Menu Close
041026

نشرة كنيستي

نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.

أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي

كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.

الأحد (18) بعد العنصرة         

العدد 40

الأحد 04 تشرين الأوَّل 2026

اللَّحن 1- الإيوثينا 7

أعياد الأسبوع: *4: القدِّيس إيروثاوس أسقف أثينا، البارّ عَمُّون المصريّ *5: الشَّهيدة خاريتيني، البارّة ميثوذيّة، البارّ إفذوكيموس *6: تذكار الرَّسُول توما *7: الشَّهيدان سرجيوس وباخوس، الشَّهيد بوليخرونيوس *8: البارَّة بيلاجيا، القدِّيسة تائيس التَّائبة، القدِّيس سرجيوس رادونيج (25 أيلول ش) *9: الرَّسُول يعقوب بِنْ حَلفا، البارّ أندرونيكس وزوجته أثناسيّا، إبراهيم الصِّدِّيق ولوط *10: الشَّهيدان إفلمبيوس وأخته إفلمبيَّة.

كلمة الرّاعي 

في العطاء أيضًا وأيضًا

"إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الـمُعْطِيَ الـمُتَهِلِّلَ" (2 كو 9: 7)

 

يا أحبَّة، نعيش في زمنٍ صعب، زمنِ اضطراباتٍ وحروبٍ وقلقٍ على المستقبل، زمنٍ تتهاوى فيه قيمة الإنسان على مختلف صعد الوجود، لأنَّ المبادئ باتت متغيّرةً بحسب أهواء أصحاب السُّلطة في العالم، وكلّ المتسلّطين عبيدٌ لإبليس ملكِ المتكبِّرين والصَّلِفين... المتكبِّر يريد أن يأخذ أكثر ممّا يُعطي، لا بل هو لا يُعطي ما لم يأخذ أكثر ممَّا يقدِّم. المعادلة عنده أنّ كلّ شيءٍ يجب أن يؤول إليه، إلى خدمته وتحت سلطته... هذا لا محبّة عنده ولا قيمة لإنسان، لأنّ قيمة كلّ إنسانٍ عنده هي بمقدار خضوعه له، وتاليًا قيمة الإنسان بالنِّسبة إليه في أَسْمَاها عبدٌ لديه... فلا نتوقّعنّ عطاءً مجّانيًّا من المستكبرين، لأنّهم عندما يقدّمون للآخرين فإنّما يقدّمون لأنفسهم عُجبًا وتعظُّمَ مقامٍ واستعلاءً على النَّاس... فالمتكبّر مُكتفٍ بنفسه ويقول في قلبه: "ليس إله" (مز 14: 1)... أمّا المتواضع فهو الَّذي يعرف أن يقدِّم ويُعطي ويَهب، لأنّه يعرف نفسه فقيرًا إلى الله...

*             *             *

هل تفتقر وتفرح؟!... هذا جنون!... كيف يستطيع الفقير أن يفرح وهو محتاج؟!... هذا في مفهوم العالم غباء، لأنّ مصدر الفرح عند أهل العالم هو: "شَهْوَةُ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةُ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمُ الْمَعِيشَةِ" (1 يو 2: 16). الإنسان الَّذي لم يعرف الله يبحث عن هذه الثَّلاثة، وقد يظنّ إنسانٌ أنّه يعرف الله وليس كذلك بالحقيقة حين يعيش لأجل هذه الثَّلاثة. وهذه الشَّهوات الثَّلاث كلّها تعلّقٌ وتملُّكٌ واستحواذ، ليس فيها سوى الأخذ، وهذا هو الإنسان الجسدانيّ الَّذي يريد أن يستهلك لا أن يعطي... ومَن استحوذته هذه الثَّلاث ظنّ أنّه يملك العالم، فنظر إلى نفسه كأنّه مستغنٍ عن كلّ أحد، حتّى عن الله؛ هو مملوءٌ من نفسه، لا يعرف إلّا أن يحبّ ذاته أي يُشبع شهواتها. وهذا لا يقدر أن يقدّم لنفسه سوى الفراغ المطَّرِد ومزيدٍ من استهلاك كيانه حتّى يُفْنِيَ إنسانيّته. وقد لا يكون صاحبَ أموالٍ كثيرة، فالمسألة ليست في المال بل في الموقف من الذّات والآخَر والمقتنيات والله...

وهنا لا بدّ من كلمةٍ تُزيل كلّ التباس: ليس الغنى بالمال خطيئةً في ذاته، ولا الفقرُ فضيلةً في ذاته؛ فكم من غنيٍّ بالمال هو على قلب الله، وكم من فقيرٍ قلبُه متعلّقٌ بما لا يملك! لقد كان إبراهيم وأيّوب غنيَّين، وكانا من أحبّاء الله؛ وكان يوسفُ الرّامِيّ "رجلًا غنيًّا" وتلميذًا للرَّبّ، هو الَّذي أكرم جسدَ المخلِّص (متّى 27: 57). فالعبرةُ ليست في حجم ما تملك، بل في مَن يملك قلبَك: أمالُك في يدك أم في قلبك؟ أهو أداةُ محبَّةٍ وخدمة، أم ربٌّ ثانٍ تعبده؟ فالمال الَّذي يُبسَط في العطاء بركة، والمال الَّذي يُقبَض عليه بالتَّعلُّق قيد. ولهذا حذّر الرَّبُّ من "محبّة المال" (1 تيم 6: 10) لا من المال، ومدح الغنيّ الَّذي يصنع لنفسه "كنوزًا في السَّماء" (متّى 6: 20) بأن يكون "غنيًّا لله" (لو 12: 21).

*             *             *

أمّا المتواضع، فعلى النقيض من المتكبّر تمامًا (غنيًّا كان أم فقيرًا): هو يعرف أنّه فقيرٌ إلى الله، فيصير بهذه المعرفة عينِها غنيًّا؛ لأنّ مَن أدرك فقره إلى خالقه انفتح قلبُه على النِّعْمَة، والنِّعْمَةُ لا تُكنَز بل تَفيض. فالمتواضع يُعطي لأنّه أخذ أوّلًا من معين المحبَّة الإلهيَّة، وهو يردِّد مع الرَّسُول: "أيّ شيءٍ لك لم تأخذه؟" (1 كو 4: 7). لقد أخذ كلَّ شيءٍ مجّانًا، فصار يُعطي مجّانًا: "مجّانًا أخذتم، مجّانًا أعطوا" (متّى 10: 8).

وهنا ينكشف السِّرّ الَّذي يجهله العالم: أنّ الفرح الحقيقيّ ليس في الأخذ بل في العطاء. لذلك قال ربّنا على لسان الرَّسُول بولس: "مغبوطٌ هو العطاءُ أكثرَ من الأخذ" (أع 20: 35). فالعالم يظنّ أنّ الفرح في أن تمتلئ يداك، والإنجيل يعلّم أنّ الفرح في أن تنفتح يداك. المتكبّر يقبض، والمتواضع يبسط؛ والقبضةُ المغلقة لا تقدر أن تأخذ شيئًا جديدًا، أمّا الكفّ المبسوطة فتُعطي وتُعطى في آنٍ معًا.

ولهذا لم يقل الرَّسُول إنّ الله يحبّ المُعطيَ فحسب، بل "المُعطيَ المتهلِّل" (2 كو 9: 7)؛ فالعبرةُ ليست في مقدار ما تُعطي، بل في القلب الَّذي منه تُعطي. فكم من غنيٍّ يُعطي عن محبّةٍ فيُبارَك عطاؤه، وكم من أرملةٍ فقيرةٍ تُلقي فلسَيْن فتسبق كثيرين، لأنّها — كما قال الرَّبّ — "ألقت كلَّ معيشتها" (لو 21: 4). فالعطاء المسيحيّ يُقاس بالحبّ المبذول لا بالرَّقم المدفوع، وبما يجنيه في القلب من رجاءٍ لا بما يُخرجه من الجيب.

*             *             *

لكنّ العطاء الحقيقيّ له مصدرٌ واحد: الصَّليب. فعلى الجلجلة تعلّمنا أنّ المحبّة هي أن تُعطيَ ذاتك، لا فضلاتِك. "هكذا أحبّ اللهُ العالم حتى بذل ابنه" (يو 3: 16)؛ والابنُ "أحبّنا وأسلم ذاته لأجلنا" (أف 5: 2). فمقياس عطائنا ليس أهواءَ العالم المتقلّبة، بل بذلُ المسيح الَّذي "وهو غنيٌّ افتقر لأجلكم لكي تستغنوا أنتم بفقره" (2 كو 8: 9). فيا للعجب: غِناه صار فقرًا، وفقرُنا صار، به، غِنًى! هذه هي معادلة الملكوت الَّتي تقلب معادلة المتكبّرين رأسًا على عقب: فبينما يجمع العالم ليملك، يبذل المؤمن ليَربح؛ وبينما يستهلك الجسدانيّ كيانه فيفنى، يبذل الرُّوحانيّ ذاته فيحيا، "لأنّ مَن أراد أن يخلِّص نفسه يُهلكها، ومَن يُهلك نفسه من أجلي يجدها" (متّى 16: 25).

*             *             *

يا أحبّة، في زمننا هذا، زمنِ الضِّيق والغَلاء والخوف على الرَّغيف والغد، قد يتسلَّل إلينا منطقُ العالم فنقول: "كيف أُعطي وأنا محتاج؟". لكنّ الإنجيل يقلب السُّؤال: "كيف لا أُعطي، وقد أعطاني الله نفسه؟". إنَّ الكنيسة لم تُبنَ يومًا بالتَّعلُّق والقبض، بل بأرامل الفلسَين وبأغنياءَ بسطوا أموالهم بمحبَّة، وبقلوبٍ بذلت ما تملك. فالغنيّ مدعوٌّ أن يُكرم الرَّبَّ بأمواله ويصنع بها كنوزًا في السَّماء، والفقيرُ مدعوٌّ أن يُعطيَ من قليله بفرح؛ وكلاهما، إنْ أعطى بمحبَّةٍ، على قلب الله لأنَّ هذا العطاء المحدود هو دربه إلى العطاء اللَّامحدود. وما أحْوَجَنا اليوم، ونحن نرى قيمة الإنسان تتهاوى تحت أقدام المتسلِّطين، أن نشهد للإنسان الحقيقيّ: إنسانِ العطاء، الَّذي يرى في أخيه المحتاج وجهَ المسيح نفسه، فيقدِّم له لا فضلتَه بل محبّتَه أي كلِّ حياته.

فلنُعطِ إذًا: نُعطِ من مالنا إنْ كان لنا مال، ومِن وَقتنا وجهدنا وصلاتنا وكلمتنا الطَّيِّبة إنْ قلَّ المال؛ نُعطِ المحتاج والجائع والوحيد والمريض والغريب؛ نُعطِ بفرحٍ وتهلّل، لا عن عُجبٍ ولا مِنَّةٍ ولا انتظار مقابل. فإنّنا كلّما أعطينا، اتّسعتْ قلوبُنا لنأخذ أكثر من نعمة الله؛ أي كلّما أعطيتَ ازددتَ غنًى، وكلّما بذلتَ ازددتَ حياة.

"إنَّ الله يحبّ المعطيَ المتهلِّل"؛ فليجعلنا الرَّبُّ من المتهلّلين في عطائهم، المتواضعين في غناهم، الأغنياء في محبّتهم، حتَّى نسمع في اليوم الأخير: "تعالوا يا مُبارِكي أبي..." (متّى 25: 34–35).

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع...

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

طروباريَّة القيامة (باللَّحن الأوَّل)

إنَّ الحجرَ لما خُتِمَ مِنَ اليَهود. وجَسَدَكَ الطّاهِرَ حُفِظَ مِنَ الجُند. قُمتَ في اليومِ الثّالثِ أَيُّها المـُخلِّص. مانِحًا العالمَ الحياة. لذلكَ قوّاتُ السّماوات. هتفوا إليكَ يا واهبَ الحياة. المجدُ لقيامتِكَ أَيُّها المسيح. المجدُ لِمُلكِكَ. المجدُ لتدبيرِكَ يا مُحبَّ البشرِ وحدك.

القنداق (باللَّحن الثَّاني)

يا شفيعَةَ المسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطةَ لدى الخالِق غيْرَ المرْدودةِ، لا تُعْرضي عَنْ أصواتِ طلباتِنا نَحْنُ الخَطأة، بَلْ تدارَكينا بالمعونةِ بما أنَّكِ صالِحَة، نَحنُ الصّارخينَ اليكِ بإيمان: بادِري إلى الشَّفاعَةِ وأسَرعي في الطّلْبَةِ يا والدَة الإلهِ، المتشَفِّعَةَ دائمًا بمكرِّميك.

الرِّسالة (2 كو 9: 6- 11)

لِتَكُنْ يَا رَبُّ رَحْمَتُكَ عَلَيْنَا.

اِبْتَهِجُوا أَيُّهَا الصِّدِّيقُونَ بِالرَّبِّ.

يَا إِخْوَةُ، إِنَّ مَنْ يَزْرَعُ شَحِيحًا فَشَحِيحًا أَيْضًا يَحْصُدُ، وَمَنْ يَزْرَعُ بِالبَرَكَاتِ فَبِالبَرَكَاتِ أَيْضًا يَحْصُدُ. كُلُّ وَاحِدٍ كَمَا نَوَى فِي قَلْبِهِ لا عَنِ ابْتِئَاسٍ أَوِ اضْطِرَارٍ، فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الـمُعْطِيَ الـمُتَهِلِّلَ. وَاللهُ قَادِرُ أَنْ يَزِيدَكُمْ كُلَّ نِعْمَةٍ حَتَّى تَكُونَ لَكُمْ كُلُّ كِفَايَةٍ كُلَّ حِينٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَتَزْدَادُوا فِي كُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ، كَمَا كُتِبَ إِنَّهُ بَدَّدَ وَأَعْطَى الـمَسَاكِينَ، فَبِرُّهُ يَدُومُ إِلَى الأَبَدِ. وَالَّذي يَرْزُقُ الزَّارِعَ زَرْعًا وَخُبْزًا لِلْقُوتِ يَرْزُقُكُمْ زَرْعَكُمْ وَيُكَثِّرُهُ وَيَزِيدُ غِلالَ بِرِّكُمْ، فَسَتَغْنُونَ فِي كُلِّ شَيْءٍ لِكُلِّ سَخَاءٍ خَالِصٍ يُنْشِئُ شُكْرًا للهِ.

الإنجيل (لو 6: 31- 36) (لوقا 2)

قال الرَّبُّ: كما تريدونَ أن يفعلَ النَّاس بكم كذلك افعلوا أنتم بهم. فإنَّكم إنْ أحببتُم الَّذين يُحبُّونكم فأيَّةُ مِنَّةٍ لكم، فإنَّ الخطأةَ أيضًا يُحبُّون الَّذين يحبُّونهم. وإذا أحْسنتم إلى الَّذين يُحسِنون إليكم فأيَّةُ مِنَّةٍ لكم، فإنَّ الخطأة أيضًا هكذا يصنعون. وإنْ أقرضْتُم الَّذين تَرْجُونَ أن تسْتَوْفُوا منهم فأيَّةُ مِنَّةٍ لكم، فإنَّ الخطأة أيضًا يُقرِضونَ الخطأة لكي يستوفُوا منهم المِثلَ. ولكن، أحبُّوا أعداءَكم وأحسِنوا وأقرضوا غيرَ مؤَمِّلين شيئًا فيكونَ أجرُكم كثيرًا وتكونوا بني العَلِيّ. فإنَّهُ مُنعمٌ على غير الشَّاكرينَ والأشرار. فكونوا رُحماءَ كما أنَّ أباكم هو رحيمٌ.

حول الإنجيل

المناقبيّة المسيحيّة

"ما تكرهه لا تفعله لأحد"، هذه الوَصِيَّة هي "القانون الذَّهبيّ" للمناقبيَّة الإنسانيَّة بعامَّةٍ والمُتعارَف عليها عند الجميع في تلك الحقبة. لا نُصادِف مثل هذه الوَصِيَّة لا في العهد القديم ولا الجديد. في سفر طوبِيَّا- سفر قانونيّ من الدَّرجة الثَّانية يسمح بقراءته- ترد وصيَّة مشابهة: "كلُّ ما تكره أنْ يفعله غيرك لك لا تفعله لغيرك" (4: 16). أوْصى، لاحقًا، كلّ من إيسوكراتيس والرّواقيّين والبوذيّين بوصيَّة مُشابهة لها. تُعْتَبَر هذه الوَصِيَّة صيغة "سلبيّة" (ما لا يجب أن تفعله) وهي غير كافية لنشوء حياة اجتماعيَّة مُتناغِمَة ومجتمع صالح. هنا يصوغ المسيح وصيَّة مشابهة لكن بوجهٍ إيجابيّ وكان السَّبَّاقَ الوحيدَ في هذه الوَصِيَّة: "كما تريدون أن يفعل النَّاس بكم كذلك افعلوا أنتم بهم".

يلحظ القدّيس كيريلُّس الإسكندرانيّ أنَّ الرَّبَّ، كَوْنَهُ "فاحصُ القلوب والكِلَى"، استند في قَوْلِه هذا على الشَّريعة الطَّبيعيّة الفطريَّة المطبوعة في كلِّ إنسانٍ، أي شريعة حُبِّ الذَّات. هذا يتطابق مع وصيَّة الكتاب "أحْبِبْ قريبك حُبَّكَ لذاتك". فكما تنظر إلى ذاتك وترغب في أن يحبَّك الآخَر ويرعاك، هكذا انظر إلى الآخر وأحببه وارعاه.

هذه الشَّريعة، رغم أنَّها تبقى أسمى بما لا يُقاس من المناقبِيَّة البشريَّة السَّائدة والمذكورة، لكنَّها ليست إلَّا أَلِف المناقبيَّة المسيحيَّة الَّتي تتلخَّص بكلمةٍ واحدةٍ "المحبَّة". الدَّرَجة الأدنى للمناقبيَّة المسيحيَّة هي أسمى من الدَّرَجة الأعلى في سُلَّم المناقبيَّة العامَّة.

يكرّر ثيوفيلاكتوس فكرة كيريلُّس مضيفًا أنَّ وصيَّة الرَّبّ هذه هي "ناموسٌ فطريّ مدوَّن في قلوبنا". إنَّها النَّاموس الطَّبيعيّ للطَّبيعة البشريَّة غير المفسودة، لأنَّ الإنسان خُلِقَ ليُحِبّ لا ليمتنع عن أذيَّة الآخَرين وحسب. سقف المناقبيّة العامَّة هو أدنى من النَّاموس الطَّبيعيّ المسيحيّ. وصايا الأخير تنطلق من الأدنى الطَّبيعيّ لتتوثَّب نحو الأسمى الإلهيّ، نحو المحبَّة.

المحبَّة المسيحيَّة لا تشترط، بالضَّرورة، أن تكون مُتبادَلة بين المحِبّ والمحبوب بل هي لا تطلُب شيئًا في المقابل، لا تنتظر مكافأة أو تعويضًا بل تتخطَّى بالكثير النَّاموس الطَّبيعيّ للإنسان غير المنفسد.

"كونوا رُحماء كما أنَّ أباكم هو رحيم". هنا يَستدْعِي المسيح رغبةَ كلّ إنسان أن يكون مَوْلُودًا أصيلأً لله الآب. البُرهان الأقوى والَّذي لا يُصَدُّ لِكَوْنِ الشَّخص ابنًا أصيلًا لأبيه هو أن يحمل صفات الأخير. الصِّفَة الطَّبيعيّة للآب هي أنَّه رحيمٌ فإنْ كنتُم رُحماء لن تحتاجوا لأيِّ بُرهان لتُثْبِتُوا أنَّكم أبناءَ الله.

المسيحيّ لا يَسْلُك بما يوجَبُ عليه: "يجب أو لا يجب" ، بل يسلك بموجب امتيازٍ خَصَّه الله به: أنْ لا ينتظر مكافأةً إلَّا مِن لَدُنِ الله وهي أن يكون ابنًا له.

الرَّسُول حنانيَّا أحد السَّبعين

الرَّسُول حنانيَّا أسقف دمشق، هو حنانيَّا الدِّمَشقيّ، أحد رسل المسيح السَّبعين. يَرِدُ ذكرَه بصورة أساسيَّة في أعمال الرُّسُل 9: 10–19.

يقدّمُ لنا أعمال الرُّسُل حنانيَّا بوصفه واحدًا من أقْدَم المسيحيِّين الدِّمشقيِّين المعروفين بالاسم: «كان في دمشق تلميذ اسمه حنانيَّا» (أع 9: 10). فقبْل وُصول شاوُل إلى دمشق، كانت الكنيسة موجودة بالفعل، وفيها «تلاميذُ» معروفون.

وبعد ظهور المسيح لشاوُل على طريق دمشق وإصابته بالعَمى، ظهر الرَّبُّ لحنانيَّا وأمرَه أن يذهب إليه: «قم واذهب إلى الزِّقاق الَّذي يُقال له المستقيم، واطلب في بيت يهوذا رجلا طرسوسيًّا اسمه شاوُل» (أع 9: 11).

تردَّد حنانيَّا لأنَّ أخبار اضطهاد شاوُل للمسيحيِّين كانت قد وصلت إليه، لكنَّ الرَّبّ أجابَه: «اذهب، لأنَّ هذا لي إناءً مُختار ليحمل اسمي أمام أمم وملوك وبني إسرائيل» (أع 9: 15).

فذهب حنانيَّا إلى الشَّارع المستقيم، وبحث عن بيت يهوذا حيث كان شاوُل. ووَضع يديه عليه، فعاد إليه بصره، ثمَّ قام واعتمد. وأقام مع التَّلاميذ الَّذين في دمشق أيَّامًا. فكان لحنانيَّا الدَّوْر المباشر في بداية حياة بولس الرَّسُول المسيحيَّة.

لا يقدِّم لنا الكتاب المقدَّس أيَّة معلومات عن نشاط الرَّسُول حنانيَّا التَّبشيريّ بعد ذلك. لكنَّ التَّقليد الكنسيّ يُضيف أنَّه بَشَّر اليهود والوثنيّين بالمسيح في دمشق ومُحيطها، وصار أسقفًا على دمشق، ثمّ انتقل إلى إلفثيروبوليس، حيث بشَّرَ بالإنجيل واجتذب بتعليمه نفوسًا كثيرة إلى المسيح. فلمَّا وَصَل خبره إلى الحاكم لوكيانوس أمر بالقبض عليه بسبب إيمانه.

حاول الحاكمُ بوسائل مختلفة استمالته، إلَّا أنَّ حنانيَّا بقي ثابتًا في اعترافه بالمسيح. تعرَّض للتَّعذيب، إذْ أمَرَ لوكيانوس بجلده بسياطٍ مصنوعَةٍ من أعصاب البقر، ثمَّ مزَّقوا جنبيه بمخالب حديديَّة، وأحرقوا جراحه بالنَّار. لكنَّه بقي ثابتًا على الإيمان بالمسيح. في النِّهاية، استُشهد رجمًا بالحجارة.

تعيِّد له الكنيسة الأرثوذكسيَّة المقدَّسة في الأوَّل من شهر تشرين الأوَّل.