Menu Close
010326

نشرة كنيستي

نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.

أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي

كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.

الأحد الأوَّل من الصَّوْم (الأرثوذكسيَّة)            

العدد 9

الأحد 01 آذار 2026

اللَّحن 5- الإيوثينا 5

أعياد الأسبوع: *1: البارَّة في الشَّهيدات آفذوكيَّا، البارَّة دومنينا *2: الشَّهيد إيسيخيوس *3: الشُّهداء افتروبيوس وكلاونيكس وباسيليسكس *4: البارّ جراسيموس النَّاسك في الأردنّ *5: الشَّهيد قونن، البارّ مرقس النَّاسك *6: المديح الثَّاني، الإثنين والأربعين شهيدًا الَّذين في عمُّورية، البارّ أركاديوس *7: الشُّهداء أفرام ورفقته أساقفة شرصونة، البارّ بولس البسيط.

كلمة الرّاعي 

استقامة الرّأي في زمن الانحرافات

”وَقَدِ ارْتَدَّ الْحَقُّ إِلَى الْوَرَاءِ، وَالْعَدْلُ يَقِفُ بَعِيدًا.

لأَنَّ الصِّدْقَ سَقَطَ فِي الشَّارِعِ، وَالاسْتِقَامَةَ

لاَ تَسْتَطِيعُ الدُّخُولَ...“ (إشعياء 59: 14)

نعيش في زمن يستشرس فيه إبليس وزبانيّته في تدمير الإنسانيّة وفي استعمال الجور والظّلم لاستعباد البشر. من لا يقبل أن يكون عبدًا يُقضى عليه. يستخدمون كلام الكذب تحت غطاء الحقّ للوصول إلى مصالحهم والحصول عليها ولو على جثث وأشلاء شعوب وأوطان وكنائس الله...

ينتظر البشر، في هذا العالم، عدلًا من عبيد المال والسّلطة والشّهوات، الَّذين هم يدعونهم أسيادًا ورؤساء ومسؤولين. إنّ هذا هو ”باطل الأباطيل وقبض الرّيح“ (جامعة 1: 14). هذا هو سبب سقوط الشّعوب والأمم وخراب الكنيسة أنّ البشر يطلبون سلطانًا بحسب مفهوم هذا العالم. فهل من المنطق أن تتوقَّع ”استقامة“ من ”أُولئِكَ الَّذِينَ يَخْزِنُونَ الظُّلْمَ وَالاغْتِصَابَ فِي قُصُورِهِمْ“؟! (عاموس 3: 10).

*             *             *

”اِسْتِقَامَةُ الْمُسْتَقِيمِينَ تَهْدِيهِمْ، وَاعْوِجَاجُ الْغَادِرِينَ يُخْرِبُهُمْ“ (امثال 11: 3). لا يحقّ للمؤمن بالرّبّ يسوع المسيح، الَّذي بذل دماءه على الصّليب لأجل  البشريّة والخليقة جمعاء، أن يُسَوِّف الحقّ ويقبل بالباطل. لا يستطيع أن يساير الظَّالمين وأن يسكت عن الشّرّ. هذا دور كلّ مسيحيّ مستقيم في موقعه ودوره. لا خلاص للبشريّة إلّا في المسيح، والمسيح حاضر وفاعل في كنيسته وبها أي في المؤمنين به فيهم وبهم. هل يمكن أن نتوقَّع شهادة للحقّ ممّن لا يعرفون الحقّ؟! من يعرف الحقّ يكون حُرًّا من المصالح الذّاتيَّة ولا يصنع إلّا ما يعبِّر عن وصيّة الله. ”مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. هَلْ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ عِنَبًا، أَوْ مِنَ الْحَسَكِ تِينًا؟“ (متى 7: 16). لا طالما كان النّاس يميلون إلى ”القويّ“ أي صاحب السّلطة والمال. لكن، من يثبت هو المُستَعبِدُ ذاته للحقّ لأنّه حُرّ. من تحرَّر بالمسيح صار في الحقّ، ومن كان في الحقّ يصبح عثرة أمام الظّالمين، ولكن ”كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: "هَا أَنَا أَضَعُ فِي صِهْيَوْنَ حَجَرَ صَدْمَةٍ وَصَخْرَةَ عَثْرَةٍ، وَكُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُخْزَى“ (رومية 9: 33).

*             *             *

تاريخ الكنيسة مليء بالاضطهادات. حرب الأيقونات دامت حوالي المئة وعشرين سنة، حيث دُمّرت وأُحْرِقَت الكثير من الأيقونات، وسُفكت فيها دماء عديدة من الرّهبان والمؤمنين الَّذين دافعوا بشراسة عن لاهوت الأيقونة وارتباطها بسرّ التّجسّد. سنة 842 م. انتصرت العقيدة القويمة واحتُفِل بأحد الأرثوذكسيّة الأوّل في الأحد الأوّل من الصَّوْم الكبير. الغلبة للرّبّ في وجدان المؤمنين المستقيمي الرّأي الَّذين فيهم يحفظ الرّبّ كنيسته ”مَجِيدَةً، لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ ذلِكَ، بَلْ تَكُونُ مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ“ (أفسس 5: 27).

إيماننا بالتِّجسُّد يجعل الله حاضرًا معنا وفينا بنعمته، وفاعلًا بقدرته في الَّذين يسلمونه كيانهم ووجودهم إذ يعرفون أنهم منه أتوا وإليه يعودون (راجع يوحنا 1: 12—13 و15: 19)، وبه يحيون ويتحرّكون ويوجدون (راجع أعمال 17: 28). إيماننا بالتّجسُد هو تجسيد لعيشنا مع الله وسكنى الله فينا بالنّعمة، وبالتّالي لعمل الله في الإنسان. المسيحيّ يُدرك أنّه لا يستطيع أن يصنع شيئًا بدون المسيح (راجع يوحنا 15: 5)، وهو في المسيح قادر على كلّ شيء (راجع فيليبي 4: 13).

*             *             *

أيُّها الأحبَّاء، إن لم يكن إيماننا قويمًا فلا طائل من صلواتنا وأصوامنا وأعمالنا، لأنّه ما لم يتغيَّر القلب بالنّعمة في استقامة الجهاد الرّوحيّ بفحص الوصيّة الإلهيَّة ودوائها لا يقدر الإنسان أن يصنع مشيئة الله في حياته الدّاخليّة ولا مع عائلته ولا مع مجتمعه ولا في أيّ إطار آخَر. معرفتنا المشوَّهَة عن الله تؤدِّي إلى علاقة غير أصيلة به ناتجة عن الصّورة المغايرة لحقيقته الَّتي نصفه بها.

من هنا أهمّيّة تأكيد الكنيسة على استقامة الإيمان والعقيدة لخلاص الإنسان واقتناء نعمة الله، إذ إنّ معرفتنا بالله-الثّالوث أتت من كشفه ذاته لنا في ابنه المتجسِّد، ومن إدخاله إيّانا في سرّ وجوده بواسطة اتّحادنا بجسد ودم ابنه المقدَّسَين، لنصير أيقونات تُظهِر وجه يسوع المسيح في استقامة الحياة بطاعة الوصيَّة الإلهيَّة. كيف يُعرَف المستقيم الرّأي من المنحرف؟ من خلال شبهه بالمسيح يسوع الإله المتأنِّس في ثمار الرّوح القدس الظّهرة في حياته والّتي هي: ”مَحَبَّةٌ، فَرَحٌ، سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ، لُطْفٌ، صَلاَحٌ، إِيمَانٌ، وَدَاعَةٌ، تَعَفُّفٌ“ (غلاطية 5: 22—23)، ومن خلال بذله لحياته إذ نرى عنده بأنّ ”الحياة هي المسيح والموت ربح“ (فيليبي 1: 21).

ومن له أذنان للسّمع فليسمع...

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

طروباريَّة القيامة (باللَّحن الخامس)

لِنُسَبِّحْ نحنُ المـُؤمنينَ ونسجُدْ للكلمة. المـُساوي للآبِ والرُّوحِ في الأزَليّةِ وعدمِ الابتداء. المـَوْلودِ مَنَ العذراء لِخلاصِنا. لأنّه سُرَّ بالجَسَدِ أن يَعلُوَ على الصَّليب. ويحتمِلَ المـَوْت. ويُنهِضَ المـَوْتى بقيامتِهِ المـَجيدة.

طروباريَّة أحد الأرثوذكسيَّة (باللَّحن الثَّاني)

لصورتِكَ الطَّاهرة نسجدُ أيُّها الصَّالح، طالبينَ غُفرانَ الخطايا أيُّها المسيحُ إلهنا. لأنّكَ سُررتَ أن ترتفعَ بالجسدِ على الصَّليبِ طَوعًا لتُنجِّيَ الَّذينَ خَلَقْتَ مِنْ عُبوديَّةِ العَدُوِّ. فلذلكِ نهتِفُ إليكَ بشُكرٍ: لقد ملأتَ الكُلَّ فَرَحًا يا مُخلِّصَنا، إذ أتيتَ لِتُخَلِّصَ العالم.

قنداق (باللَّحن الثَّامن)

إنّي أنا عبدكِ يا والدة الإله، أكتب لكِ راياتِ الغلبة يا جُنديّةً مُحامية، وأقدّم لكِ الشُّكرَ كمُنقِذَةٍ من الشَّدائد، لكنْ بما أنّ لكِ العِزَّةَ الّتي لا تُحارَب، أعتِقيني من صنوف الشّدائد، حتّى أصرخ إليكِ إفرحي يا عروسًا لا عروسَ لها.

الرِّسالة (عب 11: 24- 26، 32- 40)

مُبَارَكٌ أَنْتَ يَا رَبُّ إِلَهَ آبَائِنَا،

لأَنَّكَ عَدْلٌ فِي كُلِّ مَا صَنَعْتَ بِنَا.

يَا إِخْوَةُ، بِالإِيمَانِ مُوسَى لَـمَّا كَبُرَ أَبَى أَنْ يُدْعَى ابْنًا لِابْنَةِ فِرْعَوْنَ، مُخْتَارًا الشَّقَاءَ مَعَ شَعْبِ اللهِ عَلَى التَّمَتُّعِ الوَقْتِيِّ بِالخَطِيئَةِ، وَمُعْتَبِرًا عَارَ الـمَسِيحِ غِنًى أَعْظَمَ مِنْ كُنُوزِ مِصْرَ، لِأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى الثَّوَابِ. وَمَاذَا أَقُولُ أَيْضًا؟ إِنَّهُ يَضِيقُ بِيَ الوَقْتُ إِنْ أَخْبَرْتُ عَنْ جِدْعَوْنَ وَبَارَاقَ وَشَمْشُونَ وَيَفْتَاحَ وَدَاوُدَ وَصَمُوئِيلَ وَالأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ بِالإِيمَانِ قَهَرُوا الـمَمَالِكَ، وَعَمِلُوا البِرَّ، وَنَالُوا الـمَوَاعِدَ، وَسَدُّوا أَفْوَاهَ الأُسُودِ، وَأَطْفَأُوا حِدَّةَ النَّارِ، وَنَجَوْا مِنْ حَدِّ السَّيْفِ، وَتَقَوَّوْا مِنْ ضُعْفٍ، وَصَارُوا أَشِدَّاءَ فِي الحَرْبِ، وَكَسَرُوا مُعَسْكَرَاتِ الأَجَانِبِ، وَأَخَذَتْ نِسَاءٌ أَمْوَاتَهُنَّ بِالقِيَامَةِ، وَعُذِبَ آخَرُونَ بِتَوْتِيرِ الأَعْضَاءِ وَالضَّرْبِ، وَلَـمْ يَقْبَلُوا بِالنَّجَاةِ لِيَحْصَلُوا عَلَى قِيَامَةٍ أَفْضَلَ. وَآخَرُونَ ذَاقُوا الهُـزْءَ والـجَلْدَ والقُيُودَ أَيْضًا وَالسِّجْنَ، وَرُجِمُوا وَنُشِرُوا وَامْتُحِنُوا وَمَاتُوا بِحَدِّ السَّيْفِ، وَسَاحُوا فِي جُلُودِ غَنَمٍ وَمَعِزٍ، وُهُمْ مُعْوَزُونَ مُضَايَقُون مَـجْهُدُونِ، وَلَـمْ يَكُنِ العَالَـمُ مُسْتَحِقًّا لَهُم. وَكَانُوا تَائِهِينَ فِي البَرَارِي وَالجِبَالِ وَالـمَغَاوِرِ وَكُهُوفِ الأَرْضِ. فَهَؤُلاءِ كُلُّهُمْ، مَشْهُودًا لَـهُمْ بِالإِيمَانِ، لَـمْ يَنَالُوا الـمَوْعِدَ لِأَنَّ اللهَ سَبَقَ فَنَظَرَ لَنَا شَيْئًا أَفْضَلَ أَنْ لا يَكْمُلُوا بِدُونِنَا.

الإنجيل (يو 1: 44- 52)

فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، أَرَادَ يَسُوعُ الخُرُوجَ إِلَى الجَلِيلِ، فَوَجَدَ فِيلِبُّسَ فَقَالَ لَهُ: اتْبَعْنِي. وَكَانَ فِيلِبُّسُ مِنْ بَيْتَ صَيْدَا مِنْ مَدِينَةِ أَنْدَرَاوُسَ وَبُطْرُسَ. فَوَجَدَ فِيلِبُّسُ نَثَنَائِيلَ فَقَال لَهُ: إِنَّ الَّذِي كَتَبَ عَنْهُ مُوسَى فِي النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ قَدْ وَجَدْنَاهُ، وَهُوَ يَسُوعُ بْنُ يُوسُفَ مِنَ النَّاصِرَةِ. فَقَالَ لَهُ نَثَنَائِيلُ: أَمِنَ النَّاصِرَةِ يَكُونُ شَيْءٌ صَالِحٌ؟ فَقَالَ لَهُ فِيلِبُّسُ: تَعَالَ وَانْظُرْ. وَرَأى يَسُوعُ نَثَنَائِيلَ مُقْبِلاً إِلَيْهِ، فَقَال عَنْهُ: هَذَا فِي الحَقِيقَةِ إِسْرَائِيلِيٌّ لا غِشَّ فِيهِ. فَقَالَ لَهُ نَثَنَائِيلُ: مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُنِي؟ أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: إِنِّي قَبْلَ أَنْ يَدْعُوَكَ فِيلِبُّسُ وَأَنْتَ تَحْتَ التِّينَةِ رَأَيْتُكَ. أَجَابَ نَثَنَائِيلُ وَقَالَ لَهُ: يَا مُعَلِّمُ، أَنْتَ ابْنُ اللهِ، أَنْتَ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ. أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: أَلِأَنِّي قُلْتُ لَكَ إِنِّي رَأَيْتُكَ تَحْتَ التِّينَةِ آمَنْتَ؟ إِنَّكَ سَتُعَايِنُ أَعْظَمَ مِنْ هَذَا. وَقَالَ لَهُ: الحَقَّ الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ، سَتَرَوْنَ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَمَلائِكَةُ اللهِ يَصْعَدُونَ وَيَنْزِلُونَ عَلَى ابْنِ البَشَرِ.

حول الرِّسالة

بعد الانطلاق بمسيرة الصَّوْم الكبير وضعَتْ لنا الكنيسة بحكمةٍ منها "أحد الأرثوذكسيَّة" كأوَّل أحدٍ من الصَّوْم للتَّأكيد على أمرٍ أساسيّ ومهمٌّ جدًّا وهو صحَّة الإيمان واستقامة العقيدة. ولكي تشدَّد أبناءها في جهادهم في سبيلة الفضيلة وإصلاح السِّيرة بسطتْ عبر رسالة بولس الَّتي تُلِيَتْ علينا اليوم نماذج من المؤمنين الَّذين قبل النَّاموس وفيه، ما كابده رجال الله للحفاظ على الإيمان.

والجميل بهذا النَّصّ الموجَّه إلى العبرانيّين أنَّ الرَّسول المصطفى بولس أعطى النَّبيّ موسى مثلًا لسامعيه من اليهود، بعد أن استشهد بإيمان إبراهيم واسحق ويعقوب ويوسف مسبقًا وكذلك باقي أتقياء الله بعده.

يقول الرَّسول بولس: "يا إخوة بالإيمان موسى لما كبر أبى أن يُدعى ابنًا لابنة فرعون واختار المشقَّة مع شعب الله على أن يكون له تمتُّعٍ وقتيّ بالخطيئة واعتبر عار المسيح غنًى أعظم من كنوز مصر لأنَّه كان ينظر إلى المجازاة".

المؤمن الَّذي يختبر حضور الله في حياته يُدرك عمق الكلام الَّذي يقصده الرَّسول بولس، والَّذي يؤكِّد أنَّ الله حاضرٌ دائمًا وهو هو أمس واليوم وإلى الأبد وأنَّ الارتباط به والثَّبات على الإيمان المستقيم يؤدِّي إلى تحقيق الكمال والقداسة وذلك لأنَّ مَن يصبر إلى المنتهى فهذا يخلُص.

لقد استخدم بولس صورتين أو تعبيرين تعبِّران عن واقع المؤمن على مَرِّ التَّاريخ، فهو معرَّضٌ للوقوع في البحث عن الرَّاحة بدل المشَقَّة فيعلق بالتَّالي بشباك اللَّذَّة والسُّلطة وهذا ما يسمِّيه بالتَّمتُّع الوقتيّ بالخطيئة، فمَن يضيِّع انتسابه الإيمانيّ وتضعف فيه العقيدة يصبح من السَّهل ابتلاعُه، لذا لا مكان للمُسايرة عند بولس فيما يتعلَّق بالإيمان، ولو كان يتطلَّب الأمر احتمال المشقَّة والتَّعيير، لا بل يدعو إلى اعتبار التَّعيير لمَن يثبت على الإيمان المستقيم غنًى أعظم من كنوز مصر. والتَّعبير الثَّاني الملفِت للنَّظر هو بولس يقول أنَّ موسى اعتبر عار المسيح أعظم من كنوز مصر، مؤكِّدًا أنَّ كلَّ المؤمنين في العهدَيْن كانت تربطهم وَحدة الايمان بالرَّبِّ يسوع، ومع كلِّ ما قاسَوه من تعذيب وضيقات فهم ينتظرون المكافأة بمعيَّتنا نحن، وهذا بالنِّسبة للمسيحيّ يُعتَبَر فخرًا لأنَّ الإيمان الحقيقيّ والمستقيم المسلَّم إلينا عبر الرُّسُل يحمل فيه ملء الحياة الَّتي بالمسيح يسوع، ربَّنا وإلهنا له المجد إلى الأبد.

استقامة الرّأي

تُعَيِّدُ الكنيسة المقدَّسة، في الأحد الأوَّل من الصَّوْم الكبير، لذكرى رفع الإيقونات المقدَّسة وانتصار الأرثوذكسيَّة، أي الإيمان القويم. نستذكر حَدَثًا هامًّا من تاريخ الكنيسة، أي دَحر هرطقة محاربة الإيقونات الشَّريفة. لقد ثبَّتَتْ الكنيسة في مجمع القسطنطينيَّة المنعقد عام842، عيد انتصار الأرثوذكسيَّة أي استقامة الرَّأي، بعد نضالٍ دام أكثر من قرن. وكان عُقِدَ قبلَهُ، في العام  787 في مدينة نيقية، المجمع المسكونيّ السَّابع الَّذي أدانَ تلك الهرطقة وأعادَ إكرام الإيقونات ورَفْعِها.

إنَّ الهراطقةَ لم يرفضوا فقط الإيقونات الَّتي تشَكِّلُ نافذةً يَمرُّ مِن خلالِها شعاع نورٍ يُضيء ظلمةَ النَّفْسِ البشريَّة، بل أيضًا التَّعليم القَويم عن المسيح  كإلهٍ تامٍ وإنسانٍ تام. إنَّ رَفضَ إكرام الإيقونات يعني إنكار تجسُّد ابن الله الَّذي يُشّكلُ عقيدةً أساسيَّةً في إيمانِ الكنيسة. وقد تسبَّبَتْ هذه الهرطقة وغيرها، منذ أيَّام الرُّسُل القدِّيسين، بإراقةِ دماءٍ زكيَّةٍ، إذْ استشهَدَ قدِّيسون ومعترفون كُثُر دفاعًا عن إيمانِهم، في مواجهةِ التَّعاليم الخاطئة والمنحرفة الَّتي حاولت إفساد جسد الكنيسة. لم تضع الكنيسة هذا العيد لأسبابٍ تاريخيَّة فقط، ولم يثبِّته الآباء القدِّيسون في الأحد الأوَّل من الصَّوْم إعتباطيًّا، بل لأنَّ انتصارَ الإيمان المستقيم في نفسِ كلِّ مؤمنٍ هو الهدفُ الأساسيّ للصَّوْم، أي الإنتصار على الهرطقةِ وخِدَع الشَّيطان، الإيمان والاعتراف بيسوع المسيح ابن الله الحَيّ القائم من بين الأموات.

الأرثوذكسيَة هي إيمانٌ بالبشارة والتَّمسُّك بما تسلَّمناه من الرَّبِّ ورسلِه وقدِّيسيه. الأرثوذكسيَّة هي أن نتبعَ تعاليم المسيح دون تحريف، وأن نتوبَ عن سقطاتِنا، وأن نسعى، بجهادٍ وصلاةٍ وتواضعٍ، إلى المثالِ الَّذي خَسِره آدم، فنُصبح إيقوناتٍ حَيَّةٍ تنقل صورةَ المسيح إلى الجميع: الجائع والمريض والعريان والمسجون والغريب والمظلوم... استقامةُ الرَّأي ليست تغنِّيًا بالعقائد والتَّعاليم الآبائيَّة بل هي تثميرٌ حَيٌّ لها أي أن نكون صخورًا إيمانيَّةً، كنائس حَيَّة لا تَقوى عليها أبواب الجحيم. وهذا لا يحدثُ بِمَعْزِلٍ عن محبَّةِ الآخَر الَّذي نَصِلُ به ومعه إلى الحياة الأبديَّة.

هذه هي المحطَّةُ الأولى في رحلتِنا نحو القيامة الَّتي تُشكِّلُ أساس إيمانِنا. فلنجاهد باستقامةٍ لكي نصلَ إلى فرحِ الفصحِ المُقدَّس.

الصَّوْم الكبير- رحلتنا نحو الفصح

المطران بولس يازجي 

الصَّوْم الكبير رحلة روحيَّة غايتها الأخيرة الفصح فهناك آحاد التَّهيئة الأربعة ثمَّ فترة الأسابيع السِّتَّة على مدى أربعين يومًا وأخيرًا الأسبوع العظيم. الفصح هو دعوة دائمة لكلٍّ منَّا لكي يعبر إلى حياةٍ جديدةٍ أفضل. ولأنَّ الكنيسة تدرك وتعرف ضعف البشر وعدم قدرتهم على التَّغيُّر السَّريع والانتقال من حالة روحيَّة إلى حالةٍ روحيَّة أفضل، لذلك تذكِّرنا من خلال الصَّوْم وما يرافقه من صلوات وقراءات بأهميَّة حدث القيامة في حياتنا الشَّخصية وتهيِّئنا روحيًّا لاستقبال هذا الحدث وعيشه والعبور إلى الأفضل.

ليس الصَّوْم حرمانا، الصَّوْم لغة نخاطب بها الله، إنَّه عودة إلى الله إنَّه تحوُّلٌ في القلب والإرادة.

المهمّ في الصَّوْم أنْ نحدِّد غاية حياتنا؟ أهي الله أم المادَّة.

الصَّوْم يعني إمساك أي أن يُمسك الإنسان نفسه ويكون سيِّدًا عليها وعلى شهواته ورغباته أي ضبط النَّفْس.

في الصَّوْم يجعل الإنسان الله محور حياته. والصَّوْم يجعل الله في وسط حياتنا فيقودنا إلى الحضرة الإلهيَّة وإلى المُثول أمامه.