نشرة كنيستي
نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.
أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي
كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.
الأحد (26) بعد العنصرة
العدد 49
الأحد 07 كانون الأوَّل 2025
اللّحن 1- الإيوثينا 4
أعياد الأسبوع: *7: القدِّيس أمبروسيوس أسقٌف ميلان، القدِّيس عمّون أسقٌف نيطريّا *8: البارّ باتابيوس المصريّ *9: تذكار حبل القدّيسة حنّة جدّة الإله، تذكار التَّجديدات، القدِّيسة حنّة أمّ صموئيل النَبيّ *10: القدِّيسين الشُّهداء مينا الرَّخيم الصَّوت، إرموجانس وإفغرافُس *11: البارّ دانيال العاموديّ، لوقا العاموديّ، الشّهيد برسابا *12: القدِّيس اسبيريدون العجائبيّ أسقف تريميثوس *13: الشُّهداء الخمسة إفستراتيوس ورفقته، الشّهيدة لوكيَّا البتول.
كلمة الرّاعي
نهضتنا في المسيح
"اسْتَيْقِظْ أَيُّهَا النَّائِمُ وَقُمْ مِنَ الأَمْوَاتِ فَيُضِيءَ لَكَ الْمَسِيحُ" (أف 5: 14)
ها نحن نقترب من عيد ميلاد ربِّنا ومخلِّصنا يسوع المسيح من العذراء في بيت لحم، والكنيسة تحضّرنا أكثر فأكثر لمجيء النُّور-المسيح إلى العالم. في المقطع من الرِّسالة إلى أهل أفسس لهذا الأحد يدعونا الرَّسُول بولس أن نسلك كأولادٍ للنُّور، لأنَّ ثمر الرُّوح هو في كلِّ صلاحٍ وبرٍّ وحَقّ. وهذه الدَّعوة تكتسب معناها الأعمق ونحن في زمن الاستعداد لعيد الميلاد، حيث نتهيَّأ لاستقبال النُّور الحقيقيّ الَّذي أشرق في العالم بميلاد الرَّبّ يسوع المسيح. المسيح هو النُّور ولا نور غيره يمنح حياةً أبديَّة وشفاء وانتصارًا على الظُّلمة. الإنسان المقيَّد بالخطيئة هو كالميت في القبر يحتاج من يوقظه ويخرجه من ظلمة قبره-قلبه، "لذلكَ يقولُ: استَيْقِظْ أيُّهَا النَّائِمُ وقُمْ من بين الأمواتِ فَيُضِيءَ لكَ المسيح"...
* * *
في تعليقه على هذا المقطع من رسالة بولس إلى أهل أفسس يلفت القدِّيس يوحنَّا ذهبيّ الفَم إلى أنّ المؤمن لا يكتفي بالابتعاد عن أعمال الظُّلمة، بل يُظهِر بعيشه النُّورانيّ قبح تلك الأعمال، فيكون حضوره شهادةً حيَّةً على أنَّ المسيح هو نور العالم. إذًا، ليس المطلوب من المؤمنين مجرَّد الانفصال عن الشَّرّ، بل أن يكونوا نورًا يفضح الظُّلمة ويبدِّدها. هذا السُّلوك كأبناء النُّور، بحسب القدِّيس أمبروسيوس أسقف ميلانو، هو ثمرةُ المعموديَّة الَّتي أخرجتنا من ظلمة الموت إلى نور الحياة الجديدة. ويؤكِّد أنَّ الامتلاء بالرُّوح القدس يجعل المؤمنين قادرين على التَّرنيم والتَّسبيح، فيتحوَّل القلب إلى هيكلٍ حَيٍّ يُعلن حضورَ المسيح. هكذا يصير المؤمن حامِلًا في ذاته روح النَّهضة وروح اليقظة، وبالتَّالي فإنَّ النِّداء "استيقظ أيُّها النائم"، بحسب المطران جورج خضر، هو نداءٌ دائمٌ للكنيسة كي لا تستسلم لعادات العالم، بل لتبقى متجدِّدة في المسيح. فالمسيح يُضيء لنا لا لكي نكتفي بالفرح الدَّاخليّ، بل لنَحْمِل هذا النُّور إلى الآخَرين، فنكون شهودًا للحَقِّ في زمن تغمره التَّجارب والشُّرور...
* * *
يا أحبَّة، إنَّ الميلاد هو حدث النُّور بامتياز: "الشَّعبُ السَّالكُ في الظُّلمة أبصر نورًا عظيمًا". لذلك، يأتي هذا المقطع من رسالة بولس إلى أهل أفسس ليذكّرنا بأنَّ التَّحضير للميلاد لا يقتصر على الزِّينة الخارجيَّة أو الطُّقوس الاحتفاليَّة، بل هو مسيرةٌ داخليَّة نحو النُّور، دعوة إلى التَّوبة، إلى الاستيقاظ من غفلة الرُّوح، وإلى القيام من موت الخطيئة. لذلك يحثُّنا الرَّسول أن نفتدي الوقت لأنَّ الأيَّام شرِّيرة، أي أن نعيش كلَّ لحظَةٍ بِوَعيٍ روحيّ، فلا نهدرها في أعمال باطلة، بل نستثمرها في الخير والبِرّ، في الجهاد والتَّوبة، في التَّطهُّر والتَّنقية... في النَّهضة أي في التَّجدُّد بالرُّوح القدس، وهذا ما يشدِّد عليه الذَّهبيّ الفَم حين يقول إنَّ المؤمن الحكيم هو الَّذي يُحَوِّل كلَّ ظرفٍ يمرُّ به إلى فرصةٍ للنِّعْمَة، فلا يسمح للشَّرِّ أن يسرق منه الزَّمَن. هذا ما يُوضح معنى دعوة الرَّسول بولس في هذا المقطع من رسالته إلى الامتلاء بالرُّوح، لا بالخمر الَّتي فيها الدَّعارة، بل بالتَّسابيح والأغاني الرُّوحيَّة، لأنَّ التَّرنيم ليس مجرَّد فعلٍ شفويّ، بحسب القدِّيس أمبروسيوس بل هو انسكاب القلب أمام الله، حيث تتحوَّل النَّفْس إلى قيثارةٍ يرنِّم عليها الرُّوح القدس.
وعليه، فلنجعل أيُّها الأحبَّاء، هذه الفترة المبارَكة من صوم الميلاد زمن يقظةٍ روحيَّةٍ وتجديد، ننبذ فيها أعمال الظُّلمة غير المثمرة، ونفتح قلوبنا لنور المسيح. لنستعدَّ للميلاد بفرحٍ ورجاء في التَّوبة والصَّلاة والصَّوْم والمسامحة والبذل، حاملين في حياتنا شهادةً أنَّ المسيح، نور العالم، قد أتى ليقودنا إلى كلِّ صلاحٍ وبِرٍّ وحَقٍّ وفرح وسلام، ليشرق نوره وملكوته فينا تحقيقًا لحياة أفضل لبني البشر فيه وعربونًا لسِرِّ الدَّهر الآتي...
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع...
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
طروباريَّة القيامة (باللَّحن الأوّل)
إنَّ الحجرَ لما خُتِمَ مِنَ اليَهود. وجَسَدَكَ الطّاهِرَ حُفِظَ مِنَ الجُند. قُمتَ في اليومِ الثّالثِ أَيُّها المـُخلِّص. مانِحًا العالمَ الحياة. لذلكَ قوّاتُ السّماوات. هتفوا إليكَ يا واهبَ الحياة. المجدُ لقيامتِكَ أَيُّها المسيح. المجدُ لِمُلكِكَ. المجدُ لتدبيرِكَ يا مُحبَّ البشرِ وحدك.
قنداق تقدمة عيد ميلاد السَّيِّد (باللَّحن الثَّالث)
اليومَ العذراءُ تأتي إلى المـَغارة لِتَلِدَ الكلمةَ الَّذي قبل الدُّهور وِلادةً لا تُفسَّر ولا يُنطق بها. فافرحي أيّتها المـَسكونةُ إذا سَمِعْتِ، ومَجِّدي مع الملائكةِ والرُّعاة الَّذي سَيَظْهَرُ بمشيئته طفلًا جديدًا، وهو إلهُنا قبلَ الدُّهور.
الرّسالة (أف 5: 8- 19)
لِتَكُنْ يَا رَبُّ رَحْمَتُكَ عَلَيْنَا كمِثلِ اتِّكالِنا عليك
اِبْتَهِجُوا أَيُّهَا الصِّدِّيقُونَ بالرَّبّ
يا إخوةُ اسلُكُوا كأولادٍ للنُّور (فإنَّ ثَمَرَ الرُّوحِ هو في كلِّ صّلاحٍ وبِرٍّ وحَقٍّ)، مُخْتَبِرينَ ما هو مَرْضِيٌّ لدى الرَّبّ، ولا تشتَرِكُوا في أعمالِ الظُّلْمَةِ غيرِ المُثْمِرَةِ بل، بالأحرى، وَبِّخُوا عليها، فإنَّ الأفعالَ الَّتي يفعلونها سِرًّا يقبُحُ ذِكْرُهَا أيضًا. لكنَّ كلَّ ما يُوبَّخُ عليهِ يُعلَنُ بالنُّور، فإنَّ كلَّ ما يُعلَنُ هو نورٌ. لذلكَ يقولُ: استَيْقِظْ أيُّهَا النَّائِمُ وقُمْ من بين الأمواتِ فَيُضِيءَ لكَ المسيح. فانظُرُوا، إذَنْ، أنْ تسلُكُوا بحَذَرٍ، لا كجُهَلاءَ بل كَحُكماءَ، مُفْتَدِينَ الوقتَ فإنَّ الأيَّامَ شِرِّيرَةٌ. فلذلك، لا تكونوا أغبِياءَ بل افهَمُوا ما هي مشيئَةُ الرَّبِّ. ولا تسكَرُوا بالخَمْرِ الَّتي فيها الدَّعارَة بلِ امْتَلِئُوا بالرُّوحِ مُكَلِّمِينَ بعضُكُم بعضًا بمزاميرَ وتسابيحَ وأغانيَّ روحيَّةٍ، مُرَنِّمِين ومُرَتِّلِينَ في قلوبِكُم للرَّبّ.
الإنجيل (لو 13: 10- 17)(لوقا 10)
في ذلك الزَّمان، كان يسوع يُعلِّم في أحد المجامع يومَ السَّبت، وإذا بامرأةٍ بها روحُ مَرَضٍ منذ ثماني عَشْرَةَ سنةً، وكانت مُنْحَنِيَةً لا تستطيع أن تَنْتَصِبَ البَتَّة. فلمَّا رآها يسوع دَعاها وقال لها: إنَّكِ مُطْلَقةٌ من مرضِك. ووضع يدَيْهِ عليها، وفي الحال استقامَتْ ومجَّدتِ الله. فأجاب رئيسُ المجمع وهو مُغتاظٌ لإبراءِ يسوعَ في السَّبتِ وقال للجميع: هي ستَّةُ أيّامٍ ينبغي العملُ فيها، ففيها تأتون وتَستَشفُون لا في يوم السبت. فأجاب الربُّ وقال: يا مُرائي، أليس كلُّ واحدٍ منكم يَحُلُّ ثورَهُ أو حمارَهُ في السبتِ مِنَ المذودِ وينطلِق بهِ فيسقيه؟ وهذه ابنةُ ابراهيمَ الَّتي رَبَطها الشيطانُ منذ ثماني عَشْرَةَ سنةً، أمَا كان ينبغي أنْ تُطلَقَ مِن هذا الرباط يومَ السبت؟ ولمّا قال هذا خَزِيَ كلُّ مَن كان يُقاومهُ، وفرح الجمْعُ بجميعُ الأمور المجيدةِ الَّتي كانت تَصدُرُ منهُ.
حول الإنجيل
دائمًا ما نقرأ في الكتاب أنَّ الرَّبَّ يسوع كان يُعَلِّم ويجترح العجائب نهار السَّبت، ليس لأنَّه يريد افتعال المشاكل، لأنَّه كان يُعَلِّم كلَّ يوم وفي الهيكل أيضًا ليقول أنَّ ما يفعله لا يخالف النَّاموس، ولكنَّ اليهود كانوا يستغلُّون عمله في السَّبت ليُحاربوه. أتَته امرأة منحنية الظَّهر منذ ثماني عَشْرَةَ سنة. ماذا يعني هذا الكلام؟ المرأة يهوديَّة بالطَّبع، لأنَّها أتَتْ إلى المجمع، وهي تُشير إلى اليهود ككلّ، أمّا الرَّقم يَعني أنَّه خلال ثلاث مراحل عبر التَّاريخ لم تستطع الأمة اليهوديَّة أن تُثمِر شيئًا، فرقم 18 مقسوم على الرَّقم 3 يعطينا الرَّقم 6 وهو رقم ناقص وثلاثة مراحل تعني 666 ففي كلّ المراحل لم يستطع اليهود أن يُعطوا ثمرًا؛ قبل هذا المقطع الإنجيلي بآيتين يقول الرَّبُّ أنَّه كان هناك شجرة تين ولمدَّة ثلاث سنين يُطلَب منها الثَّمر، وهي عقيمة لا تُعطي ثمرًا، فتقرَّر أن تُقطع، وهي أيضًا ترمز إلى الأمة اليهوديَّة الَّتي لم تُعطِ ثمرًا خلال ثلاث مراحل في التَّاريخ، فتدخَّل المسيح لمحبَّته للبشر لكي يُعطيها سنةً واحدةً كفُرصَةٍ أخيرة: "يَا سَيِّدُ، اتْرُكْهَا هذِهِ السَّنَةَ أَيْضًا، حَتَّى أَنْقُبَ حَوْلَهَا وَأَضَعَ زِبْلًا" (لو 13 :8). السَّنة المـُعطاة كفرصة هي رمز لتجسُّد المسيح وعمله في العالم. فإنْ لم تُعطِ ثمرًا ستُقلع بعد هذه الفرصة، هكذا نحن أيضًا ما لم نُعْطِ ثمارًا سوف نُقطَع ونُلقى في الجحيم. فالمرأة المنحنية تدلُّ على ماذا تفعل الخطيئة في الإنسان، ويقول المزمور 57 الآية 6: " انْحَنَتْ نَفْسِي"، مَا الَّذي يحني النَّفْس غير الخطيئة؟ فبحسب القدِّيس أمبروسيوس الَّذي نُعَيِّد له اليوم يُشير الرَّقم 18 أيضًا إلى جمع الرَّقمَيْن 10 و 8، الأوَّل له دلالة على الوصايا العشر والثَّاني على قيامة المسيح، وهذا يَعني أنَّه ليس هناك غير المسيح يستطيع أن يخلِّصَنا من ضعفنا حيث قال للمرأة: "يَا امْرَأَةُ، إِنَّكِ مَحْلُولَةٌ مِنْ ضَعْفِكِ!". بالمسيح يُقوَّم الإنسان ويستقيم، فالمطلوب، بحسب القدِّيس، الجهاد في تطبيق الوَصايا والتَّخلُّص من الأهواء، وهذا ما يَدُلُّ عليه الرَّقم 10 وأنْ نؤمن بمن قام من بيت الأموات، أي المسيح، وهذا ما يدلُّ عليه الرَّقم 8، في هذه الحالة يضع يده المسيح علينا، فنتخلَّص من خطايانا.
رؤساء الكهنة
يكتب الرَّسُول بولس، رسول الأمم، في رسالته إلى العبرانيّين في الإصحاحَين الثَّاني والرّاَبع عن رئيس الكهنة العظيم "يسوع ابن الله" ويستفيض في وصفه انطلاقًا من الكهنوت اليهوديّ في العهد القديم. ويتحدَّث في صفاته أنّ رئيس الكهنة كان يقرّب الذّبائح لأجل الشّعب ولأجل نفسه كونه متلبّسًا بالضّعف البشريّ، وخَلُصَ أنّ يسوع هو رئيس الكهنة الوحيد الَّذي قرّب نفسه ذبيحةً "مبطلًا الخطيئة بذبيحة نفسه" (عبرانيّين 9: 26).
إذًا تنبُع هويّة رئيس الكهنة من مشاركته في كهنوت السّيّد، ليضحي صورةً حقيقيّةً وشفّافةً للمسيح الكاهن، الرّأس والرّاعي، إنجيلًا حيًّا، متذكّرًا على الدَّوام أنَّ الرَّبَّ والمعلِّم "لم يأتِ ليُخدَم بل ليَخدُم" (يوحنَّا 10: 54).
مِن خلال فهم دور رئيس الكهنة نتيقّن أنّه على مثال السَّيِّد، قدّيس، يسير بكلمة الله كما رُسُلِه، إنسانًا مملوءًا نعمةً من الله، رحيمًا، مُتواضعًا، مدعوًّا إلى كمال المحبَّة، وأمينًا مثل القدّيس استفانوس أوَّل الشُّهداء الَّذي يقول عنه كتاب أعمال الرُّسُل أنَّه: "كان ممتلئًا إيمانًا وروحًا قدسًا" (أعمال 6: 5). ومع كلّ هذا يوكل إلى الأسقف مهمّة رعاية قطيع الرَّبّ فيُسَلَّم حين الرِّسامة الأسقفيّة عصا الرِّعاية "ليَرْعى بها رعيّة المسيح الَّتي اؤتُمِن عليها" (من إفشين رسامة الأسقف)، ويكون كالرَّاعي الصَّالح "الَّذي يُسمّي خرافه بأسمائها" (يوحنَّا 10: 2).
في نبوءة النَّبيّ إرميا يَعِد الله الشَّعب برعاةٍ قائلًا: "أعطيكم رعاةً على وفق قلبي" (إرميا 3: 15). لهذا، وفي تقليدنا الأرثوذكسيّ كوكبةٌ من القدِّيسين رؤساء الكهنة الَّذين "قطعوا باستقامةٍ كلمة الحقّ"، وساروا على درب القداسة، وكانوا على حسب قلب الله، كالقدِّيس نيقولاوس والقدِّيس اسبيريدون والقدِّيس إغناطيوس الأنطاكيّ. هؤلاء القدِّيسون نُعَيِّد لهم في فترة صوم عيد الميلاد، لأنَّهم جاهدوا للدِّفاع عن الإيمان المستقيم، ولرفع نير الظُّلم عن المؤمنين، وليرسموا كما سيّدهم الطَّريق إلى الملكوت.
هؤلاء من رؤساء الكهنة اتُّخِذوا بنعمة الله من بني البشر لكي يَسْتَعِدُّوا ويُعِدّوا البشر إلى اكتشاف "الـمَشْرِق من المشارق"، الآتي إلى البشر من أجل محبَّته ليفتقد المظلومين، فدافعوا عنهم، وليثبّتوا الإيمان فأصبحوا قوانين حيّةً له، وبذلوا دماءهم لكي يمتزج دمهم بدم الحمل الذَّبيح.
من عجائب القدِّيس نيقولاوس العجائبيّ
عودة الغريق إلى بيته
يُحْكَى عن رجلٍ اسمه يوحنَّا عاش في القرن التَّاسع الميلاديّ في القسطنطينيَّة، تقيٌّ وَرِع يحبُّ الله ويكرِّم قدِّيسه نيقولاوس، أنَّه سافَرَ مرَّةً في البحر لعمل. وبعد ساعاتٍ مَعدُودَة من مغادرته اهتاج البحر وضربت عاصفة السَّفينة الَّتي كان مسافرًا فيها. فأسرع البَحَّارة إلى ربط الأشرعة، وكان الوقت ليلًا. في تلك السَّاعة خرج الرَّجل إلى ظهر السَّفينة لقضاء حاجة. وما أن خَطَا خطواتٍ قليلة إلى الأمام حتّى اضطربت السَّفينة يمينًا ويسارًا فاختلَّ توازن الرَّجُل وسقط في البحر على مرأى من البَحَّارة وصراخهم. وغار الرَّجُل في المياه وبكى البَحَّارة لفقده. ولكن لم تكن هذه نهاية القصَّة. فما أن بدأ الرَّجل بالغرق حتَّى صرخ في قلبه على غير وَعيٍ منه: "يا قدِّيس الله نيقولاوس أعنّي!" وما إنْ فعل حتَّى وجد نفسه في غير مكان. وجد نفسه في بيته والماء يسيل من ثيابه. ولمّا استمرَّ في الصَّلاة صارخًا، نهض أهل بيته من نومهم مذعورين فوجدوه على هذه الحالة فاندهشوا وتحيَّروا وخانتهم لغة الكلام إلى أن استردُّوا وعيهم وسألوه لماذا هو بهذه الحالة وكيف عاد إلى بيته. وسادت في المكان جلبة ليست بقليلة ما أن هدأت حتّى فهم الجميع من الرَّجُل أنَّه سقط غريقًا في البحر وأنَّ القدِّيس نيقولاوس هو الَّذي أدركه وأعاده إلى بيته سالمًا معافى. فتُحُدُّث بهذا العجب في كلِّ القسطنطينيَّة وشكر الجميع الله وازدادوا إكرامًا لقدِّيسه نيقولاوس وتعلّقًا به واعتمادًا عليه. أمَّا يوحنَّا فقيل أنَّه والد بطريرك القسطنطينيَّة مثوديوس الأوَّل الَّذي اعتلى سدّة البطريركيَّة بين العامين 843 و847 م.