Menu Close
050426

نشرة كنيستي

نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.

أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي

كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.

أحد الشَّعانين  

العدد 14

الأحد 05 نيسان 2026

أعياد الأسبوع: *5: الشَّعانين، عيد الموسم البَهيج البَهِيّ الَّذي لدُخولِ ربِّنا يسوع المسيح إلى أورشليم، الشُّهداء كلاوديوس وديودورس ورفقتهما، البارَّة ثيوذورة التّسالونيكيَّة *6: الإثنين العظيم، تذكار يوسف المَغبوط الكُلّيُّ الحُسن مع الَّتينة الَّتي لم تُثمِر ولُعِنَتْ من الرَّبِّ ويَبِسَتْ، آفتيشيوس بطريرك القسطنطيَّة، غريغوريوس السِّينائي *7: الثُّلاثاء العظيم، تذكار مَثَل العَشْر عَذارى الوارِد في الإنجيل الشَّريف، الشَّهيد كليوبيوس، القدِّيس جرجس أسقف ميتيلين *8: الأربعاء العظيم، تذكار المرأة الزّانية الَّتي دهنت الرَّبَّ بطيب، الرَّسول هيرودون ورفقته وهم من السَّبعين *9: الخميس العظيم، تذكار الغسل الشَّريف والعشاء السّرّيّ والصَّلاة الباهرَة العجيبة وتسليم ربّنا من يهوذا إلى أمَّة اليَهود، الشَّهيد آفبسيشيوس، رفائيل ونيقولاوس وإيريني (ميتيليني) *10: الجمعة العظيم، تذكار آلام ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح المُقدَّسَة الخَلاصيَّة الرَّهيبة، تذكار الاعتراف الخلاصيّ الَّذي صنعه على الصَّليب اللِّصّ الشَّكور الَّذي صُلبَ معه، جناز المسيح، ترانتيوس وبومبيوس ورفاقهما *11: سبت النُّور، تذكار دفن الجسم الإلهيّ وانحدار ربّنا ومخلّصنا يسوع المسيح إلى الجحيم الَّذي به أعاد جنسنا من الفساد ونقله إلى حياةٍ أبديَّة، الشَّهيد أنتيباس أسقف برغامس.

كلمة الرّاعي 

يسوع المسِّيَّا: الدُّخول المظفَّر إلى أورشليم

"هوشعنا مُبارك الآتي باسم الرَّبّ ملك إسرائيل" (يو 12: 13)

الرَّبُّ هو المنتَصِر، هذه هي حقيقة مطلَقَة وثابتة، الله يَغلب لا محالة، لكنَّ الغَلَبة الَّتي يحقِّقها ليست كما يظنُّ البشر ولا بالطُّرق الَّتي هم مُعتادون عليها، أي لَيْسَت هي غلبة ضدّ الإنسان وبقوَّة السِّلاح والقتل بل بالحَرِيّ هي غلبة لأجل الإنسان وبقوَّة سلاح المحبَّة والوِلادة الجديدة من الماء والرُّوح... إنَّها إماتة للموت وعتق من الكبرياء وتحرُّر من الأنانيَّة وعطاء عِوَضَ الأخذ ومُسامَحَة بَدَل الإدانة ونور يدحض الظُّلمة...

"المسِّيًّا" المُنتَظَر ليس ملكًا على شاكلة ملوك هذه الدُّنيا بل هو ملك الدُّهور ورَبُّ الأرباب الَّذي أتى ليُحقِّق ملكوت الله في هذا العالم وليجعل الأبديَّة داخل الزَّمن ولينقل المؤمنين به من هذا العالم إلى السَّماوات... فيَصِيروا حضور السَّماء في الأرض و"مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ وَأُمَّةً مُقَدَّسَةً" (خروج 19: 6)... المسّيّا الملك يأتي ليجعل المؤمنين به، فيه، ملوكًا وكهنةً منذ الآن في ملكوت أبيه...

*             *             *

اكتمل قصدُ الله في المسيح، فيما بقي كثيرون ينتظرون المَسِيَّا بحسب فهمهم الخاصّ، وهؤلاء هم اليَهود الباقون إلى اليوم. فالنُّبوءات تحقَّقَتْ في يسوع، ومشروع الله للبشريَّة قد أُكمِل فيه. لكن، يوجد إلى اليوم يهود ومسيحيُّون، ربَّما، ما زالوا ينتظرون المسيح الَّذي يدخل أورشليم حلى حصان وليس على جحش، يدخل ظافرًا بسيفه المرتوي من دماء الأعداء، وليس ظافرًا بدمه المهراق لخلاص العالم على الصَّليب... هل يعلم المسيحيُّون أنَّ مسيحَهم – المسِّيَّا أتى "ليبذل نفسه فداء عن كثيرين" (متى 20: 28)، وليس ليبذل الكثيرين لأجل نفسه؟!... ما زال كثير من المسيحيِّين غير مُدرِكين لسِرِّ الفِداء العَظيم الَّذي أتَمَّه ابن الله الوَحيد بموته على الصَّليب ليحرِّر الإنسان من روح العَداوة مع الآخَر ومن روح التَّسلُّط عليه ومن استهلاكه لأجل الذِّات، كثيرٌ من المسيحيِّين ما زالوا يعتقدون أنَّ المسيح أتى ليُسلِّطهم على الأرض بالقوَّة، أو ليمنحهم الرَّفاه والامتلاء من ملذَّات العالم!... يوجد مسيحيُّون يعيشون على هامش وصايا الرَّبّ، لا بل يسلكون ضِدَّها  في أفكارهم وأقوالهم وأعمالهم... لكن، يبقى "بقية باقية" و"قطيع صغير" (لوقا 12: 32) أُمَناء للرَّبِّ ولكلمته، وهؤلاء هم "نور العالم" (مت 5: 14) و"ملح الأرض" (مت 5: 13) و"الخمير اليَسير الَّذي يُخمِّر العَجين كلّه" (مت 13: 33)...

*             *             *

يا أحِبَّة، الرَّبُّ يأتي إلينا دائمًا، يطلبنا أوَّلًا، يسعى إلينا، يريد أن يخلِّصنا... هل نحن واعون أنَّه آتٍ؟ على نحن منتظرينه؟ هل نحمل بأيدينا سعف النَّخل أي غلبتنا بنعمته على أهوائنا وخطايانا لنقدِّم له قلوبَنا أورشليم يدخلها وينتصر فيها على الخبث والمكر والظُّلم والقتل؟!... هل نعترف به ملكًا علينا وسَيِّدًا لحياتنا؟!... أي كلُّ شيء لنا!... الأعياد عندنا ليست تَذَكُّرًا بل ذكرى آنيَّة لتدبير الله الخلاصيّ أي حدث ماضٍ ومستمرّ في الآن وفاعِل في اللَّحظة الحاليَّة. نحن في أحد الشَّعانين، نستقبل اليوم والآن يسوع المسيح مع الجُموع والأطفال والرُّضَّع بفرح النَّصر على إبليس والخطيئة والموت وسؤدُد المحبَّة في "موضعِ سيادته" أي فينا، على رجاء أن نكون نحن أرضه ومملكته في هذا العالم، لنصير هنا بقعة من ملكوته الآتي لتعزية المتألمين والمظلومين والمقهورين... يسوع المسيح هو ملك السَّلام في القلوب الَّذي يَشِعُّ على العالم لينشر فيه الفرح والرَّحمة... عيد الشَّعانين لنا أن ننشُر سلام يسوع في العالم بعد أن يكون قد سكن فينا، وأن يسود حكمه في الأرض أي الحَقِّ والبِرِّ والفَضيلة بقوَّةِ المحبَّة الباذِلَة والمُضَحِيَة الَّتي تحتضن آلام الإنسان وتعطيه بالنِّعْمَة الَّتي من فَوْق أن يَصير هذا الألم فُرْصَةً لِعَيْشِ إيماننا بالغالب الموت بالعطاء، وإيماننا بالقيامة بالتَّوبة العامَّة أي بتغيير فكر العالم لِيَصير بحسب فكر المسيح... حتَّى نستطيع أن نصرخ:  "هوشعنا مُبارك الآتي باسم الرَّبّ ملك إسرائيل" الجديد، "إسرائيل الله" (غلاطية 6: 16)...

ومن استطاع أن يَقبل فليقبل...

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

طروباريَّة العيد الأولى (باللَّحن الأوَّل)

أيُّها المسيحُ الإله، لـمَّا أقَمْتَ لعازَرَ مِنْ بينِ الأمواتِ قبْلَ آلامِك، حَقَّقْتَ القِيامَةَ العامَّة. لذلِكَ، وَنحْنُ كالأطفال، نحمِلُ علاماتِ الغَلبَةِ والظَّفَر، صارِخِينَ نحوكَ يا غالِبَ الموت: أوصَنَّا في الأعالي، مُبارَكٌ الآتي باسمِ الرَّبّ.

طروباريَّة العيد الثَّانية (باللَّحن الرَّابع)

أيُّها المسيح الإله، لـمّا دُفِنّا معك بالمعموديّة، إستأهلنا بقيامتك الحياةَ الخالدة، فنحن نسبّحك قائلين: "أوصنّا في الأعالي، مباركٌ الآتي باسمِ الرَّبّ".

قنداق أحد الشَّعانين (باللَّحن السَّادس)

يا مَنْ هُوَ جالِسٌ على العَرْشِ في السَّماء، وراكِبٌ جَحْشًا على الأرض، تَقَبَّلْ تَسابيحَ الملائِكَةِ وتماجِيدَ الأطفال، هاتِفينَ إليكَ أَيُّها المسيحُ الإله: مبارَكٌ أنتَ الآتي، لِتُعِيدَ آدَمَ ثانِية.

الرِّسالة (في 4: 4- 9)

مبارك الآتي باسم الرَّبّ،

اعترفوا للرَّبِّ فإنَّه صالحٌ وإنَّ إلى الأبد رحمته.

يا إخوة، افرحوا في الرّبّ كلّ حين وأقول أيضا افرحوا. وليظهر حلمكم لجميع النّاس فإنّ الربَّ قريب.  لا تهتمّوا البتّة، بل في كلّ شيء فلتكن طلباتكم معلومة لدى الله بالصّلاة والتّضرّع مع الشّكر. وليحفظ سلام الله الَّذي يفوق كلّ عقل قلوبكم وبصائركم في يسوع المسيح. وبعد أيّها الإخوة، مهما يكن من حقّ ومهما يكن من عفاف ومهما يكن من عدل ومهما يكن من طهارة ومهما يكن من صفة محبّبة ومهما يكن من حسن صيت، إن تكن فضيلة، وإن يكن مدح ففي هذه افتكروا. وما تعلّمتموه وتسلّمتموه وسمعتموه ورأيتموه فيّ فبهذا اعملوا. وإله السّلام يكون معكم.

الإنجيل (يو 12: 1- 18)

قبل الفصح بسِتَّة أيّام أتى يسوع إلى بيت عنيا حيث كان لعازر الَّذي مات فأقامه يسوع من بين الأموات. فصنعوا له هناك عشاء وكانت مرثا تخدم وكان لعازر أحد المتَّكِئين معه. أمَّا مريم فأخذت رطل طيبٍ من ناردين خالص كثير الثَّمن ودهنتْ قدَمَيْ يسوع ومسحتْ قدميه بشعرها فامتلأ البيت من رائحة الطِّيب.  فقال أحد تلاميذه يهوذا بن سمعان الإسخريوطيّ الَّذي كان مُزمعًا أن يسلمه، لِـمَ لـمْ يُبع هذا الطِّيب بثلاث مئة دينار ويُعطى للمَساكين؟ وإنَّما قال هذا لا اهتمامًا منه بالمساكين بل لأنَّه كان سارقًا وكان الصُّندوق عنده وكان يحمل ما يُلقى فيه. فقال يسوع دعها إنَّما حفظته ليوم دَفْني، فإنَّ المساكين معكم في كلِّ حين، وأمّا أنا فلست معكم في كلِّ حين. وعلم جمع كثير من اليهود أنَّ يسوع هناك فجاؤوا لا مِن أجل يسوع فقط بل لينظروا أيضًا لعازر الَّذي أقامه من بين الأموات. فأتَمَر رؤساء الكهنة أن يقتلوا لعازر أيضًا لأنَّ كثيرين من اليهود كانوا بسببه يذهبون فيؤمنون بيسوع. وفي الغد لـمّا سمع الجمع الكثير الَّذين جاؤوا إلى العيد بأنَّ يسوع آتٍ إلى أورشليم، أخذوا سُعُفَ النَّخيل وخرجوا للقائه، وكانوا يصرخون قائلين: هوشعنا مبارك الآتي باسم الرَّبّ ملك إسرائيل. وإنّ يسوع وجد جحشًا فركبه كما هو مكتوب: لا تخافي يا ابنة صهيون ها إنّ ملكك يأتيك راكبًا على جحش ابن أتان. وهذه الأشياء لم يفهمها تلاميذه أوَّلًا ولكن لـمَّا مُجِّد يسوع حينئذ تذكّروا أنّ هذه كُتبت عنه وأنّهم عملوها له، كان الجمع الَّذين معه حين نادى لعازر من القبر وأقامه من بين الأموات، ومن أجل هذا استقبله الجمع لأنَّهم سمعوا أنَّه كان قد صنع هذه الآية.

حول الإنجيل

أتى الرَّبُّ يسوع إلى بيتَ عَنْيَا حيث استقبلته مريم أختُ لَعازر بالطِّيبِ الكثير الثَّمَن ومسحتْ قدمَيْه بشَعْرِها. الآن اسمعوا ما يقول يوحنَّا الإنجيليّ: "فقال واحدٌ من تلاميذه وهو يهوذا الإسخريوطيّ لماذا لم يُبَع هذا الطِّيبُ بِثلاثمئةِ دِينارٍ ويُعطَ للفقراء؟" (يو 12: 4، 5) طبعًا ما يقوله يهوذا صحيح، لكنَّ الرَّبّ يسوع كان يعرف ما في قلبه من زرعٍ شيطانيّ، فيُكمل يوحنَّا عن يهوذا :" قَالَ هذَا لَيْسَ لأَنَّهُ كَانَ يُبَالِي بِالْفُقَرَاءِ، بَلْ لأَنَّهُ كَانَ سَارِقًا، وَكَانَ الصُّنْدُوقُ عِنْدَهُ" (الآية 6)؛ السُّؤال الَّذي يتوارَد إلى ذهننا هنا هو: كيف كان الرَّبّ صابرًا على يهوذا لِعلْمه أنَّه كان يسرقه؟ هذا شيءٌ لا يُمكن احتماله، فإن كنَّا مكان الرَّبّ يسوع وكان أحدهم يسرقنا، وليس فقط يسرقنا إنَّما يستغْبِينا أيضًا ويستغلّ محبَّتنا، أنستطيع أن نحتمل؟ حسنًا، كيف يكون ممكنًا هذا إن كانت السَّرقة والاِستغباء والاستغلال مع خالق الكَوْن! كيف صبر الرَّبُّ يسوع على هذا الأمر؟ هذا يُبَيِّن مدى محبَّة الله للإنسان؛ بل أكثر من ذلك، ماذا قال يوحنَّا "واحدٌ من تلاميذه" أي يهوذا، ماذا رَدَّ الرَّبُّ يسوع: "اتركوها" لماذا تكلم الرَّبُّ بالجمع وليس بالمفرد والمخاطب؟ طبعًا لكي لا يجرح يهوذا، ويُكمل الرَّبُّ يسوع "إِنَّهَا لِيَوْمِ تَكْفِينِي قَدْ حَفِظَتْهُ، لأَنَّ الْفُقَرَاءَ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ، وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ " يعني يا يهوذا، الرَّبُّ يحذِّرك بأنَّه ذاهب إلى الموت بإرادته فعليك أن تنتبه لنفسك لكي لا تَهَلَك، لأنَّ الرَّبَّ لا يُسَّرُ "بموت الشِّرِّير بل أن يَرجع ويَحْيَا" (حز 33: 11). والـمُستغرَب أيضًا  بهذه الحادثة أنَّ الرَّبَّ مع عِلمِهِ بسرقات يهوذا أبقى الصُّندوق معه لكي لا يَشُكَّ أحدٌ من التَّلاميذ به.

نخاف نحن اليوم أن نكون مثل يهوذا أي من الخارج مسيحيِّين ومن الدَّاخل بعيدين عن الرَّبِّ، ونخاف أنَّه كما زرع الشَّيْطان الفكر السَّيِّء في قلب يهوذا يقوم بالشَّيء عَيْنَهُ معنا. والأسوأ من هذا كلِّهِ، عندما لا نتمكَّن مِن فَهْمِ تحذيرات الرَّبِّ، لذلك لا زال أمامنا أسبوعٌ للفِصح، من ليس صائمًا فلْيَصُم ويُجبر نفسه على الصَّوْم مِن دون أيّ عذرٍ ومن يستطيع أن يشارك في الصَّلوات في الصَّباح والمساء فليُشارك. وهكذا ينظر الله إلى ضعفنا وإلى جهادنا البسيط ويُعينُنا ويَكشف لنا مخابئ الأفكار الشَّيطانيَّة في داخلنا، لكي لا نَهلك مثل يهوذا.

أحد الشَّعانين، عيد ماذا؟؟

أحد الشَّعانين هو عيدٌ كنسيٌّ كبير في الكنيسة الأرثوذكسيَّة، يُحتفل به في الأحد الَّذي يسبق عيد القيامة المجيد. يُعرف أيضًا بـ“أحد السُّعُف”، إذْ يُحيي ذكرى دخول السَّيِّد المسيح إلى أورشليم، حيث استقبله الشَّعب بسُعُفِ النَّخيل وأغصان الزَّيتون وهم يهتفون: “أوصَنَّا في الأعالي، مباركٌ الآتي باسم الرَّبّ".

يشكّل هذا الدُّخول حَدَثًا لاهوتيًّا عميقًا، إذْ يُعلِن المسيح نفسه ملكًا، ولكن بطريقةٍ مُغايِرَة لتوقُّعات العالم. فقد دخل إلى أورشليم راكبًا على جحشٍ، علامة التَّواضع والسَّلام، مُحقِّقًا النُّبؤات. يقول القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم: “لم يدخل الرَّبُّ كمَلِكٍ متعجرف، بل كطبيبٍ للنُّفوس، ليشفي الإنسان بتواضعه”.

لكنَّ هذا العيد لا يقف عند حدود الفرح الظَّاهريّ، بَل يَحْمِل في طَيَّاتِه بداية الطَّريق نحو الصَّليب. فالكنيسة ترى في أحد الشَّعانين مدخلًا إلى آلام الرب، حيث يتحوَّل الهُتاف إلى صمت، والفرح إلى تأمُّل في آلام المسيح. ويذكِّرنا هذا التَّناقُض بموقف الجموع الَّتي استقبلتْ المسيح بالهُتاف ثمَّ طالبَتْ بصلبه. لذلك يقول القدِّيس كيرلُّس الإسكندريّ: “لنحذر أن نكرِّم المسيح بالشِّفاه فقط، بل لنثبِّت محبَّته في قلوبنا".

إنَّ أحد الشَّعانين هو أيضًا تهيئة روحيَّة للقيامة، إذْ لا يُمكن الوصول إلى فرح القيامة دون عبور الصَّليب. كما يُعَلِّمنا القدِّيس إفرام السُّوري: “مَن لا يسلك مع المسيح في طريق الآلام، لا يستطيع أن يفرح معه في نور القيامة".

في هذا الأحد يحمل المؤمنون الشُّموع والسُّعُف، رمزًا للنُّصرة والحياة الجديدة، ويُعلِنون إيمانهم بالمسيح الملك والمخَلِّص. وهكذا، يَدعونا هذا العيد إلى استقبال الرَّبّ يسوع في حياتنا بصدق وليس مجرَّد ذكرى، بل دعوة للعُبور معه من الفرح إلى عمق الصَّليب، ومن الصَّليب إلى القيامة.

فلنُسرِع للقائه بإيمانٍ حَيّ وقلب متخشِّع متواضع، ولنهتف: “مُبارِك الآتي باسم الرَّبّ”، طالبين أنْ يَجعَل قلوبنا مسكنًا للثَّالوث القدُّوس.

ولنفتح له أبواب قلوبنا، فيُنَقّي أفكارنا، ويقدِّس مشاعرنا، ويحوِّل ضعفنا إلى قوَّة، لكي لا يكون دخوله إلينا عابرًا كما في أورشليم، بل إقامة دائمة تُثمر فينا سلامًا وفرحًا وخلاصًا. آمين.

مبارك الآتي باسم الرَّبّ

في عجيج الأحداث الخلاصيّة، يقترب يسوع من أورشليم. وتتأزّم في بيت عنيا مواجهتُه مع العالم، وتأخذ الأحداثُ الطريقَ إلى نهايتها. ويوضح الإنجيلُ لنا استقبالَين ليسوع في تلك اللحظات الحاسمة.

الاستقبال الأول تمّ في بيت “عنيا” حيث صنعوا له عشاءً وكان لعازر متكئاً، وارتمت مريم عند قدمي يسوع وسكبت عليه طيباً من ناريدين خالصٍ جزيلِ الثمن، ومسحت قدميه بشعرها. خلال هذا الاستقبال الرائع الذي قدّمت فيه مريم أثمن ما عندها، كان هناك طرفٌ آخر معاكساً تماماً؛ إنّه يهوذا. فقد كان سارقاً، وكان الصندوق عنده يحمل ما يلقى فيه. الاستقبال الثاني تمّ في “الغد”، على أبواب أورشليم حيث استقبله الشعب بسعف النخل هاتفين: “هوشعنا، مبارك الآتي باسم الربّ ملك إسرائيل”.

نستطيع أن نصنّف الذين استقبلوا يسوع في تلك الأحداث في ثلاثة نماذج:

في النموذج الأوّل تأتي مريم، هذه التي قدّمت في استقبال يسوع أثمن ما عندها. لا بل مسحت قدميه بشعرها، وشعرها كان مجدها. لكن محبّة مريم للمسيح جعلتها ترى في إكرامه مجدها، وفي تبديد مالها على قدميه غِناها، وفي حُسن استقباله حياتها.

في النموذج الثاني يأتي يهوذا. هذا الذي، بينما كان الآخرون يستقبلون يسوع، كان هو يريد أن يربح للصندوق أكثر، بالنسبة إليه كان تمجيد يسوع خسارةً له، وكان مجد المسيح سينافس مجده، وكان حبُّه لذاته لا يسمح له بأن يرى الربّ يسوع محبوباً. أنانيّته لا تقبل إكراماً على حساب مصلحته، لأنّ مصلحته فوق المحبّة. بكلمةٍ أخرى، كان تلميذاً يحبّ من أجل الصندوق الذي يحمله، يحبّ الآخر ليعود به إلى حبّ ذاته. فالآخر وحتى يسوع نفسه، هو فرصةٌ للاستفادة. هذا أحبّ ذاته فغدتْ حياةُ يسوع موته وموتُ يسوع حياتَه.

في النموذج الثالث يندرج الشعب، الذي يرفع المسيح في الشعانين ملكاً ليصلبه بعد أيام. هنا يصرخ هوشعنا، خلِّصْنا، وهناك ارفعْه، اصلبْه. هنا يستقبله بسعف النخيل وهناك يضربه بالقصبة. هنا يبسط ثيابه أمام حماره وهناك يقتسم ثيابه. هنا يترك الكتبة ويتبع يسوع وهناك يتبع الكتبة ويترك يسوع. هنا يخرج لاستقباله ويدخله إلى أورشليم وهناك يخرجه ليرفعه على خشبة خارج أورشليم. هذا هو مصفّ الشعب المتأرجح.

ونحن أين نصنّف موقعنا؟

غالباً ما ننضّم إلى هذا الصفّ الأخير، نتأرجح بين إيمانٍ ونكرانٍ، بين حبٍّ وبرودةٍ، مرّةً نعرف ذواتنا رسلاً وأخرى نتصرّف كأعداء. حيناً نريد أن نموت من أجله وحيناً ننكر نعمة موته من أجلنا.

وعيد الشعانين! لا بدّ أنّه أبعد من البهجة بالثياب، وأنّ فرحه لا يأتي من السعف والزهور والشموع وحسب، فهذه كلّها تعابير. لكن ما هو هذا العيد؟ وكيف نستقبل يسوع فيه؟

أحد الشعانين هو مدخلنا إلى أسبوع الآلام. إنّه اليوم الذي نقبل فيه سيّدَنا كمصلوبٍ وندخله إلى حياتنا لنشاركه آلامه. إنّه اليوم الذي نسير فيه مع الملك الآتي على درب القيامة التي رسمها هو لنمشي فيها معه، أي درب الصليب. يوم الشعانين عيدٌ نعلن فيه عن قبولنا بمثل هذا الملك الذي لم يعِدْنا بالراحة لكن بالشهادة. نقبل هذا السيّد الذي يمرّ بنا بالموت أوّلاً ومن ثمَّ يهبنا القيامة. عيد الشعانين دعوةٌ نخرج على أثرها من مصافّ الناس المتأرجحين إلى مصفّ مريم. دعوةٌ نتحوّل عند سماعها من تلاميذ يحبّون أنفسهم إلى تلاميذ يحبّون سيدهم فقط.

المسيح يأتي ويدخل لتتمّ النبوءة على لسان سمعان الصدّيق أنّه جاء لقيام وسقوط كثيرين. مجيء المسيح في عيد الشعانين لا يسمح لنا بعد أن نبقى محيّرين. جاء يسوع ليلغي النموذج الثاني وليقيم النموذج الثالث، لذلك تقول الترانيم علناً:

إنّنا نحمل صليبك (ورمزه الشعانين) ونرفعه ونقول: "مباركٌ الملك الآتي باسم الرَّبّ".  آميــن

(المرجع: سفر الكلمة- الجزء الأوَّل- للمطران بولس يازجي)