نشرة كنيستي
نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.
أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي
كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.
الأحد قبل عيد رفع الصَّليب
العدد 37
الأحد 13 أيلول 2026
اللَّحن 6- الإيوثينا 4
أعياد الأسبوع: *13: تقدمة عيد رفع الصَّليب، الشَّهيد كورنيلوس قائد المئة ورفقته، تجديد هيكل القيامة *14: عيد رفع الصَّليب الكريم المحيي (صوم) *15: الشَّهيد نيقيطا، القدِّيس سمعان التَّسالونيكيّ *16: العظيمة في الشَّهيدات آفيميَّة، القدِّيس مرتينوس أسقف رومية *17: الشَّهيدات صوفيّا وبناتها بيستي وآلبيذي وأغابي *18: القدِّيس آفمانيوس العجائبيّ أسقف غورتيني *19: الشُّهداء تروفيمس وسباتيوس ودوريماذُن.
كلمة الرّاعي
الخلاص وسمات الرَّبّ يسوع
" فَلا يَجْلِبْ عَلَيَّ أَحَدٌ أَتْعَابًا فِيمَا بَعْدُ فَإِنِّي حَامِلٌ فِي جَسَدِي سِمَاتِ الرَّبّ يَسُوعَ" (غل 6: 17)
نحتفل في الرَّابع عشر من أيلول بعيد رفع الصَّليب المكرَّم الَّذي صُلب عليه الرَّبّ يسوع المسيح لخلاص البشريَّة والكَوْن من السُّقوط ونتائجه ولتجديد الخليقة كلّها بالنَّاهض من بين الأموات والغالب الموت والشِّرِّير. الخلاص بالمسيح تَمَّ واكتمل، فالشَّيطان غُلِبَ إلى الأبد، والموت أُبيدَ من الوُجود. المسألة مسألة وقتٍ، والوقت من صفات عالمنا ووجودنا الزَّائل والَّذي انتهى بقيامة الرَّبّ من بين الأموات. الخليقة الجديدة تحقَّقَتْ في يسوع المسيح، والمؤمنون به هم تجسيدها في هذا العالم. لكنَّ، الخليقة الجديدة هي حاضرة ومحقَّقة في المسيح، وهي ستأتي ومدعُوَّة للتَّحقُّق في كلِّ مؤمنٍ بيسوع. هي حاضرةٌ الآن وهنا، وهي ستأتي وتكتمل في آخر الأزمنة فينا. يسوع المسيح هو باكورة الخليقة الجديدة بغلبة إنسانِيَّتِه على الموْت بذات سلطانه، وهو يمنح المؤمنين به أن يصيروا هذه الخليقة الجديدة باتِّحادهم مع النِّعْمَة الإلهيَّة، أي بأقنمة النِّعْمَة غير المخلوقة كما أَقْنَمَ هو طبيعتنا البشريَّة المخلوقة (أي ضَمَّ إلى شخصه بدون أن يصير أي امتزاج أو اختلاط وبدون انقسام أو انفصام)، فهو "صار إنسانًا ليصير الإنسان إلهًا".
* * *
أن نأقنم النِّعْمَة الإلهيَّة هي عطيَّة من الله توهَب لنا في المعموديَّة والميرون المقدَّس، وهي تتجدَّد فينا بالأسرار المقدَّسة، ولا سِيَّما في سِرِّ الإفخارستيَّا. هي هِبَة وهي تحقيق، إنَّها سيرورة وصيرورة. النِّعْمَة الَّتي نأخذها هي حقيقة جديدة على الإنسان أنْ يتعلَّم كيف يستثمرها في حياته ونموِّه الرُّوحيّ. المسألة ليست سِحْرًا، إنَّها وَعِي للموهَبَة المُعطاة لنا مِنَ الله وجِهادٌ لتثبيت حياتنا فيها. النِّعْمَة لا تُلغي مشيئتنا ولا ضعفاتنا بل تمنحنا القدرة الكُلِّيَّة على تحقيق تجديدنا إذا أسلمنا مشيئتنا لله بطاعة الكلمة الإلهيَّة الَّتي في الكتب المقَدَّسَة. النِّعْمَة تجعل كلمة الله فينا مُحَقَّقَة، لكن هذا يتِمُّ فقط عندما نُريد أن نتغيَّر لِتَصيرَ حياتنا مُطابقة للكلمة، وهذا هو جهاد إخلاء الذَّات من إرادة الشهوات والأهواء لاقتناء إرادة القداسة. التّخلّي هو الصَّليب بعينه الَّذي يعيشه المؤمن. لعيش الكلمة عليّ أن أتخلَّى عن فكر العالم لأقتني فكر المسيح، عليَّ أن أتحرَّر من حُبِّ لَذَّات الجسد وعبودِيَّة شهواته فأطلب حرِّيَّة القلب لأنال حرِّيَّة الكيان من كلِّ هوًى وخطيئة. وما هي شهوات الجسد يا ترى سوى الكبرياء والعُجْب واليأس والحزن والبُخل والغضب والفسق والزِّنى والشَّراهة؟!... مِن هذه تتفرع الرَّذائل وهي التَّجارب الَّتي على الإنسان أنْ يغلبها بصلب إرادة السُّقوط أي عالم الأهواء فيه بمؤازرة النِّعْمَة...
* * *
يا أحبَّة، سمات الرَّبّ يسوع في حياتنا هي الآثار الَّتي تَظهر في كياننا نتيجة صلبنا للعالم الَّذي فينا لنطلب حرِّيَّة أبناء الله. هذه الآثار تظهر جليَّة لأنَّها مملوءة بالنُّور ولو كانت في الظَّاهر علامات غريبة بالنِّسبة للاخَرين في حياتنا. فمن يصوم، مثلًا، في زمن لم يَعُدْ فيه للصَّوْم مِن مكانةٍ في حياة النَّاس أو حيث يُعتبر تخلُّفًا أو جهالة، هذا يحمل سمات الرَّبّ يسوع في جسده أي كيانه. ومَن يُصَلِّي ويُشارِك في صلوات الكنيسة والأسرار بانتظام والتزام، ومن يمتنع عن الفسق والزِّنى، ومَن يرفض السُّكر والمخدَّرات، ومَن لا يطلب مجدًا من النَّاس ولا يعتدُّ بإنجازاته أمام الآخَرين ليُظهِر تفوُّقَه عليهم، ومَن يكون كريمًا ومعطاءً في الخفية دون أن يظهر للنَّاس، إلخ. هؤلاء كلُّهم يحملون سمات الرَّبّ يسوع. أمّا الَّذين يتركون كلّ شي ليتبعوا المسيح فهؤلاء يصيرون كلّهم علامة إلهيَّة وعثرةً للرَّافِضين جَهالة الصَّليب والطَّالِبين عالم عبودِيَّة الأهواء ورِضَى النَّاس ومجدهم، وللَّذين يَعيشون ليأكلوا ويشربوا ويلبسوا ويترَفَّهوا غير مؤمنين بوجود خليقة جديدة وحياة أبديَّة...
فهل من طالب للحياة الجديدة بالمسيح؟!...
ومن له اذنان للسَّمع فليسمع...
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
طروباريَّة القيامة (باللَّحن السَّادس)
إِنَّ القوَّاتِ الملائِكِيَّة ظَهَرُوا على قبرِكَ الـمُوَقَّر، والحرَّاسَ صَارُوا كَالأَموات، ومريمَ وَقَفَتْ عندَ القَبْرِ طَالِبَةً جَسَدَكَ الطَّاهِر، فَسَبَيْتَ الجَحِيمَ ولَمْ تُجَرَّبْ مِنْهَا، وصَادَفْتَ البَتُولَ مَانِحًا الحَيَاة، فَيَا مَنْ قَامَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ، يَا رَبُّ المـَجْدُ لَك.
طروباريَّة التَّجديدات (باللَّحن الرَّابع)
كَمِثْلِ بهاءِ الجَلَدِ العُلويّ، أظهرتَ الجمالَ السُّفليّ لمسكنَ مجدِكَ الأقدسِ يا رَبّ. فثبّته إلى دهر الدَّاهرين وتقبَّل طلباتِنا المقدَّمةَ لكَ فيه بلا فتورٍ. بشفاعةِ والدةِ الإله. يا حياةَ الكُلِّ وقيامَتَهُم.
طروباريَّة تقدمة عيد رفع الصَّليب المُحيي المقَدَّس (باللَّحن الثَّاني)
أيُّها الرَّبّ، إنَّنا نُقَدِّم لك للاستشفاع، صليب صلاحك المُحيي، الَّذي وهبْتَهُ لنا، نحن غير المستحقِّين. فَخَلِّص الملوك ومدينتك، جاعِلًا لهم سلامًا، لأجل والدة الإله، يا مُحِبَّ البشر وَحْدَك.
قنداق التَّجديدات (باللَّحن الرَّابع)
إنّ الكنيسة المقدّسة، قد ظهرتْ سماءً كثيرة الأنوار، منيرة المؤمنين جميعاً، وإذ نحن فيها واقفون نصرخ هاتفين: ثبّت هذا البيت يا ربّ.
الرِّسالة (غل 6: 11- 18)
خَلِّصْ يَا رَبُّ شَعْبَكَ وَبَارِكْ مِيرَاثَكَ.
إِلَيْكَ يَا رَبُّ أَصْرُخُ إِلَهِي.
يَا إِخْوَةُ، أُنْظُرُوا مَا أَعْظَمَ الكِتَابَاتِ الَّتي كَتَبْتُهَا إِلَيْكُمْ بِيَدِي. إِنَّ كُلَّ الَّذينَ يُرِيدُونَ أَنْ يُرْضُوا بِحَسَبِ الجَسَدِ يُلْزِمُونَكُمْ أَنْ تَخْتَتِنُوا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِئَلَّا يُضْطَهَدُوا مِنْ أَجْلِ صَلِيبِ الـمَسِيحِ. لِأَنَّ الَّذينَ يَخْتَتِنُونَ هُمْ أَنْفُسُهُمْ لا يَحْفَظُونَ النَّامُوسَ، بَلْ إِنَّمَا يُرِيدُونَ أَنْ تَخْتَتِنُوا لِيَفْتَخِرُوا بِأَجْسَادِكُمْ. أَمَّا أَنَا فَحَاشَى لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلَّا بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الـمَسِيحِ الَّذي بِهِ صُلِبَ العَالَمُ لِي، وَأَنَا صُلِبْتُ لِلْعَالَمِ. لِأَنَّهُ فِي الـمَسِيحِ يَسُوعَ لَيْسَ الخِتَانُ بِشَيْءٍ وَلا القَلَفُ، بَلِ الخَلِيقَةُ الجَدِيدَةُ. وَكُلُّ الَّذينَ يَسْلُكُونَ بِحَسَبِ هَذَا القَانُونِ فَعَلَيْهِمْ سَلامٌ وَرَحْمَةٌ، وَعَلَى إِسْرَائِيلِ اللهِ. فَلا يَجْلِبْ عَلَيَّ أَحَدٌ أَتْعَابًا فِيمَا بَعْدُ فَإِنِّي حَامِلٌ فِي جَسَدِي سِمَاتِ الرَّبّ يَسُوعَ. نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الـمَسِيحِ مَعَ رُوحِكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ. آمِين.
الإنجيل (يو 3: 13- 17)
قَالَ الرَّبّ: لَمْ يَصْعَدْ أَحَدٌ إِلَى السَّمَاءِ إِلَّا الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، ابْنُ البَشَرِ الَّذي هُوَ فِي السَّمَاءِ. وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الحَيَّةَ فِي البَرِّيَّةِ، هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ البَشَرِ لِكَيْ لا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونَ لَهُ الحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. لِأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللهُ العَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الوَحِيدَ لِكَيْ لا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونَ لَهُ الحَيَاةُ الأَبَدِيَّةَ. فَإِنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللهُ ابْنَهُ الوَحِيدَ إِلَى العَالَمِ لِيَدِينَ العَالَمَ، بَلْ لِيُخَلِّصَ بِهِ العَالَمَ.
حول الرِّسالة
"لأَنَّ الَّذين يَخْتَتِنُونَ هُمْ لاَ يَحْفَظُونَ النَّامُوسَ، بَلْ يُرِيدُونَ أَنْ تَخْتَتِنُوا أَنْتُمْ لِكَيْ يَفْتَخِرُوا فِي جَسَدِكُمْ" (غلا 12). ما كانت المشكلة مع أهل غلاطية؟ كانوا يهودًا آمنوا بالمسيح وصاروا مسيحيِّين ولكن مع الحِفاظ على التَّقاليد اليهوديَّة، بمَعْنى آخر، لكي يصبح الوثنيّ مسيحيًّا عليه أن يَصيرَ يهوديًّا أوَّلًا ويحفظ الشَّرائع اليهوديَّة بعدها يصير مسيحيًّا، طبعًا هذا يَدُلُّ على أنَّه حتَّى ولو أصبح الوثنيّ مسيحيًّا، ينقصه بعد العُبور بالإيمان اليَهوديّ، وهذا يَعني أنَّ المسيح لا يستطيع أنْ يُخَلِّصَه من دون أن يعبر إلى الإيمان اليهوديّ أوَّلًا، لذلك وضعت هذه الجماعة المنحرفة، الَّتي ظهرت في غلاطية، قانون الخِتانة على كلِّ وَثَنيّ يُريد أنْ يَصيرَ مسيحيًّا، ممَّا جعل بولس الرَّسُول ينتفض على هذا الفكر ويشرح سبب عملتهم هذه وهي "لكي يفتخروا في جسدكم" أي ليُظهروا للنَّاس أنَّ إيمانهم وعاداتهم اليهوديَّة وما كانوا يؤمنون به قديمًا لا زال ضروريًّا للعُبور للإيمان المسيحيّ، فأتى رَدُّ بولس الرَّسُول بالآتي: "وَأَمَّا مِنْ جِهَتِي، فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلَّا بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (الآية 14)، وعنى الرَّسُول بذلك أنَّ صليب المسيح وحده هو مصدر الحياة الحقيقيَّة والطَّريق إلى الحياة الأبديَّة؛ أمَّا الاِدِّعاءات المسيحيَّة، مثل الأحزاب الَّتي تدَّعي المسيحيَّة وتدَّعي حماية المسيحيَّة، وهي عندما ظهرت قَضَتْ على المسيحيَّة؛ أم التَّعاليم الدِّينيَّة الخاطئة الَّتي تحمل اسم المسيح أم الجماعات السِّرِّيَّة كالماسونيَّة أم المال أم الاِنتماء العائليّ أم الأفكار الاجتماعيَّة وخاصَّةً الغربية منها كالشُّذوذ الجنسيّ والفَلَتان الأخلاقيّ هذه كلِّها وغيرها الَّتي يفتخر بها معظم النَّاس، ويفتخرون بانتمائهم إليها ويجدُّون في تطبيقها... هذه كلِّها ستنتهي عند الممات، فما الفائدة الَّتي جنيناها منها؟ هل نفتخر بالأشياء الزَّائلة الَّتي لا تستطيع أنْ تساعدنا؟ لذلك تكلَّم الرَّسُول بالمنطق السَّليم عندما قال أنَّ الاِفتخار هو بشيءٍ واحِدٍ فقط ألَا وهو صليب المسيح الَّذي به فُتح مجال الخلاص للعالم. فمَن لا يُريد أنْ يَخْلُص ويعيش في "الظُّلمة البرَّانِيَّة" وبعيدًا عن المسيح فليفتخر بالأمور الزَّائلة الَّتي سيخسرها في نهاية المطاف ويخسر المسيح، ومَن أرادَ أن يَخْلُص ويعيش مع المسيح فليفتخر فقط بصليب المسيح ولا يتعالى على النَّاس مهما بلغت قامته.
خشبة الصَّليب
من رمز الخلاص إلى علامة النَّصرة
تحتفل الكنيسة في الرَّابع عشر من أيلول بِعيد ارتفاع الصَّليب الكريم المُحيي، مكرِّمةً خشبة الصَّليب الَّتي قَدَّسَها المسيح بِدَمِهِ، فحَوَّلها مِن أداةٍ للموت إلى شجرةٍ للحياة والخلاص. ولم يكن الصَّليب حَدَثًا طارِئًا في تدبير الله، بل سبق أن أُعلِن عنه برموزٍ كثيرةٍ في العهد القديم. فشجرة الحياة في الفردوس تُشير إلى شجرة الصَّليب الَّتي أعادَتْ للإنسان الحياة بعد أنْ فَقَدَها بالخطيئة، كما أنَّ الخشبة الَّتي ألقاها موسى في المياه المُرَّة فصارت عذبةً ترمز إلى الصَّليب الَّذي حَوَّل مرارة الخطيئة إلى نِعْمَةٍ، والحَيَّة النُّحاسيَّة الَّتي رفعها موسى في البرِّيَّة وجَدَتْ كمالها في المسيح المصلوب، القائل: «وكما رفع موسى الحَيَّةَ في البرِّيَّة هكذا ينبغي أن يُرفع ابن الإنسان» (يوحنَّا 3: 14).
في مِلْءِ الزَّمان تحقَّقَتْ هذه الرُّموز على الجلجلة، حيثُ صار الصَّليب علامة انتصارِ المسيح على الخطيئة والموت. ويقول القدِّيس إيريناوس: «كما جاء الموت بواسطة شجرةٍ، هكذا جاءت الحياة أيضًا بواسطة شجرةِ الصَّليب.» ويُضيف القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم: «الصَّليب هو رجاءُ العالم كلِّه». ويرتبط هذا العيد أيضًا باكتشاف القدِّيسة هيلانة لخشبةِ الصَّليب في أورشليم سنة 326 م، بعد أن شجَّعَها ابنها الإمبراطور قسطنطين، الَّذي رأى علامة الصَّليب قبل إحدى معاركه وسمع: «بهذه العلامة تنتصر». وبعد العثور على الصَّليب، رفعه البطريرك مكاريوس أمام المؤمنين ليكَرِّمُوه، ومِن هنا نشأ عيد ارتفاع الصَّليب.
إنَّ تكريمنا لخشبةِ الصَّليب ليس تكريمًا للمادَّة، بل للمسيح الَّذي افتدانا عليها. لذلك يبقى الصَّليب مدرسةً للمحبَّة والبذل، وعلامةَ رجاءٍ لكلِّ مؤمنٍ، لأنَّ طريق الصَّليب يَقودُ دائمًا إلى فرح القيامة، وإلى الحياة الجديدة الَّتي وَهَبَها الرَّبّ للعالم.
في الصَّليب
يهرب النَّاس من الصَّليب في حياتهم، ظنًّا منهم أنَّه ألمٌ غاشم. ليس كلُّ وجع صليبًا. يُخطِئ النَّاس لأنَّهم يفكِّرون هكذا. لا صليب خارج العلاقة مع المسيح، لأنَّه هو القائل: "مَن أرادَ أن يتبعني فليكفُر بنفسه ويحمل صليبه كلَّ يومٍ ويتبعني" (لو 9: 23).
الصَّليب يأتي من الكُفر بالأنا، أي مَن سَعِيَ الإنسان للعودة إلى عبادة الله بدل عبادة ذاته. الاِنسلاخ عن محبَّةِ الذَّات هو الألم الأكبر، كلُّ الآلام الأُخرى سهلة بالمقارنة معه.
السُّؤال العَمَلِيّ هو كيف يعبد الإنسان ذاته؟
ربَّما، معظم النَّاس لا يَرَوْن هذا الأمر فيهم. لكنَّ المسألة بسيطة، إذْ إنَّ كلَّ عملٍ يسعى الإنسان مِن خلاله إلى إثبات ذاته خارج الله هو عبادة للذَّات، وهذا هو ما يؤدِّي إلى تصارع البشر فيما بينهم لأنَّهم لا يستطيعون أن يقبَلوا بعضهم البعض، بل كلُّ واحد يُريد أن يُسَيْطِر على الآخَر في الفكر أو في القَوْل أو في الفعل.
طالما الآخَر يشكِّلُ تهديدًا لوجودي فأنا أسير هوى الأنا. عندما يصير الآخَر حياتي وفرحي أكون قد صرتُ عبدًا لله إذ قد تحرَّرْتُ مِن الأنا.
أتستطيع أن تحبّ الآخَر، أن تقبَله، أن تسامِحَه، أن لا تدينه، أن تبرّر له سقطاته، أن تفرح بالبذل لأجله، أن تنكسر لتربحه، أن تشاركه أوجاعه، أن ترى نقائصك الَّتي توجعه وتسعى بنعمة الله لتتغيَّر لأجله؟...
الأجوبة الشَّفَّافَة عن كلِّ هذه الأسئلة، وأكثر، هي مرآتك الصَّادِقَة الَّتي تقولُ لكَ إنْ كنتَ تعبُدُ ذاتَكَ أم الله. مِن هنا، الصَّليب الحَقّ هو طريق التَّوْبَة، والقيامةُ الحَقّ تأتيك بهذا الصَّليب وفيه، لأنَّك، إذا اخترتَ صليبَكَ في الحَقِّ، صار هو طريق خلاصك.
ومن له أذنان للسَّمْع فليسمع.
(مقال لصاحب السِّيادة الميتروبوليت أنطونيوس (الصُّوري) من نشرة الكرمة ، العدد 37، 11 أيلول 2016)
الصَّليب عند القدِّيس يوحنَّا كرونشتادت
– الصَّليب هو صديقنا وصانع الخير لنا.
– إنْ كان الله قد أعطى الصَّليب المُحيي قوَّةً إلهيَّة لا تُقْهَر ولا يُمكِن فهمها أو إدراكها فلماذا لا يُعْطِي جسده ودمه الأقدَسَيْن قوَّة مُشابهة لإحياء طبيعتنا، ما أعظمك أيَّها السَّيِّد! وما أعجب أعمالك! إنَّك يا الله كلِّيّ القدرة ولا حَدَّ أو نهاية لقدرتك وأيّ شيء تلمسه قوَّتَكَ ونعمتك يُصْبِحُ حيًّا مُحيِيًا.
الصَّليب عند القدِّيس أفرام السُّريانيّ
– بَدَلًا مِن أن تحمل سلاحًا أو شيئًا يَحميك اِحْمِل الصَّليب واطبع صورته على أعضائك وقلبك وارسُم به ذاتَك لا بتحريك اليد فقط بل ليكن برسم الذِّهن والفكر أيضًا ارسمه في كلِّ مناسبة في دخولك وخروجك في جلوسك وقيامك في نومك وفي عملك ارسمه باسم الآب والابن والرُّوح القُدس.
الصَّليب عند القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم
– إنَّ إشارة الصَّليب التي كانت قبلًا فزعًا لكلِّ النَّاس، الآن يتعشَّقها ويتبارى بها في اقتنائها كلُّ واحدٍ، حتَّى صارت في كلِّ مكان. بين الحكَّام والعامَّة، بين الرِّجال والنِّساء، بين المتزوِّجين والعذارى، لا يكفّ النَّاس عن رسمها في كلِّ موضعٍ مقدَّسٍ أو غيره. يحملونها منقوشةً على جباههم كأنَّها علامة ظفرٍ سارية، نراها كلّ يوم على المائدة المقدَّسة، نراها عند رسامة الكهنة، نراها تتألَّق فوق جسد المسيح وقت التَّناول السِّرِّيّ. وفي كلِّ مكانٍ يحتفل فيها في البيوت، في الأسواق وفي الصَّحارى، في الطُّرُق وعلى الجبال، في قلالي الرُّهبان وعلى التِّلال، في البِحار وعلى المراكب، في المجتمعات، على الأواني الذَّهبِيَّة والفِضِيَّة واللآلئ، في الرُّسومات وعلى الجُدران، وعلى أجساد الَّذي مَسَّهم الشَّيطان. في الحرب والسِّلم. في اللَّيل والنَّهار. في جماعات المتنسِّكين والفرحين والشَّاكرين. هكذا يتبارى الجميع في اقتناء هذه العطيَّة العجيبة كنِعْمَةٍ لا يُنطَق بها.
الصَّليب عن القدِّيس باييسيوس الآثوسيّ
– صلبان البشر صلبان صغيرة تساعدنا من أجل خلاص نفوسنا بينما صليب المسيح كان ثقيلًا جدًّا، لأنَّه لم يستخدم قوَّته الإلهيَّة مِن أجل نفسه فقط.
– في القديم كان المسيحيُّون قبل مباشرتهم بأيِّ عملٍ يرسمون إشارة الصَّليب أوَّلًا وفي القضايا الهامَّة كانوا يُصَلُّون كثيرًا. بينما في عصرنا هذا، ويا للأسف، الأكثريَّة منَّا لا تكتفي بعدم الصَّلاة حتَّى في القضايا المهمَّة، بل حتَّى ولا تفكِّر بذلك، وهكذا يتحمَّل الآخَرون نتيجة طيشنا.
الصَّليب عند المطران جورج خضر
– الصَّليب هو فخرنا بموت السَّيِّد وقبولنا لهذا الموت طريقًا للقيامة، للتَّحرُّر من الخطيئة. إنَّ المعموديَّة الَّتي نقتبَّلُها صوَّرَها لنا بولس على أنَّها مشاركة للسَّيِّد في دفنه ثمّ مشاركة معه في حياته. “ونحن نعلم أنَّ إنساننا القديم قد صُلب معه ليزول هذا البشر الخاطئ، فلا نظلَّ عبيدًا للخطيئة” (رومية 6: 6). هذا هو مركز إيماننا وهذه هي حيويَّتنا.