نشرة كنيستي
نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.
أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي
كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.
الأحد (21) بعد العنصرة
العدد 44
الأحد 02 تشرين الثَّاني 2025
اللَّحن 4- الإيوثينا 10
أعياد الأسبوع: *2: الشُّهداء أكينذينوس ورفقته *3: الشَّهيد أكبسيماس ورفقته، تجديد هيكل القدِّيس جاورجيوس في اللّد *4: القدِّيس إيوانيكيوس الكبير، الشَّهيدين نيكاندرس أسقف ميرا وإرميوس الكاهن *5: الشَّهيدين غالكيتون وزوجته إبيستيمي، القدِّيس إرماس ورفقته *6: القدِّيس بولس المعترف رئيس أساقفة القسطنطينيَّة *7: الشُّهداء الـ 33 المستشهدين في ملطية، القدِّيس لعازر العجائبيّ *8: عيد جامع لرئيسَيْ الملائكة ميخائيل وجبرائيل (غفرئيل) وسائر الطَّغمات العادمي الأجساد.
كلمة الرّاعي
عيد رئيسَيْ الملائكة ميخائيل وجبرائيل: خدَّام الله النَّاريُّون ومُرافِقو طريق الخلاص
"الصَّانع ملائكته أرواحًا، وخُدَّامَه نارًا تلتهب" (مز 103: 4).
في الثَّامن من تشرين الثَّاني، تحتفل الكنيسة المقدَّسة بعيد رئيسَيْ الملائكة ميخائيل وجبرائيل وجميع القوَّات السَّماويَّة غير المتجسِّدة. هذا العيد هو تذكار للجنود الرُّوحيِّين الَّذين، وإنْ لم تراهم أعيننا، فهم حاضرين دائمًا في حياة الكنيسة والمؤمنين، مُكَلَّفين بخدمة إرادة الله ومرافقة الإنسان في مسيرته نحو الخلاص. فمَن هم الملائكة؟!...
الملائكة هُم أرواح نَقِيَّة غير جسديَّة أو لاهَيوليَّة أي لا مادِّيَّة، خُلقَتْ من الله قبل خلق الإنسان، بهدف تسبيحه، تنفيذ إرادته، وخدمة مشروع الخلاص الإلهيّ. يقول عنهم الكتاب المقدَّس: "الصَّانع ملائكته أرواحًا، وخدَّامه نارًا تلتهب" (مز 103: 4). أي أنَّ طبيعتهم روحانيَّة ناريَّة، سريعة الطَّاعة، وقادرة على تنفيذ أوامر الله دون تردُّد. وقد أكَّد القدِّيس يوحنَّا الدِّمشقيّ في كتابه "الإيمان الأرثوذكسيّ" بأنَّ "الملائكة مخلوقات عقليَّة، غير جسديَّة، خالدة، خُلِقَتْ قبل العالم المنظور، تخدم الله وتساعد البشر في الوصول إلى الخلاص".
الكتاب المقدَّس، بعهدَيْه القديم والجديد، غنيّ بالإشارات إلى الملائكة، الَّذين هم كائناتٌ حقيقيَّة، شخصيَّة، فاعلة، ومرافقة لشعب الله عبر القرون. هم خدَّام الله وطائعوه الكاملون، "باركوا الرَّبَّ يا جميع ملائكته المقتدرين بقوَّةٍ، العامِلين بكلمته عند سماع صوت كلامه" (مز 103: 20). يخضع الملائكة تمامًا لإرادة الله ويُظهرهم الوَحي كمثال للطَّاعة الكاملة. وهم يسبِّحون الله ليل نهار كما نقرأ في رؤيا يوحنَّا: "وجميع الملائكة كانوا واقفين حول العرش... وسجدوا أمام العرش على وجوههم وسجدوا لله" (رؤ 7:11). كما أنَّهم خُدَّام اللِّيتورجيا السَّماويَّة، ويسبِّحون الله باستمرار، تمامًا كما نفعل نحن في عبادتنا الأرضيَّة. أيضًا، هم رسل إرادة الله، فقد ظهر ملاك الرَّبِّ لإبراهيم (تك 22: 11)، ويعقوب رأى الملائكة صاعدين ونازلين (تك 28: 12)، وجبرائيل بشَّر الفتاة البتول مريم بتجسُّد المسيح (لو 1:26–38). وهم حماة ومرافقو المؤمنين، "لأنَّه يُوصي ملائكته بك لكي يحفظوك في كلِّ طُرُقِك" (مز 91: 11)، كما أنَّ لكلِّ مؤمنٍ ملاك حارس، يرافقه ويحفظه، كما أكَّد الرَّبُّ يسوع نفسه: "ملائكتهم في السَّماوات ينظرون وجه أبي" (مت 18:10). هم كذلك شركاء في الدَّينونة الآتية كما يقول الكتاب: "سوف يأتي ابن الإنسان في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يُجازي كلّ واحدٍ حسب أعماله" (مت 16: 27). وفي نهاية الدَّهر، يجمع الملائكة مختاري الله من المشارق إلى المغارب (مت 13: 41).
* * *
اعتمدت الكنيسة الأرثوذكسيَّة التَّعليم التَّقليديّ حول رتب الملائكة من خلال كتابات القدِّيس ديونيسيوس الأريوباغي في عمله "المراتب السَّماويَّة"، حيث صنَّف الملائكة في تسع رتب ضمن ثلاث مراتب رئيسيَّة: (أ) المرتبة الأولى (الأقرب إلى الله): 1. السِّيرافيم – ملتهبون بمحبَّة الله (إش 6:2–3)، 2. الشِّيروبيم – الممتلئون معرفة (تك 3:24)، 3. العروش – حاملو عرش الله ومجده؛ (ب) المرتبة الثَّانية (وسطى): 4. السَّلاطين – منظِّمو النِّظام الكَوْنيّ، 5. القوَّات – منفِّذو العجائب والقوَّات، 6. القدرات – متسلِّطون على قوى الشَّرّ وتنفيذ مشيئة الله؛ (ج) المرتبة الثَّالثة (الأقرب إلى الإنسان): 7. الرِّئاسات – قادة الملائكة في المهام الرُّوحيَّة، 8. رؤساء الملائكة – مثل ميخائيل وجبرائيل، الموكَّلين بشؤون الشُّعوب و 9. الملائكة – الأقرب إلينا، ومن بينهم ملائكتنا الحارسون. وفي هذا الخصوص قال ديونيسيوس الأريوباغي: "التَّراتبيَّة السَّماويَّة هي مشاركة منتظمة في نور الله، وهي تنقل النُّور الإلهيّ من الأعلى إلى الأدنى، حتّى يصل إلى الإنسان". فالملائكة هم حاملو نور معرفة الله إلى الخليقة، وهذه المعرفة تنتقل من الرُّتب الأعلى إلى الأدنى فالبشر.
أمّا بالنِّسبة لرئيسَي الملائكة ميخائيل وجبرائيل فهما رسولا الله الأقوياء. ميخائيل، واسمه يعني "من مثل الله؟"، هو قائد الجند السَّماويّ الَّذي حارب التِّنّين قديمًا أي الشَّيطان وزبانيَّته وطردهم من السَّماء (رؤ 12:7)، ووقف حاميًا لشعب الله (دا 12:1). أمّا جبرائيل، واسمه يعني "قوَّة أو جبروت الله"، فهو حامل البشائر العظيمة: بشَّر زكريّا بولادة يوحنّا، ومريم العذراء بولادة يسوع (لو 1). هما مثال للطَّاعة والغيرة الإلهيَّة، يُطيعان مشيئة الله دون تردُّد أو تَهاون. من هنا، فالملائكة في حياة الكنيسة والمؤمنين ليسوا مجرَّد رموز بل هم كائناتٍ حَيَّة حقيقيَّة لها حضورٌ فعَّال في الكنيسة. نراهم ممثّلين في أيقونات الهيكل، ونذكرهم في كلِّ خدمة ليتورجيَّة، فهم شركاؤنا في التَّسبيح، يحرسون المؤمنين ويعضدونهم في الجهاد الرُّوحيّ، ويرافقون الأرواح إلى الرَّاحة الأبديَّة بعد الموت كما يفرحون بتوبة الخاطئ (لو 15:10). إنَّهم يشاركون في حياة الكنيسة الأسراريَّة (sacramentelle)، حيث نقول في القدَّاس الإلهيّ: "مترنِّمين وصارخين، وقائلين...". ويؤكِّد القدِّيس باسيليوس الكبير بأنَّ "لكلِّ مؤمنٍ ملاك حارس يُرشد نفسه، ويحفظه من كلِّ شرّ، ما دام لا يبعده بخطاياه". فالملائكة ترافقنا وترشدنا وتنَبِّهنا بالرُّوح في القلب والضَّمير، لكنَّها تنكفئ إذا ما أبعدناها بعصياننا...
* * *
يا أحبَّة، نحن نُعَيِّد في الثَّامن من تشرين الثَّاني من كلِّ عام لكلّ الملائكة، وهذا ليس مجرَّد عيدٌ تَقَوِيّ، بل هو إعلان إيمانٍ بأنَّ الكنيسة تمتدُّ إلى السَّماء، وأنَّنا في شركة مع القوَّات غير المتجسِّدة، وتاليًا نرفض تعليم الَّذين ينكرون وجودهم. فالملائكة لا يغيبون عنَّا، بل يشتركون معنا في ليتورجيَّتنا وصلواتنا المختلفة، ويحملون أدعيتنا وتسابيحنا إلى فوق، ويقودوننا نحو وجه الله. إنَّهم شهود على خلاصنا، ومرافقو دربنا، وخدام الله الَّذين يسهرون على كنيسته. نحن مدعوُّون أن نتعلَّم منهم الطَّاعة والتَّسبيح لله، وأن نكون رسلًا حاملين كلمة الرَّبّ إلى العالم كما يحملون هم كلمته إلينا. علينا أن نتعلَّم منهم الطَّهارة والاستقامة الكلِّيَّة حتَّى نصير مملوئين من نور الشَّمس العقليَّة بالنِّعْمَة فنعكسه على عالمنا وواقعنا رجاءً وتعزيةً وفرحًا وحضورًا لله في عالمه. في هذا العيد، فلنرفع قلوبنا إلى السَّماء، حيث الجند الرُّوحيِّين يسبِّحون الله بلا انقطاع. لنطلب شفاعة رئيسَيْ الملائكة ميخائيل وجبرائيل، كي نحيا مثلهم في طاعةٍ كاملة لله، وبغيرة ناريَّة لمحبَّةِ الحَقّ، ونستعدّ لملاقاتهم يوم الدَّينونة في شركة النُّور الإلهيّ.
فبشفاعات رؤساءِ قوَّات خُدّام الله السَّماويِّين، أيُّها الرَّبّ يسوع المسيح إلهنا ارحمنا وخلِّصنا... آمين.
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
طروباريَّة القيامة (باللَّحن الرَّابع)
إنَّ تلميذاتِ الرَّبّ تعلَّمنَ مِنَ الملاكِ الكرْزَ بالقيامةِ البَهج. وطَرَحنَ القَضاءَ الجَدِّيَّ. وخاطبنَ الرُّسلَ مُفتَخِراتٍ وقائِلات. سُبيَ المَوتُ وقامَ المَسيحُ الإله. ومنحَ العالمَ الرَّحمةَ العُظمى.
طروباريَّة للشُّهداء (باللَّحن الثَّاني)
مغبوطةٌ الأرض الَّتي أغصبت دِمائكم يا مُجاهدي الرَّبّ الظَّفَرة، ومغبوطةٌ المظَالُّ الَّتي اقتبَلَتْ أرواحَكم. فإنَّكم غلبتُم العدوّ في المَيْدان. وكرزتُم بالمسيحِ بجُرأة. فنطلبُ إليكُم أن تَبْتَهِلوا في خَلاصِ نفوسِنا بما أنَّه الصَّالِح.
القنداق (باللَّحن الثّاني)
يا شفيعَةَ المسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطةَ لدى الخالِق غيْرَ المرْدودةِ، لا تُعْرضي عَنْ أصواتِ طلباتِنا نَحْنُ الخَطأة، بَلْ تدارَكينا بالمعونةِ بما أنَّكِ صالِحَة، نَحنُ الصّارخينَ اليكِ بإيمان: بادِري إلى الشَّفاعَةِ وأسَرعي في الطّلْبَةِ يا والدَة الإلهِ، المتشَفِّعَةَ دائمًا بمكرِّميك.
الرِّسالة (غل 2: 16- 20)
مَا أَعْظَمَ أَعْمَالَكَ يَا رَبُّ،
كُلَّهَا بِحِكْمَةٍ صَنَعْتَ. بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ.
يَا إِخْوَةُ، إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ الإِنْسَانَ لا يُبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ، بَلْ إِنَّمَا بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الـمَسِيحِ، آمَنَّا نَحْنُ أَيْضًا بِيَسُوعَ الـمَسِيحِ لِكَيْ نُبَرَّرَ بِالإِيمَانِ بِالـمَسِيحِ لا بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ، إِذْ لا يُبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ أَحَدٌ مِنْ ذَوِي الجَسَدِ. فَإِنْ كُنَّا، وَنَحْنُ طَالِبُونَ التَّبْرِيرَ بِالـمَسِيحِ، وُجِدْنَا نَحْنُ أَيْضًا خَطَأَةً، أَفَيَكُونُ الـمَسِيحُ إِذًا خَادِمًا لِلْخَطِيئَةِ؟ حَاشَى. فَإِنِّي إِنْ عُدْتُ أَبْنِي مَا قَدْ هَدَمْتُ أَجْعَلُ نَفْسِي مُتَعَدِّيًا لِأَنِّي بِالنَّامُوسِ مُتُّ لِكَيْ أَحْيَا للهِ. مَعَ الـمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا، لا أَنَا، بَلِ الـمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. وَمَا لِي مِنَ الحَيَاةِ فِي الجَسَدِ أَنَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ بِابْنِ اللهِ الَّذي أَحَبَّنِي وَبَذَلَ نَفْسَهُ عَنِّي.
الإنجيل (لو 16: 19- 31) (لوقا 5)
قال الرَّبُّ: كان إنسانٌ غنيٌّ يلبس الأرجوان والبزَّ ويتنعَّم كلَّ يوم تنعُّمًا فاخِرًا. وكان مسكينٌ اسمه لعازر مَطروحًا عند بابه مُصابًا بالقُروح، وكان يشتهي أن يشبع من الفتات الَّذي يسقط من مائدة الغنيّ، فكانت الكلاب تأتي وتلحس قروحه. ثمَّ مات المسكين فنقلته الملائكة إلى حضن ابراهيم. ومات الغنيُّ أيضًا فدُفِن. فرفع عينيه في الجحيم، وهو في العذاب، فرأى إبراهيم من بعيد ولعازر في حضنه. فنادى قائلًا: يا أبَتِ ابراهيم ارحمني وأرسل لعازر ليغمِّس طرف إصبعه في الماء ويبرِّد لساني لأنّي معذَّب في هذا اللَّهيب. فقال إبراهيم: تذكَّر يا ابني أنّك نلت خيراتك في حياتك ولعازر كذلك بلاياه. والآن فهو يتعزّى وأنت تتعذَّب. وعلاوةً على هذا كلِّه فبيننا وبينكم هُوَّةٌ عظيمةٌ قد أُثبتت، حتّى أنَّ الَّذين يريدون أن يجتازوا من هنا إليكم لا يستطيعون ولا الَّذين هناك أن يعبروا إلينا. فقال: أسألك إذن يا ابتِ أن ترسله إلى بيت أبي، فإنَّ لي خمسة إخوة حتّى يشهد لهم لي فلا يأتوا هم أيضًا إلى موضعِ العذاب هذا. فقال له إبراهيم: إنَّ عندهم موسى والأنبياء فليسمعوا منهم. قال: لا يا أبتِ ابراهيم، بل إذا مضى إليهم واحد من الأموات يتوبون. فقال له: إن لم يسمعوا من موسى والأنبياء فإنَّهم ولا إن قام واحد من الأموات يصدّقونه.
حول الرِّسالة
أعمال النَّاموس لا تبرِّر فاعلها لأنَّها ليست مصدرًا للإيمان أو التَّبرير . في حينِ أنَّ واضع النَّاموس الَّذي هو الله، هو المنفذ الوحيد لكلّ أعمال النَّاموس وهو مصدر الإيمان ومعطي النِّعْمَة. وشَتَّان بين تكريم العمل وتكريم واضع العَمَل. فعبادة العمل في حَدِّ ذاته لا شيء بالمرّة أو هي ضلالة. أمَّا عبادة صاحب العمل وهو الله فهي كلّ شيء.
يُشير القدِّيس بولس هنا إلى الَّذين بعد أن آمنوا بالمسيح من اليهود عادوا ليُضيفوا على إيمان المسيح أعمال النَّاموس. إنْ آمَنَ اليهوديّ بالنَّاموس وعاد يعمل بالنَّاموس وفرائضه فلن ينفعه المسيح ويكون أيضًا قد سقط من النِّعْمَة. بينما لا يحسب اليهوديّ الَّذي فَكَّ ارتباطه بالنَّاموس ليؤمن بالمسيح أنَّه خاطئٌ بل هو يُعْتَبَر خاطئًا إذا عاد إلى النَّاموس بعد أنْ آمَنَ بالمسيح.
هذا حقٌّ يشهره القدِّيس بولس الرَّسُول في وجه اليهود الَّذين آمَنوا بالمسيح صُوَريًّا ثمّ عادوا يعملون بفرائض النَّاموس ووصاياه أملًا ورجاءً أن يتبرَّروا بأعمالِ النَّاموس. هو يقول لهم أنَّ إيمانهم بالمسيح في حقيقته الأولى والعُظمى يَعني فكّ الارتباط بناموس موسى وفرائضه الَّتي عجزتْ عن أن تبرّر اليهود. فيقول لهم أليْسَ هذا معناه أنَّي كَمَن يعود يبني ما سبق أن هدمه عن حقٍّ واقتناع؟
لقد حُكِمَ على المسيح بالموت كخاطئٍ بمُقتَضى قوانين النَّاموس ولكنَّه مات خصِّيصًا وبإرادته ليكَمِّلَ قانون النَّاموس الحاكم على الخطأة بالموت لينقذ الخطأة من النَّاموس، ثمَّ قام حيًّا بالله لله لأنَّه هو الله. المسيح لم يُصلَب لنفسِهِ بل من أجل بولُس وكلِّ البشريَّة، إذن فالصَّليب في الحقيقة وعين الأمر لم يقع على المسيح إلَّا ليقع عليَّ لكي عندما يقوم المسيح ويَحيا أقوم معه وأحيا حتمًا معه، لأنَّه هو صُلِب حقًّا لِيَقُوم بالحَقّ. وبالرُّغم مِنْ أنِّي قُمْتُ مع المسيح إلَّا أنَّ الحياة الَّتي قُمْتُ فيها معه ليست حياتي بل حياة المسيح الَّتي وَهَبها لي لأحيا معه إلى الأبد.
نُسَّاك في وسط العالم
في قلب هذا العالم الصَّاخِب، حيث الضَّجيج يلتهم الصَّمت، والمشاغِل تطغى على السَّكينة، والشَّهوة تظلم قلوب المؤمنين، يظَلُّ صوت الإنجيل صريحًا كجرسٍ لا يَخبو: "كونوا كامِلين كما أنَّ أباكم الَّذي في السَّماوات هو كاملٌ" (متّى 5: 48). ليست هذه وصيَّة لفئةٍ منعزلة في الجبال والأودية، بل دعوةٌ تُسْمَع في الأزقَّة والشَّوارع، في البيوت والأسواق، في قلبِ كلِّ إنسانٍ عطشان إلى الله.
النُّسْك ليس ثوبًا يُلبَس، ولا مكانًا يُعْتَزل فيه، بل هو حالةُ قلبٍ يئنّ نحو النَّقاء، ويُجاهِد لكي يَحيا في حَضرةِ الله ولَوْ وَسْط الزّحام. فالقدِّيسون عَلَّمُونا أنَّ العزلة الحقيقيَّة ليست في البُعد عن النَّاس بل في البُعد عن الخطيئة، وأنَّ الصَّوْم الأعمق ليس امتناعًا عن الطَّعام وحسب، بل عن الغضب والكبرياء وحُبّ الذَّات. هكذا يصير العالم محًلًّا للنُّسك، والمدينة ديرًا خفيًّا، والبيت مذبحًا مقدَّسًا.
النَّاسِك في العالم هو ذاك الَّذي يحوِّل أعباءَ يومه إلى ذبائحَ حُبٍّ، فيُمسك لسانه عن كلمةٍ جارِحَة، ويُغلِق بابَه ليُصَلِّي في الخَفاء، ويغفر لمن أساءَ إليه كما غفر المسيح على الصَّليب (لوقا 23: 34). قد تكونُ أمًّا ساهرةً على أطفالها فتجعل مِن دمُوعِها صلاةً، أو عامِلًا يُكدّ بعرق جبينه وهو يردِّد في داخله اسم يسوع، أو مَريضًا يحتمل أوجاعه بشكرٍ وصمتٍ مَهيب. إنَّهم يعيشون بيننا، لا يَعلو لهم صوتٌ، لكنَّ صمتَهم أبلغ من الكلمات كلّها.
هؤلاء هم الخميرة الَّتي تخفيها العناية الإلهيَّة في عجين البشريَّة (متى 13: 33)، والنُّور الَّذي لا يُرى بالعَيْن، لكنَّه يبدِّد العَتْمَة مِن حوَله. هم البذور الَّتي تنكسر في صمت التُّراب كي تمنح الحياة. إنَّهم لا يبحثون عن مَجْدِ النَّاس، بل عن وجه الله، ولأجل ذلك يُضيئون في الخفاء كنُجومٍ في ليلٍ كثيف. وكما يقول الرَّسول بولس: "كأنَّهم مجهولون ونحن معروفون" (2 كور 6: 9).
وفي زماننا الحاضر، قد يتجلَّى النُّسْك في أبسط الأمور: في أنْ يُطفئ المرء شهوته عن أيّ تجربة مهما كانت مُغرية، أو يقتطع من وقته المثقل ليقف دقيقةً صادقةً أمام الله، أو يُواجه ضجيج العصر بذكر اسم يسوع كنبضٍ سِرّيٍّ في قلبه. هكذا يصبح كلّ بيتٍ ديرًا صغيرًا، وكلّ مائدةٍ مائدةَ شكر، وكلّ عملٍ خدمةً مقدَّسة.
إنّ هؤلاء النُّسَّاك الخفيِّين هم الشَّهادة الصَّامتة أنَّ الملكوت ليس وَعْدًا مؤجَّلًا، بل حضورٌ حَيٌّ يتراءى في حياة البشر اليوميَّة. إنَّهم الهياكل الحَيَّة الَّتي يسكنها الرُّوح القدس، كما يقول الرَّسُول: "أما تعلمون أنَّكم هيكلُ الله، وروح الله يسكن فيكم" (1 كور3: 16). إنَّهم المصابيح المخبوءة الَّتي تعكس مجد المسيح في عيون الآخَرين، وفي وجوههم يتجسَّد قَوْل الرَّبّ: "أنتم نور العالم… هكذا فليضئ نوركم قدَّام النَّاس لكي يَرَوْا أعمالكم الحسنة ويمجِّدوا أباكم الَّذي في السَّماوات" (متَّى 5: 14–16). آمين!