نشرة كنيستي
نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.
أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي
كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.
الأحد (4) بعد الفصح (السَّامريَّة)
العدد 19
الأحد 10 أيَّار 2026
اللَّحن 4- الإيوثينا 7
أعياد الأسبوع: *10: الرَّسُول سمعان الغيُّور، البارّ لَفرنديوس، البارَّة أولمبيَّا *11: تذكار إنشاء القسطنطينيَّة، الشَّهيد موكيوس، القدِّيسان كيرلُّس وميثوديوس المعادلا الرُّسل *12: القدِّيس إبيفانيوس أسقف قبرص، القدِّيس جرمانوس رئيس أساقفة القسطنطينيَّة *13: الشَّهيدان غليكاريَّة ولاوذيسيوس *14: القدِّيس إيسيذورس المستشهد في خيُّو، القدِّيس ثارابوندُس أسقف قبرص *15: القدِّيس بخوميوس الكبير وأخلِّيوس العجائبيّ (لارسا) *16: البارّ ثيوذورس المتقدِّس.
كلمة الرّاعي
مياه العبادة الحَسَنة
"مَن يشرب مِن الماء الَّذي أنا أُعطيه فلَن يعطش إلى الأبد،
بل الماء الَّذي أعطيه له يصير فيه ينبوعَ ماءٍ ينبع إلى حياةٍ أبدِيَّة" (يو 4: 14)
في إنجيل الأحد الرَّابع بعد الفصح، نلتقي بالمرأة السَّامريَّة الَّتي طرحت سؤالًا جوهريًّا: أين تكون العِبادَة الحَقّة؟ هل على جبل جرزيم أم في أورشليم؟ هذا السؤال لم يكن مجرَّد جدل محلِّيّ، بل يعكس صراعًا دينيًّا عميقًا بين السَّامريِّين واليهود حول المكان الشَّرعيّ لعبادة الله.
يُذكَر جبل جرزيم في سفر التَّثنية (11:29-30؛ 27:12-13)، حيث أوصى موسى أنْ تُعلَن البركات عليه، فيما تُعلَن اللَّعنات على جبل عيبال. ومن هنا ارتبط جرزيم بالبركة والطَّاعة، في مقابل عيبال الَّذي ارتبط بالعصيان واللَّعنة. وقد شَيَّد السَّامريُّون هيكلهم على جبل جرزيم في القرن الرَّابع قبل الميلاد، خلال الحُكم الفارسيّ، مُعتَبرين إيَّاه الموضع المقدَّس للعبادة. أمَّا اليهود فتمسَّكوا بالهيكل في أورشليم، وظلَّ الخلاف قائمًا بين الفريقَيْن.
لكنَّ يسوع المسيح لم يدخل في هذا النِّزاع التَّاريخيّ. بل أعلن أنَّ العبادة الحَقّيقيَّة لا تُحدَّد بجبلٍ أو مدينة، وإنَّما بالرُّوح والحَقّ: "تأتي ساعةً وهي الآن حين السَّاجدون الحَقّيقيُّون يسجدون للآب بالرُّوح والحَقّ" (يوحنَّا ٤:٢٣).
بهذا التَّعليم، رفع المسيح العبادة من حدود المكان إلى علاقةٍ حَيَّةٍ مع الله، علاقة تتجاوز الجغرافيا والطُّقوس لتُصبح خبرةً روحيَّةً يعيشها المؤمن في كلِّ زمانٍ ومكان. فالعبادة الحَقّة ليست في اختيار جبل أو هيكل، بل في انفتاح القلب على الله، وفي السُّجود له بالرُّوح والحَقّ.
* * *
ما معنى كلام الرَّبّ بأنَّ العبادة للآب تكون بالرُّوح والحَقّ؟ كلام الرَّبّ عن العبادة "بالرُّوح والحَقّ" هو دعوة إلى أنْ نرتفع من الجَدَل حول الأماكن والطُّقوس إلى خبرةٍ حَيَّةٍ مع الله نفسه. فالرُّوح القدس هو الَّذي يفتح أعماق القلب ويُحَوِّل صلاتنا إلى لقاءٍ صادِق مع الآب، والحَقّ هو المسيح الَّذي يكشف لنا وجه الله ويقودنا إلى معرفةٍ صحيحةٍ به. وعندما يجتمع الرُّوح والحَقّ، تُصبح العبادة ينبوعًا حَيًّا يَفيض بالنِّعْمَة، لا مجرَّد ممارسة خارجيَّة أو شعورٌ عابر. فالرُّوح دون الحَقّ ليس من الله، والحَقّ دون روح الله يصير ناموسًا جامدًا. وهنا يُظهِرُ الرَّبُّ صورة الماء الحَيّ: كما أنَّ الماء يَروي عَطَشَ الجسد، كذلك الرُّوح والحَقّ يَرويان عَطَشَ النَّفْس، فيَصير الإنسان ممتلئًا من الدَّاخل، لا يعطش إلى الأبد. مَن يَشْرَب مِنْ هذا الماء الحَيّ الَّذي يُعطيه المسيح، تتحوَّل حياتَه كلَّها إلى سجودٍ دائمٍ أي عبادةٍ مستمرَّة، حيث كلّ لحظة وكلّ عمل يصبح صلاةً حيَّةً، وكلّ قلبٍ يصير هيكلًا لله. إنَّها دعوة لأن نترك المظاهر ونغوص في العُمق، فنجد في المسيح وحده الشَّبَع الحَقيقيّ والرَّاحة الأبديَّة.
* * *
يا أحبَّة، إنَّ الرَّبَّ يسوع يدعونا إلى أن نجعل حياتنا كلَّها نبعًا من "مياه العبادة الحَسَنة". فكما قال: "مَن يشرب مِن الماء الَّذي أنا أُعطيه فلَن يعطش إلى الأبد، بل الماء الَّذي أُعطيه له يصير فيه ينبوعَ ماءٍ ينبع إلى حياةٍ أبدِيَّة" (يو 4:14). هذه المياه ليست مجرَّد صورة شعريَّة، بل هي خبرة روحيَّة يوميَّة، حيث يتحوَّل كلُّ عملٍ نَقوم به إلى صلاة، وكلُّ كلمةٍ إلى شهادةٍ، وكلُّ لحظةٍ إلى لقاءٍ مع الله. العبادة بالرُّوح والحَقّ ليست محصورة في الكنيسة أو في زَمَنٍ مُحدَّد، بل هي أسلوبُ حياةٍ يَروي عَطَشَ القَلْب ويَملأه بالسَّلام. عندما نفتح قلوبَنا للرُّوح القُدس ونَثْبُتْ في الحَقِّ الَّذي هو المسيح، نُصبح نحن أنفسنا ينابيعَ ماءٍ حَيّ، نَفيض بالنِّعْمَة على مَن حَوْلنا، ونَحيا منذ الآن عُربونَ الحياة الأبديَّة. هكذا تتحوَّل العبادة إلى ماءٍ يَروي عَطَشَنا ويَجعلُنا شهودًا للفرح والبركة في العالم.
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع...
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
طروباريَّة القيامة (باللَّحن الرَّابع)
إنَّ تلميذاتِ الرَّبّ تعلَّمنَ مِنَ الملاكِ الكرْزَ بالقيامةِ البَهج. وطَرَحنَ القَضاءَ الجَدِّيَّ. وخاطبنَ الرُّسلَ مُفتَخِراتٍ وقائِلات. سُبيَ المَوتُ وقامَ المَسيحُ الإله. ومنحَ العالمَ الرَّحمةَ العُظمى.
طروباريَّة نِصْفِ الخَمْسين (باللَّحن الثَّامن)
في انتِصاف العِيدِ اسْقِ نَفسي العَطْشَى مِنْ مياه العِبادَةِ الحَسَنَةِ أيُّها المُخَلِّص. لأنَّكَ هتفت نحو الكلِّ قائلًا: مَنْ كان عطشانًا فليأتِ إليَّ ويشرب. فيا ينبوعَ الحياة، أيُّها المسيح الإله المَجد لك.
قنداق الفصح (باللَّحن الثَّامن)
وَلَئِنْ كُنْتَ نَزَلْتَ إلى قبرٍ يا مَن لا يموت، إِلَّا أَنَّكَ دَرَسْتَ قُوَّةَ الجحيم، وقُمْتَ غالِبًا أَيُّها المسيحُ الإله، وللنِّسوَةِ حامِلاتِ الطِّيبِ قُلْتَ افْرَحْنَ، وَاهِبًا لِرُسُلِكَ السَّلام، يا مانِحَ الواقِعِينَ القِيَام.
الرِّسالة (أع 11: 19- 30)
ما أعظم أعمالك يا ربّ، كلَّها بحكمةٍ صنعت
باركي يا نفسي الرَّبّ
في تلك الأيَّام لـمَّا تبدَّد الرُّسُل من أجل الضِّيق الَّذي حصل بسبب استفانوس، اجتازوا إلى فينيقية وقبرص وأنطاكية وهم لا يكلِّمون أحدًا بالكلمة إلَّا اليهود فقط. ولكنَّ قوْمًا منهم كانوا قبرصيّين وقيروانيّين، فهؤلاء لـمَّا دخلوا أنطاكية أخذوا يكلِّمون اليونانيّين مُبَشِّرين بالرَّبِّ يسوع. وكانت يد الرَّبّ معهم، فآمَن عددٌ كثير ورجعوا إلى الرَّبّ. فبلغ خبر ذلك إلى آذان الكنيسة الَّتي بأورشليم فأرسلوا برنابا لكي يجتاز إلى أنطاكية. فلمَّا أقبل ورأى نعمة الله فرح ووعظهم كلّهم بأن يثبتوا في الرَّبِّ بعزيمة القلب، لأنَّه كان رجلًا صالِحًا مُمتلئًا من الرُّوح القدس والإيمان. وانضمّ إلى الرَّبِّ جَمْعٌ كثير. ثمّ خرج برنابا إلى طرسوس في طلب شاول، ولـمَّا وَجَدَه أتى به إلى أنطاكية. وتردَّدا معًا سنةً كاملةً في الكنيسة وعَلَّما جَمْعًا كثيرًا، ودُعِيَ التَّلاميذ مسيحيّين في أنطاكية أوَّلًا. وفي تلك الأيَّام انحدر من أورشليم أنبياء إلى أنطاكية. قام واحد منهم اسمه اغابوس فأنبأ بالرُّوح أنْ ستكون مجاعةً عظيمةً على جميع المسكونة، وقد وَقع ذلك في أيَّام كلوديوس قيصر. فعزم التَّلاميذ بحسب ما تيسَّر لكلِّ واحدٍ منهم أن يُرسلوا خدمة إلى الاخوة السَّاكنين في أورشليم. ففعلوا ذلك وبعثوا إلى الشُّيوخ على أيدي برنابا وشاول.
الإنجيل (يو 4: 5- 42)
في ذلك الزَّمان أتى يسوع إلى مدينةٍ من السَّامرة يُقال لها سوخار بقرب الضَّيْعَة الَّتي أعطاها يعقوب ليوسف ابنه، وكان هناك عَيْن يعقوب. فإذْ كان يسوع قد تَعِبَ من المسير، فجلس على العَيْن وكان نحو السَّاعة السَّادسة. فجاءَتْ امرأةٌ من السَّامرة لِتَسْتَقي ماء، فقال لها يسوع: أعطيني لأشرب (فإنَّ تلاميذه كانوا قد مَضَوا إلى المدينة ليبتاعوا طعامًا). فقالت له المرأة السَّامريَّة: كيف تطلب أن تشرب منّي وأنت يهوديّ وأنا امرأةٌ سامريَّة، واليهود لا يُخالطون السَّامريِّين. أجاب يسوع وقال لها: لو عرفْتِ عطيَّة الله ومَن هو الَّذي قال لكِ أعطيني لأشرب لَطلبتِ أنتِ منه فأعطاكِ ماءً حَيًّا. قالت له المرأة: يا سَيِّد، إنَّه ليس معك ما تستقي به، والبِئر عميقةٍ، فمِنْ أينَ لكَ الماءَ الحَيّ؟ ألعلَّكَ أنتَ أعظم من أبينا يعقوب الَّذي أعطانا البئر وشرب هو وبنوه وماشيته. أجاب يسوع وقال لها: كلُّ مَن يشرب مِن هذا الماء يَعطش أيضًا. وأمَّا مَن يشرب مِن الماء الَّذي أنا أُعطيه فلَن يعطش إلى الأبد، بل الماء الَّذي أعطيه له يصير فيه ينبوعَ ماءٍ ينبع إلى حياةٍ أبدِيَّة. فقالتْ له المرأة: يا سَيِّد أعطِني هذا الماء لكي لا أعْطَش ولا أجيءَ إلى ههنا لأستقي. فقال لها يسوع: إذهبي وادعي رجُلكِ وهلُمّي إلى ههنا. أجابت المرأة وقالت: إنَّه لا رجُل لي. فقال لها يسوع: أحسنتِ بقَوْلِكِ إنَّه لا رجلَ لي، فإنَّه كان لكِ خمسة رجال، والَّذي معكِ الآن ليس رجُلَكِ، هذا قلتِهِ بالصِّدْق. قالَتْ له المرأة: يا سَيِّد أرى أنَّكَ نَبِيّ. آباؤنا سجدوا في هذا الجبل، وأنتم تقولون إنَّ المكان الَّذي ينبغي أن يُسجَد فيه هو في أورشليم. قال لها يسوع: يا امرأة صدّقيني إنَّه تأتي ساعةٌ لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون فيها للآب. أنتم تسجدون لِـما لا تعلمون، ونحن نسجُد لِـما نَعْلَم لأنَّ الخلاص هو مِنَ اليهود. ولكن تأتي ساعةٌ، وهي الآن حاضِرَة، إذْ السَّاجِدون الحَقّيقيُّون يسجدون للآب بالرُّوح والحَقّ، لأنَّ الآب إنَّـما يطلب السَّاجدين له مثل هؤلاء. الله روح، والَّذين يسجدون له فبالرُّوح والحَقّ ينبغي أن يسجدوا. قالت له المرأة: أنا علِمْتُ أنَّ ماسِيَّا الَّذي يُقال له المسيح يأتي، فمتى جاء ذاكَ يُخبرنا بكُلِّ شيء. قال لها يسوع: أنا المتكلِّم معك هو. وعند ذلك جاء تلاميذه فتعجَّبوا أنَّه يتكلَّم مع امرأة، ولكن لم يقل أحد ماذا تطلب أو لماذا تتكلَّم معها. فتركَتْ المرأةُ جرَّتَها ومضَتْ إلى المدينة وقالتْ للنَّاسِ: تعالوا انظروا إنسانًا قال لي كُلُّ ما فعلت. ألعَلَّ هذا هو المسيح؟ فخرجوا من المدينة وأقبَلوا نحوه. وفي أثناء ذلك سأله تلاميذُه قائلين: يا مُعَلِّم كُلْ. فقال لهم: إنَّ لي طعامًا لآكل لستم تعرفونه أنتم. فقال التَّلاميذ فيما بينهم: ألعَلَّ أحدًا جاءه بما يأكل؟ قال لهم يسوع: إنَّ طعامي أنْ أعْمَل مشيئة الَّذي أرْسَلَني وأُتَمِّم عمَلَه. ألستم تقولون أنتم إنَّه يكون أربعةُ أشهرٍ ثمَّ يأتي الحصاد؟ وها أنا أقولُ لكم إرفعوا عيونَكُم وانظُروا إلى المزارع إنِّها قد ابيضَّتْ للحَصاد. والَّذي يحصد يأخذ أجرةً ويجمع ثمرًا لحياةٍ أبَدِيَّةٍ لكي يفرح الزَّارع والحاصِدِ معًا. ففي هذا يصدُقُ القَوْل إنَّ واحِدًا يزرع وآخَر يَحصد. إنَّي أرسلتُكم لِتَحصِدوا ما لم تَتْعَبُوا أنتم فيه، فإنَّ آخَرين تَعِبُوا وأنتم قد دخلتم على تعبهم. فآمَن به من تلك المدينة كثيرون من السِّامريِّين بسبب كلام المرأة الَّتي كانت تشْهَد: إنّه قال لي كلُّ ما فعلت. ولـمَّا أتى إليه السَّامريُّون سألوه أن يُقيم عندهم، فمَكَثَ هناك يَوْمَيْن. فآمَنَ جمعٌ أكثر من أولئك جدًّا مِن أجْلِ كلامِه. وكانوا يَقولون للمرأة لسنا بعد مِنْ أجْلِ كلامِكِ نؤمِن الآن، لأنَّا نحن قد سمعنا و نَعْلَمُ أنَّ هذا هو بالحَقّيقة المسيحُ مخلِّصُ العالم.
حول الإنجيل
بين يسوع والسَّامريَّة
بين يسوع والسَّامريَّة ينتصب حاجزان غليظان. الأوّل حاجز العداوة بين اليهود والسامريّين، حتَّى أنَّ "اليهود لا يُخالِطون السَّامريِّين"، لا بَلْ كان يُمنَع على اليهوديّ أنْ يُلامِس أيُّ ملكِيَّةٍ للسَّامريِّين. كيف ليسوع أن يطلب من امرأةٍ سامريَّة أن تَسْقيه مِن جَرَّتِها المدَنَّسَة؟ كان عليه، في بُشراه لها، أن يزيل أوَّلًا حائط العَداوة الدِّينيَّة والقوْمِيَّة بينهما. هذا ما فعله بمُبادَرته إلى التَّحاوُر معها وطلب الماء منها وبوعده لها أنَّه سيزوِّدها بماءٍ حَيٍّ يصير لها نبع حياةٍ أبديَّة.
كيف فهمت المرأة هذا الكلام؟ مِنَ المؤكَّد أنَّها أدركته حِسِّيًّا. سذاجتها وسطحيَّة إدراكها واضحتان هنا، أقَلَّه في بَدء الحوار. إجابتها "سيِّدي أعطني هذا الماء حتَّى لا أعطش ولا أجيء إلى هنا لأسْتَقي" تعكس هذا الاستنتاج. كأنَّها لم تفهم من كلام يسوع سوى أنَّه سيُوَفِّر عليها مسيرةً شاقَّةً لجلب الماء من البئر وسيضع لها نبعَ ماءٍ دائم الجَرِي في بيتها لِتَسْتَقي منه على الدَّوام. ينطلق يسوع من سذاجة امرأةٍ، من عطشها الحِسِّيّ وهَمِّها الجسديّ لبلوغ البئر والاستِقاء منه، ليُبلغها تعليمًا إلهيًّا حول طبيعة الله وجوهر عبادته، تعليمًا شغل كبار الفلاسفة وعُلماء الدِّين في عصرها.
رأى يسوع حاجزًا ثانيًا يُعيقُ هذا التَّبليغ لهذه المرأة البسيطة. لها أن تبادر هي لإزالته، فهي من أقامته وله أن يعينها في مسعاها هذا. هو خطايا إخفاقات حياتها العائليَّة والشَّخصيَّة. هي زوجة خمسة رجال والَّذي تعيش معه ليس زوجها. لا يمكن للرَّبِّ أن يدخل حياتنا إنْ لم نَنكشف أمامه بصفاءٍ واتِّضاع. هو من يُعيننا، إنْ أردنا، لنبلغ هذا الانكشاف. طَلَبُ يسوع من المرأة أنْ تدعو زوجها كان دفعةً إلهيَّةً لها لتنطلق في مسيرةِ الانكشاف أمامه والاعتراف له. هو لم ينكَبّ عليها تأنيبًا عاصفًا، فاضِحًا ومدَمِّرًا حياتها وكيانها الاجتماعيّ. هذا ما يفعله مؤنِّبٌ خاطئٌ لمؤنَّب خاطئ. تأنيبُ الرَّبِّ يتمُّ بِرِقَّةِ ووداعَةِ المُحِبّ تجاه الخاطئ.
تجاوبت السَّامريَّة مع هذه الدَّفعة الإلهيَّة وانكشفتْ بخَفَرٍ أمامه عبر حِفْنَةِ صدقٍ شَحيحَةٍ: "ليس لي زوج". لاقاها الرَّبُّ بالمَدْحِ بَدَلَ التَّأنيب الجارِح الهَدَّام: "أحسنْتَ بقَوْلِكَ...". اقتحم الرَّبُّ دواخِلَها من باب صدقها الشَّحيح لا مِن باب خطاياها الوَفيرة.
من حِنْكَةِ الرَّبّ التَّبشيريّة تجاهها، انطلقَتْ السَّامريَّة لتُبَشِّر. مَن يَختَبِر اِلْتِفاتَةَ الرَّبّ المُحِبَّة تُجاهَه لا يُمكنه أن يبقى ساكِنًا، صامِتًا، ساجِنًا بُشرى الرَّبّ داخله. هو يلتهب بها، يَرميها شُهُبًا خارجه نحو مَنْ هُم حَوْلَه، تارِكًا وراءه "جَرَّتِهِ" أي مستوعَب ما ظَنَّه إطفاءَ ظمئه، مُرتَوِيًا مِن نبع الحياة الَّذي يَعرف دواخلنا وما فيها من سقطاتٍ وارتقاءاتٍ فيُنير الأخيرةَ الَّتي فينا ليُبيد بها ظلمة الأولى.
إروِ لي ظَمأي
يَعيشُ الإنسانَ في هذا العصر داخل مجتمع الاِستهلاك، يُسابق الزَّمَن في دوَّامَةٍ تُعيد نفسها عند كلِّ إشراقَةِ شمس. يَسعى لتَحَدِّي المخاطِر والخَوْف والحُروب لِيَمْضي إلى الأمام، لكنَّ هذا كلِّه يؤثر في لاوَعْيِه، فيجدُ نفسه متعَبًا وعطشانًا، يتوق لِيَروي ظمأه الدَّاخليّ. أمام هذا العطش، يندفع الإنسان نحو إشباعِ أهوائه على الأصعدة كافَّةً، من كَراهِيَةٍ، وحقدٍ، وبُخْلٍ، وزِنى، وكبرياء، وعداوة، وقتل، ونميمة، وانتقام وحسد ... ظانًّا أنَّه بذلك يروي داخله سعادةً. لكنَّ هذه الأهواء، على أنواعِها، تزيد من عزلته وتُجَوِّف داخله أكثر فأكثر، فتَيْبَس نفسه وتتحوَّل إلى بَرِّيَّةٍ قاتمة. وكأنَّ مجتمع الاستهلاك هذا، يسحب كلَّ ما كان في النَّفس مِن ماءٍ عَذْبٍ ويطرح الإنسان فَرْدًا مُنْعَزٍلًا مَريضًا في صحراءٍ جافَّةٍ، يتوسَّل فيها من يُعطيه ماءً لا ينضب، يُعيد الحياةَ لإنسانِهِ الدَّاخليّ.
فما هو هذا الينبوع العجيب الَّذي يُمكن أنْ يُعطي الإنسان من الماء الَّذي يَختفي معه عَطَشُ النَّفْس، ويُعيد الحياة للإنسان بِرِمَّتِه؟
بلا شَكّ، أنَّها محبَّة المسيح الَّتي سكبها في قلوبنا بالرُّوح القُدس (رو 5: 5). الرَّبُّ يسوع وَصَفَها بأنَّها الماء الَّذي مَن يشرب منه لا يَعْطَش إلى الأبد، لا بَلْ ويَصير فيه ينبوعُ ماء (يو 4: 14)، أي أنَّ هذا الماء يَفيضُ مِن الَّذي سَعَى لأنْ يشربه حتَّى يَرْوي منه أيضًا آخَرين، كما فاض من جنبه على الصَّليب.
هذه عطيَّةٌ مجَّانيَّة من الرَّبِّ، يقتنيها الإنسان إنْ سَجَدَ للآب بالرُّوح والحَقّ (يو 4: 23)؛ أي إنْ عاش "ناموس الصَّليب" بمؤازرة النِّعْمَة الإلهيَّة، ليسجد لا بالحرف أو بالمشاعر الكاذبة، بل بقلبٍ مُتَخَشِّعٍ متواضعٍ، يسعى لتَنْقِيَتِهِ بأمانةٍ مِن كلِّ هذه الأهواء. بمعنى آخَر، أنْ يأتَمِن الإنسان نفسه على وَصِيَّة المسيح، لأنَّ الإنسان الَّذي يفعلها سَيَحْيَا بها (لا 18: 5، رو 10: 5). فَوَصِيَّة المسيح هي الَّتي تَروي ظمأه وتُدَشِّن له حياةً جديدةً.
هذه الحياة تتكوَّن داخل الإنسان عندما يُواظب على أسرار الكنيسة ينبوع هذا الماء، وينضمُّ إلى حياتها، ويعطي اللِّقاء اليَوْميّ مع الرَّبّ أولويَّةً في نهاره، عبر قانون صلاة يوميّ يتضمَّن "صلاة يسوع" مع معاشرة يوميَّة للكلمة الإلهيَّة. حينها، ينتقل بمحبَّة المسيح من صحراء النَّفْسِ إلى أرض ميعادٍ خصْبَةٍ، يشرب في صلاته المُترجمة حياةً، حبَّا أبديَّا.