نشرة كنيستي
نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.
أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي
كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.
الأحد (19) بعد العنصرة (آباء المجمع المسكونيّ السَّابع)
العدد 41
الأحد 11 تشرين الأوَّل 2026
اللَّحن 2- الإيوثينا 8
أعياد الأسبوع: *11: آباء المجمع المسكونيّ السَّابع الَّذين اجتمعوا في نيقية سنة 787 م.، الرَّسُول فيلِبُّس أحد الشَّمامسة السَّبعة، القدِّيس ثيوفانِّس الموسُوم *12: الشُّهداء بروفوس وأندرونيكس وطَرَاخُس، القدِّيس سمعان اللَّاهوتيّ الحديث *13: الشُّهداء كَربُس وبابيلوس وأغثوذورس وأغاثونيكي*14: الشُّهداء نازاريوس ورفقته، القدِّيس قزما المُنشئ أسقف مايوما *15: الشَّهيد في الكهنة لوكيانوس المعلِّم الأنطاكيّ *16: الشَّهيد لونجينوس قائد المئة ورفقته *17: النَّبي هوشع، الشَّهيد أندراوس.
كلمة الرّاعي
الآباء والإيمان القويم والبِدَع والهرطقات
"أمّا المباحثات الهذيانيَّة والأنساب والخصومات والمماحكات النَّاموسيَّة فاجتنبها، فإنَّها غير نافعة وباطلة" (تي 3: 9)
آباء الكنيسة هم الَّذين نَقَلُوا إلينا "الإيمان المسلَّم مرّةً للقدِّيسين" (يه 1: 3)، وهم الَّذين حدَّدوه في المجامع المسكونيَّة بالرُّوح القُدس أو بالأحرى حدَّده الرُّوح القُدس بأفواههم وكلماتهم. ومعنى ذلك أنَّهم عبَّروا عنه بلغة عصرهم، بصِيَغٍ دقيقة تهدف إلى إيضاح ثلاثة أمور: ما كُشِف للكنيسة في المسيح يسوع ابن الله الوحيد، وما خَبِرَته الكنيسة بالرُّوح القُدس في عَيْشِ هذا الإيمان، وما وَرَدَ عنه في الكتب المقدَّسة وفي التَّسليم المكتوب والشَّفهيّ واللِّيتورجيّ.
الإيمان المكشوف للكنيسة لا يتغيَّر ولا يُضاف إليه جديد عقائديًّا، فما سُلِّم قد سُلِّم، والعقائد الَّتي حدَّدتْها المجامع المسكونيَّة كافية لخلاص الإنسان. لكنَّ ثبات الإيمان لا يُعفينا من تأوين التَّعبير عنه، أي من إيضاحه للمؤمنين في كلِّ زمانٍ حتَّى يصير في متناول أفهامهم. ولا يكون ذلك إلَّا إذا فهمنا ما سُلِّم في حقيقته التَّاريخيَّة والرُّوحيَّة: كيف تحدّد التَّعبير العقائديّ ردًّا على البِدَع والهرطقات. والهرطقات هي التَّعاليم الَّتي لا تنسجم مع خبرة الكنيسة في معرفة الله بالنِّعْمَة والاتِّحاد به في سِرِّ الرُّوح القدس وجسد المسيح.
* * *
ظهرت البِدَع والهرطقات منذ أيَّام الرُّسُل، فجاء الرَّدُّ على بعضها في رسائل العهد الجديد نفسها. ثمّ تصدَّى لها الآباء جيلًا بعد جيل: من الآباء الرَّسوليِّين كالقدِّيس إغناطيوس الأنطاكيّ، إلى القدِّيس إيريناوس أسقف ليون في رَدِّه على الهرطقات، فالآباء الكبَّادوكيِّين وغيرهم. وتُوِّج ذلك كلّه في المجامع المسكونيَّة الَّتي عبَّرت عن الإيمان القويم في العقائد الَّتي أقرَّتها.
ولكن، وإن توقَّفتْ المجامع المسكونيَّة، فإنَّ زمن الآباء لم ينتهِ ولا يمكن أن ينتهي، لأنَّ الرُّوح القُدس المُلهِم والمعلِّم والمفسِّر هو هو، وما زال فاعلًا في الكنيسة. فهو يُقيمُ لها آباءً في كلّ جيل، ووجودهم برهان على عمله فيها. وعمل الآباء أن يضُخُّوا الرُّوح في حياة المؤمنين بالقُدوة والتَّعليم والنِّعْمَة الَّتي تفيض منهم، كما قال الرَّبّ: "مَن آمن بي، كما قال الكتاب، تجري مِن بطنه أنهارُ ماءٍ حَيّ" (يو 7: 38).
الآباء يلدوننا بالرُّوح في حَقِّ الإنجيل، وينمُّوننا حتَّى نبلغ ملء النُّضج في المسيح. فنَصير قادرين على مواجهة التَّجارب والتَّعاليم المنحَرِفة، وعلى عَيْشِ الكلمة الإلهيَّة بالنِّعْمَة، وعلى تمييز التَّعليم الصَّحيح من الضَّالّ، والسُّلوك المستقيم من المُرائي.
* * *
يا أحبَّة، للهرطقة وجهٌ عقائديّ هو تحريف الإيمان، ولها جذرٌ روحيّ أعمق هو انغلاق القلب. لذلك كانت علامة استقامة إيماننا محبَّتنا لله وللقريب، وقبولنا للآخَر في تمايزه واختلافه، مع تمسُّكنا بأنْ نحمل إليه البُشرى السَّارَّة، الإنجيل، حياةً مُعاشة وكلمةً حَيَّة. وبهذا المعنى، فإنَّ كلَّ رفضٍ للآخَر ودينونةٍ له، وكلّ كرهٍ له ونفورٍ من التَّواصل معه، هو من روح الهرطقة وإنْ ادّعى صاحبه استقامة الرَّأي.
أمّا المبتدع الَّذي يتمسَّك بإنكار إنجيل الرَّبّ ورفض تعليم الكنيسة، ويرفض الحوار ويقطع كلّ تواصل، فتُعرَض عنه كما أوصى الرَّسُول: "الرَّجل المبتَدِع بعد الإنذار مرَّةً ومرّتين أعْرِض عنه" (تي 3: 10). ومع ذلك تبقى مدعوًّا إلى أن تحبَّه وتُصلّي من أجله، وألَّا تردَّه إن جاءك مُحاورًا بصدق.
ليس المطلوب أن تُقنِع أحدًا بإيمانك، بل أنْ تشهد لِحَقِّ المسيح، والباقي عمل الرَّبّ وروحه في خليقته. إذا عرفت الحَقَّ وشهِدت له بأمانة، انبثَّتْ قوَّة الله مِن خلالك إلى القلوب والعُقول. فإذا رأت فيك محبَّة المسيح المصلوبة والمبذولة لخلاص العالم، ولمست حنانه عندك، انفتحت للنِّعْمَة وعرفت المخلِّص من خلالك. والسِّرّ كلَّه في التَّواضع وإخلاء الذَّات، حتَّى ينكشف المسيح فيك للعالم.
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع.
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
طروباريَّة القيامة (باللَّحن الثَّاني)
عندما انحدرتَ إلى المَوْت. أَيُّها الحياةُ الَّذي لا يَموت. حينئذٍ أَمَتَّ الجحيمَ بِبَرْقِ لاهوتِك. وعندما أقمتَ الأمواتَ من تحتِ الثَّرى. صرخَ نحوكَ جميعُ القُوّاتِ السّماويّين. أَيُّها المسيحُ الإله. مُعطي الحياةِ المجدُ لك.
طروباريَّة الآباء (باللَّحن الثَّامن)
أنتَ أيُّها المَسيحُ إلهُنا الفائق التَّسبيح، يا مَن أسّستَ آباءَنا القدِّيسين على الأرض كواكِبَ لامِعَة، وبهم هَدَيتنا جميعًا إلى الإيمان الحقيقيّ، يا جزيل الرَّحمة المجد لك.
القنداق (باللَّحن الثَّاني)
يا شفيعَةَ المسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطةَ لدى الخالِق غيْرَ المرْدودةِ، لا تُعْرضي عَنْ أصواتِ طلباتِنا نَحْنُ الخَطأة، بَلْ تدارَكينا بالمعونةِ بما أنَّكِ صالِحَة، نَحنُ الصّارخينَ اليكِ بإيمان: بادِري إلى الشَّفاعَةِ وأسَرعي في الطّلْبَةِ يا والدَة الإلهِ، المتشَفِّعَةَ دائمًا بمكرِّميك.
الرِّسالة (تي 3: 8- 15)
مُبَارَكٌ أَنْتَ يَا رَبُّ إِلَهَ آبَائِنَا.
لِأَنَّكَ عَدْلٌ فِي كُلِّ مَا صَنَعْتَ بِنَا.
يا ولدي تيطس، صادقة هي الكلمة، وإيّاها أريد أن تُقَرِّر حتّی يهتمّ الَّذين آمنوا بالله في القيام بالأعمال الحسنة، فهذه هي الأعمال الحسنة والنّافعة، أمّا المباحثات الهذيانيّة والأنساب والخصومات والـمُماحكاتُ النّاموسيّة فَاجْتَنِيْهَا، فإِنَّها غيرُ نافعة وباطلة. ورجل البِدَعة بعد الإنذار مرّة وأخرى أعرض عنه، عَالِمًا أنَّ مَن هو كذلك قد اعتسف، وهو في الخطيئة يقضي بنفسه على نفسه. وحِينَمَا أُرْسِلُ إليك أرتيماس أو تيخيكوس فبادر أن تأتيني إلى نيكوبوليس لأنّي قد عزمت أن أُشَتِّيَ هناك. أمّا زيناس معلّم النّاموس وأبولّس فاجتهد في تشييعها متأهِّبَيْن لئلَّا يعوزها شيء. وليتعلّم ذوونا أن يقوموا بالأعمال الصّالحة للحاجات الضّروريّة حتّى لا يكونوا غير مثمرين. يسلّم عليك جميع الَّذين معي. سلِّم على الَّذين يُحبّوننا في الإيمان. النّعمة معكم أجمعين، آمين.
الإنجيل (لو 8: 5- 15) (لوقا 4)
قَالَ الرَّبُّ هَذَا الـمَثَلَ: خَرَجَ الزَّارِعُ لِيَزْرَعَ زَرْعَهُ. وَفِيمَا هُوَ يَزْرَعُ سَقَطَ بَعْضٌ عَلَى الطَّرِيقِ فَوُطِئَ وَأَكَلَتْهُ طُيُورُ السَّمَاءِ. وَالبَعْضُ سَقَطَ عَلَى الصَّخْرِ، فَلَـمَّا نَبَتَ يَبِسَ لِأَنَّهُ لَـمْ تَكُنْ لَهُ رُطُوبَةٌ. وَبَعْضٌ سَقَطَ بَيْنَ الشَّوْكِ، فَنَبَتَ الشَّوْكُ مَعَهُ فَخَنَقَهُ. وَبَعْضٌ سَقَطَ فِي الأَرضِ الصَّالِحَةِ، فَلَـمَّا نَبَتَ أَثْمَرَ مِئَةَ ضِعْفٍ. فَسَأَلَهُ التَّلامِيذُ: مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هَذَا الـمَثَلُ؟ فَقَالَ: لَكُمْ قَدْ أُعْطِيَ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرَارَ مَلَكُوتِ اللهِ. وَأَمَّا البَاقُونَ فَبِأَمْثَالٍ لِكَيْ لا يَنْظُرُوا وَهُمْ نَاظِرُونَ، وَلا يَفْهَمُوا وَهُمْ سَامِعُونَ. وَهَذَا هُوَ الـمَثَلُ: الزَّرْعُ هُوَ كَلِمَةُ اللهِ. وَالَّذين عَلَى الطَّرِيقِ هُمُ الَّذين يَسْمَعُونَ، ثُمَّ يَأْتِي إِبْلِيسُ وَيَنْزِعُ الكَلِمَةَ مِنْ قُلُوبِهِمْ لِئَلَّا يُؤْمِنُوا فَيَخْلُصُوا. وَالَّذين عَلَى الصَّخْرِ هُمُ الَّذين يَسْمَعُونَ الكَلِمَةَ وَيَقْبَلُونَهَا بِفَرَحٍ، وَلَكِنْ لَيْسَ لَـهُمْ أَصْلٌ، وَإِنَّـمَا يُؤْمِنُونَ إِلَى حِينٍ، وَفِي وَقْتِ التَّجْرِبَةِ يَرْتَدُّونَ. وَالَّذي سَقَطَ فِي الشَّوْكِ هُمُ الَّذين يَسْمَعُونَ ثُمَّ يَذْهَبُونَ فَيَخْتَنِقُونَ بِهُمُومِ هَذِهِ الحَيَاةِ وَغِنَاهَا وَمَلَذَّاتِهَا فَلا يَأْتُونَ بِثَمَرٍ. وَأَمَّا الَّذي سَقَطَ فِي الأَرْضِ الجَيِّدَةِ، فَهُمُ الَّذين بَسْمَعُونَ الكَلِمَةَ فَيَحْفَظُونَـهَا فِي قَلْبٍ جَيِّدٍ صَالِحٍ وَيُثْمِرُونَ بِالصَّبْرِ. وَلَـمَّا قَالَ هَذَا نَادَى: مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ.
حول الرِّسالة
الآية ٨: المؤمنون الحقيقيُّون يُثمرون ثمارًا جيِّدَة بأفعالهم الَّتي هي نتيجة حتميَّة لإيمانهم. كلُّ همُّهم مُنْصَبٌّ على الشَّهادة للمسيح بين النَّاس والسُّلوك بسيرَةٍ حسَنَة كي لا يكونوا مجالًا للعَثَرات في المجتمع. يبتعدون عن الشَّرّ ويعمَلون الخير. يهتمُّون بِمَن قَسَتْ عليهم الدُّنيا مِن مرضى وأرامل وأيتام... لأنَّ "هذه الأمور هي الحَسَنَة والنَّافعة للنَّاس".
الآية ٩: ماذا يقصد الرَّسُول بولس هنا بكلمة "الأنساب"؟ كما أوْرَدَ في رسالته الأولى إلى تيموثاوس تلميذه حيث يقول "خُرافات وأنساب لا حَدَّ لها" (١تي٤:١) . ربَّما هنا وهناك يلَمِّح إلى اليهود المتعصِّبين المتشدِّدين الَّذين كانوا يتفاخرون على سائر النَّاس بأنَّهم من نسب إبراهيم أب الآباء ظانِّين أنَّ هذا يُمَيِّزهم عن سِواهم. فالأحمق هو الَّذي يتَّكِل على مثل هذه الأمور التَّافِهَة والـ "غير نافعة وباطلة" الَّتي لا تُفيده شيئًا بل على العكس تُضِرُّه في مكانٍ ما. المباحثات الغبِيَّة والخُصومات يقصد بها الملاججة مع الهراطقة إذْ لا يُريدنا الرَّسُول أن نتعب باطلًا. فبدل أنْ تُضَيِّع وقتك في هذه الملاججات دون نتيجة، انصَرِف إلى عمل الخير مع التَّعابَى والمعوزين وكلُّ مَن قَسَتْ عليهم الأيَّام .
الآيتان ١٠ و ١١: تكلَّم الرَّسُول بولس سابقًا عن ضرورة العمل على تقويم مَن يوجد رجاءٌ فيهم. أمَّا المتشبِّث برأيه والعنيد الثَّابت على ضلاله فلماذا تتنازع معه عبثًا وتضيِّع الوقت؟ لماذا تضرب الهواء؟. "محكومًا عليه من نفسه" لأنَّ هذا العنيد في رأيه لا يمكنه أنْ يقول أنَّ أحدًا لم يخبره أو لم ينصحه أو لم يرشده إلى الحَقّ، لذا فهو إنْ استمرَّ بعدَ كلِّ هذا النُّصح على رأيه أي على نفس الحال، فبهذا يكون قد حكم على نفسه بنفسه.
الآيتان ١٢ و ١٣: لم يقصد بولس سحب تيطس من كريت بعد أن عيَّنه راعيًا لها بل طلبه لمزيد من التَّدريب والتَّحضير له. أمَّا باقي الكلام كان بدافع تنظيم الخدمة لا غير. نيكوبوليس كانت إحدى مدن تراقية.
الآيتان ١٤ و ١٥: كان الشُّغل الشَّاغل لبولس في هذا الإصحاح التَّركيز على ضرورة أن يُظهِرَ الكارز أمانته في الخدمة من خلال الأعمال الحَسَنَة. الكارز الحقيقيّ لا ينتظر حتَّى يأتي إليه مَن هو في احتياجٍ لكي يساعده بل بالأحرى عليه هو أن يبحث عمن يحتاجون إلى مساعدته للوقوف إلى جانبهم.
متى يُسمَّى المجمع مسكونيًّا؟
تُحيي الكنيسة، اليوم، تذكارَ آباء المجمع المسكونيّ السَّابع الَّذين اجتمعوا، سنة 787، في نيقية، برئاسة البطريرك القسطنطينيّ المسكونيّ طاراسيوس، للنَّظَر في مسائلَ إيمانيَّة وعَقَديَّة مختلفة، وفي صدارتها مسألةُ الإيقونة: هل يجوز إكرامها أم لا. فأَعلنوا، بالإجماع، "أنَّ تكريم الإيقونة يتَّفِق مع ما وَرد في الكتب المقدَّسة وتعاليم آباء الكنيسة ومجامعها، ويقبلُه العقل السَّليم" (مجموعة الشَّرع الكنسيّ، منشورات النُّور 1975، ص 761). وهكذا حَسَموا خلافًا عميقًا نشأ بين أنصار الإيقونة وأعدائها، واستحال حربًا داميةً دامَت أكثرَ من مِائَةِ عام، وانتهت بانتصار عقيدة إِكرام الإيقونة.
ولَرُبَّما فتح هذا التَّذكار نافذةً على السُّؤال: متى يُسمّى المجمع مسكونيًّا؟ فيأتينا الجواب – ودائمًا من مجموع الشَّرع الكنسيّ، ص 10 – "أنَّه المجمع الَّذي حازت تحديداتُه وقوانينُه القَبولَ في المسكونة (المسيحيَّة طبعًا) كلِّها". بتوصيفٍ آخر، يُدعى المجمع مسكونيًّا عندما يُعقَد بحضور أساقفة الكنيسة المسيحيَّة وقادتها، من كلِّ أقطار المسكونة، ليُناقشَ مسائلَ تتَّصل بالعقيدة والإيمان المسيحيِّين، كما وبالنِّظام الكنسيّ، وليفنِّدَ هرطقاتِ البِدَع ويدحضَها مبيِّنًا بُطلانَها، ويُبسِلَ أصحابَها. وتجدرُ الإشارة إلى أنَّ الدَّعوة لاِنعقاد المجمع المسكونيّ غالبًا ما كانت تَتِمُّ من قِبَلِ الإمبراطور المسيحيّ نفسِه، لأنَّ الخلافاتِ العَقَديّةَ الَّتي كانت تنشأ – وكان المجمع المسكونيّ ينعقد للنَّظر فيها – غالبًا ما كانت تستحيل صراعاتٍ دَمَويّةً في الشَّارع، ثمّ تشتدُّ هذه الصِّراعات ويَحمى وطيسُها على نحوٍ يهدّد الأمنَ الأهليّ، ما يستدعي، تاليًا، تَدخُّل الدَّوْلة، بسُلطتها وأجهزتها، لضبط الوضع.
ويُضيف المرجع نفسُه، في الصَّفحة نفسها، "أنَّ المجمع المسكونيّ لا يَدَّعي إعلانَ حقيقة جديدة، بل يُحدِّد، بصورةٍ ثابتة لا يعتريها تغيير، الإيمانَ المُسَلَّمَ للقدِّيسين. وتُعَدُّ تحديداتُه مسكونيَّةً لكَوْنِها تُعرِبُ عن رأي وتفكير الجسم الكامل للمؤمنين من إكليريكيّين وعَوامّ". كذلك، يُضيف المرجع نفسه – ودائمًا في الصَّفحة نفسها – "أنَّ المجامع المسكونيَّة تَنسبُ إلى ذاتها الحَصانة من الخطأ.... اعتمادًا منها على الوَعْدِ بحلول الرُّوح القُدس على المجتمعين فيها وإِلهامِه إيَّاهم". هذا إيماننا، وكنيستُنا مُثَبَّتةٌ على صخرته؛ وصلَواتنا الطَّقسيَّة تُترجِم هذا الإيمان، لا سِيَّما منها ما نُرتّلُه في سَحَر العنصرة حيث نُعْلِن "أنَّ الرُّوح القُدس روحُ حكمةٍ، رُوحُ فَهْمٍ... به الأنبياءُ ورُسلُ اللهِ مع الشُّهداءِ تَكلَّلُوا... به يُعرَفُ الآبُ ويُمَجَّدُ الآِبنُ...". وهذا كلُّه مؤَسَّسٌ كتابيًّا على قَوْلِ السَّيِّد لتلاميذه: "أنا أَسألُ الآبَ فيهَبُ لكم مُؤَيِّدًا آخَر يكون معكم إلى الأبد، روحَ الحَقِّ الَّذي لا يستطيع العالمُ أن يتلقَّاه لأنَّه لا يراه ولا يعرفه. أمَّا أنتم فتعلمون أنَّه يُقيمُ عندكم ويكونُ فيكم" (يو 16:14 و17).
إنَّ كنيستنا الأرثوذكسيَّة هي كنيسة الرُّوح القُدس. فإذا جاز الكلام فيها على عِصمةٍ ما فهي – وهنا بيتُ القصيد – عصمةُ المجامع، لأنَّها عصمةُ الرُّوح القدسِ النَّاطقِ فيها وبها.
أحد آباء المجمع المسكونيّ السَّابع
بين الرابع والعشرين من شهر أيلول والثالث عشر من شهر تشرين الأول من العام 787 م التأم في مدينة نيقية مجمع عرف بالمجمع المسكوني السابع. رعت المجمع الإمبراطورة ايريني بصفتها الملكة الوصيّة على ابنها القاصر قسطنطين السادس البرفيري الذي لم يكن، آنئذ، قد تجاوز العاشرة من العمر. رأس المجمع طراسيوس، بطريرك القسطنطينية، وحضره ممثلّون عن البابا ادريانوس وبطاركة كل من الإسكندرية وانطاكية وأورشليم. وقد بلغ عدد المشتركين فيه ثلاثمائة وسبعة وستين، إلى جانب عدد كبير من الرهبان.
♱ سبب أنعقاد المجمع
الغرض الأساسي من هذا المجمع كان إبداء موقف الكنيسة بشأن موضوع إكرام الأيقونات، استنادا إلى المجامع المسكونية السابقة وتعليم الآباء الموقّرين، وإعادة الأيقونات إلى صلب حياة الكنيسة بعدما كان الموقف الرسمي المدعوم من السلطات المدنية والموحى به منها قد حظّر إكرام الصور الكنسية وعمل على مصادرتها وإتلافها وملاحقة مكرميها والمدافعين عنها. جدير بالذكر أن الاضطهاد، في هذا الاتجاه، كان قد بدأ بمرسوم ملكي أصدره الإمبراطور لاون الثالث الايصوري عام 725 أو 726م، واستمر في عهده إلى العام 741، ثم في عهد ابنه قسطنطين الخامس (741-775م) الملقّب بالزبلي. وقد أدّت موجات الاضطهاد المتلاحقة في هذه الحقبة إلى استشهاد البعض وتعذيب ونفي الكثيرين. وأكثر من تحمّل وطأة الاضطهاد كان الرهبان الذين عمد الأباطرة إلى تحويل أديرتهم إلى ثكنات عسكرية وقاموا بتهجيرهم ونفيهم وملاحقتهم وإكراههم على الزواج. ويقال أن خمسين ألفاً من الرهبان اضطروا في تلك الأيام إلى الفرار إلى ايطاليا. ومن الذين استشهدوا آنئذ الأبوان الباران استفانوس الجديد (28 تشرين الثاني) واندراوس الكريسي (17 تشرين الأول).
عقد المجمع ثماني جلسات وأصدر اثنين وعشرين قانوناً. وقد اقتبل عدداً من الأساقفة المبتدعين ممن جاؤوا تائبين، معترفين بضلالهم، مقدمين اعترافات تشهد لارتدادهم إلى حظيرة الرأي القويم. من هؤلاء، لا بل في مقدّمهم، باسيليوس أسقف أنقرة. كذلك أبسل المجمع البطاركة الهراطقة اناستاسيوس وقسطنطين ونيسيتاس كما أبسل المجمع المزعوم المنعقد في هياريا في العام 754 م بإيعاز من الإمبراطور قسطنطين الخامس. من جهة أخرى غبّط المجمع ذكر الآباء القدّيسين الذين دافعوا عن الإيمان الأرثوذكسي، في هذا السياق،أمثال البطريرك جرمانوس القسطنطيني (12 أيار) ويوحنا الدمشقي (4 كانون الأول) وغريفوريوس القبرصي (7 نيسان).
ومما جاء في تحديد المجمع لموقف الكنيسة من الأيقونات ما يلي :
"... إننا نحافظ على كل تقاليد الكنيسة حتى يومنا هذا بلا تغيير أو تبديل. ومن هذه التقاليد الصور الممثلة للأشخاص... وهو تقليد مفيد من عدة وجوه، ولا سيما إذ يظهر أن تجسّد الكلمة إلهنا هو حقيقة وليس خيالاً أو تصوّراً، ولأن الصور عدا ما فيها من إشارات وإيضاحات تثير المشاعر الشريفة.
ولذلك نحن باتخاذنا... تقليد الكنيسة الجامعة الملهمة من الله... نحدّد بكل حزم وتدقيق انه كما يرفع الصليب الكريم المحيي، هكذا يجب أن تعلق الصور الموقرّة المقدّسة المصنوعة بالدهان أو من الفسيفساء أو من مواد أخرى في كنائس الله المقدسة وأن توضع على الأواني المكرّسة والحلل الكهنوتية، وان ترفع وتعلق في المنازل وفي الطرق، ونعني بذلك صورة ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح وصورة سيدتنا الكلية الطهارة والدة الإله وصور الملائكة المكرّمين وصور كل القديسين وكل الأتقياء لأنه بتكرار مشاهدتهم في رسومهم يسهل على الشعب أن يتذكر الأصل وتثار فيه الرغبة للاقتداء بسيرتهم. ويجب أن يقدم لهذه الصور الإكرام... دون السواها.لمختصة بالطبيعة الإلهية دون سواها. وحسب العادة التقوية القديمة يجوز أن يقدّم البخور وتضاء الشموع أمام هذه الصور وأمام الصليب الكريم المحيي... لأن التكريم الذي يُقَدّم للصورة إنما يقدّم للأصل الذي تمثله".
"فالذين يجسرون إذن على أن يعلّموا خلاف هذا مخترعين أشياء جديدة نأمر بإسقاطهم من درجا تهم، إذا كانوا أساقفة أو إكليريكيين وبقطعهم من الشركة إذا كانوا رهباناً أو عواماً".
ولا بد من الإشارة في معرض حديثنا عن لاهوت الأيقونة إلى الرباط الوثيق الذي يشدّ الأيقونة إلى لاهوت التجسّد على نحو ما علّم أبونا القديس يوحنا الدمشقي مثلاً حين قال في مبحثه في هذا الشأن : "أنا امثّل الله غير المنظور لا من حيث هو غير منظور، بل بقدر ما صار منظوراً من أجلنا واشترك في اللحم والدم. لست أكرم المادة بل خالق المادة، الذي صار مادة من أجلي واتخذ الحياة في المادة، وحقّق بالمادة خلاصي".
هكذا أبرز المجمع المسكوني السابع لاهوت الأيقونة بصورة نهائية. وهو، وإن فعل ذلك على صعيد الفكر والتراث فإن حرب الأيقونات ما لبثت أن استعرت من جديد ابتداء من العام 813 م، لتستمر على نحو متقطع حتى العام 843 م حين وضعت الإمبراطورة ثيودرة حداً نهائياً لها في عهد البطريرك المسكوني مثوديوس، وذلك على أساس مقولة المجمع المسكوني السابع (787 م).
★ ملاحظة:
أما الآباء الذين اشتركوا في هذا المجمع وكانوا من بلادنا فنعرف منهم : ثيودوروس، بطريرك أنطاكية، وثيودوروس، مطران اللاذقية، وقسطنطين أسقف برجي، وثايوفيليكس أسقف اوخاييطا، وثيودوروس أسقف سلفكية، وسيسينيوس أسقف قنسرين، وقسطنطين أسقف بعلبك، وثاوفيلوس أسقف دارا، ونسطاسيوس أسقف طرابلس، ولاون أسقف بشرّى (تدمر)، وميخائيل أسقف منبج، وسيسينيوس أسقف افامية، وسليمان أسقف مرعش، وبطرس أسقف سلفكية أنطاكية، واستفانوس أسقف فيلادلفية حوران.
(المرجع: موقع بطريركيّة أنطاكية وسائر المشرق للرُّوم الأرثوذكس).