Menu Close
080625

نشرة كنيستي

نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.

أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي

كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.

أحد العنصرة العظيم

العدد 23

الأحد 08 حزيران 2025

أعياد الأسبوع: *8: أحد العنصرة العظيم، تذكار نقل عظام القدّيس العظيم في الشُّهداء ثيوذورُس قائد الجيش، الشَّهيدة كاليوبي *9: إثنين الرُّوح القُدس، القدِّيس كيرلُّس رئيس أساقفة الإسكندريَّة *10: الشَّهيدَيْن ألكسندروس وأنطونينا *11: الرَّسولين برثُلماوس أحد اﻟ 12 وبرنابا أحد اﻟ 70، تذكار إيقونة بواجب الاستئهال *12: البارَّين أنوفريوس المصريّ وبطرس الآثوسيّ *13: الشَّهيدة أكيلينا *14: وداع العنصرة، النَّبيّ أليشع، القدِّيس مثوديوس رئيس أساقفة القسطنطينيَّة.

كلمة الرّاعي 

روح الله... الرَّبّ المُحْيي

" إنْ عطش أحد فليأتِ إليَّ ويشرب. مَن آمن بي، فكما قال الكتاب، ستجري من بطنه أنهارُ ماءٍ حيّ" (يو 7: 37 و38)

الرُّوح القُدس هو "نورٌ من نور، إلهٌ حقّ من إله حقّ"، وهو "الرَّبُّ المُحيي، المنبثق من الآب (قبل كلِّ الدُّهور)، الَّذي هو مع الآب والابن مسجودٌ له ومُمجَّد، النَّاطِق بالأنبياء". هو مُساوٍ للآبِ في الجوْهَر كما الابن، لكنَّه ليس الابن لأنَّه مُنبَثِق من الآب وليس مولودًا منه. لكنَّ، الآب والابن والرُّوح القدس هم واحد في الألوهة لأنَّ الآب هو مصدر الألوهة، هو يُعطي ألوهيَّتَه كاملة للابن بالولادة وللرُّوح القُدس بالانبثاق، طبعًا الولادة منفصلة عن الانبثاق والعكس صحيح، وهذه الحركة أي الولادة أو الانبثاق هي خارج الزَّمن أي بدء من اللَّابدء، وبالتَّالي الابن والرُّوح يشتركان مع الآب في أزليَّتِه وأبديَّتِه أيضًا. حركة الولادة أي الأبوّة هي من الآب إلى الابن وحركة البنوَّة هي من الابن نحو الآب. كذلك، حركة الانبثاق هي من الآب إلى الرُّوح وحركة الرُّوح هي إلى مصدره الآب. الابن والرُّوح في وَحدةٍ مع الآب، وهذه هي حركة الحُبّ السَّرمديّ من الآب إلى الابن والرُّوح ومن الرُّوح إلى الآب والابن ومن الابن إلى الآب والرُّوح، هذه تسمَّى شركة الحُبّ الإلهيّ (περιχώρησις) أو حركة الحُبّ الدّائريّة بين أقانيم الثَّالوث القدّوس، فالآب يُعطي ذاتَه بالكُلِّيَّة للابن بالولادة وللرُّوح القُدس بالانبثاق، والابن يسكن في الآب وفي الرُّوح، والرُّوح يسكن في الآب وفي الابن. لذلك، الآب والابن والرُّوح القدس هم من جوهرٍ إلهيٍّ واحد، هذا الجوهر الإلهيّ الَّذي هو للآب ويشترك فيه الابن والرُّوح بشكلٍ كاملٍ، لذلك الآب والابن والرُّوح القدس متساويين في الألوهة ومتمايزين في الأقانيم، لكلٍّ منهم كلّ الجوهر الإلهيّ كامِلًا وصفاته، ويتميّز كلٌّ منهم بصفةٍ أقنوميَّةٍ تميّزه عن الأقنومين الآخَرَين، فالآب هو المصدر للألوهة وللابن وللرُّوح القُدس، والابن هو مولود من الآب، والرُّوح القدس منبثق من الآب.

*             *             *

عمل الله ثالوثيّ دائمًا، فالآب يشاء والابن ينفِّذ والرُّوح القُدس يُكَمِّل. هكذا الله الآب خلق العالم بالابن – الكلمة والرُّوح القدس أنجز كماله، فكلمة الآب تتحقَّق بالابن في الرُّوح القُدس، هذا في سِرِّ تدبير الله وخلقه للعالم وعمله لخلاص الخليقة كلِّها. فالغلبة على الشَّيطان والخطيئة والموت تحقَّقَتْ بموتِ يسوع المسيح على الصَّليب وبقيامته وصعوده إلى السَّماوات وجلوسه عن يمين الآب، أمّا اكتمال هذا الخلاص فيصير بالرُّوح القُدس الَّذي يمدّه في الخليقة والبشر عبر التَّفاعُل في التَّآزُر بين نعمته والإنسان. الخلاص تمّ في يسوع لأنّ الشَّيطان قُهر ومملكته دُمِّرت والمضبوطين في الجحيم تحرَّروا والإنسان الجديد الخالد برز ناهضًا من القبر بميّزاتٍ أبديَّة غير خاضعة لمقاييس هذا العالم، والبشريَّة في يسوع المسيح ارتَقَتْ إلى يمين العظمة وصارت مشارِكَة في مجد الله السَّرمديّ وحياته. هذا كلّه يُعطى للمؤمن بيسوع المسيح ربًّا وإلهًا بواسطة نعمة الرُّوح القُدس. الكنيسة الَّتي هي جسد المسيح تجسَّدتْ في العشاء السِّرِّيّ الرَّبّانيّ ووُلِدت في العنصرة وهي كانت موجودة في سِرِّ الثَّالوث القُدُّوس. الرُّوح القُدس يجعل خلاص الله محَقَّقًا فينا وهو "عربون الدّهر الآتي" إذ يُذيقنا منذ الآن طعم الأبديَّة والشَّركة مع الله بنعمته.

*             *             *

يا أحبَّة، الرُّوح القُدس هو حياتنا الأبديَّة الَّتي كانت لنا قبل السُّقوط حين نفخ الله في أنف آدم المجبول من التُّراب "نسمة حياةٍ" (تك 2: 7) فصار هذا "نفْسًا حيَّة". وهذا الرُّوح عينه خسره الإنسان عندما خالف الوصيّة، فصار ترابيًّا من التُّراب وإلى التُّراب يعود (تك 3: 19). آدم الأوَّل كان كان من تراب ممَجَّد بروح الله السَّاكن فيه، أمّا بعد سقوطه فصارَ أديمًا من أديم الأرض، لكنّ الله الغنيّ برحمته الَّتي لا تُحَدّ لم يشأ لخليقته، الَّتي أوجدها لحياة الشَّركة معه في مجده، أن تبقى ترابيَّة بل أراد لها التَّألُّه أي التَّشبُّه به، وهذا حقَّقَهُ الآب بطاعَةِ يسوع المسيح ابن الله الوحيد له ومنحنا إيّاه في المسيح أي في جسده – كنيسته بالرُّوح القُدس. فلتتهلَّل الخليقة ولبيبتهج البشر لأنَّ الخلاص تحقَّق وهو ممنوح لنا في إيماننا بيسوع المسيح وطاعتنا ومحبّتنا له وحفظنا لكلمته الَّتي لا نستطيع أن نتمّمها ونعيشها إلَّا بقوَّة الرُّوح القُدس الَّذي أُعطيناه في المعموديَّة والميرون المقدَّس وسرّ الافخارستيّا وفي سائر الأسرار... والَّذي نُجدِّده فينا بتوبتنا ودموعنا ونَخَسِ قلوبنا في الصَّلاة. من لا توبة عنده يمنع روح الله من العمل فيه، يبقى معتمدًا على قواه الذَّاتيَّة ويبقى في ظلمة الجهل الكيانيّ الَّتي مصدرها الكبرياء المستتر، ربَّما حتّى أيضًا، في مظاهر التَّقوى والإيمان والالتزام الظَّاهريّ والتّشدُّد... ما يُعيق عمل روح الله فينا هو مشيئتنا المُستَعبَدَة للأهواء والشَّهوات والخطايا والتّعلُّق والعادة... وهذه لا يتحرَّر منها الإنسان إلَّا بموت الشّهادة... لذلك، قال أحدهم: "أعطِ دمًا وخذْ روحًا"...

ومن استطاع أن يقبل فليقبل...

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

طروباريّة العنصرة (باللَّحن الثّامن)

مُبَارَكٌ أَنْتَ أَيُّهَا الـمَسِيحُ إِلَـهُنَا يَا مَنْ أَظْهَرْتَ الصَّيَّادِينَ غَزِيرِيِّ الحِكْمَة، إِذْ سَكَبْتَ عَلَيْهِمِ الرُّوح القُدُس، وَبِـهِمِ اصْطَدْتَ الـمَسْكُونَة، يَا مُـحِبَّ البَشَرِ الـمَجْدُ لَك.

قنداق العنصرة (باللَّحن الثّامن)

عِنْدَمَا انْحَدَرَ العَلِيُّ مُبَلْبِلًا الأَلْسُنَ كَانَ لِلأُمَمِ مُقَسِّمًا؛ وَلَـمَّا وَزَّعَ الأَلْسُنَ النَّارِيَّةَ دَعَا الكُلَّ إِلَى اتِّحَادٍ وَاحِدٍ، لِذَلِكَ نُمَجِّدُ بِصَوْتٍ مُتَّفِقٍ. الرُّوح الكُلِّيَّ قُدْسُهُ.

الرّسالة (أع 2: 1- 11)

فِي كُلِّ الأَرْضِ خَرَجَ صَوْتُـهُمْ

السَّمَاوَاتُ تُذِيعُ مَجْدَ اللهِ

لـمَّا حلَّ يوم الخمسين، كان الرُّسُلُ كُلُّهم معًا في مكان واحد. فحدثَ بغتةً صوتٌ من السّماءِ كصوتِ ريحٍ شديدةٍ تَعصِفُ، ومَلأَ كلَّ البيتِ الَّذي كانوا جالسين فيهِ، وظهرت لهم ألسنةٌ منقسِمةٌ كأنَّها من نار، فاستقرَّتْ على كلِّ واحدٍ منهم، فامتلأوا كلُّهم من الرُّوح القُدس، وطفِقوا يتكلَّمون بلغاتٍ أخرى، كما أعطاهم الرُّوح أن ينطِقوا. وكانَ في أورشليمَ رجالٌ يهودٌ أتقياءُ من كلّ أمَّةٍ تحتَ السّماءِ. فلمّا صار هذا الصّوتُ، اجتمعَ الجُمهْورُ فتحيَّروا لأنَّ كلَّ واحدٍ كان يَسمعُهم ينطِقون بلغتِه. فدُهِشوا جميعُهم وتعجَّبوا قائلين بعضُهم لبعضٍ: أليس هؤلاء المتكلّمونَ كلُّهُم جليليّين؟ فكيفَ نسمعُ كلُّ واحدٍ مِنّا لُغتَه الَّتي وُلد فيها، نحن الفرتيّين والماديّين والعيلاميّين، وسكّان ما بين النَّهرَيْن واليهوديّة وكبّادوكية وبنطس وآسية وفريجية وبمفيليَّة ومصر ونواحي ليبية عند القيروان، والرُّومانيّين المستوطنين، واليهود والدُّخلاء والكريتيّين والعرب، نسمعهم ينطقون بألسنتِنا بعظائمِ الله!

الإنجيل (يو 7: 37- 52 و8: 12)

في اليوم الآخِر العظيم من العيد، كان يسوعُ واقفًا فصاح قائلًا: إنْ عطش أحد فليأتِ إليَّ ويشرب. مَن آمن بي، فكما قال الكتاب، ستجري من بطنه أنهارُ ماءٍ حيّ (إنّما قال هذا عن الرُّوح الَّذي كان المؤمنون به مُزْمِعين أن يقبلوه، إذ لم يكن الرُّوح القُدس قد أُعطي بعدُ، لأنَّ يسوع لم يكن بعدُ قد مُجِّد). فكثيرون من الجَمْعِ لـمّا سمعوا كلامه قالوا: هذا بالحقيقة هو النّبيّ. وقال آخرون: هذا هو المسيح، وآخرون قالوا: ألعلَّ المسيح من الجليل يأتي! ألم يَقُلِ الكتابُ إنَّه، من نسلِ داودَ، من بيتَ لحمَ القريةِ حيثُ كانَ داودُ، يأتي المسيح؟ فحَدَثَ شِقاقٌ بينَ الجمع من أجلِهِ. وكانَ قومٌ منهم يُريدونَ أن يُمسكوهُ، ولكِن لم يُلقِ أحدٌ عليه يدًا. فجاءَ الخُدَّامُ إلى رؤساء الكهنَةِ والفَرِّيسيّينَ، فقالوا لهُم: لِـمَ لم تأتوا بهِ؟ فأجابَ الخُدَّامُ: لم يتكلَّمْ قطُّ إنسانٌ هكذا مثلَ هذا الإنسان. فأجابَـهُمُ الفَرِّيسيّون: ألعلَّكم أنتم أيضًا قد ضلَلتُم! هل أحدٌ مِنَ الرُّؤساءِ أو مِنَ الفرِّيسيّينَ آمَنَ بِهِ؟ أمَّا هؤلاء الجمعُ الَّذينَ لا يعرِفونَ النَّاموسَ فَهُم ملعونون. فقالَ لهم نِيقودِيموُس الَّذي كانَ قد جاءَ إليه ليلًا وهُوَ واحدٌ منهم: ألعلَّ ناموسَنا يَدينُ إنسانًا إنْ لم يسمَعْ مِنهُ أوّلًا ويَعلَمْ ما فَعَلَ! أجابوا وقالوا لهُ: ألعلَّكَ أنتَ أيضًا من الجليل! إبحثْ وانظرْ، إنَّهُ لم يَقُم نبيٌّ منَ الجليل. ثُمَّ كَلَّمهم أيضًا يسوعُ قائلًا: أنا هوَ نورُ العالَم، من يتبَعْني لا يمشِي في الظَّلامِ، بل يَكُونْ لهُ نورُ الحياة.

حول الرّسالة

عيدٌ عظيم، عيدُ فرحٍ كبيرٍ للمسيحيّين: الرُّوح القدس، لم ينسكب فقط على الرُّسُل بل وفي العالم لتحقيق وعد الرَّبّ يسوع المسيح عندما قال: "لَا أَتْرُكُكُمْ يَتَامَى" (يو 18:14) سوف أرسلُ الرُّوح القدس، المُعَزّي (يو 7:16). الرَّبّ يُريد أن يقدِّس كلّ الخليقة ليقدّس بالرُّوح القُدس ويَهدي الجنس المسيحيّ إلى الخلاص ...

كيف حَلَّ الرُّوح القُدس؟ يقول لنا الكتاب انحدَرَ بوُضوحٍ وبشكلِ ألسِنَةٍ نارِيَّة.  كان واضحًا أمامَ الجَميع ولكن بعد هذا الحدث لم يَنْزِل الرُّوح القُدس ظاهريًّا على أيِّ شخصٍ آخَر. الرُّسُل كانوا قدِّيسين؛ لأنَّه مِنْ خِلالِهم ومِن خِلال عِظاتهم سيَكرِزُون بالإنجيل المقدّس في جميع أنحاء العالم. هم كانوا أوّل الكارِزين بالإنجيل، أوّل من أظهروا نور المسيح في العالم. لذلك، ميّزَهم الرُّوح القدس بهذه الطّريقة، ونَزلَ عليهم بشكلِ ألسنةٍ ناريّةٍ. جعل قلوبَهم وعقولَهم ملتهبةً وقدّسَهم وأنارَهم وذكّرَهم بكلّ ما سَمِعوه سابقًا من الرَّبّ يسوع المسيح، وأعطاهُم القوّة ليأتوا بالعالم كلّه إلى المسيح.

لكن ألا يَنْزل الرُّوح القدس على كلّ من يستحقّ أن يناله؟ ألم يكن القدّيس سيرافيم ساروف مَمْلوءً من الرُّوح القدس؟ لم يَنْزل عليه الرُّوح القدس على شكل ألسنة ناريّة وإنّما بطريقة انتصرَ بها على جميع أفكاره ورَغَباتِه ومشاعره وأشواقِه. امتلأ القديس سيرافيم من الرُّوح القدس. وهكذا ملأ الرُّوح القدس العديد من القدّيسين كما ملأنا جميعنا نحن المسيحيّين المُعاصرين غير المستحقّين لأنّنا في سِرَّي الميرون والمعموديّة نُمنَح جميعنا نعمة الرُّوح القدس.

مُنِح الجميع هذه النّعمة ونالوها، ولكن لم يحافظوا عليها جميعًا. لقد فقدَ كثيرون هذا الكنز، فقدوا نعمة الرُّوح القدس. فهل يستطيع الرُّوح القدس أن يَسْكن في قلبٍ نجسٍ مملوء بالخطيئةِ؟ كما يَطرد الدّخان النّحلَ وكما تُبعِد الرّائحة النّتنة كلّ النّاس، هكذا نَتانة القلب البشريّ تَطْرد نعمة الرُّوح القدس. يَسْكن الرُّوح القدس فقط في قلوبٍ نَقيّة، والرَّبّ يَمنحهم فقط النّعمة الإلهيّة ومواهِبه المقدّسة لأنّه "كنز الصّالحات" – جميع الصّالحات الَّتي يمكن ان يمتلكها قلب الإنسان. هل بإمكان القلب النّجس أن ينالها؟ هل بإمكان القلب الخاطئ والفاقد الرّحمة والمحبّة ان ينال نعمة الرُّوح القدس؟

لكن كيف نَحصل على قلبٍ نقيّ؟ كيف نَمتَنِع عن الخطايا السّمِجة؟ كيف نَمتَنِع عن إغراءات عدوّ خلاصنا وعن الإغراءات الدّنيويّة؟ كيف نُحصّن أنفسنا؟ علينا أن نتذكّر بشكلٍ متواصلٍ وطوال أيّامنا وكلّ ساعة أن الرُّوح القدس لا يَسْكن في قلبٍ نجسٍ. علينا ألَّا نخضع للتّجارب، وعندما يَهْمُس الرُّوح النّجس، الَّذي هي عدوّ خلاصنا، في أذُنِنا عن الرّغبةِ في النّجاحِ الدّنيويّ ويَرسم لنا صورة حياة مذهلة ورَغِدة، وعندما يثير كبرياءنا ويُثير فينا رغبةً في اقتناء المَجْد وحُبّ الظّهور، علينا ألَّا نَقْبل هذه الهَمَسات الشّيطانيّة وعلينا مُواجَهة الإغراءات الدُّنيويّة. ما إن تَلمس هذه الإغراءات قلبنا، علينا حالًا الإدراك أنّها إغراء. علينا فورًا أن نَرفُض هذه الإغراءات بكامِل قوّتنا العقليّة والقلبيّة ولا ننظُر إلى التّخيُّلات المُغرية الَّتي يُظهِرها لنا الرُّوح النّجس لإغوائنا. وفي حال فَشِلْنا القيام بذلك وتأمّلْنا بالمجد وبالنّجاح الدّنيويّ وفكّرنا بهما مليًّا، فويلٌ لنا لأن الإغراء سيَمْلك قلبنا (...).

يجب أن نُكَرِّس حياتنا كلّها للرّب يسوع المسيح. يجب أن نسعى بكل كياننا حتى لا نُغضب الرَّبّ بأيّ شكلٍ من الأشكالِ، وأن نُصلّي من أجل أن يُساعدنا نحن الضُّعفاء في الرُّوح. سيُساعِدُنا الرَّبّ وسَيأتي الرُّوح القدس إلى قلوبِنا ويُنيرها ويعطينا القوة لنَسير في طريق الخلاص. ليحلّ الرُّوح القدس في قلوبنا وليعزّنا وليُعزِّ كل من يَحزن. هذا ما يعلّمنا إياه عيد العنصرة العظيم.

الرُّوح القدس

الميتروبوليت جورج (خضر)

من هو الرُّوح القُدس؟ لو تكلَّمنا كلامًا دقيقًا في اللَّاهوت لَقُلْنا أنَّ الرُّوح القُدس هو الرُّوح المُحيي، أي أنَّه تلك القُوَّة الَّتي تَسيرُ في البَدَن فتُبْقيهِ في الوُجود، وهو القُوَّة الَّتي تسير في الزَّهر والحيوان وتُبقيها في الوجود. كلُّ وجودٍ حَيٍّ هو مِنَ الرُّوح القدس، وبالأخَصّ عندما يأتي الإنسان إلى القَداسَة وإلى طهارة الإنجيل. عندما يَصِلُ إلى طُهرِ المسيح وإلى تَلبِيَةِ الشَّريعة الإلهيَّة يكون مُحَرَّكًا من الرُّوح القدس.

 ولكي نفهم أكثر نعود إلى كلام السَّيِّد في خِطابِهِ الوداعيّ لمّا قال للرُّسُل: "إنْ لم أَنطلق لا يأتيكم المعزّي، ولكن إن أنا انطلقتُ إلى السَّماء فسأُرسل لكم الرُّوح القُدس المعزّي الَّذي يُرْشِدُكُم إلى جميع الحَقّ". ولهذا بعد أن كان الرُّسُل خائِفين ومُتردِّدين في العِلِّيَّة الَّتي كانوا فيها جالسين، هبط عليهم الرُّوح بشكلِ ألسنةٍ ناريّةٍ، على رأس كلِّ واحِدٍ منهم لسان نار لكي يُلهِبَهُ بالمحبَّة ويجعله ناطِقًا بكلمات الله بِلا خوفٍ ويُحَوِّلَه إلى إنسانٍ إلهيّ لا تُسَيِّره نزواته أو شهواته ولكنَّ الله يُسَيِّرَه.

وقد عاشت الكنيسة بالقدِّيسين والشُّهداء الَّذين قَدَّسَهم الرُّوح وجعلهم وكأنَّهم ليسوا من فئةِ البشر بل كائناتٍ مُستضاءَةٍ أو مُضيئة. وهذا يعني أنَّ الَّذي عنده الرُّوح فهو مُلتَهِبٌ بمحبَّةِ يسوع وقادرٌ أن يعطي المحبَّة للآخَرين.

معنى العنصرة لنا اليوم أنَّه إذا ما اشتعَلَ اثنان أو ثلاثة بِضِيَاءِ الله يكونون ضياءً لهذا البلد، وإنْ اشتَعَل مئة بالنَّار الإلهيَّة في العالم يكونون ضياءً للعالم. نحن نعيش فقط بطهارةِ الطَّاهِرين وسلوك الآباء الَّذين يتكلَّمون بكلماتِ الله.

هذا الرُّوح نفسه يجعلنا لا نخاف على مَصيرِ الكنيسة في العالم، فالمخاطر كثيرة جيلًا بعدَ جيل، ولكنَّ الَّذين أُعطُوا موهِبَةَ الرُّوح القدس يطرحون الخوف جانبًا. لا يتساءلون: من يَحمينا؟ من يُدافع عنّا؟ الرُّوح الإلهيّ يُسمّى باليونانيَّة “البراكليت”، وهي كلمة تعني الشَّفيع أو بالعربِيَّة المحامي. الرُّوح القُدس هو المحامي وهو الَّذي يُغنينا عن كُلِّ شيء.

عندما نُقيم الذَّبيحَةَ الإلهيَّة يحضر الرَّبّ في ما بينَنا ليس لأنَّنا نجتمع، وليس لأنَّ الكلمات تُتلى. إنَّها مُجَرَّد الْتِماس، مُجَرَّد انتظار. ولكنَّ الرُّوح يأتي لأنَّه يريد أنْ يأتي، لأنَّه يُحِبّ، لأنَّه هو الَّذي يقذف الصَّلَوات في نفوسنا. كلماتِنا تبقى كلمات مقطوعة، يقذفها الرُّوح إلى نفوسِنا فتَحْيَا وتُصبِح قطراتٍ من كلماتِ الله في نفوسٍ حَيَّة. ولهذا كان روح الخلق، كان روح الإبداع في الكنيسة، وكان روح الخلق في العالم.

“اليوم… نحن الَّذين هبّتْ علينا النِّعْمَةُ البارِزَة مِنَ الله قد صِرنا مُضيئينَ ولامِعينَ ومتغَيِّرين عارِفين… اللَّاهوت المثلَّث الضِّياء المتساوي في القُوَّة غير المنْقَسِم” كما نُرتِّل في صلاة السَّحَر للعيد. فلننطلق إذن جماعَةً نورانيَّةً في قوَّةِ الرُّوح المنسَكِب علينا ولنَتَقَوَّ به ونتشدَّد.