نشرة كنيستي
نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.
أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي
كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.
الأحد قبل عيد الظُّهور الإلهيّ
العدد 1
الأحد 04 كانون الثَّاني 2026
اللَّحن 5- الإيوثينا 8
أعياد الأسبوع: *4: تذكار جامع للرُّسُل السَّبعين، البارّ ثيوكتيستُس*5: بارامون عيد الظُّهور الإلهيّ، الشَّهيدَين ثيوبمتوس وثيوناس، البارَّة سنكليتيكي *6: عيد الظُّهور الإلهيّ لربِّنا ومخلِّصنا يسوع المسيح المقدَّس *7: تذكار جامع للنَّبيّ السَّابق يوحنّا المعمدان *8: البارَّة دومنيكة، البارّ جرجس الخوزيبي *9: الشَّهيد بوليفكتُس، البارّ إفستراتيوس *10: القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصُص، القدِّيس دومتيانوس أسقف مليطة.
كلمة الرّاعي
التَّجديد بالماء والرُّوح...
" المسيحُ ظهرَ مُريدًا أن يُجدِّد الخليقةَ كلَّها" (طروباريَّة تقدمة عيد الظُّهور الإلهيّ)
الحياة إمّا أن تكون تجديدًا دائمًا إمّا أن تكون مَوْتًا. الموت هو أنَّ الإنسان فقد الحركة في وجوده، ودخل في الجُمود، والجُمود رَتابة والرَّتابة انحلال وزوال... والجُمود أيضًا حركة لكن في إطار الزَّائل ومِن خلاله ولأجله. إنْ لم يتحرَّك الإنسان بالرُّوح يكون ميتًا وإنْ كان حيًّا بالجسد، فَمِقياس الحياة الحقيقيَّة هو الجِدَّة في الرُّوح وليس الحياة البيولوجيَّة. لكن، عن أي روح نتكلَّم؟!... يوجد روحان، روح الله وروح العالم أي الشِّرّير. روح العالم يحرّكنا إلى الموت، وروح الله يحرّكنا إلى الحياة الأبديَّة... على الإنسان أن يختار لينوجد في الحقّ أو في الباطل، هو يُقرِّر، لكنَّ الله منحنا كَشْفًا لِسِرِّه وتنازَل إلينا حتَّى صار أقرب إلينا مِنْ أنفسنا لكي نعرف كيف نختار ومَن نختار!...
* * *
ظهور الكلمة بالجسد، وتأنُّس ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كلِّ الدُّهور بدون أمٍّ والموْلُود من البتول في "مِلء الزَّمان" من دُون أبٍ هو الكشف الإلهيّ الكامل عن سِرِّ الله الآب والابن والرُّوح القدس... عن الإله المحبَّة والشِّرْكة والوَحدة في التَّمايُز... إنَّه سرُّ الوجود ومعناه للإنسان وفيه عبر الصُّورة الإلهيَّة الَّتي خُلق الإنسان عليها... الإنسان على صورة الله، والله حياة ثابتة وأبديَّة في حركةِ حُبٍّ لانهائيَّة دائريَّة بين الأقانيم الثَّلاثة الآب والابن والرُّوح القُدس... إنَّه شركةُ حُبٍّ بلا حدود كشفها لنا الإله المتأنِّس حين أتى ليعتَمِدَ مِن يوحنَّا في الأردنّ ويدلّنا على طريق الخلاص بالتَّوبة لتلقُّف المحبَّة الإلهيَّة الَّتي للثَّالوث القُدُّوس والَّتي مُنحتْ لنا فيه... هو أتى واعتمد لأجلنا حتَّى يُعلِّمنا أنَّه علينا أن نتمَّ "كلَّ بِرٍّ" بحركة التَّوبة مِن خلال الوِلادة بالماء والرُّوح... إذْ بواسطة يسوع انحدر الرُّوح على المياه وهتف الآب مرشِدًا البشر إلى طاعة ابنه الحبيب الَّذي هو طريق الخلاص من الخطيئة والموت، ومصدر الحياة الأبديَّة...
* * *
يا أحبَّة، "بِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوح، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ" (1 تي 3: 16). هذا هو سرُّ الكلمة وابن الإله، فهو ظهر في الجسد وشُوهِد بين النَّاس الَّذين رأوه وعاينوه ولمسوه وعاشوا معه، وهم رافَقُوه في خلال عمله الخلاصيّ وشهدوا للبِرّ في الرُّوح القُدس الَّذي حقَّقه، خاصَّةً في هذا العيد إذ اعتمد، مِن عبدٍ وهو الإله، بمعموديَّة التَّوبة لغُفران الخطايا وهو البارّ والطَّاهر والَّذي لم يعرف خطيئة، ليُرشدنا إلى طريق التَّجدُّد بالرُّوح في التَّوبة والولادة الجديدة بالماء من خلال نعمته الَّتي طهَّرتْ مياه الأردنّ وقدَّستها... والماء كرمزٍ للحياة والموت، صار بالمسيح طريقًا للعُبور بالموت عن العالم فيه والولادة في الملكوت به، ومن خلاله هو تجدَّدت الخليقة كلّها بنزوله في المياه بالجسد والرُّوح، ومن خلال صليبه وقيامته بعد صعوده، حيث صار الصَّليب رمزًا للغلبة على الموت والحِقد وتجلِّيًا للحياة بالرُّوح في إماتة العالم الَّذي فينا بصلبه عليه بطاعة وصايا الرَّبّ وتحقيقًا للمحبَّة بغلبة الأنانيَّة والكبرياء فينا عبر إعطاء الذَّات في خدمة الرَّبّ في الإنسان والخليقة... المسيح منحنا فيه القدرة والقوَّة على الغلبة، فهل مَن يتلقَّف هذه الحياة الجديدة ويطلبها غالبًا هذا العالم وأهوائه بالمحبَّة في الطَّاعة للتَّمثُّل بالابن الحبيب، لنصير فيه أيضًا أبناء الله الأحبَّاء؟!...
ومن له أذنان للسَّمع فليَسمع...
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
طروباريَّة القيامة (باللَّحن الخامس)
لِنُسَبِّحْ نحنُ المـُؤمنينَ ونسجُدْ للكلمة. المـُساوي للآبِ والرُّوح في الأزَليّةِ وعدمِ الابتداء. المـَوْلودِ مَنَ العذراء لِخلاصِنا. لأنّه سُرَّ بالجَسَدِ أن يَعلُوَ على الصَّليب. ويحتمِلَ المـَوْت. ويُنهِضَ المـَوْتى بقيامتِهِ المـَجيدة.
طروباريَّة تقدمة الظُّهور (باللَّحن الرَّابع)
استعِدِّي يا زَبُلون، وتهيَّأي يا نَفتاليم. وأنتَ يا نهرَ الأردن قِفْ وأمسِكْ عن جَريك. وتقبَّل السَّيِّد بفرحٍ آتِيًا ليعتَمِد. ويا آدم ابتهج مع الأمِّ الأولى. ولا تُخفِيا ذاتكما كما اختفيتما في الفردوس قديمًا. لأنّه لمّا نَظَرَكُما عُرْيانَيْن ظهر لكي يُلْبِسَكُما الحُلَّة الأولى. المسيحُ ظهرَ مُريدًا أن يُجدّد الخليقةَ كلَّها.
قنداق تقدمة الظُّهور (باللَّحن الرَّابع)
اليومَ حضرَ الرَّبُّ في مجاري الأردنّ، هاتفًا نحو يوحنَّا وقائلًا: لا تَجزَعْ مِن تَعميدي، لأنّي أتيتُ لأُخلِّصَ آدمَ المجبولَ أوّلًا.
الرِّسالة (2 تيمو 4: 5- 8)
خَلِّصْ يَا رَبُّ شَعْبَكَ وَبَارِكْ مِيرَاثَكَ.
إِلَيْكَ يَا رَبُّ أَصْرُخُ إِلَهِي.
يَا وَلَدِي تِيمُوثَاوُسُ، تَيَقَّظْ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَاحْتَمِلِ الـمَشَقَّاتِ، وَاعْمَلْ عَمَلَ الـمُبَشِّرِ، وَأَوْفِ خِدْمَتَكَ. أَمَّا أَنَا فَقَدْ أُرِيقَ السَّكِيبُ عَلَيَّ، وَوَقْتُ انْـحِلالِي قَدِ اقْتَرَبَ، وَقَدْ جَاهَدْتُ الجِهَادَ الحَسَن وَأَتْمَمْتُ شَوْطِي وَحَفَظْتُ الإِيمَانَ. وَإِنَّـمَا يَبْقَى مَـحْفُوظًا لِي إِكْلِيلُ العَدْلِ الَّذي يُـجْزِينِي بِهِ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ الرَّبُّ الدَّيَّانُ العَادِلُ، لا إِيَّايَ فَقَطْ بَلْ جَمِيعَ الَّذينَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُ أَيْضًا.
الإنجيل (مر 1: 1- 8)
بَدْءُ إِنْجِيلِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللهِ .كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأَنْبِيَاءِ: هَاءَنَذا مُرْسِلٌ مَلاَكِي أَمَامَ وَجْهِكَ يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ. صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ واجْعَلوا سُبُلَهُ قَويْمَةً. كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدُ فِي الْبَرِّيَّةِ وَيَكْرِزُ بِـمَعْمُودِيَّةِ التَّوبة لِغُفرانِ الْخَطَايَا. وَكانَ يَـخْرُجُ إِلَيْهِ جَمِيعُ أَهلِ بَلَدِ الْيَهُودِيَّةِ وَأُورُشَلِيمَ فَيَعْتَمِدونَ جَمِيعُهُمْ مِنْهُ فِي نَـهْرِ الأُرْدُنِّ مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ. وَكَانَ يُوحَنَّا يَلْبَسُ وَبَرَ الإِبِلِ، وَعَلَى حَقْوَيْهِ مِنْطَقَةٌ مِنْ جِلْدٍ، وَيَأْكُلُ جَرَادًا وَعَسَلاً بَرِّيًّا، وَكَانَ يَكْرِزُ قَائِلًا: إِنَّهُ يَأْتِي بَعْدِي مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنِّي، وأَنا لا أَسْتَحِقُّ أَنْ أَنْحَنِيَ وَأَحُلَّ سَيْرَ حِذَائِهِ. أَنَا عَمَّدْتُكُمْ بِالْمَاءِ، وَأَمَّا هُوَ فَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوح الْقُدُسِ.
حول الإنجيل
الفصل الإنجيليّ الَّذي تُليّ علينا اليوم هو بداية إنجيل الرَّسُول مرقس. وقد ابتدأ الإنجيليّ بهذه الأقوال الَّتي تُخبّرُ عن السَّابق وعن معموديَّة يسوع المسيح، لأنَّ المسيح بعد معموديَّتِه، ابتدأ حالًا بالكرازة الإنجيليَّة وباجتراح العجائب وبسائر أعماله. أمَّا الأنبياء الَّذين تنبَّأوا بهذه الأقوال فهُم مَلاخي وإشعيا. فالنّبيّ ملاخي تنبَّأ كما بالنِّيابة عن الله: "هاءنذا أرسل ملاكي فيُهيِّء الطَّريق أمام وجهي" (ملا 3: 1). والنَّبيّ إشعيا، فكأنَّه يُعزِّي جنس البشر، قد تنبَّأ عن سابق المسيح: "صوتُ صارخٍ في البرِّيَّة أعِدُّوا طريقَ الرَّبّ واصنعوا سُبُلَه مستقيمة" (اش 40: 3). وهذا قد شهد به السَّابق ذاته عن نفسه عندما أرسل اليهود من أورشليم كهنة ولاويّين ليسألوه مَن هو، فشهد وقال: "أنا صوتُ صارخٍ في البرِّيَّة أعِدُّوا طريق الرَّبِّ كما قال إشعيا النَّبيّ".
معموديَّة يوحنَّا وَصَفها الرَّسُول بولس جَلِيًّا. فهي كرازة بالإيمان بالمسيح وبمعموديَّة يسوع المسيح. فقد كرز يوحنَّا بالتَّوبة والرُّجوع إلى المسيح وبغفران الخطايا، الَّذي كان المؤمنون بالمسيح مُزمِعين أنْ يَنالوه بالمعمودِيَّة المسيحيَّة. كان يوحنَّا يُعَمِّد بالماء لكي يكون لهم بلاغ حِسِّيّ عن معموديَّة يسوع المسيح. بكرازته سبق فهيَّأ طريق الرَّبّ أي هيَّأ قلوب البشر ونفوسهم للإيمان بالمسيح والطَّاعة له.
أمَّا يوحنَّا فقد كان عائشًا كملاكٍ سماويٍّ. فمن الملبوسات البسيطة المصنوعة من جلود الحيوانات ومن الطَّعام البَرّيّ البسيط نستنتج أنَّه قد أمات كلَّ شهوةٍ جسدِيَّةٍ وعاش عيشةً مُقدَّسَة ملائكيَّة. لذلك رفعه الرَّبُّ يسوع على كلِّ البشر قائلًا: "الحَقَّ أقول لكم إنَّه لم يقم في مواليد النِّساء أعظم من يوحنَّا المعمدان".
يوحنَّا أعظم من نبيٍّ، متقدِّس من بطن أمِّه، ملاكٌ أرضيٌّ، كارز بالإيمان بيسوع المسيح. وقد ظنَّ اليهود أنّ يوحنَّا هو المسيح، غير أنَّه اعترف بقلبٍ نقيٍّ ومخلِص وأقَرَّ أنّه ليس هو (يو 1: 20). وواضَعَ نَفْسه ورفَّع المسيح. أنا العبد وهو السَّيِّد. اعتبر يوحنَّا نفسه غير مُستحقٍّ حتّى لهذه الخدمة الطَّبيعيَّة أن يحلّ العبد سيور حذاء سيِّده. قال ذلك لأنَّ المسيح ليس مَلِكًا أرضيًّا ولا إنسانًا قدِّيسًا بل ملك الملوك وقدُّوس القدِّيسين ومُبدع الخليقة بأسرها، القادر على كلِّ شيء.
"أمّا هو فسيعمِّدُكُم بالرُّوح القُدس": بهذه الأقوال يُعَلِّمنا السَّابق أنَّ يسوع المسيح هو الإله الحَقيقيّ، لا إنسان ولا ملاك بل الله وَحده يُعطي ويمنح الرُّوح الكُلِّيَ قدسه. أنا كإنسانٍ عمّدتكم بالماء وهيّأتكم لاقتبال تلك المعموديَّة المقدَّسَة. أمّا هو، فسيعمِّدُكُم بالرُّوح القُدس ويمنحكم نعمةً أن تصيروا أبناءً وأن ترثوا الملكوت.
له أن يزيد ولي أن أنقُص
تتردَّد عبارة «له أن يزيد ولي أن أنقص» كأنشودةٍ روحيَّةٍ عميقة في قلب التَّقليد الأرثوذكسيّ، لا بوصفها قَوْلًا أخلاقيًّا عابِرًا، بل كقانون حياة يُعيد ترتيب الوجود حَوْلَ الله. نَطَق بها القدِّيس يوحنّا المعمدان في لحظةِ صفاءٍ نادرة، حين أدرك أنَّ الأمانة للدَّعوة أسمى من التَّعلُّق بالظُّهور، وأنَّ الفرح الحقيقيّ يُولَدُ عندما يتمُّ قصد الله مِن دون نقصان.
في هذه الكلمات تختصر الكنيسة طريق الخلاص. «له أن يزيد» ليست مجرَّد رغبة عاطفيَّة، بل مسيرة نموّ داخليّ متواصل، فيها يتّسع القلب لسُكنى النِّعْمَة، وتتهذَّب الأفكار، وتتشكَّل الإرادة على مثال إرادة الله، فيصير المسيح محور الفكر والحياة، وميزان القرارات، ونور الضَّمير. إنَّها زيادة في المحبَّة، والحَقّ، والحرِّيَّة الدَّاخليَّة، حيث يتعلَّم الإنسان أنْ يحيا لا لذاته بل لله.
أمَّا «ولي أن أنقص» فليست إلغاءً للذَّات أو احتقارًا لها، بل تنقيةً شافية، فيها ينحسر الإنسان العتيق بكلِّ كبريائه وأنانيَّته، ليولد الإنسان الجديد المتجدِّد على صورة خالقه. هو نقصان الأهواء لا القيمة، وصَمْتُ الأنا لا خُمود الرُّوح، وموت الخطيئة لا انطفاء الحياة. في هذا النُّقصان يتجلَّى الاتِّضاع كقوَّةٍ، والطَّاعة كحرِّيَّة، والبذل كامتلاء.
في الرُّوح الأرثوذكسيَّة، هذا الطَّريق ليس صراعًا قاسيًا، بل فعل حبٍّ وتسليم حرّ. بالصَّلاة القلبيَّة، والصَّوْم الواعي، والتَّوبة الصَّادقة، والاعتراف، والمشاركة الحَيَّة في الأسرار المقدَّسَة، يدخل المؤمن إلى خبرة الاتِّضاع كحياةٍ مُعاشة، لا كفكرةٍ نظريَّة. عندئذٍ تتحوَّل الخدمة إلى فرح، والعمل الخَفِيّ إلى عبادة، ويغدو الصَّمْت لغة تمجيد أبْلَغَ من الكلام. وقد بلغ يوحنَّا المعمدان ذروة العظمة حين اختار أنْ يَتوَارى. فهو، بشهادةِ الرَّبّ، أعظم مواليد النِّساء، ومع ذلك لم يتشبَّث بمكانته، بل فَرِحَ بظهور مَن هو أعظم منه، وشَهِدَ على الملأ أنَّ يسوع المسيح ليس واحدًا بين العظماء، بل مقياس العظمة ذاتها: ليس صَوْتًا يُشير إلى النُّور، بل النُّور نفسه؛ ليس شاهدًا للحَقِّ، بل الحَقّ المتجسّد. عند هذا الحَدّ يصْمُتُ الصَّوْت لأنَّ الكلمة قد تكلَّمَ، وينقص الخادم لأنَّ الرَّبَّ قد حضر، ويكتمل الفرح لأنَّ الخلاص قد أُعلِنَ، وتتجدَّدُ الخليقةُ بأَسْرِها لمّا حان ملءُ الزَّمان.