نشرة كنيستي
نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.
أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي
كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.
الأحد (5) بعد العنصرة
العدد 27
الأحد 05 تمُّوز 2026
اللَّحن 4- الإيوثينا 5
أعياد الأسبوع: *5: البارّ أثناسيوس الآثوسيّ، القدِّيس لمباذوس العجائبيّ *6: القدِّيس سيصوي الكبير (ساسين) *7: البارّ توما الميليونيّ، الشَّهيدة كرياكي *8: العظيم في الشُّهداء بروكوبيوس، الشَّهيد في الكهنة أنستاسيوس *9: القدِّيس بنكراتيوس أسقف طفرومانيَّة *10: القدِّيس يوسف الدِّمشقيّ، الشُّهداء الـ 45 المستشهدون في أرمينية *11: القدِّيسة آفيمية المعظَمة في الشَّهيدات (لمّا ثبَّتتْ حَدَّ الإيمان)، القدِّيسة الملكة أولغا المعادلة الرُّسل.
كلمة الرّاعي
القدِّيس الشَّهيد في الكهنة يوسف الدِّمشقيّ
شاهدُ المحبَّة حتَّى الدَّم ورجاءُ المؤمنين الثَّابتين
نُعيِّد في العاشر من تمُّوز من كلِّ سنة للقدِّيس الشَّهيد في الكهنة يوسف الدِّمشقيّ ورفقتِه الشُّهداء. وإذْ نتأمَّل في سيرته نكتشف أنَّه لم يكن مجرَّد كاهنٍ غيور، بل كان أيقونةً حيَّةً للمسيح الرَّاعي الصَّالح الَّذي قال عن نفسه: «الرَّاعي الصَّالح يبذل نفسه عن الخراف» (يوحنَّا 10: 11). فقد بذل ذاته في خدمة شعبه بالكلمة والتَّعليم والقلم، ثمَّ بالدَّم، حتَّى غدت سيرتُه إنجيلًا مقروءًا في زماننا، لا صفحةً من ماضٍ بعيد…
لقد كان القدِّيس يوسف رجلَ نهضةٍ في كنيسته بكلِّ معنى الكلمة. نشأ فقيرًا يكدح نهارًا ويطلب العلم ليلًا، حتَّى صار من أعلام عصره، ورُسم كاهنًا وهو في الرَّابعة والعشرين، فخدم في الكنيسة المريميَّة بدمشق. تسلَّم إدارة المدرسة البطريركيَّة فطوَّرها ووسَّعها، وفتح فيها فرعًا عاليًا للعلوم اللَّاهوتيَّة، فتخرَّج على يديه جيلٌ من الرُّعاة كان منهم بطريركٌ ومطارنة. وكان واعظًا يُلهب القلوب، ومعلِّمًا يبني العقول، ومصلحًا نقَّى عاداتِ النَّاس ممَّا شابها، وكاتبًا مدقِّقًا ضبَط الكتب الطَّقسيَّة ونقل إلى العربيَّة كنوزَ التَّعليم المسيحيّ. اهتمَّ ببناء النُّفوس كما اهتمَّ ببناء الحجر، فحقَّق فيه قولَ الرَّبّ: «فليُضئْ نوركم قدَّام النَّاس» (متّى 5: 16).
* * *
ولم يكن قدِّيسُنا عالمًا منقطعًا في صومعته، بل راعيًا في قلب شعبه. كان يردِّد أنَّه يزرع في كرمة المسيح منتظرًا الحصاد، عالمًا أنَّ الرَّبَّ هو الكرمة الحقيقيَّة «وأنتم الأغصان» (يوحنَّا 15: 5). حتَّى قيل إنَّ لدمشق ثلاثة كواكب: بولس الرَّسول، ويوحنَّا الدِّمشقيّ، ويوسف مهنَّا الحدَّاد. فما أشبهَ غيرتَه على استقامة الإيمان بغيرة إيليَّا النَّبيّ القائل: «قد غِرْتُ غيرةً لربِّ الجنود» (1ملوك 19: 14)!
وبلغت محبَّتُه ذروتَها في ساعة الشَّهادة. ففي تمّوز عام 1860 عصفت بدمشق فتنةٌ دمويَّة، ولجأ المؤمنون إلى كنائسهم، وكان الخوري يوسف يحتفظ بالذَّخيرة المقدَّسة في بيته، فحملها في صدره وعبَر فوق سطوح البيوت إلى المريميَّة، يناول المؤمنين جسدَ الرَّبّ ودمَه، ويشدِّد الخائفين، ويهيِّئ النُّفوس للقاء ربِّها. وحين انقضَّ الرعاع على أحياء المدينة خرج إلى الأزقَّة فعُرف، فتناول الذَّخيرة الإلهيَّة الَّتي كان يحملها، ثمَّ سقط تحت الفؤوس شهيدًا مع آلافٍ من إخوته المؤمنين. هكذا حقَّق قولَ سيِّده: «ليس لأحدٍ حبٌّ أعظم من هذا: أن يبذل نفسه عن أحبَّائه» (يوحنَّا 15: 13)، وصار «أمينًا حتَّى الموت» فنال «إكليل الحياة» (رؤيا 2: 10). وكما لا تُثمر حبَّةُ الحنطة إن لم تقع في الأرض وتمُت (را. يوحنَّا 12: 24)، أثمر دمُه في كنيسة أنطاكية إيمانًا وثباتًا.
* * *
يا أحِبَّة، ماذا يقول لنا هذا القدِّيس اليوم؟
إلى الإكليروس يقول: إنَّ الكهنوت خدمةٌ لا سلطان، وبذلٌ لا استراحة؛ وإنَّ الكاهن الحقّ يحمل المسيح إلى شعبه في زمن الرَّخاء كما في زمن الخطر، ولا يترك رعيَّته في ساعة الضِّيق، فيكون عِلمُه في خدمة إيمانه، ومنبرُه في خدمة خلاص النُّفوس، وحياتُه كلُّها «ذبيحةً حيَّةً» (رومية 12: 1).
وإلى المؤمنين يقول: إنَّ الإيمان ليس كلامًا يُقال، بل حياةً تُعاش وتُبذَل. فما رافق القدِّيسَ يوسف من ثباتٍ ومحبَّةٍ وصبرٍ ووداعةٍ وتواضع، هو نفسُه ما يطلبه الرَّبّ منَّا اليوم، كلٌّ في موقعه ودعوته.
* * *
يا أحِبَّة، إنَّنا إذْ نتأمَّل سيرتَه ونحن في زمنٍ عسير، تعصف بمنطقتنا ووطننا رياحُ الخوف والضِّيق والهجرة، حتَّى يسأل كثيرون: إلى متى الصَّبر؟ وهل يبقى لنا في هذه الأرض موضع؟ نقول لكم بثقةٍ مع الرَّسول: «لا تحزنوا كباقي الّناس الَّذين لا رجاء لهم» (1تسالونيكي 4: 13). إنَّ الدِّماء الَّتي رُويت بها أرضُ المشرق ليست عبثًا، بل بذارٌ يُثمر في حينه؛ وقديمًا قال الآباء إنَّ دم الشُّهداء بذارُ الكنيسة. والقدِّيس يوسف لم يهرب من مدينته، بل بقي فيها حتَّى النِّهاية، لأنَّ الأرض الَّتي قدَّسها الشُّهداء أمانةٌ في أعناقنا. فلنتجذَّرْ في أرضنا كما تجذَّر، ولنبنِ رجاءنا لا على تقلُّب الأحوال بل على قوَّة القيامة، واثقين بكلمة الرَّبّ: «ثِقوا، أنا قد غلبتُ العالم» (يوحنَّا 16: 33).
وإذْ نُعيِّد للقدِّيس يوسف الدِّمشقيّ اليوم فنحن لا نتعاطى عيده كذكرى تاريخيَّة، بل دعوةً لنا اليوم والآن أن نثبت في إيماننا، ونحبَّ كنيستنا وأرضنا، ونشهد للمسيح بحياتنا. فلتكن شفاعتُه وشفاعةُ رفقتِه الشُّهداء سندًا لنا جميعًا في تجاربنا، وعزاءً في أحزاننا، وقوَّةً في ثباتنا، إلى أن يطلع فجرُ الفرح على بلادنا.
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
طروباريَّة القيامة (باللَّحن الرَّابع)
إنَّ تلميذاتِ الرَّبّ تعلَّمنَ مِنَ الملاكِ الكرْزَ بالقيامةِ البَهج. وطَرَحنَ القَضاءَ الجَدِّيَّ. وخاطبنَ الرُّسلَ مُفتَخِراتٍ وقائِلات. سُبيَ المَوتُ وقامَ المَسيحُ الإله. ومنحَ العالمَ الرَّحمةَ العُظمى.
طروباريَّة القدِّيس أثناسيوس الآثوسيّ (باللَّحن الثَّالث)
لقد دُهِشَتْ طغماتُ الملائكة من سيرتكَ بالجسد أيُّها الدَّائِم الذِّكر، كيف أنَّكَ وأنْتَ بالجسد سعيتَ نحو المصافّ غير المنظورة، وجرحتَ مواكب الأبالسة، فلذلك قد كافأك المسيحُ بمواهِبَ غَنِيَّة، فيا أيُّها الأب أثناسيوس، تشفَّعْ إليهِ أنْ يُخَلِّص نفوسَنا.
القنداق (باللَّحن الثَّاني)
يا شفيعَةَ المسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطةَ لدى الخالِق غيْرَ المرْدودةِ، لا تُعْرضي عَنْ أصواتِ طلباتِنا نَحْنُ الخَطأة، بَلْ تدارَكينا بالمعونةِ بما أنَّكِ صالِحَة، نَحنُ الصّارخينَ اليكِ بإيمان: بادِري إلى الشَّفاعَةِ وأسَرعي في الطّلْبَةِ يا والدَة الإلهِ، المتشَفِّعَةَ دائمًا بمكرِّميك.
الرِّسالة (غلا 5: 22- 26، 6: 1-2)
يَفتخرُ الأبرارُ بالمَجْدِ
رنِّموا للرَّبِّ ترنيمة جديدة
يا إخوة، إنَّ ثَمَرَ الرُّوحِ هُوَ: المَحَبَّةُ، والفَرَحُ، والسَّلاَمُ، وطُولُ الأَنَاةِ، واللُطْفُ، والصَّلاَحُ، والإِيمَانُ، والوَدَاعَةُ، والتَّعَفُّف، وهَذِهِ لَيْسَ نَامُوسٌ ضدَّها. وَالَّذِينَ هُمْ لِلْمَسِيحِ قَدْ صَلَبُوا أجْسَادَهم مَعَ الآلامِ وَالشَّهَوَاتِ. فإِنْ كُنَّا نَعِيشُ بِالرُّوحِ، فَلْنَسْلُكْ أَيْضًا بِحَسَبِ الرُّوحِ. ولَا نَكُنْ ذَوي عُجْبٍ ولا نُغَاضِبْ ولا نَحْسِدْ بَعْضُنَا بَعْضًا. يا إِخْوَةُ، إِذا أُخِذَ أحدٌ فِي زَلَّةٍ فَأَصْلِحُوا أَنْتُمُ الرُّوحِيِّينَ مِثْلَ هَذَا بِرُوحِ الْوَدَاعَةِ، وتَبَصَّر أنتَ لنَفْسِكَ لِئَلاَّ تُجَرَّبَ أَنْتَ أَيْضًا. اِحْمِلُوا بَعْضُكُمْ أَثْقَالَ بَعْضٍ، وَهَكَذَا أتِمُّوا نَامُوسَ الْمَسِيحِ.
الإنجيل (مت 8: 28- 34، 9: 1)(متَّى 5)
فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لَـمَّا أَتَى يَسُوعُ إِلَى كُورَةِ الجُرْجُسِيِّينَ اسْتَقْبَلَهُ مَـجْنُونَانِ خَارِجَانِ مِنَ القُبُورِ، شَرِسَانِ جِدًّا، حَتَّى إِنَّهُ لِـمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَـجْتَازَ مِنْ تِلْكَ الطَّرِيقِ، فَصَاحَا قَاِئلَيْنِ: مَا لَنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ ابْنَ اللهِ، أَجِئْتَ إِلَى هَهُنَا قَبْلَ الزَّمَانِ لِتُعَذِّبَنَا؟ وَكَانَ بَعِيدًا مِنْهُمْ قَطِيعُ خَنَازِيرَ كَثِيرَةٍ تَرْعَى. فَأَخَذَ الشَّيَاطِينُ يَطْلُبُونَ إِلَيْهِ قَائِلِينَ: إِنْ كُنْتَ تُـخْرِجُنَا، فَائْذَنْ لَنَا أَنْ نَذْهَبَ إِلَى قَطِيعِ الخَنَازِيرِ. فَقَالَ لَـهُمُ اذْهَبُوا. فَخَرَجُوا وَذَهَبُوا إِلَى قَطِيعِ الخَنَازِيرِ، فَإِذَا بِالقَطِيعِ كُلِّهِ قَدْ وَثَبَ عَنِ الجُرْفِ إِلَى البَحْرِ، وَمَاتَ فِي الـمِيَاهِ. أَمَّا الرُّعَاةُ فَهَرَبُوا وَمَضَوْا إِلَى الـمَدِينَةِ، وَأَخْبَرُوا بِكُلِّ شَيْءٍ وَبِأَمْرِ الـمَجْنُونَيْنِ. فَخَرَجَتِ الـمَدِينَةُ كُلُّهَا لِلِقَاءِ يَسُوعَ. وَلَـمَّا رَأَوْهُ طَلَبُوا إِلَيْهِ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْ تُخُومِهِمْ، فَدَخَلَ السَّفِينَةَ وَاجْتَازَ وَأَتَى إِلَى مَدِينَتِهِ.
حول الإنجيل
بعد أن هدَّأ الرَّبُّ يسوع العاصفة، انتقل إلى كورة الجرجسيِّين، ليُعْلِنَ أنَّ سلطانه ليس فقط على الطَّبيعة، بل على قِوَى الشَّرِّ أيضًا. فالَّذي أسْكَتَ الرِّياح والأمواج، هو نفسه القادر أنْ يُعيد الإنسان مِنْ أسر الظُّلمة إلى نور الحياة. "ولمَّا جاء إلى العبر إلى كورة الجرجسيِّين استقبله مجنونان خارجان من القبور شرسان جدًّا" (متّى ٨: ٢٨).
الإنسان عندما يبتعد عن الله يعيش حالة موتٍ داخليّ، لأنَّ الخطيئة تعزل الإنسان عن مصدر الحياة، الَّذي هو يسوع المسيح. المسيح وبدافع محبَّته للإنسان، يسعى وراءه، ولو إلى القبور، لِيُعيدَ إليه كرامته الأولى. "جاء الابن لكي يجدِّد الطَّبيعة البشريَّة الَّتي أفسدتها الخطيئة، ويعيدها إلى الحياة مع الله". (القدِّيس أثناسيوس الكبير). ثمَّ تصرخ الشَّياطين: "ما لنا ولك يا يسوع ابن الله؟ أجئت إلى ههنا قبل الزَّمان لتعذِّبَنا؟" (متّى ٨: ٢٩).
الشَّياطين تعرف أنَّ يسوع هو ابن الله "لكنَّ معرفة الله وحدها لا تكفي للخَلاص، لأنَّ الإيمان الحقيقيّ هو حياة وطاعة ومحبَّة". (القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفم). بعدها تطلب الشَّياطين من المسيح الدُّخول إلى قطيع الخنازير " فقال لهم: اذهبوا " (متّى ٨: ٣٢). الشَّرّ ليس له سلطانٌ مطلَق، بل هو تحت سيادة المسيح "الله لا يسمح بالشَّرِّ لأنَّه يُريده، لكنّه قادرٌ أن يُحَوِّل حتَّى التَّجارب، إلى إعلانٍ لقوَّتِه ودعوة للإنسان إلى التَّوبة". (القدِّيس باسيليوس الكبير). فإذا بالقطيع كلِّهِ قد وثب عن الجرف إلى البحر، ومات في المياه. إنَّ عَمَل الشَّرِّ يَقودُ إلى الخَراب والموت، أمَّا المسيح فيقودُ إلى القيامة والحياة. "المسيح أخَذَ طبيعتنا لِيَشْفيها، ويحرِّرَ الإنسان من الفساد، ويُعيده إلى جمال صورة الله". (القدِّيس يوحنَّا الدِّمشقيّ).
أهل المدينة قالوا للمسيح: "أن ينصرف عن تخومِهم" (متّى ٨: ٣٤). لقد رأوْا قوَّة الخلاص، لكنَّ خطيئتهم أعمت عيونهم. كثيرون اليوم يرفضون المسيح، مثل أهلِ كورَةِ الجرجسيِّين، لكي لا يُغَيِّروا حياتهم. المسيح يأتي ليخرجنا من قبور الخطيئة، ويُعيدَ إلينا الحرِّيَّة والبُنُوَّة الحقيقيَّة. فهل نفتح له قلوبنا، أم نطلب منه أن يبتعد عن تخومِنا؟.
الحياة الدَّيْريَّة المشتركة في جبل آثوس
تقوم الحياة الدَّيْريَّة المشتركة في جبل آثوس على مبدأ الشَّرِكة الكاملة بين الرُّهبان في الصَّلاة والعمل والمعيشة. وقد ترسّخ هذا النِّظام منذ القرن العاشر عندما أسَّس القدِّيس أثناسيوس الآثوسيّ دير اللَّافرا الكبير، واضعًا أسس حياة الشَّرِكة الَّتي أصبحتْ النَّموذج السَّائد في معظم أديرة الجبل المقدَّس.
في هذا النَّمَط من الحياة، يتخلّى الرَّاهب عن الملكِيَّة الفردِيَّة ويعيش ضمن أخويَّة واحدة يشترك أفرادها في كلِّ شيء. ويعُتَبَر رئيس الدَّيْر الأب الرُّوحيّ للجماعة، فيلتزم الرُّهبان بطاعته بروح المحبَّة، سَعْيًا إلى النُّموّ في التَّواضع والاتِّحاد بالله. ولا تُفهم الطَّاعة كخضوعٍ إراديّ فحسب، بل كوسيلةٍ روحيَّةٍ لتحرير الإنسان من الأنانيَّة وتحقيق الشَّرِكة الأخويَّة.
تتَّسِم الحياة اليوميَّة في الأديرة الآثوسيَّة بالصَّلاة والعمل. يبدأ النَّهار بالصَّلوات اللَّيليَّة والقداديس، ثمَّ يتوزَّع الرُّهبان على أعمالهم المختلفة في الزِّراعة، والضِّيافة، والنَّسخ، والحِرَف اليدويَّة، وسائر الخدمات الضَّروريَّة لحياة الدَّيْر. ويُنظَر إلى العمل باعتباره امتدادًا للصَّلاة وخدمةً للجماعة.
وتهدف الحياة المشتركة إلى تنمية المحبَّة الأخويَّة وممارسة الفضائل الإنجيليَّة عمليًّا. فمِن خلال العَيْش مع الآخَرين، يتدرَّب الرَّاهب على الصَّبر، والتَّواضع، والغُفران، وحِمْلِ أعباء إخوته. لذلك إنَّ الحياة المشتركة تشكِّلُ مدرسةً روحيَّةً مُتكاملة تساعد الإنسان على التَّقدُّم في طريق القداسة.
ورغم وجود أشكالٍ أخرى من الرَّهبنة، كالقلالي والأساقيط والمناسك، فإنَّها تبقى مرتبطة بالأديرة الكبرى وتستمدُّ منها مرجعيَّتها الرُّوحيَّة. وهكذا تمثِّل الحياة الدَّيْريَّة المشتركة في آثوس تعبيرًا حيًّا عن الشَّرِكة الكنسيَّة، حيث يجتمع الرُّهبان حول الصَّلاة والطَّاعة والمحبَّة، ساعِينَ معًا إلى تحقيقِ غايَةِ الرَّهبنَة الأساسيَّة، وهي الاتِّحاد بالله والشَّهادة للإنجيل في حياةٍ جَماعِيَّةٍ متجذِّرَة في التَّقليد الأرثوذكسيّ.