Menu Close
020826

نشرة كنيستي

نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.

أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي

كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.

الأحد (9) بعد العنصرة

العدد 31

الأحد 02 آب 2026

اللَّحن 8- الإيوثينا 9

أعياد الأسبوع: *3: نقل عظام استفانوس أوّل الشُّهداء ورئيس الشَّمامسة *3: الأبرار اسحاقيوس وذلماتس وففستس، القدّيسة سالومة حاملة الطِّيب *4: الشُّهداء الفتية السَّبعة الَّذين في أفسس *5: تقدمة عيد التَّجلّي، الشَّهيد آفسغنيوس، القدِّيسة نونة أم القدِّيس غريغوريوس اللَّاهوتيّ *6: تجلّي ربّنا وإلهنا يسوع المسيح *7: الشَّهيد في الأبرار دوماتيوس *8: القدِّيس إميليانوس المعترف أسقف كيزيكوس.

كلمة الميتروبوليت جورج (خضر)

تَجَلِّي يسوع

الحَدَث الَّذي نحتفل به، أي تَجَلِّي المسيح مفْصَليّ في الإنجيل. قبله وفيه وبعده الجوّ ألم وقيامة. بعد اعتراف بطرس ببُنُوَّة يسوع لله «ابتدأ يسوع يظهر لتلاميذه أنَّه ينبغي أنْ يذهب إلى أورشليم ويتألَّم كثيرًا… ويُقتَل وفي اليوم الثَّالث يَقُوم» (متى 16: 21).

اِعتراف بطرس كان في نواحي قيصريَّةِ فيليبُّس الَّتي هي في التَّسمِيَة الحالِيَّة «بانياس» الواقِعَة عند سَفْحِ حَرَمُون أو جبل الشَّيخ. بعد ستَّةِ أيَّامٍ مِن هذا الاِعتراف أخَذَ السَّيِّد بطرس ويعقوب ويوحنَّا وكانوا المقرَّبين إلى جبلٍ عال. يقُول التُّراث أنَّه ثابور في الجليل ولكنَّ ثابور ليس بجبَلٍ عال. لذلك يَميل بعض العلماء إلى القَوْلِ أنَّ السَّيِّد لم يترُك نواحي بانياس وتَمَّ التَجَلِّي على جبل الشَّيخ. هذا لا أهميَّةَ له على صعيدِ العَقيدة. هناك تَجَلَّى أو تغيَّرتْ هيئته كما يقول في اليونانيَّة. ماذا يعني أن أضاءَ وَجْهَهُ كالشَّمس وصارت ثيابه بيضاء كالثَّلج؟ هنا تأتي عقيدة الكنيسة الأرثوذكسيَّة في قراءتها للنَّصِّ إنَّ هذا إنْ كان في وَضْحِ النَّهار لم يكن نور الشَّمس وهذا هو هو وليس فيه أُعجوبَةً ليُذْكَر ولكنَّه نور الألوهة الَّذي كان يسوع يُخفيه في جسده وسَطَعَ ليكون كلامًا مُسبَقًا عن قيامته. وهو إذًا نوعٌ من التَّبؤ عن حوادث الخلاص. تَوَّا بعد هذا نرى موسى وإيليَّا قد ظَهَرَا وتكلَّمَا معه. وَحْدَهُ لوقا يقول: «ظَهَرَا بِمَجْدٍ وتَكَلَّمَا عن خُروجه الَّذي كان عَتِيدًا أنْ يُكمله في أورشليم». والخُروج مصطلح يَعني «الآلام».

كما كان النَّبِيَّان على الجبل ظلَّلتْهُما مع يسوع سحابَةً نَيِّرَة وإذا قَرَأنا هذه الكلمة على خلفيَّة العهد الجديد نفهم أنَّها هي الشَّكينة وفي العربيَّة السَّكينة الَّتي تعني الحَضْرَة الإلهيَّة. ومن سحابة المجد هذه سُمِعَ صَوْت قائلًا: «هذا هو ابني الحبيب الَّذي به سررت. له اسمعوا» قبل عبارة «له اسمعوا» هذا الكلام وَرَدَ في معمودِيَّة السَّيِّد الَّتي هي، صورةً، استباق لآلام المخلِّص وقيامته. هل التَّجَلِّي لوحة عن المعموديَّة والصَّوْت الَّذي سُمِعَ هنا هو إيَّاه الَّذي سُمِعَ على نهر الأردنّ؟ هذا سؤالٌ نَقْدِيّ مِن حيثُ السَّرْد لا أستطيع الجواب عنه. ولكن مِن حيثُ أنَّنا نقَّاد نقدر أنْ نقول أنَّ مضمون المعموديَّة ومضمون التَّجَلِّي واحدٌ، وأنَّ القضيَّة كلَّها مِن البداءة إلى النِّهاية هي صلبُ المعلِّم وانبعاثه من الموت وأنَّنا نحن في المعموديَّة نتجلَّى أي نكتسب هيئةً جديدةً كان الخالقُ مهيِّئًا إيَّاها لنا منذ الأزل.

رُجوعًا إلى إيليَّا وموسى، الفكر التُّراثيّ يقول أنَّ إيليَّا نموذجًا للأنبياء يأتي ليقول أنَّ النُّبوءات جميعًا تتحقَّق في مَوْتِ السَّيِّد ويقول أنَّ موسى سينتهي ناموس الفرائض عنده إذا شاهد يسوع النَّاصريّ. هما كانا في سحابة المجد المعلَن للمرَّة الأولى بيسوع المسيح وما كانا قبله في المجد حسب قَوْلِ الرَّبّ: «الله لم يره أحدٌ قَطّ. الابن الوَحيد الَّذي في حُضْنِ الآب هو خَبَّر» (يوحنَّا 1: 18). ولكنَّ عبارة «له اسمعوا» غير الواردة في رواية المعموديَّة تدعونا إلى أن نستمع إلى المسيح المتَجَلِّي أمامَنا إذا نحن كنَّا من المصطفَين بسبب من نعمته ومن تواضعنا، المحدقَيْن به وحده. فإنَّ إيليَّا وموسى والأنبياء جميعًا الَّذين سبَقوا المعلِّم في الزَّمان ما كانوا إلَّا ليُوصلونا إليه. نقبلهم لأنَّهم جاؤوا بالإنسانيَّة القديمة إليه. ونقبل الفكر المستمِع ليسوع والفلسفة الخادِمَة له والفَنَّ الَّذي يكشفه بطريقَةٍ أو بأخرى. يبقى وحده ولا يلغي لأنَّ كلَّ حَقٍّ وجلال آتٍ من تَجَلِّيه. أي مِن سطُوعِ هذه الألوهة الَّتي فيه إلى كلِّ مجالات الحياة. إيليَّا وموسى لم يشاهدا الله في العهد القديم. لا «يرى الله أحد ويَحيا». إنَّ جوهر الله لا يخترقه أحد. لأنَّه يَصير الله، إذْ ذاك، في ذاته. ولكنَّ الله نورٌ لا بُدَّ مِن بُلُوغِه. «فالله صار إنسانًا لِيَصيرَ الإنسانُ إلهًا». منذ إيريناوس في القرن الثَّاني قيل هذا وأكَّدَهُ أثناسيوس في القرن الرَّابع كما أكَّدَهُ باسيليوس وعَلَّمه غريغوريوس بالاماس في القرن الرَّابع عشر وثبَّتَه الشَّرق المسيحيّ مَجْمَعِيًّا. هؤلاء قالوا بشكلٍ أو بآخَر «إنَّ الله فيه قوى أزليَّة ليست هي جوهره ولكنَّها غير مخلوقة، فَلَو وَهَبكَ الله قوى زمنيَّة أي مَخلوقة في الزَّمان لا تكون هي إيَّاه أي لا تكون قد بلغته» الله يَمُدُّكَ بأفعالٍ له وُجِدَتْ معه منذ الأزل، وإذا تَلَقَّيْتَها ترتفع أنت إلى الأزل وتُصبح كأنَّك بِلا بَداءة.

إنْ كانت النِّعْمَة مَخلوقة تكون مِن خارج الله أي لا تُؤلِّهك. ما معنى أنَّ النِّعْمَة تُقدِّسُكَ؟ ما معنى أن تصبح كاملًا بالقداسة إنْ كانت القداسة شيئًا يقذفه الله فيك ولا يكون هو مِن باطنه. إنَّ تجسُّدَ ابْنَ الله يَعني أنَّه رَدَمَ الهُوَّة بين الخالِقِ والمخلُوق دون أنْ يصبح الله مخلوقًا ولا المخلوق خالقًا في الجوهر ولكنَّهما يُصبحان واحدًا في القداسة وهما مُلتَقِيان في الأبديَّة. في الحياة الأبديَّة المكمَّلَة بالقيامة أنتَ لَسْتَ فقط وراء الله ولكنَّك في الله. تمشي فيه إلى لا نهائيَّته ولا نهائيَّتك في اندماج الحُبّ. غير أنَّك لن تَصِل إلى هذه القيامة إلَّا بانصلابك مع المسيح حيث تتنَّقى مِن أدرانِ هذا العالم. «مَن أرادَ أن يكون لي تلميذًا فليُنْكِر نفسه ويحمل صليبَهُ ويتبعني» بحيث يرمي جانبًا كلَّ شهوةٍ مُفسِدة وينتقي المسيح وحده. لذلك لمَّا اختفى موسى وإيليَّا عن الجبل لم يَرَ التَّلاميذ إلَّا يسوع وحده.

كلُّ واحدٍ منَّا له أنْ يكون شَبيهًا به أي صالِبًا خطاياه كلَّ يومٍ ليَقُومَ كلَّ يوم. بهذا التَّشَبُّه يصبح شريك المسيح أي واحدًا معه في محبَّةٍ لا يُخالِطها رياءٌ وكأنَّه جالسٌ معه عن يَمين الآب. يُعايِش كلَّ النَّاس ويمتهن أيَّة مِهْنَةٍ ويحبُّ أشياءَ هذا العالم بِلا خُضوعٍ لها ولكنَّ كلَّ ثنيةٍ من ثَنايا كيانه الدَّاخليّ مع المسيح أو من المسيح حتَّى يملك معه في القيامة ويصير الله الكُلّ في الكُلّ.

طروباريَّة القيامة (باللَّحن الثَّامن)

انْحَدَرْتَ مِنَ العُلوِّ يا مُتحنِّن. وقَبِلتَ الدَّفنَ ذا الثّلاثةِ الأيّام. لكي تُعتقَنا مِنَ الآلام، فيا حياتَنا وقيامتَنا يا رَبُّ المجدُ لك.

طروباريَّة القدِّيس استفانوس أوَّل الشُّهداء (باللَّحن الرَّابع)

إنَّ هامَتَكَ تكلَّلتْ بإكليلٍ مُلوكيٍّ، بواسطة الجهادات الَّتي احتملتها مِن أجل المسيح الإله، يا أوَّلَ المُجاهدين في الشُّهداءِ، لأنَّكَ وَبَّخْتَ حماقَةَ اليَهود، فأبْصَرتَ مُخَلِّصَكَ عن يمين الآب. فإليهِ ابتَهل على الدَّوام مِن أجل نفوسنا.

قنداق التَّجَلِّي (باللَّحن السَّابِع)

تَجَلَّيْتَ أيُّها المسيحُ الإلهُ في الجبل، وحَسْبَمَا وَسِعَ تلاميذُك شاهَدُوا مَجْدَك، حتَّى، عندما يُعَايِنُوكَ مَصْلُوبًا، يَفْطَنُوا أنَّ آلامَكَ طوعًا بـﭑختيارِك، ويَكْرِزُوا للعالم أنَّكَ أَنْتَ بالحقيقةِ شُعَاعُ الآب.

الرِّسالة (1 كو 3: 9- 17)

صَلُّوا وَأَوْفُوا الرَّبَّ إِلَهَنَا.

اللهُ مَعْرُوفٌ فِي أَرْضِ يَهُوذَا.

يَا إِخْوَةُ، إِنَّا نَحْنُ عَامِلُونَ مَعَ اللهِ وَأَنْتُمْ حَرْثُ اللهِ وَبِنَاءُ اللهِ. أَنَا بِـحَسَبِ نِعْمَةِ اللهِ الـمُعْطَاةِ لِي كَبَنَّاءٍ حَكِيمٍ وَضَعْتُ الأَسَاسَ، وَآخَرُ يَبْنِي عَلَيْهِ. فَلْيَنْظُرْ كُلُّ وَاحِدٍ كَيْفَ يَبْنِي عَلَيْهِ، إِذْ لا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَضَعَ أَسَاسًا غَيْرَ الـمَوْضُوعِ وَهُوَ يَسُوعُ الـمَسِيحُ. فَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَبْنِي عَلَى هَذَا الأَسَاسِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَوْ حِجَارَةَ ثَـمِينَةً أَوْ خَشَبًا أَوْ حَشِيشًا أَوْ تِبْنًا، فَإِنَّ عَمَلَ كُلِّ وَاحِدٍ سَيَكُونُ بَيِّنًا لِأَنَّ يَوْمَ الرَّبِّ سَيُظْهِرُهُ لِأَنَّهُ يُعْلَنُ بِالنَّارِ. وَسَتَمْتَحِنُ النَّارُ عَمَلٍ كُلِّ وَاحِدٍ مَا هُوَ. فَمَنْ بَقِيَ عَمَلُهُ الَّذِي بَنَاهُ عَلَى الأَسَاسِ فَسَيَنَالُ أُجْرَةً، وَمَنِ احْتَرَقَ عَمَلُهُ فَسَيَخْسَرُ وَسَيَخْلُصُ هُوَ وَلَكِنْ كَمَنْ يَـمُرُّ فِي النَّارِ. أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ وَأَنَّ رُوحَ اللهِ سَاكِنٌ فِيكُمْ؟ مَنْ يُفْسِدُ هَيْكَلَ اللهِ يُفْسِدُهُ اللهُ، لِأَنَّ هَيْكَلَ اللهِ مُقَدَّسٌ وَهُوَ أَنْتُمْ.

الإنجيل (مت 14: 22- 34)(متَّى 9)

فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ اضْطَرَّ يَسُوعُ تَلامِيذَهُ أَنْ يَدْخُلُوا السَّفِينَةَ وَيَسْبِقُوهُ إِلَى العِبْرِ حَتَّى يَصْرِفَ الجُمُوعَ. وَلَـمَّا صَرَفَ الجُمُوعَ صَعِدَ وَحْدَهُ إِلَى الجَبَلِ لِيُصَلِّيَ. وَلَـمَّا كَانَ الـمَسَاءُ كَانَ هُنَاكَ وَحْدَهُ، وَكَانَتِ السَّفِينَةُ فِي وَسَطِ البَحْرِ تَكُدُّهَا الأَمْوَاجُ لِأَنَّ الرِّيحَ كَانَتْ مُضَادَّةً لَـهَا. وَعِنْدَ الهَجْعَةِ الرَّابِعَةِ مِنَ اللَّيْلِ مَضَى إِلَيْهِمْ مَاشِيًا عَلَى البَحْرِ. فَلَـمَّا رَآهُ التَّلامِيذُ مَاشِيًا عَلَى البَحْرِ اضْطَرَبُوا وَقَالُوا إِنَّهُ خَيَالٌ، وَمِنَ الخَوْفِ صَرَخُوا. فَلِلْوَقْتِ كَلَّمَهُمْ يَسُوعُ قَائِلاً: أَنَا هُوَ لا تَخَافُوا. فَأَجَابَهُ بُطْرُسُ قَائِلًا: يَا رَبُّ، إِنْ كُنْتَ أَنْتَ هُوَ فَمُرْنِي أَنْ آتِـيَ إِلَيْكَ عَلَى الـمِيَاهِ. فَقَالَ: تَعَالَ. فَنَزَلَ بُطْرُسُ مِنَ السَّفِينَةِ وَمَشَی عَلَى الـمِيَاهِ آتِيًا إِلَى يَسُوعَ. فَلَـمَّا رَأَى شِدَّةَ الرِّيحِ خَافَ. وَإِذْ بَدَأَ يَغْرَقُ صَاحَ قَائِلاً: يَا رَبُّ نَـجِّنِي. وَلِلْوَقْتِ مَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ وَأَمْسَكَ بِهَ وَقَالَ لَهُ: يَا قَلِيلَ الإِيـمَانِ لِـمَاذَا شَكَكْتَ؟ وَلَـمَّا دَخَلا السَّفِينَةَ سَكَنَتِ الرِّيحُ. فَجَاءَ الَّذِينَ كَانُوا فِي السَّفِينَةِ وَسَجَدُوا لَهُ قَائِلِينَ: بِالحَقِيقَةِ أَنْتَ ابْنُ اللهِ. وَلَـمَّا عَبَرُوا جَاؤُوا إِلَى أَرْضِ جَنِيسَارَت.

حول الإنجيل

"لا تخف... أنا هو" (متَّى 14: 22-34)

بعد معجزة إشباع الجُموع، ألزم الرَّبُّ يسوع تلاميذه أن يدخلوا السَّفينة بينما صعد هو إلى الجبل ليُصلّي. ويرى الآباء في هذا المشهد صورة لحياة الكنيسة في هذا العالم؛ فالسَّفينة هي الكنيسة، والبحر هو هذا الدَّهر المضطرب، والأمواج هي التَّجارب والضِّيقات الَّتي تعصف بالمؤمنين. ومع أنَّ المسيح يبدو غائبًا بالجسد، إلَّا أنَّه حاضرٌ بعنايته بأولاده.

يقول القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفم أنَّ الرَّبَّ سمح للعاصفة أنْ تشتدَّ لكي يعلِّم التَّلاميذ ألَّا يتَّكلوا على قُوَّتِهم، بل يختبروا معونته الإلهيَّة. فكثيرًا ما يسمح الله بالضِّيقة، لا ليُهلِكَنَا، بل لِيَقودَنا إلى إيمانٍ أعمق واختبارٍ أوثَق لحُضوره لكي نتَّضع وبالتَّالي يقودنا إلى خلاص نفوسنا.

وعندما جاء الرَّبُّ ماشيًا على الماء، اضطرب التَّلاميذ وظنُّوه خيالًا، لكنَّ صوته بدَّد الخَوْف: "تشجَّعوا! أنا هو، لا تخافوا."  إنَّ كلمة "أنا هو" ليست مجرَّد تعريف بالنَّفْس، بل إعلانٍ عن حضوره الإلهيّ، فهو وحده القادر أنْ يطأ أمواج الشَّرّ والموت، ويمنح السَّلام وسط الاضطراب.

أمَّا القدِّيس كيرلُّس الإسكندريّ فيرى في بطرس صورةً للنَّفْس المؤمنة الَّتي تشتاق إلى المسيح. فما دام نظره ثابتًا على الرَّبِّ، سار فوق المياه، ولكن عندما اِلتفتَ إلى الرِّيح خاف وابتدأ يغرق. وهكذا نحن أيضًا، حين تنشغل قلوبنا بالمخاوف أكثر من انشغالها بالمسيح، نغرق في القلق واليأس. ومع ذلك، فإنَّ صرخة بطرس القصيرة: "يا ربُّ نَجّني" كانت كافية لتستجلب يد الرَّبّ يسوع الممدودة.

ويعلِّق المغبوط أغسطينوس قائلًا: "بطرس نظر إلى المسيح فسار، ونظر إلى الرِّيح فغرق". إنَّها دعوة دائمة لأن يكون نظر القلب موجَّهًا إلى الرَّبِّ لا إلى الأمواج.

تنتهي القصَّة بسُجود التَّلاميذ وإعلانهم: "بالحقيقة أنت ابن الله."  فكلُّ تجربة نجتازها بالإيمان تقودنا إلى معرفة أعمق بالمسيح، وكلّ عاصفة تنتهي بسجودٍ وشكرٍ وتمجيدٍ لله. لذلك، عندما تعصف أمواج الحياة بنا، فلنتمسَّك بصوت الرَّبِّ القائل: "لا تَخف... أنا هو."  ففي حضوره يتحوَّل البحر المضطرب إلى طريقٍ يقودنا نحو ميناء الخلاص.

صلاة البراكليسي لوالدة الإله

تُعَدُّ صلاة البراكليسي (Παράκλησις) من أروع النُّصوص اللِّيتورجيَّة في تقليد الكنيسة الأرثوذكسيَّة والأحبّ على قلب الشَّعب المؤمِن، وهي صلاةٌ ابتهاليَّة تتوجَّه بها الكنيسة إلى والدة الإله طلبًا للعزاء والشَّفاعة. فكلمة "باراكليسي" مشتقَّة من اليونانيَّة وتعني طلب النَّجدة أو المساعدة أو السُّؤال بإلحاح والتَّرجّي أي طلب المعونة والتَّعزية. وممَّا تجدر الإشارة إليه أنَّ الرُّوح القُدس نفسه يُدعى "الباراقليط" أي المعزِّي.

ترتبط صلاة البراكليسي ارتباطًا وَثيقًا بصوم السَّيِّدة الَّذي يبدأ بالأوَّل مِن آب حتَّى عيد رقاد السَّيِّدة، حيث تُقام يوميًّا بالتَّناوُب بين "البَراكليسي الصَّغير" و"البَراكليسي الكبير" عدا ليالي السَّبت المرتبطة بالقيامة وعشيَّتَيْ عيدَيْ التَّجلِّي والرُّقاد، يُنسَب الصَّغير إلى الرَّاهب ثاوستيركتس المتوحِّد أو ثيوفانس في القرن التَّاسع، في حين يُنسَب الكبير إلى الإمبراطور ثيودوروس الثَّاني دوكاس لاسكاريس في القرن الثَّالث عشر. وتجدر الإشارة إلى أنَّ هذه الصَّلاة يمكن إقامتها أيضًا في أيِّ وقتٍ على مَدار السَّنَة، وخُصوصًا في أوقاتِ الضِّيقات والشَّدائد، وكثيرون من المؤمنين يُدرجونها ضمن قانون صلاتهم اليوميَّة.

يتشابه ترتيب هذه الخدمة مع ترتيب صلاة السَّحَر، حيث تبدأ بالمزمور 142 وهو مزمور اِلتماس الله وسط ظلمات العالم، ثم تُرتَّل طروباريَّات لوالدة الإله يَليها المزمور 50، مزمور التَّوْبة: "ارحمني يا الله..."،  ثمَّ يأتي مركز الخدمة وهو القانون باللَّحن الثَّامن الَّذي يتألَّف من 9 أوديات، وتحتوي كلَّ أودية على 4 طروباريَّات، تتحدَّث عن آلام النَّفْس والجسد، الَّتي يطرحها المؤمن تحت قَدَمَيْ والدة الإله، تلك الَّتي هي "السُّور الَّذي لا يتزعزع"، و"ينبوع المراحِم"، و"ملجأ العالم". يُرتَّل القانون على ثلاثة مراحل، تفصل بينها طلبات يرفعها الكاهن أمام أيقونة والدة الإله، وهو يُبخِّر، ويذكر أسماء يقدِّمها المؤمنون عن إخوتهم المرضى والمتألمِّين والأسرى، والَّذين هم في ضيقات مختلفة، بالإضافة إلى أسماء الرَّاقِدين. وهكذا، تضع الكنيسة الجميع بين يَدَيْ العَذراء، الوسيطة لدى ابنها، لكي ترفعهم إليه، وتصرخ نحوها قائلةً: "لا ترُدِّي عبيدكِ خائبين، فإنَّكِ أنتِ رجاؤنا وحدكِ"....

هكذا، تبقى صلاة البراكليسي عزاءً للمؤمنين في كلِ زمانٍ ومكان، وتذكيرًا بأنَّ للإنسان ملجًأ روحيًّا يلجأ إليه في أحزان القلب وآلام النَّفْس، إنَّها الحصن الَّذي سلَّمه لنا الرَّبُّ يسوع وهو على الصَّليب، لحبيبه يوحنَّا، والدة الإله مريم ...