Menu Close
010226

نشرة كنيستي

نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.

أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي

كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.

أحد الفرّيسيّ والعشّار (تقدمة عيد الدُّخول)         

العدد 5

الأحد 01 شباط 2026

اللّحن 1- الإيوثينا 1

أعياد الأسبوع: *1: تقدمة عيد دخول السَّيِّد إلى الهيكل، الشَّهيد تريفُن *2: عيد دخول ربِّنا يسوع المسيح إلى الهيكل *3: البارّ سمعان الشَّيخ، حنَّة النبيَّة *4: البارّ إيسيذوروس الفرميّ *5: الشَّهيدة أغاثي *6: الشَّهيد إليان الحمصيّ، القدِّيس بوكولوس أسقف إزمير، القدِّيس فوتيوس بطريرك القسطنطينيَّة *7: القدِّيس برثانيوس أسقف لمبساكا، البارّ لوقا الَّذي كان في استيريون (اليونان).

كلمة الرّاعي 

التَّكريس لله

"لأجلهم أقدِّس أنا ذاتي، ليكونوا هم أيضًا مقدَّسين في الحَقّ" (يو 17: 19)

في الثَّاني من شباط تعيّد الكنيسة المقدَّسة لعيد دخول السَّيِّد إلى الهيكل (راجع لوقا 2: 22-40). فبعد ولادة يسوع، وفقًا للشَّريعة اليهوديَّة، كان على العائلة تقديم الطّفل إلى الله في الهيكل بعد 40 يومًا من الولادة (حسب شريعة التَّطهير في سِفر اللَّاويِّين (12: 2-8). في الهيكل، قابله الشَّيخ الصَّالح سمعان الَّذي كان ينتظر "تعزية إسرائيل"، وأعلن أنَّ يسوع هو المسيح المنتظَر. كما قابلت مريم ويوسف، أيضًا، النَّبيّة حنَّة الَّتي كانت تخدم في الهيكل وتبشِّر بقدُوم المسيح. كانت الشَّريعة تحدِّد أن يؤتى "بِخَرُوفٍ حَوْلِيٍّ مُحْرَقَةً، وَفَرْخِ حَمَامَةٍ أَوْ يَمَامَةٍ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ"، ولكن "إِنْ لَمْ تَنَلْ يَدُهَا كِفَايَةً لِشَاةٍ تَأْخُذُ يَمَامَتَيْنِ أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ، الْوَاحِدَ مُحْرَقَةً، وَالآخَرَ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ". وتقول الشَّريعة أيضًا، "لِي كُلُّ فَاتِحِ رَحِمٍ، (...). كُلُّ بِكْرٍ مِنْ بَنِيكَ تَفْدِيهِ، وَلاَ يَظْهَرُوا أَمَامِي فَارِغِينَ" (خر 34: 19 – 20). المفارقة أنّ مريم ويوسف حضرا إلى الهيكل، لكن لا يذكر الإنجيليّ ماذا أحضرا معهما ممّا تأمر به الشَّريعة للتَّقدمة وللتَّطهير. فقط يذكر الإنجيليّ أنَّ الشَّريعة تطلب تقديم: "زَوْجَ يَمَامٍ أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ"، مشيرًا بذلك إلى أنّ مريم ويوسف كانا من الفقراء...

*             *             *

واضع الشَّريعة الَّذي وُلد من مريم ووُضِع في مذود البهائم يأتي بتواضع الفقير ليتمّ الشَّريعة، لكنّه هو الغنيّ الَّذي افتقر طوعًا ليُغنينا نحن الفقراء. في الهيكل كان فرخا الحمام ينتظران واضع النَّاموس باستعداد ولكن لا ليُقدِّما ذبيحة خطيَّة، بل لينالا التَّطهير من الحمل الآتي ليُذبَح ليرفع الخطيّة عنهما وعن العالم أجمع ويحرّر البشريَّة من سلطانها ومن الموت. مريم ويوسف أحضرا الحمل الحَوْليّ ليُقدّم إلى الهيكل حملًا فصحيًّا لخلاص البشريَّة جمعاء. بحسب الشَّريعة البكر مقدَّس للرَّبّ، لكن لأنَّ الله اختار سبط لاوي ليكون مقدّسين لخدمة الهيكل لذلك طلبت الشَّريعة أن يُفدى كلّ بكر بتقدمة. قدّم مريم ويوسف إلى الهيكل النَّاموسيّ الهيكلَ الحَيّ الحقيقيّ لله الَّذي هو الهيكل الطَّاهر والنَّقيّ. الَّذي قُدِّس لله بحسب الشَّريعة صار هو المُقَدِّس للبشريّة أجمع. لقد قدَّس العليّ مسكنه بدم حمل الله المذبوح لأجل حياة العالم. هو أتى إلى الهيكل ليُقدَّس لله ويُقدِّس الهيكل الأبديَّ للرَّبّ أي الكنيسة-جسده بدمه.

التَّقديس هو التَّخصيص والتَّكريس والإفراز لله. يسوع الَّذي هو ابن الله بالطَّبيعة واللَّاهوت وابن العذراء بالجسد، تنازل أن يأتي إلى الهيكل الَّذي دُعي باسمه عليه ليجعله من جديد هيكلًا لله بعد أن جعله اليهود "مغارة لصوص" (إر 7: 11). لا بُدَّ من دمار الهيكل القديم بسبب إظلام اليهود (راجع إر 7: 1 – 14) وحتَّى يقوم الهيكل الجديد، وهذا ما حصل مع يسوع-هيكل الرَّبّ الَّذي "نقضه" اليهود على الصَّليب وأعاد الرَّبُّ بناءه وتشييده (راجع يو 2: 19) هيكلًا أبديًّا غير قابل للدَّمار في ما بعد...

*             *             *

يا أحبَّة، يسوع دخل الهيكل طفلًا ذي أربعين يوما ليُقَدَّس لله بدم نفسه، فصار هو هيكل الله الَّذي يُقدِّس الخليقة الَّتي جمعها في هيكل جسده ووحَّدها بالألوهة الَّتي لأقنومه، حتّى يُقَدِّم لله "مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ وَأُمَّةً مُقَدَّسَةً" (خر 19: 6؛ راجع 1 بط 2: 9). كلّنا في يسوع صرنا مقدَّسين لله وعلينا أن نتبعه في تقديسه لذاته. يسوع قدَّس ذاته في طاعته لله "حتّى الموت موت الصَّليب" (في 2: 8)، ونحن لنكون مثله مُقدَّسين للرَّبِّ علينا أن نحمل صليبنا وراءه ونكرِّس حياتنا لطاعة "الكلمة". هذا يعني أنّنا مفروزون لله ومنه لإتمام مشيئته وإرادته، وأمّا إرادته فهي قداستنا (راجع 1 تس 4: 3) أي طهارتنا وحرِّيّتنا ومحبَّتنا لبعضنا البعض كما أحبّنا هو...

كُلّنا الَّذين اعتمدنا للمسيح قُدِّسنا لله وفُرزنا وخُصّصنا له، لكنَّ هذا التَّقديس يبقى إمكانيّة طالما لم نختر أن يكون الله "الكلّ في الكلّ" (1 كو 15: 28) في حياتنا، وهو الواحد بروحه الواحد يصنع فينا وبنا كلّ أعماله من كَلاَمِ حِكْمَةٍ، أو كَلاَمِ عِلْمٍ، أو إِيمَانٍ أو مَوَاهِبُ شِفَاءٍ، أو عَمَلِ قُوَّاتٍ، أو نُبُوَّةٍ، أو تَمْيِيزِ الأَرْوَاحِ ... "وَلكِنَّ هذِهِ كُلَّهَا يَعْمَلُهَا الرُّوحُ الْوَاحِدُ بِعَيْنِهِ، قَاسِمًا لِكُلِّ وَاحِدٍ بِمُفْرَدِهِ، كَمَا يَشَاءُ" (1 كو 12: 11). لاقتناء مواهب الرُّوح لا بُدَّ من بذل الدَّمّ أي حمل صليب الطَّاعة للكلمة الإلهيَّة وسلوك درب التَّوبة بالدُّموع وتغيير الفكر والحياة فتصير حياتنا تقدمة حيَّة وذبيحة يوميَّة على مذبح محبَّة الله ومحبَّة القريب حتّى يتمجَّد الله فينا وفي مَنْ نُحِبّ إذْ نتعلَّم تقديس ذاتنا لأجلهم كما قدّس هو ذاته لأجلنا...

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع...

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

طروباريَّة القيامة (باللَّحن الأوّل)

إنَّ الحجرَ لما خُتِمَ مِنَ اليَهود. وجَسَدَكَ الطّاهِرَ حُفِظَ مِنَ الجُند. قُمتَ في اليومِ الثّالثِ أَيُّها المـُخلِّص. مانِحًا العالمَ الحياة. لذلكَ قوّاتُ السّماوات. هتفوا إليكَ يا واهبَ الحياة. المجدُ لقيامتِكَ أَيُّها المسيح. المجدُ لِمُلكِكَ. المجدُ لتدبيرِكَ يا مُحبَّ البشرِ وحدك.

طروباريَّة تقدمة دخول السَّيِّد إلى الهيكل (باللَّحن الأوَّل)

المصفٌّ السَّماويّ من القناطر السّماويَّة، قد انحنى مُشرفًا على الأرض، فنظر بكر كلِّ الخليقةِ مَحمولًا إلى الهيكلِ كطفلٍ مُرضَعٍ، من أمٍّ لم تعرف رجلًا، فدُهشوا مرتّلين معنا الآن لتقدمةِ العيد ترتيلَا رهيبًا.

طروباريَّة الشَّهيد تريفُن (باللَّحن الرَّابع)

شَهيدُكَ يا ربُّ بجِهاده نالَ منكَ الإكليل غيرَ البالِي يا إلهَنا، لأنَّهُ أحْرَزَ قوَّتَكَ، فَحَطَّمَ المُغتَصبين وسَحَقَ بأسَ الشّياطين الَّتي لا قُوَّة لها، فبتوسّلاتهِ أيّها المَسيح الإله خَلِّص نفوسنا.

قنداق تقدمة دخول السَّيِّد إلى الهيكل (باللَّحن الرَّابع)

هلمُّوا أيُّها المؤمنون لنبسُط الأحضانَ ونقتبل بعقلٍ طاهرٍ الرَّبَّ مُقبٍلًا، ونرتِّل التَّسابيحَ لتقدمَةِ العيد.

الرِّسالة (2 تيمو 3: 10- 15)

صلُّوا وأَوْفُوا الرَّبَّ إلهَنا     

الله معروفٌ في أرضِ يهوذا 

يا ولدي تيموثاوس، إنَّكَ قد اِستقرأتَ تعليمي وسيرتي وقصدي وإيماني وأناتي ومحبَّتي وصَبْري واضطهاداتي وآلامي، وما أصابني في أَنطاكية وإيقونية ولُستَرة، وأيّةَ اضطهاداتٍ احتملتُ، وقد أنقذني الرَّبُّ مِن جميعها. وجميعُ الَّذين يريدون أن يعيشوا بالتَّقوى في المسيح يسوعَ يُضطهَدون. أمّا الأشرارُ والمُغوُونَ من النَّاس فيزدادون شرًّا مُضِلِّين وضالّين. فاستمِرَّ أنتَ على ما تعلّمتَه وأيقنتَ به، مِمَّن تعلّمتَ، وأنّك منذ الطّفوليّةِ تعرف الكتبَ المقدّسة القادرةَ على أن تُصَيِّرَك حكيمًا للخلاص بالإيمان بالمسيح يسوع.

الإنجيل (لو 18: 10- 14)

قال الرَّبُّ هذا المَثل: إنسانانِ صعِدا إلى الهيكلِ ليُصَلِّيا، أحدُهما فَرّيسيٌّ والآخَرُ عَشَّار. فكان الفَرّيسيُّ واقفًا يُصَلّي في نفسه هكذا: "اللّهُمَّ إنّي أشكرك لأنّي لستُ كسائر النَّاس الخَطَفَةِ الظّالمين الفاسقين، ولا مثلَ هذا العشّار. فإنّي أصومُ في الأسبوع مرّتين وأعشّر كلّ ما هو لي". أمّا العشّار فوقف عن بُعدٍ ولم يُرِدْ أن يرفع عينيه إلى السَّماء، بل كان يَقرَعُ صدرَه قائلًا: "اللّهمَّ ارحمني أنا الخاطئ". أقولُ لكم إنّ هذا نَزَل إلى بيته مُبرَّرًا دون ذاك. لأنّ كلَّ من رفع نفسه اتّضع، ومن وضع نفسه ارتفع.

حول الإنجيل

اليوم هو أحدُ الفرّيسيّ والعشّار، أي بَدءُ التّريودي؛ وفيه نَقف على قاب قوْسَين من الصّوم الأربعينيّ الَّذي يقترب. وقد رتّب آباؤُنا القدّيسون أن يُتلى في هذا الأحد النَّصُّ الإنجيليّ الَّذي سمعنا من لوقا، وفيه أنّ اثنين صعدا إلى الهيكل ليُصلّيا، أحدُهما فرّيسيٌّ والآخَرُ عشّار. الفرّيسيُّ شَمخَ برأسه وجعل يتشاوفُ بأنّه ليس مثلَ "هذا العشّار"، فلم تُقبَل صلاتُه لأنّها كانت مُفعَمةً صلَفًا وكبرياءً وإدانةً للآخَر. أمّا العشّارُ فوقف أمام ربّه متذلِّلًا، لا يشاءُ أن يرفع رأسَه، لأنّه يعرف نفسَه خاطئًا، ويلتمس من ربّه المغفرةَ... فكانت صلاتُه مَرضيّةً لدى الرَّبّ ومقبولةً، لأنّها نابعةٌ من قلبٍ مُنكسرٍ خاشع.

من الواضح أنّ ما قصَدَه الآباء من هذا المثل إنّما هو تذكيرُنا بالأساس الَّذي رُبّما غاب عنّا، وهو أنّ الصّوم الَّذي نتهيّأ له إنّما نَدخلُه من بوّابةٍ ذاتِ مِصراعَين: الأوّلُ هو الصّلاة، والثّاني هو الإنسحاق والتّوبة، غيرَ غافلين طبعًا عن محبّة القريب. فبمعزلٍ عن هذا الأساس يفقد الصَّوم معناه وروحيّته وغايته، ولا يبقى منه سوى أَطعمةٍ وجوف، و"سيُبيدُ الله هذا وتلك" على ما يقول بولس في 1 كور 13:6.

على أنّ ما يَهمّنا في هذه العُجالة إنّما هو موضوع الصّلاة، وسنُقاربه في ضوء المثل الَّذي سَمِعْنا. فإذا كان ثَمّةَ ما يُعطِّلُ فاعليّةَ الصّلاة، ويُفرغُها من مضمونها، فهو الانتفاخ والعُجُب. فأَنت، مُصلِّيًا، لا تستطيع أن تَمثُل أمام ربّك معتدًّا بما أنتَ عليه ومُستكبرًا. أنتَ تَمثُل أمامَ ربّك منسحقًا، منكسرًا، وهو، بنعمته، يرأَف بضعفك، ويَجبُرُ انكسارَك، ويرفعك إلى المَقام الَّذي يَليقُ بإنسانيّتك بعد أَنِ اشتُرِيَت إنسانيّتُك بدمٍ كريم. أنتَ، مُصلِّيًا، حَسبُكَ أن تُردّدَ مع مَنسّى ملكِ اليهوديّة: "قد تَكاثَرَت آثامي يا ربُّ... ولستُ بأهلٍ أن أتفرّسَ وأَنظرَ علوَّ السّماء من كثرة ظُلمي...". الصّلاة، قبل أن تكون طقوسًا نُتمّمها وتسابيحَ تَصدَحُ بها حناجرُنا، هي تَخشُّع قلبٍ وانسحاق روح؛ هي موقفٌ كيانيّ، داخليٌّ، روحيٌّ، تُترجمُه عباراتٌ طقسيّةٌ وتسابيح. هي أن تُفرِغَ ذاتَك من كلّ ما يحُولُ دُونَ سُكنى اللهِ فيها، ليملأَها هو من حضرته. إنّ حضرة الله لا تتعايشُ والاِهتماماتِ الدّنيويّةَ، ولذا نُرتّل في التّسبيح الشاروبيميّ (الشّاروبيكون): "لِنطرحْ عنّا كلَّ اهتمامٍ دنيويّ كونَنا مُزمعين أن نستقبلَ ملكَ الكلّ". ثَمّةَ، في الحياةِ الرّوحية وهي الحياةُ في المسيح –، حالتان اثنتان لا تتعايشان: الصّلاةُ، من جهة، والاِمتلاءُ من الذّات، من جهةٍ أخرى. أنتَ، مُصلّيًا، لكَ أن تَمثُلَ أمام الرّبّ فقيرًا، وتقولَ له ما قاله المطران جورج خضر، لسنواتٍ خَلَت، في أَحد تأمّلاته الميلاديّة: "أنا صِفرُ اليدَينِ يا ربّ، هَلّا قبلتَ فَقري هديّة؟". إذ ذاك يَخلعُ هو عليك سِترَ رحمانيّته ويَملؤُك من خيريّته على قَدْر معرفته هو بما أنتَ مُحتاجٌ إليه.

إنّ الأدبيّاتِ الدينيّةَ في مَشرقنا مُتّفقةٌ على تحديد الإنسان بأنّه "كائنٌ مُسبِّح"؛ ما يعني أنّ الحالة الطّبيعيّة للمؤمن أن يكون في تَواصلٍ دائمٍ مع ربّه. هذه هي الصّلاة، وبها ينبغي لنا أن نتهيّأ للصّوم الَّذي بات على الأبواب.

عطاء القلب

لا يُفهم العطاء كمجرَّد فعلٍ خارجيّ أو اِلتزامٍ أخلاقيّ، بل كحالةٍ داخليَّة نابعةً من قلبٍ متَّحِد بالله. فالقلب في الكتاب المقدَّس وتعليم الآباء هو مركز الكَيان الإنسانيّ، وموضع اللِّقاء مع النِّعْمَة الإلهيَّة.

يُعلن الكتاب المقدَّس أنَّ الله لا ينظر إلى قيمة العطيَّة في ذاتها، بل إلى القلب الَّذي يقدِّمها. يقول الرَّسُول بولس: «كُلُّ وَاحِدٍ كَمَا يَنْوِي بِقَلْبِهِ، لَيْسَ عَنْ حُزْنٍ أَوِ اضْطِرَارٍ، لأَنَّ الْمُعْطِيَ الْمَسْرُورَ يُحِبُّهُ اللهُ» (٢ كورنثوس ٩: ٧). فالفرح في العطاء هو علامةُ عمل الرُّوح القدس في القلب، حيث يتحرَّر الإنسان من الأنانيَّة ويمتلئ بمحبَّة الآخر. ويربط السَّيِّد المسيح بين عطاء القلب والكنز الحقيقيّ، قائلًا: «لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا» (متى ٦: ٢١).
بهذا يُعلن أنَّ القلب يتَّجِه دائمًا نحو ما يحبُّه، وأنَّ العطاء يكشف عن الاتِّجاه الحقيقيّ لحياة الإنسان: إمَّا نحو الأرضيَّات أو نحو الملكوت.

شدَّد الآباء القدِّيسون على أنَّ العطاء هو اشتراك في محبَّةِ الله ذاته. يقول القدِّيس يوحنَّا ذهبيّ الفم:
«ليس الفقير هو الَّذي لا يملك شيئًا، بل الَّذي لا يريد أن يُعطي».
فالعطاء ليس مرتبطًا بوفرة المال، بل بوفرة المحبَّة. مَن يُعطي بقلبٍ مفتوح يصير غنيًا بالله، حتّى وإنْ كان فقيرًا بحسب العالم.

أمَّا القدِّيس باسيليوس الكبير فيقول:
«الخبز الَّذي تخبِّئه هو للجائع، والثَّوْب الَّذي تحتفظ به هو للعُريان».
في هذا التَّعليم نرى أنَّ العطاء ليس تفضُّلًا، بل مسؤوليَّة نابعة من فهمنا أنَّ كلَّ ما نملكه هو وديعة إلهيَّة. القلب المعطاء هو قلبٌ واعٍ بأنَّ الله هو المصدر الحقيقيّ لكلِّ خَيْر.

وفي التَّقليد النُّسكيّ الأرثوذكسيّ، يُنظَر إلى عطاء القلب كطريقٍ للتَّطهير الدَّاخليّ. يقول القدِّيس إسحق السُّريانيّ: «القلب الرَّحيم هو نارٌ تتَّقِد من أجل الخليقة كلِّها».
فعندما يتَّسِع القلب بالرَّحمة، يصير شبيهًا بقلب المسيح الَّذي بَذَلَ ذاته عن العالم كلِّه.

ختامًا، عطاء القلب هو فعلُ عبادةٍ، وتعبيرٌ حَيٍّ عن الاتِّحاد بالله. إنَّه ثمرة حياة توبةٍ وصلاة، حيث يتحوَّل القلب من الانغلاق على الذَّات إلى الانفتاح بالمحبَّة. وعندما يُعطي الإنسان من قلبه، لا يفتقر، بل يدخل في غِنى النِّعْمَة، ويصير شاهدًا حيًّا لمحبَّة الله العاملة في العالم.