Menu Close
300826

نشرة كنيستي

نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.

أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي

كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.

الأحد (13) بعد العنصرة    

العدد 35

الأحد 30 آب 2026

اللَّحن 4- الإيوثينا 2

أعياد الأسبوع: *30: القدِّيسون ألكسندروس ويوحنّا وبولس الجديد بطاركة القسطنطينيّة *31: تذكار وضع زنّار والدة الإله *1: الأنديكتي (ابتداء السَّنة الكنسيَّة)، تذكار جامع لوالدة الإله في مياسينا، البارّ سمعان العموديّ، الصدِّيق يشوع بن نون، الشَّهيد إيثالا، القدِّيسات النِّسوة الأربعون ومعلّمهنَّ عمّون الشّماس، الشَّهيدة كاليستي وأخواها  * 2: الشّهيد ماما، القدِّيس يوحنّا الصّائم بطريرك القسطنطينيَّة *3: الشَّهيد في الكهنة أنثيمُس، البارّ ثيوكتيستوس، القدِّيسة فيبي (تلميذة الرَّسُول بولس)، نقل عظام القدِّيس نكتاريوس *4: الشّهيد بابيلا أسقف أنطاكية وتلاميذه الثّلاثة، النّبيّ موسى *5: النَّبيّ زخريّا والد السّابق.

كلمة الرّاعي 

الرُّجولة في المسيح

"اسْهَرُوا اثْبُتُوا عَلَى الإِيمَانِ، كُونُوا رِجَالًا، تَشَدَّدُوا" (1كو 16: 13)

يستصعب الإنسان الجهاد الرُّوحيّ، لأنَّ النُّموّ في الحياة الرُّوحيّة يتطلّب نظامًا وانتظامًا وتصميمًا ومثابرة واجتهادًا، إذْ روح الكسل وروح الخطيئة يُحاربان السَّاعي إلى القداسة. نعم، غاية الجهاد الرُّوحيّ هي قداستنا، والقداسة لا تُقدَّر بثمن، ومهما بذل الإنسان من غالٍ فهو لا يستطيع أن يكون قد قدَّم ما يُوازي نعمة القداسة، أي الاتِّحاد بالله واقتناء الحياة الأبديَّة.

يختصر الرَّسُول بولس طريق القداسة بهذه الآية: "اسْهَرُوا اثْبُتُوا عَلَى الإِيمَانِ، كُونُوا رِجَالًا، تَشَدَّدُوا". فمن لا يصير رجلًا في المسيح لا يتقدَّس، أي من لا يتشبَّه بالمسيح، أو بالأحرى من لا يتصوَّر المسيح فيه (راجع غلاطية 4: 19)، لا يبلغ ملء دعوته. فالمؤمن مدعوّ إلى أن تتَّخِذ حياته صورة المسيح ذاته وتتشكَّل بحسبه، أي أن يكتمل فيه تشكُّل المسيح، وتاليًا أن ينمو حتَّى يبلغ "قياس قامة ملء المسيح" (أفسس 4: 13)، أي يصير إنسانًا كاملًا (راجع متى 5: 48). وقد لَخَّص القدِّيس إيريناوس أسقف ليون هذا السِّرّ بقوله إنَّ ابن الله "صار ما نحن هو، لكي يجعلنا ما هو عليه" (ضدَّ الهرطقات، الكتاب الخامس، المقدّمة) — فتجسُّد المسيح غايته أن يتشكَّل هو فينا لنبلغ به قامتنا الحقيقيَّة.

*             *             *

أربعة أفعال على المؤمن أنْ يُمارسها في حياته لينمو في حياته الرُّوحيّة ويعيش جهادها باستقامةٍ: السَّهر، الثَّبات، أنْ يكون رجلًا، وأنْ يتشدَّد.

السَّهر هو سهر اللَّيالي في الصَّلوات، كما كان الرَّبّ يسوع يفعل (راجع متى 14: 23 و17: 1؛ مرقس 6: 46 و9: 2؛ لوقا 6: 12 و9: 28). وسهر الصَّلاة، خاصَّةً في الأوقات المفصلِيَّة والدَّقيقة من حياتنا وجهادنا وتجاربنا ومشاريعنا، أمرٌ جوهريّ وأساسيّ وضروريّ، إذْ الصَّلاة تُعطينا استنارةً وحكمةً وقُوَّة. وقد عرَّف القدِّيس يوحنَّا السُّلَّميّ، في كتابه "السُّلَّم إلى الله"، الصَّلاة بأنَّها بطبيعتها محادثة الإنسان واتِّحاده بالله (الدَّرجة 28، في الصَّلاة)، فيما توسَّع القدِّيس إسحق السُّريانيّ في كتاباته النُّسكيَّة في بيان فضل سهر اللَّيل وقوَّته الخاصَّة في الصَّلاة، بوصفه زمن هدوء يُتيح للنَّفس أن تتنقّى من الأفكار وتُواجِه الحرب الرُّوحيَّة بثبات، وتاليًا سهر الصَّلاة يمنحنا سهر اليقظة ومحاربة الأفكار الشِّرِّيرة والأهواء.

الصَّلاة لا تنمو ما لم يكن الإنسان ثابتًا على الإيمان، إذْ الشُّكوك تُضعِف صلاته وتحرمه النِّعْمَة الَّتي تعلِّمه الصَّلاة وتجعله يصلّي. ولذلك يجرّبنا الشَّيطان في حقيقة الإيمان بالله وفاعليَّة الصَّلاة، فالإنسان كثيرًا ما يصلّي ولا يحصل على النَّتيجة الَّتي يتوقّعها، وهذا مدخل تجربة الشَّيطان لنا بالشَّكِّ في وجود الله وقدرة الصَّلاة، إذْ شرط الصَّلاة الوثوق بالله والتَّسليم له. من هنا فالثَّبات على الإيمان رغم التَّجارِب والِمحَن والضِّيقات والإغراءات مسألة جوهريَّة في جهادنا الرُّوحيّ، وضعفه يسرق منَّا الثِّمار المنتَظَرَة.

مَن يَثبُت على هذا الإيمان يكون رجلًا في المسيح، لأنَّ الرَّجل هو الثَّابت الَّذي لا يتزعزع إيمانه ولا يَتوانى في الأعمال الرُّوحيَّة المطلوب إنجازها بالتَّآزُر مع النِّعْمَة الإلهيَّة، فالنِّعْمَة لا تَعْمَل مكان إرادتنا، والرَّجل في الإيمان هو الثَّابت الإرادة والفعل. وهذا ما عَناه القدِّيس إغناطيوس الأنطاكيّ، إذْ كتب إلى تلميذه بوليكربوس ناصحًا إيَّاه: "كُنْ ثابِتًا كالسِّنْدان تحت المطرقة، واعْلَم أنَّ مِن شَيْم البطل العظيم أن يتلقَّى الضَّربات الموجِعَة ثمَّ ينتصر" (الرِّسالة إلى بوليكربوس 3: 1) — فالرُّجولة الحقيقيَّة في المسيح لا تُقاس بغياب الضَّربات والتَّجارب، بل بالثَّبات في مواجهتها حتَّى النُّصرة.

أمَّا أنْ نتشدَّد، أي أنْ نتقوَّى بنعِمَةِ الله، فهذه ثمرة صلاتنا وإيماننا وإرادَتِنا الصَّلْبَة والثَّابتة في الرَّبّ. فَمَن وَحَّد في جهاده الصَّلاة بالثَّبات على الإيمان ورجولة الإرادة والفعل، تشَدَّد وتعزَّى في الرَّبّ.

*             *             *

يا أحِبَّة، يتوقَّع مِنَّا الرَّبُّ أنْ نَصير رجالًا في المسيح، ناضجين في الرُّوح، أحرارًا في المحبَّة، قاطعين كلمة الحَقِّ باستقامةٍ في حياتنا (راجع 2 تيموثاوس 2: 15). فبِدُون هذه الرُّؤية لعَيْشِ الإيمان، لا نستطيع أن نتقدَّس وأن نصير مُسحاء للرَّبِّ في هذا العالم. ومَسيرتنا في الصَّلاة مُرْتَبِطَة بتَوْبَتِنا لِتَطْهير قلوبنا وسيرتنا أمام أنفسنا وأمام الله، فالتَّوبة بدون الصَّلاة غير ممكنة، والصَّلاة بدون توبة عقيمة. نثبت في إيماننا على الحَقِّ حين نتطهَّر بغسل الماء بالكلمة (راجع أفسس 5: 26)، أي حين نُعاشِر الكلمة الإلهيَّة باستمرارٍ فنغتسل بكلمات الرُّوح القدس في الكتاب المقدَّس وتعليم الآباء القدِّيسين والَّتي تُطهِّر ضمائرنا وقلوبنا وتُنير دربنا إلى عيش إيماننا بالرَّبِّ يسوع المسيح الغالب الموت. وقد شرح القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم، في عظاته على هذا الموضع من الرِّسالة إلى أهل أفسس، أنَّ الكلمة المقرونة بالماء تُشير إلى الدَّعوة الإلهيَّة الَّتي تُتْلَى على الماء في سِرِّ المعموديَّة، فيصير بها الماء أداة تقديس وتطهير للنَّفس، فعشرتنا لكلمة الله هي معمودِيَّة مستمِرَّة في حياتنا.

وهذه الطَّهارة لا يمكننا أن نحقِّقها ما لم تكن إرادتنا إرادة رُجوليَّة، أي صَلْبَة ثابِتَة لا تتزعزع في طاعةِ روحِ الرَّبّ وكلمته، ثابتة في جهاد النَّفْس والجسد، لتستقرَّ فينا نعمة الرُّوح بطاعة الكلمة. فالرَّجُل الحَقّ هو الَّذي يُطيع الكلمة الإلهيَّة رُغمًا عن أهوائه وشهواته، ودون خوفٍ من التَّجارب والمِحَن. جهادنا الرُّوحيّ مسيرة طويلة، بل هو حياتنا كلّها، إذْ لا يتوقَّف الإنسان عن جهاده طالما هو في الجسد. نتعب هنا لنرتاح هناك، نبكي هنا لنفرح هناك، نقطع أنفسنا هنا عن لَذَّاتِ الإنسان الجسدانيّ لنَرْبَح هناك لذَّاتِ الإنسان الرُّوحيّ. فمن يطلب أنْ يتألَّه عليه أنْ يُفرِغ ذاتَهُ هنا مِن كلِّ هوًى، ليمتلئ قلبه كلُّه بالله. وفي هذا ما يُذكِّرنا بالصِّيغة الشَّهيرة الَّتي يُنسَب مضمونها إلى القدِّيس أثناسيوس الرَّسُوليّ، "صار كلمة الله إنسانًا لكي يصير الإنسانُ إلهًا (بالنِّعْمَة)" (تجسَّد الكلمة) — فغاية جهادنا كلّه ليست إنجازًا بشريًّا نفتخر به، بل استعدادًا لعمل النِّعْمَة الإلهيَّةِ فينا.

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع...

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

طروباريَّة القيامة (باللَّحن الرَّابع)

إنَّ تلميذاتِ الرَّبّ تعلَّمنَ مِنَ الملاكِ الكرْزَ بالقيامةِ البَهج. وطَرَحنَ القَضاءَ الجَدِّيَّ. وخاطبنَ الرُّسلَ مُفتَخِراتٍ وقائِلات. سُبيَ المَوتُ وقامَ المَسيحُ الإله. ومنحَ العالمَ الرَّحمةَ العُظمى.

طروباريَّة قطع رأس القدِّيس يوحنَّا المعمدان (اللَّحن الثَّاني)

تذكار الصِّدِّيقِ بالمَديح، أمّا أنتَ أيّها السّابق فتَكفيكَ شهادَةُ الرَّبّ، لأنّك ظهرتَ بالحقيقة أشرف من كلّ الأنبياء، إذ قد استأهلتَ أنْ تُعمِّدَ في المَجاري مَنْ قد كُرِزَ به. ولذلك إذ جاهدتَ عن الحقّ مسرورًا، بشّرتَ الَّذين في الجحيم بالإله الظّاهر بالجسد، الرّافعُ خطيئة العالم، والمانحُ إيّانا الرّحمة العظمى.

قنداق ميلاد السَّيِّدَة (باللَّحن الرَّابِع)

إنَّ يُواكِيمَ وحنَّةَ من عارِ ﭐلعُقْر أُطلِقا، وآدمَ وحوَّاءَ من فسادِ ﭐلموتِ، بمولِدِكِ ﭐلمُقَدَّس يا طاهِرَة، أُعتِقا. فلَهُ يُعَيِّدُ شعبُكِ إذ قد تَخلَّصَ من وَصْمَةِ الزَّلَّات. صارِخًا نحوكِ، العاقِرُ تَلِدُ والدةَ ﭐلإله ﭐلمُغَذِّيَة حياتَنَا.

الرِّسالة (1 كو 16: 13- 24)

مَا أَعْظَمَ أَعْمَالَكَ يَا رَبُّ، كُلَّهَا بِحِكْمَةٍ صَنَعْتَ.

بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ.

يَا إِخْوَةُ، اسْهَرُوا اثْبُتُوا عَلَى الإِيمَانِ، كُونُوا رِجَالًا، تَشَدَّدُوا. وَلْتَكُنْ أُمُورُكُمْ كُلُّهَا بِالـمَحَبَّةِ، وَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِمَا أَنَّكُمْ تَعْرِفُونَ بَيْتَ اسْتِفَانَاسَ أَنَّهُ بَاكُورَةُ أَخَائِيَّةَ، وَقَدْ خَصَّصُوا أَنْفُسَهُمْ لِخِدْمَةِ القدِّيسينَ، أَنْ تَخْضَعُوا أَنْتُمْ أَيْضًا لِمِثْلِ هَؤُلاءِ، وَلِكُلِّ مَنْ يُعَاوِنُ وَيَتْعَبُ. إِنِّي فَرِحٌ بِحُضُورِ اسْتِفَانَاسَ وَفُرْتُونَانُسَ وَأَخَائِكُوسَ لِأَنَّ نُقْصَانَكُمْ هَؤُلاءِ قَدْ جَبَرُوهُ، فَأَرَاحُوا رُوحِي وَأَرْوَاحَكُمْ. فَاعْرَفُوا مِثْلَ هَؤُلاءِ. تُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ كَنَائِسُ آسِيَةَ. يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ فِي الرَّبِّ كَثِيرًا أَكِيلَّا وَبْرِسْكِلَّة وَالكَنِيسَةُ الَّتي فِي بَيْتِهِمَا. يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ جَمِيعُ الإِخْوَةِ. سَلِّمُوا عَلَى بَعْضٍ بِقُبْلَةٍ مُقَدَّسَةٍ. السَّلامُ بِيَدِي أَنَا بُولُس. إِنْ كَانَ أَحَدٌ لا يُحِبُّ رَبَّنَا يَسُوعَ فَلْيَكُنْ مَفْرُوزًا، مَارَان أثَا. نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الـمَسِيحِ مَعَكُمْ، مَحَبَّتِي مَعَ جَمِيعِكُمْ فِي الـمَسِيحِ يَسُوعَ، آمِين.

الإنجيل (مت 21: 33- 42)(متَّى 13)

قَالَ الرَّبُّ هَذَا الـمَثَلَ: إِنْسَانٌ رَبُّ بَيْتٍ غَرَسَ كَرْمًا وَحَوَّطَهُ بِسِيَاجٍ، وَحَفَرَ فِيهِ مَعْصَرَةً، وَبَنَى بُرْجًا وَسَلَّمَهُ إِلَى عَمَلَةٍ وَسَافَرَ. فَلَمَّا قَرُبَ أَوَانُ الثَّمَرِ، أَرْسَلَ عَبِيدَهُ إِلَى العَمَلَةِ لِيَأْخُذُوا ثَـمَرَهُ. فَأَخَذَ العَمَلَةُ عَبِيدَهُ، وَجَلَدُوا بَعْضًا وَقَتَلُوا بَعْضًا وَرَجَمُوا بَعْضًا. فَأَرْسَلَ عَبِيدًا آخَرِينَ أَكْثَرَ مِنَ الأَوَّلِينَ، فَصَنَعُوا بِهِمْ كَذَلِكَ. وَفِي الآخِرِ أَرْسَلَ إِلَيْهِمِ ابْنَهُ قَائِلًا: سَيَهَابُونَ ابْنِي. فَلَمَّا رَأَى العَمَلَةُ الاِبْنَ قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: هَذَا هُوَ الوَارِثُ، هَلُمُّوا نَقْتُلُهُ وَنَسْتَوْلِي عَلَى مِيرَاثِهِ. فَأَخَذُوهُ وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الكَرْمِ وَقَتَلُوهُ. فَمَتَى جَاءَ رَبُّ الكَرْمِ، فَمَاذَا يَفْعَلُ بِأُولَئِكَ العَمَلَةِ؟ فَقَالُوا لَهُ: إِنَّهُ يُهْلِكُ أُولَئِكَ الأَرْدِيَاءَ أَرْدَأَ هَلاكٍ، وَيُسَلِّمُ الكَرْمَ إِلَى عَمَلَةٍ آخَرِينَ يُؤَدُّونَ لَهُ الثَّمَرَ فِي أَوَانِهِ. فَقَالَ لَـهُمْ يَسُوعُ: أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ فِي الكُتُبِ إِنَّ الحَجَرَ الَّذي رَذَلَهُ البَنَّاؤُونَ هُوَ صَارَ رَأْسًا لِلزَّاوِيَةِ. مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ كَانَ ذَلِكَ، وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعيُنِنَا.

حول الإنجيل

مَثَلُ "الكرَّامين القَتَلَة" في إنجيل متَّى (21: 33-42) هو واحدٌ من الأمثال الأكثر تأثيرًا في تعاليم المسيح، حيث يعكس العلاقة بين الله وشعبه ويُظهِر الأبعاد العميقة للرَّحمة والعَدالة.

يبدأ المثل بذكر صاحب الكَرْم الَّذي زرع كَرْمًا، واستأجر كرَّامين لإدارته. يتمحوَر الكَرْم حول مفهوم ملكوت الله، حيث يرمز صاحب الكَرْم إلى الله والكَرَّام إلى أولئك الَّذين تمَّ تكليفهم برعاية الكَرْم. في البداية، يُظهِر المثل كيف أنَّ الله استأجر الكرَّامين ليحصدَ الثِّمار، وهذا يعكس مسؤوليَّاتنا كأعضاء في شعب الله ورعاة لما أُعطي لنا في حياتنا.

لكن عندما أرسل صاحب الكَرْم خدمه ليجمع الثِّمار، واجَه الرَّفض والعنف من قبل الكَرَّامين. ففي كلِّ مرَّة يُرسِل فيها صاحب الكَرْم خادمًا، يواجه الضَّرب والقتل. هذا يُظهِر كيف أنَّ البشريَّة غالبًا ما ترفض الرَّسائل السَّماويَّة وتُهمِل الدَّعوات الإلهيَّة.

عندما يقرِّر صاحب الكَرْم إرسال ابنه، يتوقَّع أنْ يُكرَّم، ولكنَّه يُقتَل أيضًا. هنا، يُشير المثل إلى ذروة الرَّفض، حيث يُمثِّل الابن يسوع المسيح الَّذي جاء إلى الأرض ليقدِّم الخلاص، لكنَّه قوبل بالرَّفض والاضطهاد.

تأتي نهاية المثل لتؤكِّد على أهميَّة الاستجابة لدعوة الله. يقول يسوع إنَّ صاحب الكَرْم سيُعطي الكَرْم لآخَرين، ممَّا يُشير إلى أنَّ ملكوت الله لن يظلَّ محصورًا في الَّذين يرفضون الحَقّ. بل سيتوسَّع ليشمل المؤمنين الجُدُد، الَّذين يستقبلون دعوته بإيمان.

الدَّرس المستفاد من هذا المثل يُظهر أهميَّة الاعتراف بمكانة الله في حياتنا والإجابة على دعواته. نحن مدعوُّون لنكون كرَّامين أُمَناء، نستثمر ما أُعطي لنا من مواهب وموارد. وفي نفس الوقت، يُذكِّرنا بأنَّ الرَّفْض لله ولرسالته له عواقبه. يجب أن نسعى جميعًا لتحقيق الثِّمار الجيِّدة في حياتنا، خدماتنا، وعلاقاتنا، وليس فقط انتظار المكافأة، بل أيضًا السَّعي لنكون أشخاصًا مُثمرين في ملكوت الله.

رأس السَّنة الكنسيَّة

ليس من المَعلوم عند الجميع وُجود عيد رأس سنة كنسيّ يُحتَفل به في الأوَّل من أيلول، ويُدعى المسمّى: "الأنديكتي" وهذه الكلمة مأخوذة من كلمة "انديكتو" وهي مرتبطة بأمر القياصرة الرُّومانيّين المتعلِّق بدفع الجزية السَّنويَّة المفروضة على رعاياهم لأجل نفقات الجنود والَّتي كانت تتغيَّر قيمتها كلّ خمسة عشر سنةً.

الوَجه الآخَر لهذا التَّوقيت هو وجهٌ زراعيّ، إذْ بعد اقتطاف الأثمار وجمعها إلى مخازن وفيه تعلن الكنيسة بداية السَّنة الطَّقسيَّة أو اللِّيتورجيَّة، أي تبدأ بهذا التَّاريخ إلقاء البُذور في الأرض من أجل تحصيل غلالٍ جديدة وما أرادته الكنيسة من هذا التَّاريخ هو أنْ تضع أمام نُصْبَ عينيّ أبنائها هدفين أساسيِّيَّن:

أوَّلًا، إنَّ وجودها بين النَّاس ما هو إلَّا إعلان حضور الله بين شعبه وتَجَلِّي ملكوته بيسوع المسيح واستمرار هذا الحضور عبر التَّاريخ هو حضورٌ فاعل، ملموس، يستمد قوَّتَه من نعمة الرُّوح القدس ليُداوي جراح هذا الكَوْن ويَرُدُّه إلى الحظيرة الإلهيَّة، إلى أحضان الله الآب، حيث ينتفي كلّ ألم ومرض وحزن وموت. لذا تراها تحتفل بتذكار دخول الرَّبّ يسوع إلى المجمع اليهوديّ في النَّاصرة، حيث قرأ الموضع الَّذي كان مكتوبٌ فيه: "روح الرَّبّ عَلَيَّ، لأنَّه مَسَحَني لأبشّر المساكين، أرسلني لأشفي المُنكسري القلوب، لأناديَ للمأسورين بالإطلاق وللعُمي بالبَصَر، وأُرسلَ المنسحقين إلى الحرِّيَّة، وأكرزَ بسنة الرَّبِّ المَقبولة" وبعد أن طوى السِّفر أكّد لهم قائلًا: "إنَّه اليوم قد تمَّ هذا المكتوب على مسامعكم" (لو 16:4-21).

أمَّا الوَجْه الآخَر له العيد، فهو اِنطلاقة جديدة في مسيرة المؤمن الرُّوحيّة طالبين الصَّفح عن خطايانا والانطلاق نحو الأمام بجِدٍ واجتهاد: "إذْ قد تعلَّمنا الصَّلاة من تعليم المسيح الإلهيّ المنطوق به منه بالذَّات، فلنهتف نحو الخالق كلَّ يومٍ قائلين يا أبانا السَّاكن في السَّماوات أعطنا خبزنا الجوهريّ صافِحًا عن خطايانا"(من صلاة مساء العيد).

إنَّها مرحلة تقييم جديدة للنَّفس، ومراجعة شخصيَّة للذَّات عن كلِّ الهفوات والسَّقطات والاعتراف بالخطايا لتتجدَّد تربة القلوب، طالبين من الرَّبِّ أن تكون بذار أعمالنا صالحة لتنتج ثمارًا مرضيَّة لله ليصير هذا الكون مكلَّلًا ببركات الله ومجده.

تذكار وضع زنَّار والدة الإله

في التَّسليم الكنسيّ أنَّ والدة الإله الكلِّيَّة القداسة أعطت ثوبيها قبل رقادها إلى امرأتين يهوديّتَين فقيرتَيْن سَبَقَ لهما أنْ خدمتاها قبل رقادها. هاتان المرأتان حفظتا، بعناية كبيرة، البركة الَّتي انتقلت من جيل إلى جيل إلى أن وصل أحد الثَّوبَين إلى رجلَيْن يدعيا غالبيوس وكانديوس، وكان ذلك زمن الإمبراطور لاون الأوّل. وضع الرَّجُلان الثَّوْب في كنيسة سيّدة بلاشيرن (عيدها في ٢ ‏تموز) في القسطنطينيّة.

زنار والدة الإله:

أمّا زنّار والدة الإله الَّذي وُجِدَ بطريقةٍ مَجهولةِ المصدر في أبرشيَّة زيلا، القريبة من أماسيلا في هيلينوبونتوس، فقد جرى نقله أيضًا إلى القسطنطينيَّة في زمن الأمبراطور يوستنيانوس الأوَّل (حوالي العام ٥٣٠ ‏م.) وأُودِع كنيسة خالكوبراتيا غير البعيدة عن كنيسة الحكمة المقدَّسة (آيا صوفِيَّا).

قصَّة عيد ٣١ آب:

في حوالي العام ٨٨٨ م. وحين كانت زوجة الأمبراطور لاون السَّادس الحكيم، المدعوَّة زويي، مريضة مرضًا شديدًا بتأثير الرُّوح الخبيث، أُعلِمَتْ في رؤيا حصلت معها أنَّها ستنال الشِّفاء بوضع زنَّار والدة الإله عليها. للحال فَكَّ الإمبراطور أختام الصُّندوق الَّذي احتوى الإرث الثَّمين الَّذي يحوي الزّنّار المقدَّس ليجده بَهِيًّا جديدًا كما لو حيك العشيَّة. وبجانب الزّنّار كانت وثيقة تُشير بدقَّةٍ إلى التَّاريخ الَّذي جرى فيه نقل الزّنّار إلى القسطنطينيَّة وكيف أنَّ الأمبراطور نفسه وضعه في الصُّندوق وختمه بيديه.

قبَّل الإمبراطور لاون الزّنار بإكرامٍ  شديد وسلَّمه إلى البطريرك باليَد. وما إنْ وضعه البطريرك على رأس الإمبراطورة حتَّى شُفِيَتْ من مرضها على الفَوْر فإنذهل كلُّ الحاضرين لما شاهدوه ومَجَّد الجميع الرَّبَّ يسوع المسيح المخلِّص مكرِّمين والدة الإله الكُلِّيَّة القداسة. أُعيد الزّنّار إلى الصُّندوق بعدما اشتملته الإمبراطورة بخيطان من ذَهَب.