نشرة كنيستي
نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.
أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي
كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.
الأحد (3) بعد الفصح (المخلَّع)
العدد 18
الأحد 03 أيَّار 2026
اللَّحن 3- الإيوثينا 5
أعياد الأسبوع: *3: الشَّهيدان تيموثاوس ومافرا *4: الشَّهيدة بيلاجيا، البارّ إيلاريوس العجائبيّ *5: الشَّهيدة إيريني، الشَّهيد أفرام الجديد *6: اِنتصاف الخمسين، الصِّدِّيق أيُّوب الكثير الجهاد، القدِّيس العظيم في الشُّهداء جاورجيوس اللَّابس الظَّفر *7: تذكار علامة الصَّليب الَّتي ظهرت في أورشليم *8: القدِّيس يوحنَّا اللَّاهوتيّ الإنجيليّ، القدِّيس أرسانيوس الكبير *9: النَّبيّ أشعياء، الشَّهيد خريستوفورس.
كلمة الرّاعي
ماء الحياة
”في انتصافِ العيدِ اسِقِ نفسي العَطشى، من مياهِ العِبادَةِ الحسَنةِ أيُّها المُخَلِّص. لأنَّكَ هَتَفتَ نحو الكلِّ قائلًا مَنْ كان عطشانًّا فليأِت إلَّيَّ ويَشرَب. فيا يَنْبوعَ الحياةِ أيُّها المسيحُ الإلهُ المجدُ لك“ (طروبارية نصف الخمسين)
في عيد المَظالّ، كان اليهود يتركون بيوتَهم ويُقيمون في مَظالٍّ مؤقَّتة، لمُدَّةِ أسبوع، ليتذكَّروا أنَّهم غُرَباء ونُزَلاء في هذا العالم. كانوا يُحضرون ماءً مِن بركة سِلوام، في إناءٍ ذهبيّ، ويسكبه رئيس الكهنة أمام الشَّعب ليَدعو العَطشـى أنْ يقتربوا ويشربوا. كان ذلك إشارةً إلى الصَّخرة الَّتي كانت تَفيض ماءً للشَّعب في البَرِّيَّة. هذا كانوا يصنعونه خلال الأيَّام السَّبْعة الأولى للعيد، أمَّا في اليوم الثَّامِن، فلَمْ يَكُن رئيس الكهنة يُحـضِـر ماءً مِن البِرْكَة إشارةً إلى أنَّ الشَّعبَ صارَ يشرب من ينابيعِ كنعان وليس من مياهِ البَرِّيَّة.
في مِثلِ هذا اليوم، بالذَّات، وقَفَ الرَّبُّ يسوعُ المسيح، رئيسُ الكهنة الأعظم، ليكشف ذاته أنّه ينبوع المياه الَّذي يفيض بالماء الحَيّ في أعماقِ نفوسِ المُؤمنين، سائلًا إيَّاهم أنْ يشربوا بفَرحٍ مِن آبَارِ الخَلاص (راجع: إش ٣:١٢؛ زك ٨:١٤؛ يوئيل ٢٨:٢-٣٢).
* * *
تعَيِّدُ الكنيسة المُقَدَّسة في يوم الأربعاء من سُبَّة المُخَلَّع انتصافِ الخمسين، حيث يُعْلِن يسوع عن نفسه أنَّه ينبوع الماء الحَيّ: ”إنْ عَطِشَ أحدٌ فليُقبِل إلَيَّ ويَشرب. مَن آمَنَ بي، كما قال الكتاب، تَجري مِنْ بَطْنِه أنهارُ ماءٍ حَيّ“ (يوحنَّا 7: 37—38). هذا كان إعلانًا استباقيًّا عن العنصرة المُزمعة أن تصير بعد صعود الرَّبِّ إلى السَّماوات وفي اليوم الخمسين لقيامته من بين الأموات.
غاية التَّدبير الإلهيّ هي انسكابُ روح الرَّبِّ على المؤمنين به، لأنّه بدونه لا يستطيع أحد أن يُقبِل إلى يسوع ويعرفه ويتّحد به ويقتني صفاته الإلهيَّة. من لا يسكن فيه روح الرَّبّ يبقى في مواتِيَّتِهِ ولا يختبر سرَّ الحياة الجديدة في المسيح الغالب الموت والجالس عن يمين العظمة في الأعالي.
تجسَّد الرَّبُّ وأتمّ كلّ شيء لِنَصيرَ واحِدًا معه، لتسكن حياته فينا برُوحِهِ القدُّوس. هذا ليس كلامًا مجرَّدًا إنَّه جوهر إيماننا الَّذي بدونه لا معنى لأيِّ جهادٍ روحيٍّ نقوم به في سَعْيِنَا لطاعَةِ الكلمة الإلهيَّة. نحن لا نَعيشُ لأجل الثَّواب أو هَرَبًا من العِقاب، بل نَحيا مع الله وله لِنَصيرَ فيه وهو فينا لِنَكونَ واحِدًا معه... فتَفيض حياته من خلالنا في العالم.
* * *
أيُّها الأحبَّاء، الإنسانُ في شقاءٍ ما لم يقتني روح الرَّبّ حياةً له. من أين يأتي الفرح والرِّضا والسَّلام والحنان إلَّا مِن الله المحبَّة الَّذي يُعطينا ذاته في ابنه بروحه القدُّوس متى آمَنَّا به مَلكًا وإلهًا وسيِّدًا لحياتنا، أي متى أسلمناه مشيئتنا بالكُلِّيَّة.
لا يستطيع الإنسان أن يكون للمسيح ما لم يُحِبّ بالمحبَّةِ الَّتي أوصانا بها الرَّبّ. البشـر، بعامَّةٍ، كلٌّ منهم يطلب من الآخَر محبَّةً واحترامًا وطاعة ولا يطلب من ذاته أن يصنع كذلك مع الآخَر عملًا بالوَصيَّة الإنجيليَّة القائلة: ”فَكُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ“ (متّى 7: 12).
ما مَعنى قيامة الرَّبّ وإيماننا بهذه القيامة ما لم نتغيَّر، ما لم نتحرَّر من كلِّ حقدٍ وكُرهٍ وغضبيَّة تستعبدنا، ما لم تتنقّى قلوبنا من كلّ أوساخ خطايانا؟!... كلام الرَّبّ يسوع هو الماء الحَيّ الَّذي يغسلنا ويُنَقِّينا ويُطَهِّرنا. كلام الرَّبِّ روحٌ هو لا يقتله حرف، للَّذين يؤمنون به، إنَّه نبعُ حياةٍ أبديَّة يفيض في الكيان ويُجدِّدُ الوجود ويَشفي كلّ سُقمٍ ومرضٍ وضعف: ”وَمَا شَفَاهُمْ نَبْتٌ وَلاَ مَرْهَمٌ، بَلْ كَلِمَتُكَ، يَا رَبُّ، الَّتِي تَشْفِي الْجَمِيعَ“ (حكمة 16: 12).
في انتصاف الخمسين نتشوَّق لانسكاب روح الرَّبّ علينا في العنصرة، ونتحـضَّـر بالارتواء من ماء الكلمة الإلهيَّة الحَيّ الَّذي يُطَهِّر ضمائرنا ونوايانا ويغسل قلوبنا من كلِّ دَنَس الخطيئة ويَروي عطشنا إلى الحُبِّ والفرح والسَّلام.
لِنَعُد إلى الرَّبّ بكلِّ جوارحنا، ولنطلبه من أعماق كياننا، ولتكن كلمته نِبراسًا يُهدي سبيلنا في معرفتنا لذَواتِنا وفي علاقاتنا بالآخَرين وفي طاعتنا لله.
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع...
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما
طروباريَّة القيامة (باللَّحن الثَّالث)
لِتفرحِ السَّماوِيَّات. ولتَبتَهِجِ الأرضِيَّات. لأنَّ الرَّبَّ صنعَ عِزًّا بساعِدهِ. ووَطِئَ المَوْتَ بالمَوْت. وصارَ بِكرَ الأموات. وأنقذَنا من جَوفِ الجحيم. ومَنَحَ العالمَ الرَّحمةَ العُظمى.
قنداق الفصح (باللَّحن الثَّامن)
وَلَئِنْ كُنْتَ نَزَلْتَ إلى قبرٍ يا مَن لا يموت، إِلَّا أَنَّكَ دَرَسْتَ قُوَّةَ الجحيم، وقُمْتَ غالِبًا أَيُّها المسيحُ الإله، وللنِّسوَةِ حامِلاتِ الطِّيبِ قُلْتَ افْرَحْنَ، ولِرُسُلِكَ وَهَبْتَ السَّلام، يا مانِحَ الواقِعِينَ القِيَام.
الرِّسالة (أع 9: 32- 42)
رتِّلُوا لإِلهِنا رتِّلُوا
يا جميعَ الأُممِ صَفِّقُوا بالأيادِي.
في تلكَ الأيَّامِ، فيما كانَ بُطُرسُ يَطوفُ في جَميع الأماكِنِ، نَزَل أيضًا إلى القدِّيسينَ السَّاكِنينَ في لُدَّة، فوَجَدَ هناكَ إنسانًا اسمُهُ أَيْنِيَاسُ مُضَطجِعًا على سريرٍ مِنذُ ثماني سِنينَ وهُوَ مُخلَّع. فقالَ لهُ بطرُسُ: يا أينِياسُ يَشفِيكَ يسوعُ المسيحُ. قُمْ وافتَرِشْ لنفسِك. فقام لِلوقت. ورآه جميعُ السَّاكِنين في لُدَّةَ وسارُونَ فَرَجَعوا إلى الرَّبّ. وكانت في يافا تِلميذَةٌ اسمُها طابيِتَا الَّذي تفسيرُهُ ظَبْيَة. وكانت هذه مُمتَلِئةً أعمالاً صَالحةً وصَدَقاتٍ كانت تعمَلُها. فحدَثَ في تِلكَ الأيّامِ أنَّها مَرِضَتْ وماتَتْ. فَغَسَلُوها ووضَعُوها في عُلِّيَّة. وإذ كانت لُدَّةُ بقُربِ يافا، وسَمعَ التَّلاميذ َ أنَّ بطرُسَ فيها، أَرسَلُوا إليهِ رَجُلَيْن يسألانِهِ أنْ لا يُبطِئَ في القُدُومِ إليهم. فقام بطرُسُ وأتى مَعَهُمَا. فَلمَّا وَصَلَ صَعدوا بهِ إلى العُلِّيَّة. ووقَفت لديِه جميعُ الأرامِلِ يَبْكِينَ ويُرِينَهُ أَقْمِطَةً وثِيابًا كانت تَصنَعُها ظَبيَةُ معَهنَّ. فأخرَجَ بُطرُسُ الجميعَ خارِجًا، وجَثَا على رُكبَتَيْهِ وصَلَّى. ثمَّ التَفَتَ إلى الجَسَدِ وقالَ: يا طابيتا قُومي. فَفَتَحَتْ عَيْنَيْهَا. ولـمَّا أَبْصَرَتْ بُطرُسَ جَلَسَتْ، فناوَلَهَا يَدَهُ وأنهضَها. ثم دعا القدِّيسيِنَ والأرامِلَ وأقامَها لَديهم حيَّةً. فشاعَ هذا الخبرُ في يافا كلِّها. فآمَنَ كَثيرون بالرَّبّ.
الإنجيل (يو 5: 1- 15)
في ذلك الزَّمان، صَعِدَ يسوعُ إلى أورشليم. وإنَّ في أورشليمَ عند باب الغَنَمِ بِرْكَةً تُسَمَّى بالعبرانيّة بيتَ حِسْدَا لها خمسةُ أَرْوِقَة، كان مُضطجعًا فيها جمهورٌ كثيرٌ من المرضى من عُمْيَانٍ وعُرْجٍ ويابِسِي الأعضاء ينتظرون تحريكَ الماء، لأنَّ ملاكًا كان يَنْزِلُ أَحيانًا في البِرْكَةِ ويحرِّكُ الماء، والَّذي كان ينزِلُ أوَّلاً من بعد تحريك الماء كان يَبْرَأُ من أَيِّ مرضٍ اعتَرَاه. وكان هناك إنسانٌ به مرض منذ ثمانٍ وثلاثين سنة. هذا، إذ رآه يسوع مُلقًى وعلم أنَّ له زمانًا كثيرًا، قال له: أتريد أن تبرأ؟ فأجابه المريض: يا سيِّدُ ليس لي إنسانٌ متى حُرِّك الماء يُلقِيني في البركة، بل بينما أكون آتِيًا ينزلُ قَبْلِي آخَر. فقال له يسوع: قُمِ احْمِلْ سريرَك وامْشِ. فللوقت بَرِئَ الرَجُلُ وحمل سريرَه ومشى. وكان في ذلك اليوم سبتٌ. فقال اليهودُ للَّذي شُفِيَ: إنَّه سبتٌ، فلا يحِلُّ لكَ أن تحملَ السَّرير. فأجابهم: إنّ الَّذي أَبْرَأَنِي هو قال لي: احْمِلْ سريرَك وامشِ. فسألوه: من هو الإنسان الَّذي قال لكَ احملْ سريرَك وامشِ؟ أمّا الَّذي شُفِيَ فلم يكن يعلم مَن هو، لأنَّ يسوعَ اعتزل إذ كان في الموضع جمعٌ. وبعد ذلك وَجَدَهُ يسوعُ في الهيكل فقال له: هاُإنَّكَ قد عُوفِيتَ فلا تَعُدْ تُخْطِئ لِئَلَّا يُصِيبَكَ شرٌّ أعظم. فذهب ذلك الإنسانُ وأخبرَ اليهودَ أَنَّ يسوعَ هو الَّذي أَبْرَأَهُ.
حول الإنجيل
في هذا المقطع الإنجيليّ من يوحنَّا، نرى الرَّبَّ يسوع في أورشليم عند باب الضَّأن، باب في سور أورشليم وبجانبه الحظيرة الَّتي كانوا يأتون منها بالخراف لتقديمها ذبائح في الهيكل تكفيرًا عن الخطايا، وهناك بركة يُقال لها بالعبرانيَّة «بيت حسدا» أي الرَّحمة الإلهيَّة ولها خمسة أرْوِقَة حيث جلس المخلَّع ينتظر مَن يَرميه في الماء "لأَنَّ مَلاَكًا كَانَ يَنْزِلُ أَحْيَانًا فِي الْبِرْكَةِ وَيُحَرِّكُ الْمَاءَ. فَمَنْ نَزَلَ أَوَّلًا بَعْدَ تَحْرِيكِ الْمَاءِ كَانَ يَبْرَأُ مِنْ أَيِّ مَرَضٍ اعْتَرَاهُ." (يو 5: 4) فالملاك الَّذي يحرِّك الماء هو إشارة للمسيح الَّذي أتى ليُرسل الرُّوح القُدس (المرموز لعمله بحركة المياه) فيقدِّم الشِّفاء لأمراضٍ مَيؤوس منها. يقول القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم أنَّ هذا سابق تصوير للمعموديَّة.
اِنتَقى الرَّبُّ يسوع هذا المخلَّع منذ 38 سنة بين جميع المرضى الموجودين عند البركة وذلك ليكشف لاهوته... فيبادر نحوه بالسُّؤال: "أتريد أن تبرأ؟"، الرَّبُّ يحترم إرادة الإنسان وهو لا يقتحمها، فنحن مخلوقين على صورته في حرِّيَّة الإرادة. والأهمّ في هذا السُّؤال هو قبول الإنسان لشفائه من الخطيئة. بحيث يكون أتريد أن تترك خطيئتك؟ وعند تمام الأعجوبة يذكِّره بذلك "لا تَعود تُخطئ أيضًا" فسبب المرض الأساسيّ هو الخطيئة. ولأنَّ الخاطئ دائمًا يبرِّر نفسه، أجاب المخلَّع بأنْ "ليس له إنسان"، فقد أسقَط الموضوع على الآخَرين. كأنَّه يقول المشكلة ليست فِيَّ بل في الآخَرين بينما أنا آتٍ ينزل قُدَّامي آخَر أي الآخَرين يأخذون فرصتي في الشِّفاء. وهنا ظهرتْ محبَّة الرَّبّ الكبيرة للبشر إذ قال له قُمْ لوَحدك دون مساعدة أحد واِحمل سريرَكَ وامشِ... فهذا الفعل "قُم" هو من القيامة أي أنَّ الرَّبَّ يسوع نقله إلى الحياة الجديدة بقوَّة أمره الإلهيّ، فشِفائه كان قيامته الشَّخصيَّة.
وكعادة اليهود يُركِّزون على السَّبت وفي كلِّ مرَّةٍ يُظهِر لهم الرَّبُّ أعاجيبَه في يوم السَّبت، لِيُثبت لهم أنَّ الرَّاحة الحقيقيَّة هي خلاص الإنسان وهو لهذا أتى ... والغريب هنا أنَّ الرَّبَّ يسوع بعد أنْ وجد المخلَّع في الهيكل قال له: "هَا أَنْتَ قَدْ بَرِئْتَ، فَلاَ تُخْطِئْ أَيْضًا، لِئَلَّا يَكُونَ لَكَ أَشَرُّ". إذْ بِحَسَبِ التَّقليد هذا المخلَّع هو أوَّل مَن سيَلطُم الرَّبَّ أمام قيافا عشيَّة آلامه وبذلك يفضح أمَّة اليهود الَّتي رفضتْ المسيح ورفضتْ عمله الخلاصِيّ وفضَّلتْ الظُّلمة والمرض والموت على النُّور والحياة والقيامة...
حُرِّيَّة الخلاص
الحرِّيَّة هي أُنشودةُ الإنسانيَّةِ منذ كانتِ الإنسانيَّة، وما تزال. ومن أجل الظَّفرِ بها لطالما رُفعتْ شعاراتٌ ورايات، وأُطلقت تحرّكاتٌ ونضالات، ولطالما أُشعِلَت ثورات؛ وصفحاتُ التَّاريخ البشريّ، على مَرِّ العُصور واختلاف الحِقَب، شاهدةٌ. ذلك بأنَّها (أي الحرِّيَّة) كانت، وما تزال، عشقَ المأسورين وعطشَهم، إلى أن يُفَكَّ أَسرُهم. إنَّها كانت، وما تزال، عشقَ الشُّعوب المستعبَدة وعطشَها، إلى أن يُرفَعَ عنها نيرُ العبوديَّة. كانت، وما تزال مُشتَهى العبيدِ الأَرِقَّاءِ الَّذين يُباعُون في أسواق النِّخاسةِ ويُشرَون، إلى أن تَلينَ قلوبُ أسيادهم (إذا لانَت).
هؤلاءِ كلُّهم، (وكثيرون غيرهم)، على اختلافِ أحوالهم، كانوا، وما زالوا، يشترُون حرِّيَّاتهم بأثمانٍ باهظة، وغالبًا ما يكون الثَّمَن دماءً مُهراقة. هذا هو تاريخُ البشريَّة منذ قايينَ وهابيلَ إلى اليوم، وهو نتيجةُ العصيانِ المصِيريّ الَّذي ارتكبه الجَدّان الأوَّلان لمّا أَشاحا بوجهَيهِما عن اللهِ الخالقِ، ضاربَين عَرضَ الحائط بالحرِّيَّة الإلهيَّة المَلَكيَّة الَّتي خَلَقَهما عليها بِمَعِيَّته – وبها سَيَّدَهما على الخليقة كلِّها – وأَذعنا، بحماقتِهما، لخديعة إبليس، فكانت النَّتيجةُ المعروفةُ، أي كانتِ العبوديّةُ للخطيئة وكان الموت. وفي هذا المَسارِ كلِّه كثيرًا ما كانت قراءةُ الحرِّيَّة ومُقاربتُها تختلفان باختلاف الشُّعوب وطبائِعها، كما وباختلاف ظروفها وأَحوالها، ما جعلَها (أي الحرِّيَّة)، بين سائر المصطلحات الفلسفيَّة الوجوديَّة، المصطَلَحَ الأكثرَ الْتِباسًا، لِكَوْنِه حَمّالًا لأوجُهٍ عديدة، وتاليًا لقراءاتٍ عديدة.
أمَّا نحن، المسيحيّين، فعندنا قراءةٌ للحرِّيَّة واحدةٌ، لا تَرقى إليها أيّةُ قراءةٍ أُخرى، هي حُرِّيَّة أبناءِ الله، وهي الَّتي يُوصِّفها لنا الرَّسول بولس في رسالته إلى أهل رومية حيث يقول: "... إنَّ الخليقةَ تنتظر، بفارغ الصَّبر، تجلّيَ أبناءِ الله. فقد أُخضِعَت للباطل، لا طَوعًا منها، بل بسلطانِ الَّذي أَخضَعَها. ومع ذلك، لم تقطعِ الرّجاء، لأنَّها، هي أيضًا، ستُحَرَّرُ من عبوديَّة الفساد لتُشارِكَ أبناءَ الله في حرِّيَّتهم ومَجْدِهم". (رو 19:8¬21). هذه هي حُرِّيّتنا الحقيقيّةَ، وهي، تحديدًا، الَّتي نُنشِدُها في هذا الزَّمن الفصحيّ المبارَك، وقد ظَفَّرَنا بها ربُّنا يسوعُ المسيح بموتِه على الصَّليب وقيامتِه، على رجاءِ أن تكون لنا فصحًا أبديًّا. هذه هي حرِّيَّة الخلاص الَّتي ظَفَّرَنا بها ربُّنا يسوعُ المسيحُ الَّذي، كما يقول بولس، "لمّا كُنّا ضُعفاءَ، ماتَ هو، في الوقت المحدَّد، من أجل قَوْمٍ كافرين... وفي حين لا يكادُ أحدٌ يموتُ من أجلِ امرِئٍ بارٍّ مات هو من أجلنا إذ كُنّا خَطَأة" (رو 6:5¬8). وهذه الحرِّيَّة لم نتعب نحن في سبيل الفوز بها، لم نشترِها نحن، بلِ اشتراها لنا، وعنَّا، ربُّنا يسوعُ المسيح مدفوعًا بحُبِّه الجنونيّ، على حَدِّ تعبير القدِّيس نقولا كاباسيلاس؛ ولذا، نُرتّلُ في ختام خدمة أناجيل الآلام: "اشتريتَنا من لعنة النَّاموس بدمِكَ الكريم لمَّا سُمِّرتَ على الصَّليب...". هذه الحرِّيَّة هي، وحدَها، الحقيقيَّةُ، لكونها نَبَعَتْ من جنب المصلوب دمًا للحياة وماءً، وقد أَنعم بها علينا مجَّانًا، بينما الحُرِّيَّاتْ الأخرى البشريَّة زائفةٌ، لأنَّ الشُّعوب الغالبةَ تتصدَّق بها على الأخرى المغلوبة تَصَدُّقًا، إذ تُقَدِّمها لها على طبقٍ من المِنَّة، وتسجِّلها عليها دَينًا، بانتظار أن تُسدِّدَه يومَ تصفية الحسابات على موائد احتساب المصالح وتقاسُمها.
هذه هي حرِّيَّة الخلاص، حرِّيَّتنا الحقيقيَّة. وهي حرِّيَّتنا في المسيح الَّذي بالاستقلال عنه لا حرِّيَّةَ، بل أوهامُ حرِّيَّة، أو عبوديَّةٌ مُقنَّعة. هذه هي الحرِّيَّة الفردوسيَّة الَّتي فقدناها بالخطيئة واستعدناها في جرن المعموديَّة لمَّا أُخرِجنا منه أحرارًا مُعتَقين من عبوديَّة إبليس، ولبسنا المسيح الَّذي به وحدَه "عَرفنا الحَقَّ الَّذي يحرُّرنا" (يو 32:8).
غيرَ أَنَّ ما يجب علينا الانتباهُ إليه أنَّ هذه الحرِّيَّة ليست مُعطًى نحصُل عليه لننام على وسادته الوثيرة ونستريح؛ لا، بل هي جهادُ العمر، نستحقِّها فيه، يومًا فيومًا، بنِضَالٍ مَوصُول لا تَهاوُنَ فيه، بموتنا اليوميّ عن الخطيئة، إلى أن يستردَّنا الله إليه ويمنحَنا، بغِنى رحمته، قيامةً تكون لنا حرِّيَّةً فردوسيَّةً أبديَّة.