Menu Close
200926

نشرة كنيستي

نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.

أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي

كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.

الأحد بعد عيد رفع الصَّليب          

العدد 38

الأحد 20 أيلول 2026

اللَّحن 7- الإيوثينا 5

أعياد الأسبوع: *20: الشُّهداء افسطاثيوس وزوجته ثيوبيستي وولديهما أغابيوس وثيوبيستوس *21: وداع عيد  الصَّليب، الرَّسول كُدْراتُس، النَّبيّ يونان *22: الشَّهيد في الكهنة فوقا أسقف سينوبي *23: تذكار الحبل بالنَّبيّ الكريم يوحنَّا المعمدان *24: القدِّيسة تقلا أولى الشَّهيدات المعادلة الرُّسُل، البارّ سلوان الآثوسي *25: البارّة إفروسيني ووالدها بفنوتيوس *26: تذكار انتقال الرَّسُول يوحنَّا الإنجيليّ الثّيولوغوس.

كلمة الرّاعي 

القدِّيس سلوان الآثوسيّ وكلمة الخلاص:

"احفَظ ذِهنَكَ في الجحيم ولا تيأس"

في عام ١٨٦٦، وُلِدَ في قرية شوفسكويه الرُّوسيَّة الصَّغيرة شابٌّ اسمه سمعان أنطونوف، من أسرة فلَّاحين بسيطة. في شبابه، عاش سمعان حياةً وَصَفَها هو نفسه بأنَّها كانت مُثْقَلَة بالخطايا والشَّهوات. غير أنَّ مُعايَنَتَه للرَّبِّ في النُّور الإلهيّ في شَبابِهِ قَلَبَ حياته رأسًا على عَقب، ودفعه إلى ترك العالم والانطلاق إلى جبل آثوس في اليونان حيث أمضى فوق الأربعين عامًا راهبًا في دير القدِّيس بندلايمون الرُّوسيّ، حتَّى وَفاته عام ١٩٣٨. لم يكتب سلوان كتبًا لاهوتيَّة بل تركَ صفحات متواضعة من اليوميَّات والتَّأمُلات، جمعها تلميذه الأرشمندريت صفروني ساخاروف ونشرها بعد وفاته. ومع ذلك، أحدثت هذه الصَّفحات هَزَّة روحيَّة في العالم الأرثوذكسيّ وما وراءه — لأنَّها لم تكُن كلامًا عن التَّجربة الرُّوحيَّة، بل كانت التَّجربة ذاتها موثَّقةً بلُغَة القلب. أعلنت الكنيسة قداسته عام ١٩٨٨ في احتفالات الألف سنة على معموديَّة روسيَّا، ويُعيَّد له في 24 أيلول من كلِّ عام.

*             *             *

في بداية حياته الرُّوحيَّة في الدَّير منحه الله نعمة نادرًا ما يحصل عليها المبتدئون، ولكنَّه خسرها بسبب عدم الخبرة، فدخل في أزمة روحيَّة بالغة العُمق. كان يُجاهد ضدَّ الأفكار والأهواء، لكنَّه كان يشعر بأنَّ الله قد ابتعد عنه، وأنَّ أبواب السَّماء مُوْصَدَة في وَجْهِه، وأنَّ صَلاتَه لا تجد طريقها إلى الله، فكان يجد نفسه في ظلامٍ كثيفٍ لا نهاية له. في خِضَمِّ هذا الصِّراع، ظهر له الرَّبُّ وقال: "احفظ ذهنك في الجحيم ولا تيأس."

هذه الكلمة القصيرة كانت الجواب الإلهيّ على أعمق أزماته. وقد أمضى بَقيَّة حياته يتأمَّلها ويعيشها ويُعلِّمها لمن يأتي إليه.

*             *             *

ماذا تعني هذه الكلمة؟

للوَهلة الأولى، تبدو الكلمة متناقضة — بل قد تبدو مخيفة. كيف يطلب الله من إنسان أن يحفظ ذهنه في الجحيم؟ أليس الجحيم مكان العذاب والهلاك والبُعد الأبديّ عن الله؟ في فهمنا الأرثوذكسيّ، ليس الجحيم حالةً يعيشها الإنسان بعد الموت فقط، بل هو حالة نفسيَّة وروحيَّة يدخلها الإنسان حين يتغرَّب عن الله فيبتعد عن المحبَّة والنُّور الإلهيّ بسبب الخطيئة والأهواء. القدِّيس سلوان لم يكن يعيش وَهْم البِرِّ الذَّاتيّ. كان يعرف ذاته إنسانًا خاطئًا، ضعيفًا، لا يملك من الخير إلَّا ما يهبه الله. وهذه الرُّؤية الصَّافية لحقيقة الذَّات هي ما يُسمِّيه آباء الكنيسة "التَّواضع الحقيقيّ".

كلمة الرَّبّ إليه هي دعوة إلى معرفة ذاته أنَّه خاطئ، أنَّه ضعيف، أنَّ سقوطه هو سبب بعده عن الله، وأنْ يثبت على هذه المعرفة دون أن ييأس من نفسه مُثابرًا على الصَّلاة والتَّوبة والبِرّ. هذه المعرفة واقعيَّة وشفّافة، وهي عكس حالة الوَهم الرُّوحيّ حيث يظنُّ الإنسان أنَّه قد بلغ درجات روحيَّة رفيعة، فيطلب خبرات تفوق قدرته بينما لا يزال مُكبَّلًا بالكبرياء. الدَّواء الوَحيد لهذا المرض هو ما سمعه القدِّيس سلوان من الرَّبّ:  "احفظ ذهنك في الجحيم"، أي ابقَ في معرفة ضعفك، ولا تطلب أعلى ممَّا تستطيع، ولا تتوهَّم أنَّك قد وصلت. لكن، إنْ لم تكتمل هذه الفكرة مع "لا تيأس" نصل إلى نتيجةٍ خاطئة، إذْ هنا الجوهر، هنا قلب المقولة كلّه.

الفارق بين التَّواضع الحقيقيّ والإحباط المُهلِك هو كلمة واحدة: الرَّجاء. الإنسان الَّذي يعرف أنَّه خاطئ ويبقى في هذه المعرفة دون يأس — هذا هو الإنسان الَّذي يعيش في المحبَّة الإلهيَّة حقًّا. لأنَّه يعلم أنَّ الله لا يُحبُّ الكاملين فحسب — بل يُحبُّ الخطأة أيضًا، بل إنَّ المسيح جاء "لأجل الخطأة لا الأبرار" (مر ٢: ١٧). فاليأس هو الخطيئة الوحيدة الَّتي تُغلق الباب من الدَّاخل. لأنَّ اليأس يقول: "رحمة الله لا تكفيني". وهذا في جوهره كبرياء مُقنَّع بصورة التَّواضع، وكأنَّ الإنسان يعتبر أنَّ خطيئته أكبر من محبَّة الله، وأنَّ ضعفه يتجاوز قدرة الله على الشِّفاء، وهذا عكس ما يعلِّمه الآباء من أنَّ لا خطيئة بدون مغفرة إلَّا الَّتي بدون توبة". فحياة القدِّيس سلوان تقول: عِش في معرفة ضعفك، لكن لا تُغلق نافذة الرَّجاء. لأنَّ الله ينظر إلى القلب المنكَسِر وينزل إليه "فالذَّبيحة لله روحٌ مُنسحق. القلب المتخشِّع والمتواضع لا يرذله الله" (مز ٥٠: ١٧).

*             *             *

ما اكتشفه القدِّيس سلوان في هذه المقولة هو الجَمع، المستحيل ظاهريًّا، بين التَّواضع الأقصى والرَّجاء المطلَق، وهو في الواقع ليس تناقضًا بل تَوْليفةً روحيَّة كاملة (une synthèse spirituelle complète). التَّواضع الأقصى يقول: أنا لا أستحقّ. أنا في حالة الجحيم بسبب عبوديَّتي لأهوائي. الرَّجاء المطلَق يقول: لكنَّ الله يُحبُّني، ليس لأنَّني أستحقّ، بل لأنَّه هو محبَّة، وهو "أحبَّني أوَّلًا" (راجع 1 يو 4: 19). وبين هاتَيْن الحقيقتَيْن يُولد الإنسان من جديد كلَّ يوم بالتَّوبة. لا يصعد إلى السَّماء بجناحَي كبريائه وعُجْبِه، ولا يغرق في الأرض بثقل يأسه — بل يقف في المكان الوَحيد الصَّحيح: أمام الله، كما هو، بكلِّ ضعفه وكلِّ رجائه، "أنا واقفٌ أمامك وتراني" (راجع مزمور ١٣٩) .

هذه المقولة لم تكن للقدِّيس سلوان مجرَّد آية للتَّأمُّل فيها، بل كانت الأساس الَّذي بنى عليه أعمق تعليمه: محبَّة الأعداء، إذْ يقول "من يُحبُّ أعداءه يعلم أنَّ الله موجود". وهذا الرَّبط ليس اعتباطيًّا. فمن يعرف أنَّه هو نفسه في موضع الجحيم بذاته — أي من يعيش التَّواضع الحقيقيّ — لا يستطيع أن ينظر إلى "عدوِّهِ" بعيون الكبرياء والدَّينونة. لأنَّه يعلم أنَّه هو والآخَر سواء أمام الله — كلاهما محتاج، كلاهما ضعيف، كلاهما يحيا بالرَّحمة لا بالاستحقاق. التَّواضع يُسقط موانع المحبَّة تجاه الآخَر فتتَّسِع المحبَّة لتشمل الجميع حتَّى مَن يُسيء إلينا.

*             *             *

يا أحبَّة، نحن نعيش في عالم يمجُّ التَّواضع. ثقافة زمننا تتمحور حول عبادة الأنا: "أنت تستحقُّ الأفضل. أنت متمِّيز. أنت لست مذنبًا. أنت حرّ في أن تصنع ما تشاء بحياتك...".هذا الخطاب يحمل إيجابيَّة كاذبة هي مِن أصعب العوائق أمام وُلوج الحياة الرُّوحيَّة الحقيقيَّة، لأنَّه يُبعد الإنسان عن معرفة ذاته الحقيقيَّة ويُغذّي العُجبَ الرُّوحيّ. في المقابل، ثمَّة نزعة أخرى يفرزها العالم المعاصر أيضًا: اليأس. اليأس من التَّغيير، من المعنى، من الآخَر، من الله. الشُّعور بأنَّ الحياة عبثيَّة وأنَّ الخطأ لا يُغفَر وأنَّ الجرح لا يُشفى وأنَّ التَّوبة غير ممكنة أو مستحيلة... ونصيحة الرَّبّ للقدِّيس سلوان تخاطب كلتا الحالَتَيْن، فتقول للمتكبِّر: احفظ ذهنك في الجحيم — اعرف حقيقتك؛ ولليائس: ولا تيأس — رحمة الله غير محدودة. الجحيم، في نهاية المطاف، هو أن يُغلق الإنسان بابه على ذاته ويرفض محبَّة الله. والفردوس هو أن يفتح قلبه — بكلِّ ضعفه وكلِّ سقوطه — لمن قال: "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثَّقيلي الأحمال وأنا أُريحكم"(مت ١١: ٢٨). سلوان لم يطلب أن يرى نورًا، ولم يطلب أن يشعر بحضور الله. طلب شيئًا واحدًا بقي يتوق إليه حتَّى آخر نَفَس من حياته: أن يعرف كيف يُحبّ. وكان جوابه دائمًا هذه الكلمة البسيطة الغامضة العميقة: "احفظ ذهنك في الجحيم — ولا تيأس." لأنَّ مَن عاش هذه الكلمة حقًّا، اكتشف أنَّ الجحيم الَّذي ظنّه نهايةً كان في الواقع مدخلًا إلى الحياة الحقيقيَّة بالتَّواضع، والتَّواضع مدخل إلى المحبَّة، والمحبَّة هي الله الَّذي هو الحياة...

"إن كنت تعرف الله، ستعرف كيف تُحبّ"(القدِّيس سلوان الآثوسي).

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع...

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

طروباريَّة القيامة (باللَّحن السَّابع)

حَطَمْتَ بِصَليبِكَ المَوت. وفتحتَ للِّصِّ الفِرْدَوس. وحوَّلتَ نَوْحَ حامِلاتِ الطّيب. وأمَرْتَ رُسلَكَ أن يَكرزِوا. بأنَّكَ قد قُمتَ أَيُّها المسيحُ الإله. مانِحًا العالمَ الرَّحمةَ العُظمى.

طروباريَّة عيد رفع الصَّليب (باللَّحن الأوَّل)

خلِّصْ يا ربُّ شعبَكَ وبارِكْ ميراثَك، وامنَحْ عبيدَكَ المؤمنينَ الغلبَةَ على الشِّرِّير، واحفَظْ بقوَّةٍ صليبِكَ جميعَ المختصِّينَ بك.

قنداق عيد رفع الصَّليب (باللَّحن الرَّابع)

يا من ارتفعتَ على الصَّليبِ مُختارًا أيُّها المسيحُ الإله، امنح رأفتكَ لِشَعبكَ الجديدِ المـُسَمَّى بك، وفَرِّحْ بقوّتك عبيدَكَ المؤمنين، مانِحًا إيّاهُمُ الغلبةَ على مُحاربيهم. ولتكن لهم معونتُكَ سِلاحًا للسَّلامة وظفَرًا غيرَ مقهور.

الرِّسالة (غل 2: 16- 20)

مَا أَعْظَمَ أَعْمَالَكَ يَا رَبُّ، كُلَّهَا بِحِكْمَةٍ صَنَعْتَ.

بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ.

يَا إِخْوَةُ، إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ الإِنْسَانَ لا يُبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ، بَلْ إِنَّمَا بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الـمَسِيحِ، آمَنَّا نَحْنُ أَيْضًا بِيَسُوعَ الـمَسِيحِ لِكَيْ نُبَرَّرَ بِالإِيمَانِ بِالـمَسِيحِ لا بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ، إِذْ لا يُبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ أَحَدٌ مِنْ ذَوِي الجَسَدِ. فَإِنْ كُنَّا، وَنَحْنُ طَالِبُونَ التَّبْرِيرَ بِالـمَسِيحِ، وُجِدْنَا نَحْنُ أَيْضًا خَطَأَةٍ، أَفَيَكُونُ الـمَسِيحُ إِذًا خَادِمًا لِلْخَطِيئَةِ؟ حَاشَى. فَإِنِّي إِنْ عُدْتُ أَبْنِي مَا قَدْ هَدَمْتُ أَجْعَلُ نَفْسِي مُتَعَدِّيًا لِأَنِّي بِالنَّامُوسِ مُتُّ لِكَيْ أَحْيَا للهِ. مَعَ الـمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا، لا أَنَا، بَلِ الـمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. وَمَا لِي مِنَ الحَيَاةِ فِي الجَسَدِ أَنَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ بِابْنِ اللهِ الَّذي أَحَبَّنِي وَبَذَلَ نَفْسَهُ عَنِّي.

الإنجيل (مر 8: 34- 38، 9: 1)

قَالَ الرَّبُّ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتْبَعَنِي فَلْيَكْفُرْ بِنَفْسِهِ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي. لِأَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ أَهْلَكَ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي وَمِنْ أَجْلِ الإِنْجِيلِ يُخَلِّصُهَا. فَإِنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ العَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ أَمْ مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟ لِأَنَّ مَنْ يَسْتَحِي بِي وَبِكَلامِي فِي هَذَا الجِيلِ الفَاسِقِ الخَاطِئَ، يَسْتَحِي بِهِ ابْنُ البَشَرِ مَتَى أَتَى فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ الـمَلائِكَةِ القدِّيسينَ. وَقَالَ لَهُم: الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ، إِنَّ قَوْمًا مِنَ القَائِمِينَ هَهُنَا لا يَذُوقُونَ الـمَوْتَ حَتَّى يَرَوْا مَلَكُوتَ اللهِ قَدْ أَتَى بِقُوَّةٍ.

حول الإنجيل

نسمع، في المقطع الإنجيليّ المخصَّص لهذا الأحد، قَوْل الرَّبّ يسوع: "مَن أرادَ أن يأتي ورائي فلينكُر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني" (مرقس 34:8)، وكأنَّ الصَّليب هو أداةٌ للعذاب والحزن. لكنَّنا نسمع في الصَّلوات المخصَّصة للصَّليب نغمة غبطةٍ، فنحن نفرح ونصرخ أمام الصَّليب، كما لو أنَّه حَيٌّ، قائلين: "إفرح أيُّها الصَّليب الكريم. أعِنَّا أيُّها الصَّليب المُحيي".

كيف يكون هذا؟ هل للصَّليب أذنان؟ هل الصَّليب وسيلةٌ للحزن؟ طبعًا لا، لكنَّنا بتوجُّهنا إلى الصَّليب نرفع توسُّلاتنا إلى الَّذي، بصلبه عليه، جمع الجميع إلى واحدٍ وملأ كلَّ الأشياء بقدرته، حتَّى الطَّبيعة العديمة الحِسّ والحركة. إذًا بسبب النِّعمَة الموجودة على صليب الرَّبّ، نمتلئ فرحًا ولا نستطيع أن نُعَبِّر عن ذلك سوى من خلال التَّوجُّه إلى الصَّليب على أنَّه صديقنا وحامينا.

هذا ما نجده أيضًا في العهد القديم مع داود الملك الَّذي، عندما فتحت النِّعْمَة الإلهيَّة عينيه ورأى أنَّ كلَّ شيءٍ تملؤه نعمة الله، صرخ قائلًا: "سَبِّحيه أيَّتها الشَّمس والقمر، سبِّحيه يا جميع الكواكب والنُّور"، كذلك عندما رأى الفتية الثَّلاثة القدِّيسون كيف أنَّ شهب النَّار تطيع خالقها، أدرجوا كلَّ الخليقة في تسبحتهم قائلين: "سَبِّحي الرَّبَّ أيَّتها الأرض والجبال والتِّلال وكلُّ ما يَنْبُتُ فيها، سبِّحي الرَّبَّ وارفعيه إلى الأدهار"، رغم أنَّ الجبال والتِّلال ليست عاقلةً، إلَّا أنَّ كلَّ شيءٍ حَيٌّ بنعمة المعَزِّي الحاضر في كلِّ مكانٍ والمالئ الكلّ. حتَّى لو لم يوجد أيُّ عاقِلٍ يسبِّح خالقه، عندها ستصرخ الحجارة كما قال الرَّبّ نفسه. وإذا كانت الأشياء كلَّها حيَّةً كما رآها القدِّيسون، فكم يُقالُ بالحَرِيِّ عن الصَّليب، الشَّجرة المبارَكَة الَّتي مِن خِلالها أُعيدَتْ الشّركة بين الخالق والخليقة بعدما فُقِدتْ بسبب معصية الإنسان.

الصَّليب هو المذبح الَّذي صار عليه المسيح مقدِّمًا ومقدَّمًا، ذابحًا وذبيحةً، كاهنًا وضحيَّة. لهذا أيضًا نسجُدُ له، نُعَلِّقُهُ على صدورنا، نرسمه، نرفعه في المنازِل. يجب أن يتحوَّل كلَّ مكانٍ إلى مذبحٍ يُقدِّم المسيحيُّ فيه وعليه نفسه ذبيحة. إنَّ تحدّينا الدَّائم هو برهاننا أنَّنا مثل مسيحنا.

القدِّيسة إفيميَّا في الكنيسة

وُلِدَت القدِّيسة إفيميَّة في مدينة خلقيدونية حوالي سنة 288 م.، في عهد الإمبراطور دقلديانوس، من أبويَن مسيحيَّين تَقِيَّين، كان أبوها من الأشراف وأمِّها معروفة بحُبِّها للفقراء. نشأت في بيئة إيمانيَّة صالحة، فتعلَّمتْ حبَّ المسيح والإخلاص للإنجيل منذ صغرها. وحين بلغت العشرين، اندلع اضطهادٌ جديدٌ على المسيحيِّين، إذْ دَعا بريسكوس حاكم آسيا الصُّغرى إلى تقديم الذَّبائح للإله آريس احتفاءً بعيده. فتغيَّبَتْ إفيميَّة مع جماعة من المؤمنين عن تلك الشَّعائر، فاعتُقِلوا ومثُلوا أمام الحاكم. هناك، أعلنوا بإيمانٍ راسخٍ أنَّهم يطيعون الإمبراطور ما لم يأمر بما يُخالف الله، فإنْ فَعَلَ، وقَفوا له بالمرصاد. فامتلأ بريسكوس غيظًا وأمر بتعذيبهم. وكانت إفيميَّة في مُقَدِّمَتهم، فلفَتَتْ جمالها وصغر سَنَّها نظر الحاكم، فحاول أنْ يُلَيِّنَ قلبها بالإغراء، لكنَّها وَقَفَتْ صامِدَة كالصَّخر.

أمَرَ الحاكم بتعذيبها بِطُرُقٍ شتَّى، لكنَّ المعجزات كانت ترافقها في كلِّ مِحْنَةٍ: وُضِعَتْ على عَجَلَةٍ مُسَنَّنَة فجاءَ الملاك وكَسَرَها، أُلْقِيَتْ في النَّار فلم تُؤذِها، ورُمِيَتْ في جُبٍّ مَملوءٍ بالزَّواحف السَّامَّة فرسمت إشارة الصَّليب فوق الماء فنَجَت. رأى الجندِيَّان فيكتور وسوستينيس هذه العجائب فآمَنا بالمسيح واستشهدا معها. وأخيرًا، شاءَ الرَّبُّ أن يُنيِّحَها، فسَمَح لدُبٍّ أُلقِيَتْ إليه أن يعضَّها فأسلمت روحها الطَّاهرة، نائلةً إكليل الشَّهادة سنة 303 م.

أمَّا دورها الخالد فلم ينتهِ باستشهادها، بل امْتَدَّ بعد مئة وخمسين عامًا، وتحديدًا في المجمع المسكونيّ الرَّابع الَّذي انعقد في مسقط رأسها خلقيدونية سنة 451 م.، في الكنيسة الَّتي شُيِّدَتْ فوق قبرها. إذْ اجتمع الآباء السِّتُّمائة والثَّلاثون لمواجهة بِدْعَة أوطيخا الَّتي كانت تقول بطبيعةٍ واحدةٍ للمسيح. فاقترح البطريرك أناتوليوس أنْ يُوضَع كتابان في تابوت القدِّيسة: أحدهما يُدَوِّن إيمان الآباء الأرثوذكسيّ والآخر إيمان الهراطقة، ثمَّ يُختَم التَّابوت. وبعد ثلاثة أيَّام من الصَّلاة فُتح التَّابوت، فإذا بالقدِّيسة تمسك كتاب الإيمان القويم بيدها وترفعه، أمَّا كتاب الهراطقة فكان ملقىً عند قدميها مَدوسًا. وهكذا أيَّدَتْ القدِّيسة العقيدة الصَّحيحة وأبطلت الباطل. صارت منذ ذلك الحين رمزًا لحماية الأرثوذكسيَّة وتُلَقَّب بـ"حارِسَةُ الإيمان"، وتُقام لها الأعياد في 11 تمُّوز من كلِّ عام و 16 أيلول. نُقِلتْ رفاتها إلى القسطنطينيَّة بعد غزو الفُرس، وهي محفوظة اليوم في كنيسة القدِّيس جاورجيوس بالفَنار لدى البطريركيَّة المسكونيَّة، حيث تواصل شفاعتها لحماية المؤمنين. ومِن الأخبار الَّتي تناقلها التُّراث بشأن عجائبها، أنَّ قبرها، في عيدها السَّنويّ، كان يَفيض دَمًا حيًّا تفوح منه رائحة سماويَّة. وكانوا يُدهَنون المرضى بهذا الدَّم فيشفون.

تُجسِّد القدِّيسة إفيميَّة في كنيستنا صورةً مُشرِقَةً للإيمان الحَيّ، فهي شاهدةٌ على أنَّ القدِّيسين يظلُّون أحياءً بالمسيح، ويُواصِلون الدِّفاع عن كمال الكنيسة، وعن عقيدتها، وعن شعبها، حتَّى أنَّ شفاعتهم تمتدُّ بعد رُقادِهم لتُحَقِّق ذلك كاملًا.