Menu Close
080226

نشرة كنيستي

نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.

أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي

كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.

أحد الابن الشَّاطر      

العدد 6

الأحد 08 شباط 2026

اللَّحن 2- الإيوثينا 2

أعياد الأسبوع: *8: القدِّيس ثيودوروس قائد الجيش، النَّبيّ زخريّا *9: وداع عيد الدُّخول، الشَّهيد نيكيفورُس *10: الشَّهيد في الكهنة خارالمبوس العجائبيّ، البارّ زَيْنُون *11: الشَّهيد في الكهنة فلاسيوس ورفقته، الملكة ثيوذورة *12: ملاتيوس بطريرك أنطاكية *13: الرَّسولَيْن برسكيلَّا وأكيلَّا، البارّ مرتينيانوس *14: البارّ إفكسنديوس، البارّ مارون النَّاسك.

كلمة الرّاعي 

التّريودي: الابن الشَّاطر

الشَّطارة بين حرِّيَّة أبناء هذا الدَّهر وحرِّيَّة أبناء الله

" كُلُّ شَيْءٍ مُبَاحٌ لِي، وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ يُوَافِقُ. كُلُّ شَيْءٍ مُبَاحٌ لِي، وَلَكِنْ لا يَتَسَلَّطُ عَلَيَّ شَيْءٌ" (1 كو 6: 12)

بدأنا الأحد الماضي في زمن التّريودي أي زمن التَّحضير للصَّوْم الكبير المقدَّس، حيث كان موضوع الإنجيل مَثَل الفَرِّيسيّ والعَشَّار الَّذي تدعونا فيه الكنيسة إلى عدم إدانة أيّ إنسان وإلى التَّوْبة. وفي هذا الأحد الثانيَّ من التّريودي يحدِّثُنا الإنجيل عن مثل الابن الشَّاطر الَّذي شَطَرَ معيشة أبيه لكي يعيش "حرِّيَّتَه". والحرِّيَّة مسألة فيها أخذ ورَدّ، لأنّ منطق العالم الاستهلاكيّ في الحرِّيَّة شيء، وتعليم الكنيسة شيءٌ آخر. والإنسان في هذا العالم مهما ظَنَّ نفسه حُرًّا فهو مقيَّدٌ بأغلالٍ كثيرةٍ منها المعروف لديه ومنها المجهول. فما هي الحرِّيَّة يا تُرى، وهل هي حقٌّ مكتسَب وواقع معاش، أمّ هي عطيَّةٌ وإمكانيَّة تتحقَّق في السَّعي؟!...

*             *             *

البشر، بعامَّةٍ، يعتقدون بأنَّ حُرِّيَّتهم حَقٌّ مكتَسَب لهم، وهذا صحيح، ولكنَّهم يفهمون الحرِّيَّة على مستوى إمكانيَّة الفرد بأنْ يصنع ما يُريد ويختار ما يريد في حياته باستقلاليَّةٍ تامَّة عن كلِّ أحدٍ أو شيء أو دَيْن أو حتَّى قانون. وهذا ما نراه اليوم، مثلًا، في المفاهيم الَّتي طرأتْ بأنَّ لكلِّ إنسانٍ أراشدًا كان أم لا أن يختار الجنس الَّذي يريد أن يكون عليه، أم أن يطلب الموت أو أن تجهض الأم جنينها، بِغَضِّ النَّظَر عن موقف الأهل والمقرَّبين والأخِصَّاء والمجتمع والدِّين...، وهذا إنْ دَلَّ على شيء يدُلُّ على ماهِيَّة ما يُسَمَّى بالـ"حرِّيَّة" الشَّخصيَّة الَّتي هي عمليًّا انقطاع عن كلّ رباطٍ مع أيِّ إنسانٍ أو أيّ مبادئ دينيَّة أو أخلاقيَّة، إذْ تَصيرُ هذه كلِّها أمور نسبيَّة تتعلَّق بالفرد نفسه ومزاجِيَّته وأفكاره وخياراته...

*             *             *

مَن لا يعرف من هو الإنسان لا يستطيع أن يميِّز حقيقة الحرِّيَّة، لأنَّ الحرِّيَّة مرتبطة بالحقيقة الأنطولوجيَّة للكائن البشريّ الَّتي هي أنَّه مخلوقٌ "على صورة الله ومثاله"، أي أنَّ وجودَه وجوهره مرتبطان بالله، وأنَّه مدعو لشركة المحبَّة مع الله بملءِ حرِّيَّته، ليصير بالنِّعْمَة ما هو الله بالطَّبيعة أي إلهًا...

يُعلن سِفْرُ التَّكوين أنَّ الإنسان خُلِقَ "على صورة الله ومثاله" (تك 1: 26-27). هذه الصُّورة لا تعني التَّشابه الجسديّ، بل القدرة على العقل أي التَّمييز، والاختيار أي الحرِّيَّة، والشَّركة أي المحبَّة، بكلامٍ آخَر الاشتراك في حياة الله. مِن هنا، الإنسان ليس مجرَّد كائن بيولوجيّ، بل كائنٌ شخصيّ، قادر على الدُّخول في علاقةٍ حُرَّة مع الله والآخَرين، وهذا هو جوهر وجوده. بالمسيح، كُشِف لنا أنَّ الله ثالوث وشركة محبَّة، وأنَّ الإنسان مدعو ليَعكس هذه الشَّركة الثَّالوثيَّة في حياته، أي أن يكون كائنًا في علاقة وشركة مع الله ومع الآخَر... لذلك، خلق الله الإنسان من جسد ونفس وروح. الجسد (σῶμα - corpus) مأخوذ من تراب الأرض، ويمثِّل البُعد المادّيّ؛ النَّفْس (ψυχή - anima) هي قوَّة الحياة الَّتي تجعل الجسد حيًّا وفاعلًا؛ الرُّوح (πνεῦμα - spiritus) هو البُعد الَّذي يربط الإنسان بالله، ويجعله قادرًا على الشَّركة الرُّوحيَّة. هذه الأبعاد الثَّلاثة متمايزة لكنَّها متكاملة، وتشكِّل وحدة واحدة هي الإنسان. وخارج هذا الفهم لحقيقة الإنسان يصير هذا الأخير حيوانًا، مع عقلٍ متطوِّر، تحرِّكه الغريزة والشَّهوات والأهواء...

*             *             *

يا أحبَّة، الإنسان مدعو أنْ يحقِّق ذاته في الحرِّيَّة والمحبَّة، لا في الانغلاق على الذَّات، كما فعل الابن الشَّاطر الَّذي اختار نفسه فوق الكلّ وقَطَعَ كلَّ رباطٍ مع مَن أعطاه وجوده وقيمته أعني أبّا، لكنَّه بعد أنْ استسلم لشهواته ظانًّا أنّه بهذه "الحرِّيَّة" يحقِّق رجوليَّته، خسر قيمته وإنسانيَّته وحياته، وعلم أنَّه لا شيء بدون أبيه، فعاد إليه تائبًا لأنّه عرف أنّ المحبَّة غفَّارة... من هنا، الحرِّيَّة الحقيقيَّة بحسب الأرثوذكسيَّة هي الحرِّيَّة في الله، أي التَّحرُّر من الخطيئة والشَّهوات، والأنانيَّة والأهواء النَّاتجة عنها، والانفتاح على الشَّركة مع الله والآخَرين. فالغاية النِّهائيَّة هي التَّألُّه (θέωσις) أي أن يشترك الإنسان في حياةِ الله، كما يوضح ذلك الرَّسول بطرس حيث يقول: "بِهِ (أي بالمسيح) قَدْ أُعْطِيَ لَنَا الْمَوَاعِيدُ الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةُ، لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلَهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنْ فَسَادِ الشَّهْوَةِ الَّذي فِي الْعَالَمِ" (2  بط 1 :4). وهنا تكمن عظمة الإنسان وسِرِّه، فمع أنَّه كائنٌ مَحدود وفانٍ، لكنَّه يحمل في داخله بذرة الأبديَّة لأنَّه على صورة الله. إنَّ هذا التَّوتُّر بين المحدود واللَّامحدود هو ما يُعطي للإنسان كرامته ومسؤوليَّته، ويجعله مدعوًّا إلى النُّموّ الرُّوحيّ المستمرّ لتحقيق إنسانيَّته الَّتي هي التَّشبُّه بالمسيح، والَّتي نتيجتها الاتِّحاد بالله واقتناء حياته ومجده ونوره وفرحه وسلامه وحبِّه ... إلى الأبد... وهذا ما فعله الابن الشَّاطر إذ أدرك برحمة أبيه ومسامحته أنّه فقط بِمَعِيَّة أبيه يَصير سيِّدًا وحرًّا لأنَّ محبَّة الأب الرَّحيم حرّرته من كلِّ وَهْمِ حرِّيَّة وعلّمته أنّ الحرِّيَّة الكبرى هي أن تحبّ من خانك ورفضك وقطعك من حياته وهي الشِّفاء من الشَّهوات وهي المحرِّرة من الأهواء وهي المحقِّقة لدعوة الإنسان بالتَّشبُّه بالله...

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع...

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

طروباريَّة القيامة (باللَّحن الثّاني)

عندما انحدرتَ إلى المَوْت. أَيُّها الحياةُ الَّذي لا يَموت. حينئذٍ أَمَتَّ الجحيمَ بِبَرْقِ لاهوتِك. وعندما أقمتَ الأمواتَ من تحتِ الثَّرى. صرخَ نحوكَ جميعُ القُوّاتِ السّماويّين. أَيُّها المسيحُ الإله. مُعطي الحياةِ المجدُ لك.

طروباريَّة دخول السَّيِّد إلى الهيكل (باللَّحن الأوَّل)

إفرحي يا والدةَ الإلهِ العذراءَ المُمتلئةَ نعمة، لأنَّ منكِ أشرقَ شمسُ العدلِ المسيحُ إلهُنا، مُنيرًا لِلّذِينَ في الظّلام. سُرَّ وابتَهِجْ أنتَ أيّها الشّيخُ الصِّدّيق، حاملًا على ذِراعَيكَ المُعتِقَ نفوسَنا، والمانحَ لنا القيامة.

قنداق دُخول السَّيِّد إلى الهيكل (باللَّحن الأوّل)

يا مَنْ بمَوْلِدِكَ أيُّها المسيحُ الإله، المُستَوْدَعَ البَتوليّ قدَّسْتَ. ويَدَيْ سمعانَ كما لاقَ بارَكْتَ. وإيّانا الآن أدركتَ وخلَّصْتَ. إحفَظْ رعيَّتَكَ بسلامٍ في الحروب وأيِّد الَّذين أحببتَهُم، بما أنَّكَ وحدَكَ مُحبٌّ للبَشَر.

الرِّسالة (1 كو 6: 12- 20)

لِتَكُنْ يَا رَبُّ رَحْمَتُكَ عَلَيْنَا.

اِبْتَهِجُوا أَيُّهَا الصِّدِّيقُونَ بِالرَّبِّ.

يَا إِخْوَةُ، كُلُّ شَيْءٍ مُبَاحٌ لِي، وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ يُوَافِقُ. كُلُّ شَيْءٍ مُبَاحٌ لِي، وَلَكِنْ لا يَتَسَلَّطُ عَلَيَّ شَيْءٌ. إِنَّ الأَطْعِمَةَ لِلْجَوْفِ، وَالجَوْفَ لِلْأَطْعِمَةِ، وَسَيُبِيدُ اللهُ هَذَا وَتِلْكَ. أَمَّا الجَسَدُ فَلَيْسَ لِلزِّنَى، بَلْ لِلرَّبِّ، وَالرَّبُّ لِلْجَسَدِ. وَاللهُ قَدْ أَقَامَ الرَّبَّ، وَسَيُقِيمُنَا نَحْنُ أَيْضًا بِقُوَّتِهِ. أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ أَجْسَادَكُمْ هِيَ أَعْضَاءُ الـمَسِيحِ؟ أَفَآخُذُ أَعْضَاءَ الـمَسِيحِ وَأَجْعَلُهَا أَعْضَاءَ زَانِيَةٍ؟ حَاشَا! أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ مَنِ اقْتَرَنَ بِزَانِيَةٍ يَصِيرُ مَعَهَا جَسَدًا وَاحِدًا لِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ: يَصِيرَانِ كِلاهُمَا جًسَدًا وَاحِدًا؟ أَمَّا الَّذي يَقْتَرِنُ بِالرَّبِّ فَيَكُونُ مَعَهُ رُوحًا وَاحِدًا. أُهْرُبُوا مِنَ الزِّنَى، فَإِنَّ كُلَّ خَطِيئَةٍ يَفْعَلُهَا الإِنْسَانُ هِيَ فِي خَارِجِ الجَسَدِ، أَمَّا الزَّانِي فَإِنَّهُ يُخْطِئُ إِلَى جَسَدِهِ. أَمْ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ أَجْسَادَكُمْ هِيَ هَيْكَلُ الرُّوحَ القُدُسِ الَّذي فِيكُمُ الَّذي نِلْتُمُوهُ مِنَ اللهِ، وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ لِأَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ؟ فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتي هِيَ للهِ.

الإنجيل (لو 15: 11- 32)

قَالَ الرَّبُّ هَذَا الـمَثَلَ: إِنْسَانٌ كَانَ لَهُ ابْنَانِ، فَقَالَ أَصْغَرُهُمَا لِأَبِيهِ: يَا أَبَتِ، أَعْطِنِي النَّصِيبَ الَّذي يَخُصُّنِي مِنَ الـمَالِ. فَقَسَمَ بَيْنَهُمَا مَعِيشَتَهُ. وَبَعْدَ أَيَّامٍ غَيْرِ كَثِيرَةٍ، جَمَعَ الاِبْنُ الأَصْغَرُ كُلَّ شَيْءٍ، وَسَافَرَ إِلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ، وَبَذَّرَ مَالَهُ هُنَاكَ عَائِشًا فِي الخَلاعَةِ. فَلَمَّا أَنْفَقَ كُلَّ شَيْءٍ لَهُ، حَدَثَتْ فِي ذَلِكَ البَلَدِ مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ، فَأَخَذَ فِي العَوَزِ. فَذَهَبَ وَانْضَوَى إِلَى وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ البَلَدِ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى حُقُولِهِ يَرْعَى خَنَازِيرَ. وَكَانَ يَشْتَهِي أَنْ يَمْلَأَ بَطْنَهُ مِنَ الخُرْنُوبِ الَّذي كَانَتِ الخَنَازِيرُ تَأْكُلُهُ، فَلَمْ يُعْطِهِ أَحَدٌ. فَرَجِعَ إِلَى نَفْسِهِ وَقَالَ: كَمْ لِأَبِي مِنْ أُجَرَاءَ يَفْضُلُ عَنْهُمُ الخُبْزُ، وَأَنَا أَهْلِكُ جُوعًا؟! أَقُومُ وَأَمْضِي إِلَى أَبِي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبَتِ، قَدْ أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَأَمَامَكَ، وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا، فَاجْعَلْنِي كَأَحَدِ أُجَرَائِكَ. فَقَامَ وَجَاءَ إِلَى أَبِيهِ. وَفِيمَا هُوَ بَعْدُ غَيْرُ بَعِيدٍ، رَآهُ أَبُوهُ فَتَحَنَّنَ عَلَيْهِ، وَأَسْرَعَ وَأَلْقَى بِنَفْسِهِ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ. فَقَالَ لَهُ الاِبْنُ: يَا أَبَتِ، قَدْ أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَأَمَامَكَ، وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا. فَقَالَ الأَبُ لِعَبِيدِهِ: هَاتُوا الحُلَّةَ الأُولَى وَأَلْبِسُوهُ، وَاجْعَلُوا خَاتَمًا فِي يَدِهِ وَحِذَاءً فِي رِجْلَيْهِ، وَأْتُوا بِالعِجْلِ الـمُسَمَّنِ وَاذْبَحُوهُ فَنَأْكُلَ وَنَفْرَحَ، لِأَنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ مَيْتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالَّا فَوُجِدَ. فَطَفِقُوا يَفْرَحُونَ. وَكَانَ ابْنُهُ الأَكْبَرُ فِي الحَقْلِ، فَلَمَّا أَتَى وَقَرُبَ مِنَ البَيْتِ سَمِعَ أَصْوَاتَ الغِنَاءِ وَالرَّقْصِ، فَدَعَا أَحَدَ الغِلْمَانِ وَسَأَلَهُ مَا هَذَا. فَقَالَ لَهُ: قَدْ قَدِمَ أَخُوكَ، فَذَبَحَ أَبُوكَ العِجْلَ الـمُسَمَّنَ لِأَنَّهُ لَقِيَهُ سَالِمًا. فَغَضِبَ، وَلَـمْ يُرِدْ أَنْ يَدْخُلَ. فَخَرَجَ أَبُوهُ وَطَفِقَ يَتَوَسَّلُ إِلَيْهِ، فَأَجَابَ وَقَالَ لِأَبِيهِ: كَمْ لِي مِنَ السِّنِينَ أَخْدُمُكَ وَلَـمْ أَتَعَدَّ لَكَ وَصِيَّةً قَطُّ، وَأَنْتَ لَـمْ تُعْطِنِي قَطُّ جَدْيًا لِأَفْرَحَ مَعَ أَصْدِقَائِي. وَلَمَّا جَاءَ ابْنُكَ هَذَا الَّذي أَكَلَ مَعِيشَتَكَ مَعَ الزَّوَانِي، ذَبَحْتَ لَهُ العِجْلَ الـمُسَمَّنَ. فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنِي، أَنْتَ مَعِي فِي كُلِّ حِينٍ، وَكُلُّ مَا هُوَ لِي فَهُوَ لَكَ. وَلَكِنْ، كَانْ يَنْبَغِي أَنْ نَفْرَحَ وَنُسَرَّ لِأَنَّ أَخَاكَ هَذَا كَانَ مَيْتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالَّا فَوُجِدَ.

حول الإنجيل

لماذا يُريد الابن الأصغر أن يترك أباه حيث الغنى؟ طبعًا ليس للابن الأصغر بعد خبرة في الحياة، لا زال صغيرًا في الحياة الرُّوحيَّة، لهذا السَّبب لا يحبِّذ أن يرشده أباه أو أن يكون تحت رعايته بل يفضِّل أن يسلك كما يريد. نحن نشبه كثيرًا هذه الشَّخصيّة لأنَّنا نحن أيضًا لا زلنا صغار في الحياة الرُّوحيَّة، نحن نظنُّ أنَّنا كبار ولدينا العلم والمعرفة الكافية، لذلك نريد أن نبتعد، والابتعاد ليس من الخارج أي بالالتزام الدِّينيّ، إنَّما من الدَّاخل، عن الكنيسة ووصيَّة المسيح لأنَّنا لا نشاء أن يقول لنا أحدٌ ما هو نافعٌ لنا أو غير نافع. يقول النَّصّ الإنجيليّ أنَّ الابن الأصغر بدَّد غناه في كورةٍ بعيدة؛ اسمعوا جيّدًا ماذا يقول الرَّبّ في المثل: "فَلَمَّا أَنْفَقَ كُلَّ شَيْءٍ، حَدَثَ جُوعٌ شَدِيدٌ فِي تِلْكَ الْكُورَةِ، فَابْتَدَأَ يَحْتَاجُ." هو أنفق كلَّ شيءٍ وفهمنا أنَّه أصبح فقيرًا، فلماذا يقول الرَّبّ "فابتدأ يحتاج"؟ الرَّبُّ يسوع يُشير هنا إلى الحالة الرُّوحيَّة أي أنَّ الإنسان عندما يتعدَّى الوصيَّة الإلهيَّة يصبح فقيرًا من الدَّاخل حزينًا كئيبًا ليس من يعزّيه، يحاول الإنسان أن يجد تعزية بمعزلٍ عن الله فلا يجد، إلَّا مصدر واحد وهو طعام الخنازير، ممّا يعني أنَّ كلَّ ما يختصُّ بهذا العالم يشبه طعام الخنازير؛ مِن عند الله وحده تأتي التَّعزية الحقيقيَّة، هو وحده الَّذي يُنجّينا، وحده الَّذي يستطيع أن يغيِّر حالتنا الدَّاخليّة؛ يريد الشَّيطان أن يُلهينا بأمور الدُّنيا لكي نقطع علاقتنا بالله ونتشبَّه بحالة الابن الأصغر، وهذا الشَّيء يقوى يومًا بعد يوم إلى أن يجوع العالم كلّه إلى كلمة الله، وعن هذا تنبّأ عاموس النّبيّ قائلًا: "وَهوذَا أَيَّامٌ تَأْتِي، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبّ، أُرْسِلُ جُوعًا فِي الأَرْضِ، لاَ جُوعًا لِلْخُبْزِ، وَلاَ عَطَشًا لِلْمَاءِ، بَلْ لاسْتِمَاعِ كَلِمَاتِ الرَّبّ" (8: 11). قد يقول قائل: لكنَّنا نحفظ كلمة الله في قلوبنا، فلا خوف علينا. التَّحدِّي هو أعمق من هذا، فانحجاب كلمة الله يعني تغيير القوانين نحو الأسوء: سيصبح هناك ظلم في القانون، في الوظيفة، في المجتمع... هذا قد بدأ في بعض المجتمعات الغربيَّة حيث أصبح الإنسان المؤمن مُرغَم أن يعيش في ظِلِّ القوانين الظَّالمة، بمعنى آخر، أن يرعى مع الخنازير؛ انتبهوا لهذا الجوع الَّذي بدأ من فترة ليست بقليلة، واسعوا لحفظ وتطبيق ونشر الوصيَّة الإلهيَّة، قبل أن يصل هذا الجوع إلينا ونفقد كلمة الله، لأنَّ هذا آتٍ علينا لا محالة.

إكرام الوالدَيْن

بعد السُّقوط، أصبحت كلّ علاقة إنسانيّة علاقةً مريضة، بما فيها علاقة الوالدَيْن بأبنائهم. يقول الدُّكتور كوستي بندلي: "إنَّ إيمان الإنسان بالله مرتبط بثقته بذَوِيه، وأنَّ بُغض الإنسان لله أو انزلاقه إلى الإلحاد كثيرًا ما يكون نتيجة جُرحٍ عميق في علاقته بوالِدَيْه".  كثيرًا ما يرى الوالدان في أولادهم امتدادًا لحياتهم، بدافع خوفٍ دَفينٍ من الفَناء وغريزة الموت. هذه الغريزة، حين تحكم العلاقات، تُفسِد الرَّوابط بين النَّاس، لأنّ المحبَّة البشريَّة، في حالتها السَّاقطة، تكون غالبًا مَشوبَة بالأنانيَّة، بعيدة عن الإيثار الخالي من الهوى. من هنا، فإنّ إصلاح العلاقة داخل العائلة الواحدة لا يمكن أن يتحقَّق على المستوى الأخلاقيّ أو النَّفسيّ فحسب، بل يحتاج إلى شفاءٍ روحيّ. لا تُشفى هذه العلاقة إلَّا عندما يُعاد ترتيب سُلَّم المحبَّة، بأوليَّة المسيح، فتتحرَّر علاقاته العائليّة من التَّملُّك والخوف. عندئذ فقط تصبح المحبَّة عطيَّةً لا استحواذًا وسيطرة.

نقرأ في العهد القديم: "أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ " (خر 20: 12). اخترع الفرّيسيّون فتوى دينيّة تتيح التَّنصُّل من إكرام الوالِدَيْن عبر تقديم النُّذور. لذلك وبَّخَهم الرَّبُّ يسوع على تحايُلهم على وصيّة الله، وأكّد أهميّتها قائلًا: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَقُولُونَ: مَنْ قَالَ لأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ: قُرْبَانٌ هُوَ الَّذي تَنْتَفِعُ بِهِ مِنِّي، فَلاَ يُكْرِمُ أَبَاهُ أَوْ أُمَّه. فَقَدْ أَبْطَلْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ بِسَبَبِ تَقْلِيدِكُمْ!" (متى 15: 5 و6)، ثم شدَّد على وصيَّة إكرام الوالِدَيْن، ولكن من خلاله، إذْ قال: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ، حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضًا، فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا" (لو 14: 26). إذًا، إنَّ شفاء العلاقة يتمّ فقط روحيًّا بالنِّعْمَة الإلهيَّة وبمحبَّة المسيح كأولويَّة، اللَّهمّ ألَّا تكون هذه المحبَّة كاذبة كما عند الفَرِّيسيين. لأنَّ مَن يُحِبّ الله ويدخل طريق الاتِّحاد به، يدخل في عمليَّة شفاء نفسه من آثار السُّقوط. عندئذٍ، لا يستطيع إلَّا أنْ يُكَرِّم والدَيْه، لاسِيَّما في شيخوختهم. والوالِدَيْن أنفسهم، لا يستطيعون بعد أن يستحوذوا على أبنائهم. هكذا يتمّ شفاء العلاقات الأُسريّة وتُستعاد صورتها الصَّحيحة كمساحةِ محبَّةٍ وحرّيّة في المسيح الإله.