نشرة كنيستي
نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.
أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي
كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.
الأحد (2) من الصَّوْم (القدِّيس غريغوريوس بالاماس)
العدد 10
الأحد 08 آذار 2026
اللَّحن 6- الإيوثينا 6
أعياد الأسبوع: *8: القدِّيس ثيوفيلكتس أسقف نيقوميذيّة *9: القدِّيسون الأربعون المستشهدون في سبسطية *10: الشَّهيد كدراتُس ورفقته *11: القدِّيس صفرونيوس بطريرك أورشليم 12: القدِّيس ثيوفانِّس المعترف، القدِّيس غريغوريوس الذِّيالوغوس بابا رومية، القدِّيس سمعان اللَّاهوتيّ الحديث *13: المديح الثَّالث، تذكار نقل عظام القدِّيس نيكيفورس بطريرك القسطنطينية *14: تذكار البارّ بنادكتس، البارّ ألكسندروس.
كلمة الرّاعي
القدِّيس غريغوريوس بالاماس
الصَّلاة الهدوئيَّة وخبرة الحياة الأبديَّة
ليست الصَّلاة الهدوئيّة في تراثنا الأرثوذكسيّ وكما يوضحها القدِّيس غريغوريوس بالاماس، عمليَّة تقنيَّة روحيَّة منفصلة عن الحياة اليوميَّة، بل طريقٌ إلى خبرة الحياة الأبديَّة منذ الآن. هي دخولٌ تدريجيّ في النُّور الإلهيّ غير المخلوق، كما عاشه الرُّسُل على جبل التَّجَلِّي، وكما شرحه الآباء النُّسَّاك واللَّاهوتيُّون، من آباء الصَّحراء إلى القدِّيس مكسيموس المعترف والقدِّيس غريغوريوس بالاماس وإلى أيَّامنا هذه... هي خبرة واحدة مستمرَّة منذ البَدء وإلى الأبد... فالصَّلاة الهدوئيَّة سكونٌ يفتح الكيان الإنسانيّ على الحُضور الإلهيّ، فهي (أي الهدوئيّة - (الهيزيخيا) بحسب القدِّيس غريغوريوس بالاماس ليست انسحابًا من العالم، بل دخول إلى القلب بالتَّوبة والصَّلاة المستمرَّة والسُّكون والصَّوْم، لمُعاينة الله السَّاكن في الدَّاخل، إذْ يُعَلِّم بأنّ "النِّعْمَة الإلهيَّة ليست بعيدة عنَّا، بل هي في داخلنا، لكنَّنا نحتاج إلى تنقية القلب لنُعايِن نورها". هذا التَّعليم يلتقي مع خبرة آباء الصَّحراء الَّذين شدَّدوا على أنَّ الصَّلاة ليست كلمات، بل وُقوف القلب أمام الله كما يعبِّر عن ذلك القدِّيس مكاريوس الكبير: "القلب هو مركز الكيان، وهناك يجب أن يشتعل نور المسيح".
* * *
إنَّ مُعاينة نور الله غير المخلوق هي خبرة أصيلة في الكنيسة منذ البدء، وليست فكرة أو فلسفة أو وَهْمًا، والكتاب المقدَّس يشهد عليها بعهديه القديم والجديد. ميَّز القدِّيس بالاماس بين جوهر الله (ousia) الَّذي لا يُدرَك، وطاقاته (energies) الَّتي تُعطى للإنسان كنعمةٍ ونور والَّتي لا تنفصل عن الجوهر وهي تاليًا سرمديَّة وغير مخلوقة. هذا النُّور هو نفسه الَّذي أشرق على جبل ثابور في المسيح يسوع، وهو الَّذي يختبره المصَلّي الهدوئيّ عندما ينفتح قلبه على حضور الله. في هذا الإطار يقول القدِّيس بالاماس: "النُّور الَّذي يراه القدِّيسون ليس مَخلوقًا، بل هو إشعاع لاهوت المسيح نفسه". وهذا ما يشرحه القدِّيس مكسيموس المعترف حين يقول إنَّ غاية الإنسان هي "الاتِّحاد بالله بالنِّعْمَة"، أي المشارَكة في حياة الله دون أن يصبح الإنسان إلهًا بالجَوْهر. هذا يفسِّر ما قاله الآباء قديمًا بأنَّ "الله صار إنسانًا لكي يصير الإنسان إلهًا". للوصول إلى هذا التَّألُّه، يجب سلوك طريق الصَّلاة الهدوئيَّة للتَّطهير والاتِّحاد بالله. وتقوم الصَّلاة الهدوئيّة على ثلاث حركات مترابطة:
- تطهير القلب من الأهواء، عبر التَّوْبة واليقظة (nepsis) أي السَّهَر الرُّوحيّ؛
- اِستنارة الذِّهن (نوس) – nous بنعمة الرُّوح القدس، حيث يصبح الفكر بسيطًا وخاليًا من أيّ تشويش؛
- الاتِّحاد بالله بواسطة النِّعْمَة الإلهيَّة، حيث يدخل الإنسان في النُّور الإلهيّ غير المخلوق ويتذوَّق حياة ملكوت السَّماوات والمحبَّة والفرح والسَّلام الَّذي يَفوق كلَّ وصف.
وهذا ما عبَّر عنه القدِّيس اِسحَق السُّوريّ بقَوْلِه "حين يصمت الجسد، يتكلَّم القلب. وحين يصمُت القلب، يتجلَّى الله". هذا الصَّمْت ليس فراغًا، بل امتلاء من حُضور الله الَّذي يَهبُّ على النَّفس كَنَسيمٍ لَطيف ونار مُلْهِبة للكَيان بالحُبِّ الإلهيّ لكلِّ الخليقة...
* * *
تتمحور الحياة الهدوئيَّة حول "صلاة يسوع" أي "صلاة القلب"، إذ تُعتَبَر صلاة يسوع "يا ربّي يسوع المسيح، ارحمني أنا الخاطئ" التَّعبير العمليّ الأبرز للهدوئيَّة. وهي ليست تكرارًا آليًّا، بل استدعاءً لاسم الرَّبّ يسوع المسيح ليَمْلُك على القلب. فاستدعاء اسم الرَّبّ هو وقفة في حَضْرَتِه، وللإسم قوَّة وفعل لأنَّ دُعاء اسم الرَّبّ يسوع هو تعبير عن حضورِه الحَيّ والفاعِل. ويعتبر القدِّيس غريغوريوس بالاماس بأنَّ "اسم يسوع، حين يُذْكَرُ بإيمان، يصبح في القلب ينبوعًا للسَّلام والنُّور". إنَّها صلاة تُعيد الإنسان إلى بساطة الإنجيل، وتجعله يَعيش حضور المسيح في كلِّ لَحظة، هذا في البَدْء وهي امتلاء من النُّور الإلهيّ غير المخلوق ومُعاينة لله في كمالها...
* * *
يا أحبَّة، الهدوئيَّة دعوة لِتَذَوُّق الحياة الأبديَّة منذ الآن في القلب وفي مُعاينة النُّور الإلهيّ غير المخلوق. فالحياة الأبديَّة ليست حَدَثًا مستقبليًّا فقط، كما يعلّم القدِّيس غريغوريوس بالاماس بل خبرة تُعاش في الزَّمَن، إذْ يقول: "من يتطهَّر بنعمة الرُّوح يَرى نور الله، وبهذا يدخُل منذ الآن في عربون الحياة الأبدِيَّة". فحين ينفتح القلب على نور الله، يبدأ الإنسان بتذوُّق ما سيَعِيشه في الملكوت أبديًّا، فيصير هو نورًا من النُّور بالنِّعْمَة المتَّحِدَة به، أي وهو في الزَّمان والمكان يدخل إلى اللَّازمان واللَّامكان، إلى حياة الدَّهر الآتي. وهذا ما يُعَبِّر عنه القدِّيس مكسيموس حين يَصِف الإنسان المتألِّه بأنَّه "يَصير كلّه نورًا، لأنَّ الله يسكن فيه".
أيُّها الأحبّاء، تذكّرنا الكنيسة اليوم في هذا الأحد المبارَك، من خلال القدِّيس غريغوريوس بالاماس ودعوة الهدوئيَّة في هذا العالم السَّريع والمضطَرب، بأنَّ الخلاص مُعْطَى لنا بالنِّعْمَة الإلهيَّة السَّاكنة فينا بالأسرار (sacraments) وأنّه يبدأ من الدَّاخِل. تدعونا الكنيسة، خاصَّةً نحن العائشين في العالم، ليس إلى الهروب من العالم أي تركه جسديًّا، بل أنْ نَعود إلى الله عبر التَّوْبَة وندخل إلى القلب بالصَّلاة الهدوئيَّة (يا ربي يسوع المسيح ارحمني أنا الخاطئ) حيث نلتقي مع الله السَّاكن فينا بالنِّعْمَة الإلهيَّة المُعطاة لنا. فهذه الصَّلاة هي نبع السَّلام الدَّاخليّ وطريق لاقتناء عطيَّة التَّمييز الرُّوحيّ وعَيْش اللِّيتورجيا في الحياة اليوميَّة. فالإنسان الَّذي يتدرَّب على عَيْش الهدوء في صلاته واختبار الصَّلاة في السُّكون، يحمل سلام النِّعْمَة الدَّاخليّ إلى بيته، وعمله، وعلاقاته. إنَّ الصَّلاة الهدوئيَّة، كما يعلِّمنا القدِّيس غريغوريوس بالاماس، ليست امتيازًا للرُّهبان فقط، بل دعوة لكلِّ مؤمنٍ يريد أن يعيش الإنجيل بِعُمْق. هي طريق إلى نور المسيح، وإلى خبرة الملكوت منذ الآن.
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع...
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
طروباريَّة القيامة (باللَّحن السّادس)
إِنَّ القوَّاتِ الملائِكِيَّة ظَهَرُوا على قبرِكَ الـمُوَقَّر، والحرَّاسَ صَارُوا كَالأَموات، ومريمَ وَقَفَتْ عندَ القَبْرِ طَالِبَةً جَسَدَكَ الطَّاهِر، فَسَبَيْتَ الجَحِيمَ ولَمْ تُجَرَّبْ مِنْهَا، وصَادَفْتَ البَتُولَ مَانِحًا الحَيَاة، فَيَا مَنْ قَامَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ، يَا رَبُّ المـَجْدُ لَك.
طروباريَّة القدِّيس غريغوريوس بالاماس(باللَّحن الثَّامِن)
يا كوكبَ الرّأيِ المُستقيم، وسَنَدَ الكنيسةِ ومُعلِّمَهَا. يا جمالَ المتوحِّدينَ، ونصيرًا لا يُحارَب للمُتكلِّمينَ باللَّاهوت، غريغوريوسَ العجائبيَّ، فخرَ تسالونيكية وكاروزَ النِّعْمَة، اِبْتَهِلْ على الدَّوامِ في خلاصِ نفوسِنا.
قنداق (باللَّحن الثَّامن)
إنّي أنا عبدكِ يا والدة الإله، أكتب لكِ راياتِ الغلبة يا جُنديّةً مُحامية، وأقدّم لكِ الشُّكرَ كمُنقِذَةٍ من الشَّدائد، لكنْ بما أنّ لكِ العِزَّةَ الَّتي لا تُحارَب، أعتِقيني من صنوف الشّدائد، حتّى أصرخ إليكِ إفرحي يا عروسًا لا عروسَ لها.
الرِّسالة (عب 1: 10- 14، 2: 1- 3)
أَنْتَ يَا رَبُّ تَحْفَظُنَا وَتَسْتُرُنَا،
خَلِّصْنِي يَا رَبُّ فَإِنَّ البَارَّ قَدْ فَنِيَ.
أَنْتَ أَيُّهَا الرَّبُّ فِي البَدْءِ أَسَّسْتَ الأَرْضَ، وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ صُنْعُ يَدَيْكَ. هِيَ تَزُولُ، وَأَنْتَ تَبْقَى، وَكُلُّهَا تَبْلَى كَالثَّوْبِ، وَتَطْوِيهَا كَالرِّدَاءِ فَتَتَغَيَّرُ، وَأَنْتَ أَنْتَ وَسِنُوكَ لَنْ تَفْنَى. وَلِمَنْ مِنَ الـمَلائِكَةِ قَالَ قَطُّ: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَجْعَلَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. أَلَيْسُوا جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً تُرْسَلُ لِلْخِدْمَةِ مِنْ أَجْلِ الَّذينَ سَيَرِثُونَ الخَلاصَ؟ فَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُوَاظِبَ عَلَى مَا سَمِعْنَاهُ مُوَاظِبَةً أَشَدَّ لِئَلَّا يَسْرَبَ مِنْ قُلُوبِنَا. فَإِنَّهَا إِنْ كَانَتِ الكَلِمَةُ الَّتي نُطِقَ بِهَا عَلَى أَلْسِنَةِ الـمَلائِكَةِ قَدْ ثَبَتَتْ، وَكُلُّ تَعَدٍّ وَمَعْصِيَةٍ نَالَ جَزَاءً عَدْلًا، فَكَيْفَ نُفْلِتُ نَحْنُ إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاصًا عَظِيمًا كَهَذَا قَدْ نُطِقَ بِهِ عَلَى لِسَانِ الرَّبِّ أَوَّلًا، ثُمَّ ثَبَّتَهُ لَنَا الَّذينَ سَمِعُوهُ.
الإنجيل (مر 2: 1- 12)
فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، دَخَلَ يَسُوعُ كَفَرْنَاحُومَ، وَسُمِعَ أَنَّهُ فِي بَيْتٍ، فَلِلْوَقْتِ اجْتَمَعَ كَثِيرُونَ حَتَّى إنَّهُ لَـمْ يَبْقَ مَوْضِعٌ يَسَعُ، وَلا عِنْدَ البَابِ. وَكَانَ يُخَاطِبُهُمْ بِالكَلِمَةِ. فَأَتَوْا إِلَيْهِ بِمُخَلَّعٍ يَحْمِلُهُ أَرْبَعَةٌ. وَإِذْ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَصِلُوا بِهِ إِلَيْهِ لِسَبَبِ الجَمْعِ، كَشَفُوا السَّقْفَ حَيْثُ كَانَ. وَبَعْدَ مَا نَقَبُوهُ دَلُّوا السَّرِيرَ الَّذي كَانَ الـمُخَلَّعُ مُضْطَجِعًا عَلَيْهِ. فَلَـمَّا رَأَى يَسُوعُ إِيمَانَهُمْ قَالَ لِلْمُخَلَّعِ: يَا بُنَيَّ، مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ. وَكَانَ قَوْمٌ مِنَ الكَتَبَةِ جَالِسِينَ هُنَاكَ يُفَكِّرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ مَا بَالُ هَذَا يَتَكَلَّمُ هَكَذَا، إنَّهُ يُجَدِّفُ. مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ الخَطَايَا إِلاّ الله وَحْدَهُ؟ فَلِلْوَقْتِ عَلِمَ يَسُوعُ بِرُوحِهِ أَنَّهُمْ يُفَكِّرُونَ هَكَذَا فِي أَنْفُسِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِهَذَا فِي قُلُوبِكُمْ؟ مَا الأَيْسَرُ أَنْ يُقَالَ لِلْمُخَلَّعِ مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ، أَمْ أَنْ يُقَالَ قُمِ احْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ؟ وَلَكِن، لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ ابْنَ البَشَرِ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الخَطَايَا. ثُمَّ قَالَ لِلْمُخَلَّعِ: لَكَ أَقُولُ قُمْ وَاحْمِلْ سَرِيرَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ. فَقَامَ لِلْوَقْتِ وَحَمَلَ سَرِيرَهُ، وَخَرَجَ أَمَامَ الجَمِيعَ حَتَّى دُهِشَ كُلُّهُمْ، وَمَجَّدُوا اللهَ قَائِلِينَ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هَذَا قَطّ.
حول الإنجيل
نرى فى هذا النّصّ الإنجيليّ أنَّ يسوع جاء إلى هذا البيت في كفرناحوم وهي المدينة الَّتي كان لها الحصّة الأكبر من معجزاتِ السّيّد، هذا البيت الَّذي كان ملجأً لأنواعٍ مختلفةٍ من النّاس، الَّذين أتوا فقط ليرَوا يسوع ويستمعوا منه كلمةَ الخلاص وينالوا الشّفاء.
كانوا مرضىً بالنّفس والجسد، قاصدين الرّبَّ ليحصلوا على رحمته بالإضافة إلى بركة الشّفاء. فلمَّا جاؤوا بالمفلوج ليأخذ شفاءً، واثقين من حنان الرّبّ، دلّوه أمامه بالحبال، كان أوّل ما سمعوه منه هو: "مغفورةٌ لَكَ خطاياكَ"، وبهذا فقد منحه الرّبُّ الشّفاءَ الرّوحيّ قبل الجسديّ. هم طلبوا شفاء الجسد، لكنَّ الرّبَّ رأى أولويّة قبل ذلك وهي غفران الخطايا لأنّه الوحيد القادر على شفاء الجسد من السّقم والنّفس من كلِّ خطيئة.
إذًا هنا الرّبّ يسوع المسيح لم يبدأ بالشّفاء الجسديّ، بل نظر إلى حاجة المفلوج الأعمق والأكثر إلحاحًا وغفر له خطاياه. هنا يكمن مفتاح الشّفاء الحقيقيّ ألا وهو الشّفاء من الشّلل الرُّوحيّ.
هذه هي الحرّيّة الَّتي منحها الرّبّ للرّجل المفلوج: أن يتحرَّر من عبوديَّته للخطيئة أوّلًا، ومن ثمّ ينال الانعتاق الجسديّ، فيتبعه ويصير تلميذًا له وابنًا لله. ولكن في المشهد الآخر أدان الكتبةُ الحاضرون آنذاك الرّبّ يسوع على قوله، فسألهم: "أيُّهما أسهلُ؟، أن يُقالَ مغفورةٌ لكَ خطاياكَ أم احمِلْ سريرَكَ وامشِ؟" ، ولكنَّه لم يكن ينتظر جوابًا، بل أرادَ أن يعلنَ لهم أنَّه وحده صاحب السّلطان على الشّفاء الرّوحيّ قبل الشّفاء الجسديّ، وهو وحده القادر على غفران الخطايا والشّفاء من المرض الميؤوس منه. السّيّد في هذا النّصّ، بجانب معجزة الشّفاء الجسديّ قدّم البرهان العمليّ على سلطانه في المغفرة.
لنتقدَّم، يا إخوة، إلى الرّبِّ، بإيمانٍ، حاملين أوجاعنا وأمراضنا النفسيّة والجسديّة، وخطايانا المثقلة نفوسنا، ونضعها بين يديه، لننالَ كالمفلوج، غفرانًا وعتقًا من زلّا تنا أوّلًا، وشفاءً ثانيًا، لأنّه القائل: "كلَّ ماتطلُبونَه في الصَّلاة بإيمانٍ تنالونَهُ" (متى 21: 22).
اِنسكاب النِّعْمَة
يشكِّل مفهوم انسكاب النِّعْمَة محورًا أساسيًّا في الإعلان الإلهيّ عبر العَهْدَيْن القديم والجديد، إذْ يكشف عن مبادرة الله المجانيَّة لخلاص الإنسان وتجديده. فالنِّعْمَة ليست مُجرَّد عطيَّةٍ خارجيَّةٍ، بل هي حضورٌ إلهيٌّ فاعِلٌ يغيِّر القلب ويجدّد الطَّبيعة البشريَّة. كلمة "نعمة" في العهد الجديد تُترجَم عن اليونانية χάρις (خاريس)، وتعني العطيَّة المجانيَّة غير الـمـُستَحَقَّة. وهي تُعبِّر عن محبَّةِ الله العمليَّة الَّتي تتجلَّى في الخلاص. يقول الرَّسُول بولس في رسالته إلى أهل أفسس "لأنَّكم بالنِّعْمَة مخلَّصون، بالإيمان، وذلك ليس منكم، هو عطيَّة الله". النِّعْمَة إذًا هي عطيَّة إلهيَّة، وليست نتيجة استحقاقٍ بشريّ. ورغم أنَّ الإعلان الكامل للنِّعْمَة تمَّ في المسيح، إلَّا أنَّ العهد القديم يُهَيِّئ المؤمنين لهذا السِّرّ: "وأفيض روحي على كلِّ بشرٍ" (يوئيل 2: 28).
أمَّا فيما يختصُّ بنا اليوم، إذ نحن في زمن يَكثُر فيه الفساد والخطيئة، يُعزِّينا الرَّسُول بولس في رسالته إلى أهل رومية بحديثه حول كثرة الخطيَّة وفَيْض النِّعْمَة: "حيث كثرت الخطيَّة ازدادتْ النِّعْمَة جدًّا" (رو 5: 20).
انسكب الرُّوح القدس على التَّلاميذ في يوم العنصرة، فامتلأوا قوَّةً وحكمةً وكرازة. الكنيسة ترى في هذا الحدث تأسيسًا لحياة النِّعْمَة المستمَرَّة عبر الأسرار. النِّعْمَة ليست حدثًا تاريخيًّا فقط، بل خبرة يوميَّة يعيشها المؤمن في قوَّته وحتَّى في ضعفه "تكفيك نعمتي، لأنَّ قوَّتي في الضُّعف تُكْمَل". فالنِّعْمَة تعمل خصوصًا في ضعف الإنسان، لا في قوَّتِه الذَّاتيَّة. كما ويشدِّدُ الآباء، مثل القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفم، على أنَّ النِّعْمَة لا تُلْغي حرِّيَّة الإنسان، بل تتعاون معها ( synergy- التَّآزُر). ولا ننسى خبرة القدِّيس سيرافيم ساروفسكي عندما سأله تلميذه نيكولاي عن انسكاب النِّعْمَة وكيف يشعر بها، وكيف قام القدِّيس بواسطة صلاته واتِّحاده بالنِّعْمَة بنقل هذه الخبرة لتلميذه، وأراه بالنِّعْمَة كيف يكون عمل الله فينا وكيف ينسكب الرُّوح القدس علينا. (راجع سيرة القدِّيس سيرافيم ساروفسكي).
إنَّ انسكاب النِّعْمَة هو قصَّة محبَّة إلهيَّة بدأت بالوَعد، وتحقَّقَتْ في المسيح، وتستمرُّ في الكنيسة من خلال خبرات عاشها قدِّيسينا، وستكتمل في الملكوت، آمين.