Menu Close
181026

نشرة كنيستي

نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.

أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي

كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.

الأحد (20) بعد العنصرة   

العدد 42

الأحد 18 تشرين الأوَّل 2026

اللَّحن 3- الإيوثينا 9

أعياد الأسبوع: *18: الرَّسول لوقا الإنجيليّ *19: النَّبيّ يوئيل، الشَّهيد أُوّارس *20: الشَّهيد أرتاميوس، جراسيموس النَّاسك الجديد *21: البارّ إيلاريُّون الكبير، القدَّيسة مارينا الَّتي من رايثو *22: إفيركيوس المعادل الرُّسُل، الفتية السَّبعة الَّذين في أفسُس *23: يعقوب الرَّسُول أخو الرَّبّ وأوَّل أساقفة أورشليم *24: الشَّهيد أريثا (الحارث) ورفقته.

كلمة الرّاعي 

السُّلطان الرَّسُوليّ

"مَن سَمِعَ مِنكُم فَقَد سَمِعَ مِنِّي" (لو ١٠: ١٦)

الكنيسة جسد المسيح وهو الرَّأس، وسلطانها يأتي من الرَّأس الَّذي يقود الجسد ويحرِّكه. هذا السُّلطان ليس سُلطانًا بشريًّا انبثق من إجماع الجماعة، ولا سُلطانًا مؤسَّساتيًّا تراكَم عبر التَّاريخ، بل هو سُلطانٌ ممنوحٌ من فوق، متجذّر في الرَّسُوليّة الَّتي أسَّسها يسوع حين قال لتلاميذه الإثنَيْ عشر: "لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ، وَأَقَمْتُكُمْ لِتَذْهَبُوا وَتَأْتُوا بِثَمَرٍ، وَيَدُومَ ثَمَرُكُمْ" (يو ١٥: ١٦)، وحين قال للسَّبعين وهُم يَعودون من رسالتهم فَرِحين: "مَن سَمِعَ مِنكُم فَقَد سَمِعَ مِنّي، ومَن رَذَلَكُم فَقَد رَذَلَني، ومَن رَذَلَني فَقَد رَذَلَ الَّذي أَرسَلَني. “ثلاث حلقات في سلسلة واحدة: "أنتم"، "أنا"، "الَّذي أرسلني" أي "الآب". وفي هذه الحلقات الثَّلاث يكمن سرُّ السُّلطان الرَّسُوليّ كلِّه.

*             *             *

حين عاد السَّبعون وأخبروا الرَّبَّ أنَّ الشَّياطين تخضع لهم باسمه، توقَّعنا أنْ يُبارك يسوع هذا الإنجاز ويُثني عليه. لكن جاء جوابه صادِمًا بعُمقه: "لا تفرحوا بهذا أنَّ الأرواح تخضع لكم، بل بالأحرى افرحوا بأنَّ أسماءكم كُتبت في السَّماوات." يسوع لا يُقلِّل من قيمة السُّلطان الَّذي منحه، لكنَّه يُحذِّر من أن يصبح السُّلطان موضع فخر أو امتلاك. السُّلطان ليس للرُّسُل من أجل الرُّسُل، بل للرُّسُل من أجل الملكوت والبشارة به. حين يُصبح السُّلطان غاية في ذاته ينقلب إلى خطر، وحين يبقى خادمًا لغايةٍ أسمى، وهي الشَّرِكَة مع الله والخلاص، يصير بركة. والفرق بين امتلاك السُّلطان وحمله هو الفرق بين المؤسَّسة الدِّينيَّة الدُّنيويَّة والجماعة الرَّسُوليّة الحَيَّة. فالمؤسَّسة الدِّينيَّة الدُّنيويَّة هي الجماعة الدِّينيَّة حين تنسى رسالتها الرُّوحيَّة وتتصرَّف كمؤسَّسة بشريَّة عادِيَّة، تسعى إلى الحفاظ على نفسها وسلطتها ونفوذها بالأدوات الدُّنيويَّة ذاتها الَّتي تستخدمها الدُّوَل والمؤسَّسات البشريَّة، فتعتبر السُّلطة حقًّا مكتسبًا تدافع عنه لا أمانة تؤدِّيها وتخضع لحسابها، ويتحوَّل الأسقف أو الكاهن فيها من خادم إلى حاكم، ومن راعٍ إلى مدير. أمَّا الجماعة الرَّسُوليّة الحَيَّة فهي الكنيسة حين تعيش رسالتها الحقيقيَّة كجسد يسوع المسيح في العالم، لا تملك سلطانًا بل تحمله، لا تسعى إلى النُّفوذ بل إلى الخدمة، لا تفرض الإيمان بل تشهد له بحرِّيَّة وبمحبَّة.

*             *             *

السُّلطان الرَّسُوليّ في المفهوم الأرثوذكسيّ ليس أوَّلًا سلطة إداريَّة، بل هو قبل كلِّ شيء حضور المسيح في وسط الجماعة بواسطة الَّذين أُرسِلُوا باسمه. إنَّ كلمة يسوع "مَن سَمِعَ مِنكُم فَقَد سَمِعَ مِنّي" ليست مجرَّد تفويض عَمَليّ، بل هي إعلان هويَّة: الرَّسُول حين يقوم بمهمَّتِه الرَّسُوليّة الحقيقيَّة ليس مجرَّد ممثِّل للمسيح، بل هو حضور المسيح ذاته في مكانٍ وزمانٍ محدَّدَيْن، وحين يتكلَّم فهو صوت المسيح الكلمة، لا صوت نفسه هو. ولهذا السَّبب يُؤكِّد التَّقليد الأرثوذكسيّ أنَّ السُّلطان الرَّسُوليّ لا ينقطع، ليس لأنَّ المؤسَّسة الكنسيَّة تضمن ذلك قانونيًّا، بل لأنَّ المسيح الحَيّ يضمن حضوره في كنيسته إلى انقضاء الدَّهر. التَّسلسل الرَّسُوليّ (Apostolic Succession)  هو التَّعبير الظَّاهر عن هذا الحضور المستمرّ والسِّرِّيّ، لكنَّه يبقى رمزًا ميتًا إن لم يكن مملوءًا روحًا وحياةً جديدة.

*             *             *

حين نقرأ مقطع رسالة بولس إلى أهل كولوسي (كول ٤: ٥-١٨)، نجد أنفسنا أمام وثيقة حَيَّة عن كيفيَّة ممارسة السُّلطان الرَّسُوليّ في الواقع اليَوْميّ. بولس يكتب وهو في السِّجن، "اذكروا قيودي". الرَّسول الكبير، الَّذي يتكلَّم بسُلطان المسيح ذاته، يكتب من وراء القضبان. ليس هنا شيء من بهاء السُّلطة الدُّنيويَّة، بل هو سلطان المحبَّة المصلوبة الخادمة. وهذا تعليم جوهريّ. ثمَّ لنتأمَّل كيف يتكلَّم بولس عن مُعاونيه: تيخيكوس "الأخ الحبيب والخادم الأمين"، أنيسمس "الأخ الأمين الحبيب"، أبفراس "عبد المسيح مجاهد كلّ حين في الصَّلوات"، لوقا "الطَّبيب الحبيب". كلُّ واحدٍ مِن هؤلاء يؤدِّي دورًا في البُنيان الرَّسُوليّ، لا هرميًّا، بل عضويًّا بالمعنى الجسديّ الحَيّ، كأعضاء جسدٍ واحدٍ، كلٌّ في موضعه والكلُّ في خدمة المسيح. السُّلطان الرَّسُوليّ عند بولس ليس تراتبيَّة تُفرَض من فوق، بل شبكة من العلاقات المبنيَّة على المحبَّة والثِّقَة والمسؤوليَّة المشتركة. وكلُّ موضعٍ خادمٍ للكلّ، والكلّ خادم للمسيح. ولا يفوت بولس أن يُذكِّر أرخيبوس: "تأمَّل الخدمةَ الَّتي تسلَّمتَها في الرَّبّ حتَّى تُتِمَّها"، فالسُّلطان الرَّسُوليّ هو مسؤوليَّة إتمام الخدمة، لا مجرَّد حمل اللَّقَب.

*             *             *

يبدأ بولس هذا المقطع من رسالته إلى أهل كولوسي بكلمة محوريَّة: "اسلُكوا بحكمةٍ مِن جهة الَّذين في الخارج مُفتَدين الوقت". السُّلطان الرَّسُوليّ لا يُمارَس فقط داخل الكنيسة، بل له توجُّه وشهادة نحو العالم. وهذا التَّوجُّه والشَّهادة يجب أن يكونا بحكمة: "وليَكُن كلامكم كلَّ حينٍ ذا لُطفٍ مُصْلَحًا بملح حتَّى تعلَموا كيف ينبغي لكم أن تجاوبوا كلَّ واحد". الملح الَّذي يُعطي الطَّعام نكهةً دون أن يظهر فيه خارجيًّا هو صورة جميلة للكيفيَّة الَّتي ينبغي أن تحضر بها الكنيسة في العالم: لا بضجيج الهيْمَنَة، ولا بصمتِ الاختفاء، بل بحُضورٍ مُنكِّه يُعطي الكلام طعمه الحقيقيّ والحياةَ قيمتها الإلهيَّة، إنَّه حضور خفيّ يحوّل الحياة إلى "حياة أفضل" (يو 10: 10). وهذا ما يتردّد في تعليم المطران جورج خضر طوال مسيرته اللَّاهوتيَّة: أنَّ الكنيسة في علاقتها بالعالم تشهد ولا تفرض، تدعو ولا تُكرِه، وأنَّ سلطان الكلمة وحده هو الَّذي يَليق بِمَن يحمل بشارة المسيح. السُّلطان الرَّسُوليّ ليس إكراهًا، هو دعوة. وقوَّته لا تأتي من خارجه بل من داخله، من صدق حامله وأمانته للرِّسالة.

*             *             *

مهمٌّ جدًّا ما ينقله لنا الإنجيليّ لوقا في ختام حديث يسوع مع السَّبعين إذْ يَقول: "تهلَّل يسوع بالرُّوح وقال: أعترف لك يا أبتِ ربَّ السَّماء والأرض"، ليُعلِّم تلاميذه أنَّ الفرح الحقيقيّ ليس في قوَّة السُّلطان بل في مشيئة الآب المتحقِّقة فيهم: "نعم يا أبتِ لأنَّك هكذا ارتَضَيْت". وهذا هو جوهر السُّلطان الرَّسُوليّ كلِّه: مصدره مشيئة الآب لا إرادة الإنسان. مِن هنا، حين يعمل الرُّسُل والأساقفة خلفاء الرُّسُل والكهنة والخدَّام بأمانة، فإنَّهم لا يضعون أنفسهم في موضع مَن يختبر حدود صلاحيَّاته أو يُثبت قدرته أو يُظهر نفوذه، بل يُسلِّمون أنفسهم لمشيئة الله الآب كما فعل يسوع، ويفعلون ما يفعلونه لأنَّ الله أراد ذلك، لا لأنَّهم يُريدون إثباتَ شيءٍ لأنفسهم أو للآخَرين. فالرَّبُّ شاء أن تُنقل البشارة بواسطة البشر، وأن يختار الإنسان الضَّعيف ليحمل رسالته العظيمة. وهذا ما يُعبِّر عنه بولس بقوله: "لكنَّنا نحمل هذا الكنز في أوانٍ خزفيَّة" (٢ كو ٤: ٧)، لأنَّ الإناء الخزفيّ لا يتباهى بطبيعته، إذْ يعلم أنَّ الكنز الَّذي فيه ليس منه وأعظم منه، وأنَّ مهمَّته الوحيدة هي ألَّا ينكسر بالخطيئة وأن يصطلح بالتَّوبة لئلَّا يخسر نعمة الله الَّتي يحملها.

*             *             *

يا أحبَّة، السُّلطان الرَّسُوليّ الحقيقيّ يسكن في قلب الإنسان – الطّفل، أي الَّذي يثق بالله ويسلمه حياته وفي الإنسان النَّقيّ القلب والبريء في حبِّهِ لله والإنسان أي مَن لا مصلحة خاصَّة عنده في حُبِّهِ وخدمته، لا في عقل الحكيم الَّذي يحسب ويدرس بمنطق العالم. هو بساطة التَّسليم لمن أُرسل، وأمانة الحضور أمام من أُرسل إليهم. نحن الأساقفة نحمل هذه المسؤوليَّة والرِّسالة والشَّهادة للرَّبّ، وكذلك الكهنة والشَّمامسة والعلمانيِّين، كلٌّ منهم يحمل شيئًا من هذا السُّلطان الرَّسُوليّ كلٌّ بحسب دوره. فكلُ مؤمنٍ معمَّد هو كاهن وملك ونبيّ بقوَّة معموديَّته، وكلُّ واحدٍ منَّا أُؤتمن على خدمةٍ ما: في عائلته، في رعيَّته، في عمله، في محيطه. والسُّؤال الَّذي يطرحه علينا هذا النَّص اليوم هو: هل نحمل هذا السُّلطان بأمانة؟ هل كلامنا مصلَح بملح؟ هل نفرح بأسمائنا المكتوبة في السَّماوات أكثر ممَّا نفرح بأنَّ الأرواح تخضع لنا؟ هل نتذكّر قيود بولس، أي ثمن الشَّهادة، حين نتكلَّم باسم المسيح؟!...

"تأمَّل الخدمةَ الَّتي تسلَّمتَها في الرَّبِّ حتَّى تُتِمَّها."

ومن له أذنان للسَّمْع فليسمع.

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

طروباريَّة القيامة (باللَّحن الثَّالث)

لِتفرحِ السَّماوِيَّات. ولتَبتَهِجِ الأرضِيَّات. لأنَّ الرَّبَّ صنعَ عِزًّا بساعِدهِ. ووَطِئَ المَوْتَ بالمَوْت. وصارَ بِكرَ الأموات. وأنقذَنا من جَوفِ الجحيم. ومَنَحَ العالمَ الرَّحمةَ العُظمى.

طروباريَّة القدِّيس لوقا (باللَّحن الثَّالث)

أيُّها الرَّسُول القدِّيس لوقا، تشفَّع إلى الإله الرَّحيم، أنْ يُنْعِمَ بغُفران الزَّلَّات لنُفوسِنا.

القنداق (باللَّحن الثَّاني)

يا شفيعَةَ المَسيحيِّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطة لدى الخالِق غيْرَ المردودة، لا تُعرضي عَنْ أصواتِ طلباتِنا نَحْنُ الخَطأة، بَلْ تدارَكينا بالمعونةِ بما أنَّكِ صالِحَة، نَحنُ الصارخينَ نحوكِ بإيمان: بادِري إلى الشَّفاعَةِ وأسَرعي في الطلْبَةِ يا والدَة الإلهِ، المُتشَفِّعَةَ دائمًا بمُكَرِّميك.

الرِّسَالة (كول 4: 5-18)

إلى كلِّ الأرض خَرَجَ صوتُهُ    

السَّماواتُ تُذيعُ مجد الله

 يا إخوةُ، اسلُكوا بحِكمةٍ من جهةِ الَّذينَ في الخارجِ مُفتَدينَ الوقت. وليكُنْ كلامُكُم كُلَّ حينٍ ذا لُطفٍ مُصلَحًا بملحٍ حتَّى تَعلَموا كيفَ ينبغي لكم أن تُجاوبوا كلَّ واحدٍ، جميعُ أحوالي سيُعلِمكم بها تيخيكوسُ الأخُ الحبيبُ والخادِمُ الأمينُ والعبدُ معي في الرَّبّ، الَّذي بعثتُه إليكم لهذا بِعينِهِ ليعرِفَ أحوالكم ويُعزِّي قلوبَكم مع أُنيسمُسَ الأخِ الأمين الحبيبِ الَّذي هو منكم. فهما يُعلِمانِكم بالأحوالِ ههنا. يسِلّمُ عليكم أرِستَرخُسُ الأسيرُ ومرقسُ ابنُ أختِ بَرنابا الَّذي أخذتُم في حَقّهِ وصاياتٍ. فإذا قدِمَ إليكم فاقبَلوه، ويَسوعُ المسمّى يُوستُس، الَّذين هم من أهل الختان. هؤلاءِ وحدَهم مُعاونيَّ في ملكوتِ الله وهم قد صاروا لي تَعزيةً. يسِلّمَ عليكم أَبَفْراسُ الَّذي هو مِنكم وهو عبدٌ للمسيحِ مُجاهدٌ كلَّ حينٍ لأجلِكم في الصَّلواتِ لكي تثبُتوا كاملين في مشيئةِ اللهِ كلِها. فإنِّي أشَهدُ لهُ بأنَّ لهُ غيرةً كثيرةً لأجلِكم ولأجلِ الَّذين في اللَّاذقيَّة والَّذين في إيرابولِس. يُسلِّمُ عليكم لوقا الطَّبيبُ الحبيبُ وديماسُ. سلِّموا على الإخوةِ الَّذينَ في اللَّاذقيَّةِ وعلى نمْفاسَ والكنيسةِ الَّتي في بيتِه. ومتى تُليَت الرِّسالةُ عندَكم فاعتنُوا بأن تُتلَى في كنيسةِ اللَّاذقيِّين أيضًا وأن تَتلوا أنتم تلكَ الَّتي من اللَّاذقيَّة. وقولوا لأرْخِبُّسَ تأمَّل الخدمةَ الَّتي تسلَّمتَها في الرَّبّ حتَّى تُتِمَّها. السَّلامُ بيدي أنا بولس. اذكروا قيودي. النِّعْمَةُ معكم. آمين.

الإنجيل (لو 10: 16-21)

قال الرَّبُّ لتلاميذِه: مَن سمِعَ منكم فقد سمع مني، ومَن رذلكم فقد رذلني، ومَن رذلني فقد رذَلَ الَّذي أرسلني. فرجَع السَّبعون بفرحٍ قائلين: يا ربُّ إنَّ الشَّياطين أيضًا تخضع لنا باسمك. فقال لهم إنِّي رأيتُ الشَّيطانَ ساقطًا من السَّماءِ كالبرق. وها أنا أُعطيكم سلطانًا أنْ تَدُوسوا الحَيَّات والعقاربَ وقوَّةَ العَدُوِّ كلَّها ولا يضُرُّكم شيءٌ. ولكن لا تفرَحوا بهذا أنَّ الأرواحَ تخضع لكم بل بالأحرى افرحوا بأنَّ أسماءَكم كُتبت في السَّماوات. وفي تلك السَّاعةِ تهلَّلَ يسوع بالرُّوح وقال: أعترف لك يا أبتِ ربَّ السَّماءِ والأرض لأنَّك أخفيتَ هذه عن الحكماءِ والعقلاءِ وكشفتَها للأطفال. نعم يا أبتِ لأنَّكَ هكذا ارتضَيت.

حول الرِّسالة

تجمع قراءات اليوم بين أمرين أساسيين في حياة الكنيسة: الإيمان الَّذي تسلّمناه، والسُّلطان الَّذي يمنحه المسيح لتلاميذه.

يقول الرب في إنجيل لوقا: «الَّذي يسمع منكم يسمع مني، والَّذي يرذلكم يرذلني». لاحظوا دقة الكلام: التلميذ لا يتكلم بسلطانه الخاص، بل لأن المسيح أرسله. ولذلك يقول أيضًا: «ها أنا أعطيكم سلطانًا». فالسُّلطان المسيحي ليس اختراعًا شخصيًا، ولا سلطة يأخذها الإنسان لنفسه؛ إنه عطية تأتي من المسيح إلى تلاميذه.

وعندما يفرح التلاميذ لأن الشياطين تخضع لهم باسم الرب، لا يسمح لهم المسيح أن يتحول هذا السُّلطان إلى مجد شخصي، بل يذكّرهم بأن فرحهم الحقيقي هو أن أسماءهم «مكتوبة في السماوات». فالخادم الحقيقي يعرف دائمًا مصدر سلطانه: المسيح نفسه.

وهنا نفهم أيضًا معنى الإيمان «المسلَّم مرة للقديسين». الإيمان المسيحي ليس شيئًا يعيد كل إنسان اختراعه بحسب فهمه الخاص. لقد تسلّمه الرُّسُل من المسيح، وعاشته الكنيسة، وحفظته، ثم سلّمته إلى الأجيال التالية.

وهذا ما نراه في كولوسي 4: بولس يذكر تيخيكس، وأنسيمس، ومرقس، ولوقا وغيرهم. لسنا أمام أفراد مستقلين يعلّم كل واحد منهم ما يشاء، بل أمام جسد رسولي واحد، وخدمة واحدة، وإيمان واحد يُحفظ ويُنقل.

ومن هنا نفهم الفرق مع مبدأ «الكتاب وحده» (Sola Scriptura) الَّذي تنادي به الفئات البروتستانتيّة، الَّذي يفصل الكتاب عن التقليد الرَّسُوليّ وحياة الكنيسة. نحن لا نضع الكتاب المقدس والتقليد في مواجهة بعضهما؛ فالكتاب نفسه وُلد داخل الكنيسة الرَّسُوليّة، وحفظته الكنيسة وفسرته وعاشت إيمانه.

لذلك، أيها الأحباء، لا نسأل فقط: «ماذا أفهم أنا من الكتاب؟» بل نسأل أيضًا: «ماذا تسلّمت الكنيسة من الرُّسُل؟ وكيف عاش الآباء هذا الإيمان؟».

فالسُّلطان من المسيح، والتعليم من الرُّسُل، وحفظ الإيمان في الكنيسة، ونحن مدعوون لا إلى اختراع إيمان جديد، بل إلى أن نكون أمناء لما «سُلِّم مرَّةً للقدِّيسين». (يهوذا 3).

الإيقونات المكتوبة بيد لوقا الإنجيلي

يحتلّ القديس لوقا الإنجيلي مكانة مميّزة في التقليد الأرثوذكسي؛ فهو أحد الإنجيليين الأربعة وكاتب إنجيل لوقا وسفر أعمال الرُّسُل، كما ينسب إليه التقليد الكنسي رسم عدد من الإيقونات، ولا سيما صور والدة الإله.

بحسب التقليد الكنسي، رأى القديس لوقا والدة الإله ورسم صورتها وهي على قيد الحياة، ومن أشهر الإيقونات المنسوبة إليه: والدة الإله هوذيغيتريا (المرشدة)، وغليكوفيلوسا (القبلة الحلوة) في دير فيلوثيو بجبل آثوس، وبورتايتيسا (البوابّة) في دير إيفيرون، وتريخيروسا (ثلاثية الأيدي) في دير هيلاندار. كما ينسب إليه التقليد إيقونة الشاغورة العجائبية في دير سيّدة صيدنايا، وإيقونة والدة الإله المعروفة باسم فلاديمير. وفي دير القديس ديونيسيوس بجبل آثوس تُكرَّم أيضًا صورة صغيرة لوالدة الإله، ينسبها التقليد إلى لوقا.

أما من الناحية التاريخية، فلا توجد وثائق أو أدلة أثرية من القرن الأول تثبت أن هذه الإيقونات الموجودة اليوم هي من يد القديس لوقا مباشرة، إذ ترجع الأعمال المحفوظة حاليًا إلى عصور لاحقة. لذلك ينبغي التمييز بين نسبة الإيقونات إلى لوقا بحسب التقليد الكنسي وبين إثبات نسبتها إليه تاريخيًا.

ومع ذلك، يحمل هذا التقليد معنى روحيًا عميقًا: فالقديس لوقا بشّر بالمسيح بالكلمة، والتقليد يراه أيضًا شاهدًا له بالصورة. فالإيقونة لا تُعبد، بل يُكرَّم الشخص المرسوم فيها كونه ممجّدًا في الرب، ويتجه الفكر والقلب من خلالها إلى المسيح، الَّذي «صار جسدًا وحلّ بيننا»، فتصير الأيقونة حضورًا حقيقيًّا، بالنعمة، لله المستقرّ في قديسيه. وتعتبر هذه الإيقونات المذكورة أعلاه مصدرًا للبركة لسائر المؤمنين ولكل من يكرمها.