيس أنطونيوس الكبير مُعَلِّم البَرِّيَّة، الشَّهيد جاورجيوس الجديد (إيوانينا).
كلمة الرّاعي
القدِّيس أنطونيوس الكبير: الحكمة في التَّواضع
”تَأْتِي الْكِبْرِيَاءُ فَيَأْتِي الْهَوَانُ، وَمَعَ الْمُتَوَاضِعِينَ حِكْمَةٌ“ (أمثال 11: 2)
تُعيِّدُ الكنيسة المقدَّسة، في السَّابع عشـر من شهر كانون الثَّاني، للقدِّيس أنطونيوس الكبير ”كوكب البرِّيَّة، ملاك الصَّحراء وأبو الرُّهبان“. نَسَكَ القدِّيس أنطونيوس في الصَّحراء الدَّاخليَّة في مصـر ما يقارب الخمس وثمانين سنة، سَلَكَها بالتَّخلِّي الكامل إذ وزّع أمواله وممتلكاته الطّائلة على المساكين والمحتاجين، ولم يترك لذاته شيئًا.
قاده الرَّبُّ في جهاده وعلّمه سبيل الحياة الرُّوحيَّة المستقيم، فصار مقصدًا لرهبان عصره وكبارِ مؤسِّسي نظامٍ جمعَ بين عيش الجماعة والتّوحُّد، بالإضافة إلى حركة شعبيّة.
لعب دورًا كبيرًا ومهمًّا في تشديد عزم المسيحيّين أثناء الاضطهاد الآريوسيّ ضدّهم، فنزل إلى الإسكندريّة بين النّاس في الشّوارع والمنازل يشدِّدُهم ويصلّي معهم. وعظَ وشَهِدَ قائلًا: ”الَّذي يتكلّمون عنه أنّه ليس إلهًا هو غيرُ المسيحِ الَّذي أنا أعرفُه ويعرفُني ويَعرفُ كلَّ واحدٍ منّا. فيسوعُ هو ”إلهٌ تامٌّ وإنسانٌ تامّ“، وأكمل: ”الكلام عن الرّبّ يسوع المسيح يأتي من القلب المجبول بالصَّلاة، وليس مِن أفكارٍ عقليّةٍ محضة، وفلسفاتٍ واستنتاجاتٍ وتحاليل“.
حياته كانت إنجيلًا حيًّا يشهد للمسيح الرَّبّ، وقد كان مدرسة في عَيْش وتعليم الكلمة الإلهيَّة. انكفاؤه عن العالم كان لأجل العالم، ولذلك، كان ينزل إلى المدينة حين تدعو الحاجة ليُعزّي ويشدِّد ويثبِّت المؤمنين بالإيمان الفاعل بالمحبَّة والمثبّت بقوّة الرّوح القدس.
* * *
لعلَّ أهمّ ما كان يشدِّد عليه القدِّيس أنطونيوس في حياته وتعليمه كان التَّواضع. فهو عرف بتعليمٍ من الله هذا الأمر حين قال: ”رأيت فخاخ العدوِّ في الأرض لامعةً، فقلت في نفسـي من ينجو منها؟ فأتاني صوتٌ من السَّماء يقول: المتواضع“. كان القدِّيس أنطونيوس يفتَتح جميع إرشاداته بذكر فضيلة التَّـواضع وضرورتها الجوهريّة للخلاص. كان يقول أنّه ”بدون التَّواضع لا نستطيع أن ننجوَ من حِيَل الشَّيطان أوَّل المتكبِّرين“. وأنَّ ”التَّـواضع هو السُّور المكين الَّذي نحتمي به من سهام العدوّ الجهنـَّميّ؛ فإذا هُدِمَ السُّور أصبحنا هدفـًا لسهام الأعداء، وهو أساس كلّ الفضائل؛ فعليه يجب أن نرفع بناء الكمال“. هذه الحكمة تعلَّمها بجهاده في الصَّلاة والتّأمُّل الدّائم بالكلمة الإلهيَّة والهذيذ بها. كان يلهج بكلمات الكتاب المقدَّس بعهديه القديم والجديد، ويستقي منها بروح الرَّبِّ الحكمة الإلهيَّة.
كان القدِّيس أنطونيوس أُمِّيًّا. غير أنَّ الله أنْعَمَ عليه بما هو أفضل من العلم البشـريّ، إذْ لسبب تواضعه مَنَحَهُ الحكمة الإلهيَّة. فكان له من العلم والفهم بالتّأمُّل، ما فاق به علماء عصره. وحصل القدِّيس أنطونيوس على هذه النِّـعمة بفيض الفضائل الإلهيَّة ونعمة التّمييز. وممَّا قاله في فضيلة التّمييز: ”إنـَّها سيِّدة جميع الفضائل“. ولما سُئِل يومًا عن الكمال المسيحيّ أجاب: ”للبلوغ سريعًا إلى الكمال المسيحيّ اِفتكر في أنَّـك تبدأ اليوم بخدمة الله. وافتكر في أنَّ هذا اليوم قد يكون الأخير من حياتك. إذا جرَّبك العدوّ فتذكَّر أنَّ الشَّيطان لا يقدر البتَّة أن ينتصـر على الصَّلاة والصَّوم وعلى محبَّة يسوع الحارَّة“.
* * *
أيُّها الأحبَّاء، القدِّيسون هم معلّمونا في طريق التَّقديس، وهم قدوتنا. صحيح أنّ القدِّيس أنطونيوس الكبير كان راهبًا وناسكًا، ولكنّه عاش حياة الشّركة أيضًا مع الرّهبان ومع المؤمنين، وشاركهم اضطهاداتهم وضيقاتهم وأفراحهم بالرَّبّ. وفي كلّ هذه الخبرة الطَّويلة الَّتي عاشها في حياة التّوحُّد، استخلص أنّ ”حياتنا وموتنا هما مع قريبنا، فإن ربحنا قريبنا نربح الله، وإن أعثرنا قريبَنا نخطئ ضدّ المسيح“. هـــــــذه هي خـــــــــــلاصــــة الحـــيـــاة المسيحيَّة والجهاد الرّوحيّ. هكذا نُرضي الله. كلّ نسكنا وتقشّفنا وصلواتنا وأعمالنا وخدمتنا غايتها أن نربح القريب. هكذا علينا أن نسلك لنكون مسيحيّين في هذا العالم، هكذا نكون عاقلين في عيني الرَّبّ ومجانين في أعين البشر. هذا ما سبق فتنبَّأ عنه القدِّيس أنطونيوس الكبير قائلًا: ”يأتي وقتٌ فيه يصاب البـشـر بالجنون، فإن رأوا إنسانًا غير مجنون، يهاجمونه، قائلين: أنت مجنون، إنّكَ لستَ مثلنا“... نعم!... نحن اليوم في هذا الزَّمن، لكن فلنثبت في الشَّهادة لحقّ الإنجيل كما ثبت، قبلنا، آباؤنا القدِّيسون والشُّهداء لينقلوا إلينا سرَّ الحياة الأبديَّة والغلبة على الموت والخطيئة في طاعة الكلمة الإلهيَّة حتّى المُنتهى...
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع...
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما
طروباريَّة القيامة (باللَّحن السَّادِس)
إِنَّ القُوَّاتِ الـمَلائِكِيَّة ظَهَرُوا عَلَى قَبْرِكَ الـمُوَقَّر، وَالحُرَّاسَ صَارُوا كَالأَمْوَات، وَمَرْيَمَ وَقَفَتْ عِنْدَ القَبْرِ طَالِبَةً جَسَدَكَ الطَّاهِر. فَسَبَيْتَ الجَحِيمَ وَلَـمْ تُجَرَّبْ مِنْهَا، وَصَادَفْتَ البَتُولَ مَانِحًا الحَيَاة. فَيَا مَنْ قَامَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ، يَا رَبُّ الـمَجْدُ لَك.
طروباريَّة البارّ ثيودوسيوس (بِاللَّحْنِ الثّامِنَ)
لِلْبَرِّيَّةِ غَيْرِ الـمُثْمِرَةِ بِـمَجَارِي دُمُوعِكَ أَمْرَعْتَ، وَبِالتَّنَهُّدَاتِ الَّتِي مِنَ الأَعْمَاقِ أَثْـمَرْتَ بِأَتْعَابِكَ إِلَى مِئَةِ ضِعْفٍ، فَصِرْتَ كَوْكَبًا لِلْمَسْكُونَةِ تَسْطَعُ مُتلألئًا بِالعَجَائِبِ يَا أَبَانَا البَارَّ ثَاوُدُوسِيُوس. فَتَشَفَّعْ إِلَى الـمَسِيحِ الإِلَهِ فِي خَلاصِ نُفُوسِنَا.
طروباريَّة عيد الظُّهور الإلهيّ (بِاللَّحن الأوّل)
بِاعْتِمَادِكَ يَا رَبُّ فِي نَـهْرِ الأُرْدُن ظَهَرَتِ السَّجْدَةُ لِلثَّالُوثِ، لِأَنَّ صَوْتَ الآبِ تَقَدَّمَ لَكَ بِالشَّهَادَةِ مُسَمِّيًا إيَّاكَ ابْنًا مَـحْبُوبًا؛ وَالرُّوحَ بِـهَيْئَةِ حَمَامَةٍ يُؤَيِّدُ حَقِيقَةَ الكَلِمَةِ. فَيَا مَنْ ظَهَرْتَ وَأَنَرْتَ العَالَـمَ، أَيُّهَا الـمَسِيحُ الإِلَهُ الـمَجْدُ لَكَ.
قنداق عيد الظُّهور الإلهيّ (باللَّحن الرَّابع)
اليومَ ظَهَرْتَ للمَسكونةِ يا ربّ، ونورُك قد ارتسمَ علينا، نحن الَّذين نسبِّحُكَ بمعرفةٍ قائلين: لقد أتيتَ وظهرتَ أيُّها النُّورُ الَّذي لا يُدنى منه.
الرِّسالة (عب 13: 7- 16)
كَرِيمٌ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ مَوْتُ أَبْرَارَهِ،
بِـمَاذَا نُكَافِئُ الرَّبَّ عَنْ كُلِّ مَا أَعْطَانا.
يَا إِخْوَةُ، اذْكُرُوا مُدَبِّرِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. تَأَمَّلُوا فِي عَاقِبَةِ تَصَرُّفِهِمْ وَاقْتَدُوا بِإِيـمَانِـهِمْ. إِنَّ يَسُوعَ الـمَسِيحَ هُوَ هُوَ أَمْسِ وَاليَوْمَ وَإِلَى مَدَى الدَّهْرِ. لا تَنْقَادُوا لِتَعَالِيمَ مُتَنَوِّعَةٍ غَرِيبَةٍ، فَإِنَّهُ يَـحْسُنُ أَنْ يُثَبَّتَ القَلْبُ بِالنِّعْمَةِ لا بِالأَطْعِمَةِ الَّتِي لَـمْ يَنْتَفِعِ الَّذِينَ تَعَاطُوْهَا. إِنَّ لَنَا مَذْبَـحًا لا سُلْطَانَ لِلَّذِينَ يَـخْدُمُونَ الـمَسْكِنَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهُ، لِأَنَّ الحَيَوَانَاتِ الَّتِي يُدْخَلُ بِدَمِهَا عَنِ الخَطِيئَةِ إِلَى الأُقْدَاسِ بِيَدِ رَئِيسِ الكَهَنَةِ، تُـحْرَقُ أَجْسَامُهَا خَارِجَ الـمَحَلَّةِ. فَلِذَلِكَ يَسُوعُ أَيْضًا تَأَلَّـمَ خَارِجَ البَابِ لِيُقَدِّسَ الشَّعبَ بِدَمِ نَفْسِهِ. فَلْنَخْرُجْ إِذًا إِلَيْهِ إِلَى خَارِجِ الـمَحَلَّةِ حَامِلِينَ عَارَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَنَا هَهُنَا مَدِينَةٌ بَاقِيَةٌ، بَلْ نَطْلُبُ الآتِيَةَ. فَلْنُقَرِّبْ بِهِ إِذًا ذَبِيحَةَ التَّسْبِيحِ كُلَّ حِينٍ، وَهِيَ ثَـمَرُ شِفَاهٍ مُعْتَرِفَةٍ لِاسْمِهِ. لا تَنْسَوِا الإِحْسَانَ وَالـمُؤَاسَاةَ، فَإِنَّ اللهَ يَرْتَضِي مِثْلَ هَذِهِ الذَّبَائِحِ.
الإنجيل (مت 4: 12- 17)
فِي ذَلِكَ الزَّمانِ لَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ أَنَّ يُوحَنَّا قَدْ أُسْلِمَ انْصَرَفَ إِلَى الْجَلِيلِ، وَتَرَكَ النَّاصِرَةَ، وَجاءَ فَسَكَنَ فِي كَفْرَنَاحُومَ الَّتِي عَلَى شاطِئِ الْبَحْرِ فِي تُـخُومِ زَبُولُونَ وَنَفْتَالِيمَ، لِيَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الْقَائِلِ: أَرْضُ زَبُولُونَ وَأَرْضُ نَفْتَالِيمَ طَرِيقُ الْبَحْرِ عَبْرَ الأُرْدُنِّ جَلِيلُ الأُمَمِ. الشَّعْبُ الْجَالِسُ فِي الظُلْمَةِ أَبْصَرَ نُورًا عَظِيمًا، وَالْجَالِسُونَ فِي بُقْعَةِ الْمَوْتِ وَظِلاَلِهِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ. وَمُنْذُئِذٍ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَكْرِزُ وَيَقُولُ: تُوبُوا فَقَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ.
حول الرِّسالة
"يَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْسًا وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ" (عب 13: 8).
يا أحبّائي، يضع القدِّيس بولس الرَّسُول أمامنا اليوم ميزانًا للحياة الرُّوحيَّة؛ كفَّةٌ تمسك بالتَّقليد الحَيّ، وكفَّةٌ تمسك بالرَّجاء السَّماويّ.
أوَّلًا، الإيمان المسَلَّم من القدِّيسين:
يدعونا الرَّسُول للاقتداء بالمرشِدين، ويقول القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفم: "الإيمان ليس مجرَّد كلمات، بل هو سيرةُ حياة؛ فانظروا كيف ختموا حياتهم بجهادٍ حَسَن". هؤلاء الَّذين سلكوا في النُّور لم يتبعوا سرابًا، بل تبعوا المسيح الثَّابت. وكما يوضح القدِّيس أمبروسيوس: "المسيح هو الأمس لأنَّه أزليّ، وهو اليوم لأنَّه حاضرٌ فينا بالنِّعمة". فإذا كان إلهنا لا يتغيَّر، فلماذا نتزعزع نحن وراء تعاليم غريبة؟
ثانيًا، قوَّة المذبح السِّرّيّ:
"لنا مذبح"؛ وهذا المذبح هو فخر الكنيسة وسِرُّ قوَّتها. يقول القدِّيس كيرلُّس الإسكندريّ: "مذبحنا هو المسيح نفسه، هو الذَّبيحة وهو الكاهن". فبينما ينشغل العالم بالمظاهر والأطعمة، ننشغل نحن بالاتِّحاد بجسد الرَّبّ المحيي. هذا المذبح، كما يقول المغبوط أغسطينوس، "لا يراه إلَّا مَن نقَّى قلبه"، ومنه نستمدُّ النِّعمة الَّتي تُثبِّتُ القلوب وتجعلنا نصمد أمام تجارب الدَّهر.
ثالثًا، الخروج خارج المحَلَّة:
يدعونا الرَّسُول لمشاركة المسيح آلامه: "فلنخرج إليه خارج المحَلَّة". يعلِّقُ القدِّيس أفرام السُّريانيّ بعمق: "يا له من مشهدٍ عَجيب! الطَّاهر يخرج إلى مكان النَّجاسة ليقدِّسَه". الخروج يعني ترك شهوات العالم وأمانه الخادع. فنحن هنا لا نملك "مدينةً باقية"، بل كما يقول القدِّيس مكاريوس الكبير: "نحن كمسافرين في طريقٍ وَعرٍ، عيوننا تتطلَّع دائمًا نحو موطننا الأصليّ".
رابعًا، ذبائحنا المقبولة:
كيف نقدِّم عبادتنا؟ بـ "ذبيحة التَّسبيح" و "فعل الخير". يُوصينا القدِّيس باسيليوس الكبير: "إنَّ الله لا يطلب حيوانات، بل يطلب قلبًا يعترف باسمه ويَدًا ممدودةً بالعطاء". فالصَّلاة الَّتي لا تُترجَم إلى رحمة هي صلاةٌ ناقصة، لأنَّ الله يُسرُّ بذبائح الشَّركة والتَّوزيع.
ليُعطنا الرَّبّ أنْ نَخرُج من ذواتنا لنلتقي به، ونثبت في إيمان آبائنا، ونقدِّم حياتَنا ذبيحةَ شكرٍ مقبولَةٍ أمامه، له المجد إلى الأبد، آمين.
ظهور الرَّبّ يسوع في حياتنا
عيد الظُّهور الإلهيّ ليس مجرَّد تذكار تاريخيّ لمعموديَّة الرَّبّ في نهر الأردنّ، بل إعلانٌ دائمٌ أنَّ الله يقترب من الإنسان ويكشف ذاته له. في هذا العيد نرى السَّماء مفتوحةً، والآب شاهِدًا، والرُّوح نازِلًا، والابن واقفًا بين الخطاة. إنَّه ظهورٌ إلهيّ يدعو الإنسان إلى الانتباه والرُّجوع.
يُعلِّمنا القدِّيس غريغوريوس النَّزِيَنْزِي في عظته عن الظُّهور الإلهيّ (العظة 39) أنَّ معموديَّة المسيح ليست حدثًا خارجيًّا فقط، بل دعوة للإنسان كي يُشارِك روحيًّا، فينزل بالتَّوبة لكي يصعد بالنِّعْمَة. فالله لا يفرض حضوره، بل يُقَدِّمَه لمن يُريد أن يراه. غير أنَّ الخطر يكمن في أنْ يَمُرَّ الرَّبُّ في حياتنا دون أن ننتبه. الانشغال، والتَّعوُّد على المقدَّسات، وغياب التَّوبة، تجعل القلب قاسيًا والعين الدَّاخليَّة مُعتَّمة. يقول القدِّيس إسحَق السُّريانيّ: «حيث التَّواضع، هناك يَظهر الله بلا حجاب». التَّوبة، إذًا، ليست شعورًا عابِرًا، بل يقظة داخليَّة تجعل الإنسان قادرًا على رؤية حضور الله في تفاصيل حياته. ويؤكِّد القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفم أنَّ النِّعْمَةَ حاضرة دائمًا، لكن القلب المغلَق يعجز عن استقبالها.
عيد الظُّهور الإلهيّ يضعنا أمام سؤالٍ حاسِم: هل نعيش مُنتَبِهين لحضور الرَّبّ، أم نكتفي بالاحتفال به؟ فالرَّبّ لا يزال يظهر، لكنَّ الطُّوبى لمن يفتح قلبه بالتَّوبة، فيَراه ويَحْيَا في نوره.
صلاة القلب للميتروبوليت أفرام (كرياكوس)
يقول القدّيس مكاريوس المصريّ عندما يقترب الواحد من السيّد عليه أن يغصب نفسه من أجل عمل الخير حتّى ولو رفض قلبه ذلك، منتظراً رحمة الربّ بإيمان غير متزعزع.
عليه أن يغصب نفسه أن يحبّ، أن يغصب نفسه أن يكون وديعاً دون أن يكون له وداعة، أن يغصب نفسه أن يكون رحوماً دون أن يكون له قلب رحوم: أن يغصب نفسه على تحمّل الإزدراء والإحتقار من قبل الآخرين متبّعاً هذه الوصيّة الرسوليّة: "لا تنتقموا لأنفسكم أيها الأحبّاء" (رومية 12: 19) عليه أيضًا وخصوصاً أن يغصب نفسه على الصلاة دون أن يملكَ الصلاةَ الروحيّة.
عندما يراه الله مجاهداً وغاصباً نفسه بينما قلبه لا يودّ ذلك، عندها يمنحه الربّ الصلاة الروحيّة الحقيقيّة، يمنحه المحبّة الحقيقيّة، الوداعة الحقيقيّة، يمنحه أحشاء رحمة وطيبة. بكلام واحد يُعطيه موهبةَ الروح القدس.
القدّيس مكاريوس المصريّ يوصي بكلّ ذلك لأنّه علينا أن نمارس الفضائل والصلاة دون أن تكون لنا شهيّة من أجل ذلك، أن نغصب أنفسنا على كلّ ذلك، لأنّ كلمة الله تطلب منّا هذه الأشياء: "ملكوت السموات يُغصب والغاصبون يأخذونه بالقوّة" (متى 11: 12).
هذا لا يعني أنّ نعمة الله تكون غائبة، لكنّها في الوقت الحاضر غيرُ محسوسة. علينا أن نجذّف ramer لكي يتقدّم قاربنا كما يقول القدّيس يوحنّا السلّميّ" علينا أن نضع فكرنا في كلمات الصلاة" (السلّم الى الله صفحة 259، 28: 17). أي علينا أن ننتبه إلى ما نقوله في صلاتنا.
في النصّ المذكور أعلاه (راجع العظات (1))، يؤكّد أنّ غصب النفس لا يقتصر على الصلاة بل يتّسع لكلّ المجالات التي تختصّ بالحياة الروحيّة، لا بدّ من غصب النفس لممارسة الوداعة، التواضع، الإنكسار والمحبّة. علينا أن نثق بأنّ الله سوف يحقّق مرادَنا من خلال هذا الجهاد المتواصل الدؤوب.
مجموعة هذه الجهادات تكون ما يدعوه الآباء القدّيسون، ابتداءً من إفاغريوس البنطيّ، "المرحلة العمليّة للحياة الروحيّة" praxis عندما يصل الإنسان الى مرحلة التطهّر من الأهواء وممارسة التواضع الحقيقيّ، عندها يمنحه عطايا الروح القدس. عندها، كما يقول القدّيس يوحنّا السلّميّ، "لا يعود الإنسان بحاجة أن يجذّف لكي يتقدّم المركب بل يرخي الشراع ويدع رياحَ الروح القدس تسيّر القارب. عندها الروح القدس نفسه سوف يصلّي فينا ونصل إلى "صلاة القلب" الحقيقيّة. كلّها من ثمرة نعمة الله وتواضع الإنسان.