Menu Close
160826

نشرة كنيستي

نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.

أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي

كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.

الأحد (11) بعد العنصرة     

العدد 33

الأحد 16 آب 2026

اللَّحن 2- الإيوثينا 11

أعياد الأسبوع: *16: تذكار نقل المنديل الشَّريف من الرَّها، الشَّهيد ديوميدوس *17: الشَّهيد ميرُن *18: الشَّهيدان فلورُس ولافْرُس، القدِّيس أرسانيوس الجديد الَّذي من پاروس *19: القدِّيس أندراوس قائد الجيش والـ 2593 المستشهدون معه *20: النَّبيّ صموئيل *21: الرَّسول تدَّاوس، الشُّهداء پاسي وأولادها *22: الشَّهيد أغاثونيكس ورفقته.

كلمة المطران جورج (خضر)

الرَّحمة

الرَّحمة هي أن يتّسع الإنسان للآخَرين، أن يجعلهم في داخل قلبه. لكن كيف نُعامل النَّاس بالواقع؟

لنا أوّلًا صورة عنهم قد تأتي مِن سلوكهم وقد تأتي من خيالاتنا. ليس صحيحًا أنَّ لنا معرفة دقيقة عن كلِّ إنسان. نحن نتخيّل أنَّ هذا الإنسان هو هكذا لأنَّه قيل لنا إنّه من القرية الفلانيَّة وأهل هذه القرية بُخلاء أو كُرماء. لا يمكننا أنْ نحبس الإنسان في صيتِ قريته. ثمَّ نقول جدَّه عاملنا هكذا ولذلك ينبغي أن يكون مثل جدِّه. الكتاب الإلهيّ علَّمَنا أنَّ الإنسان لا يحمل خطيئة أبيه وأنَّ كلَّ إنسانٍ قائمٌ بذاته.

إلى جانب هذا نحسب في محيطنا أنَّ فلانًا هكذا يتصرَّف لأنَّه ينتمي إلى الطَّائفة الفلانيَّة. هذا غير صحيح، ليست الطَّائفة الفلانيَّة كلَّها كذلك. طبعًا يجد الإنسان فرقًا بينه وبين النَّاس ولا يحتمل الفروق بينه وبين الآخَرين. يريد أنْ يقول النَّاس قَوْلَه هو مهما كان.

الرَّحمة أنْ نأخذ كلّ واحد كما هو، ونرى سلوكه كما هو ولا لأنّه من هذه القرية أو هذه الطَّائفة. يوجد أناس طَيِّبون في كلِّ مكان وفي كلِّ مجتمع قد ينتمون إلى شتّى الأقطار أو إلى شتّى المذاهب، وليس صحيحًا أنَّهم أشرار أو متعصّبون لمجرَّد انتمائهم هذا. الرَّحمة إذًا اليوم تعني بالدَّرَجة الأولى أنّنا نرى الإنسان كما هو ونعامله كما هو بصرف النَّظَر عن انتمائه.

قد يكون الإنسان الَّذي أمامنا ضعيفًا ونعامله على هذا الأساس. قد يكون الإنسان الَّذي أمامنا سارقًا أو كاذبًا أو مُحتالًا ونحن نتعامل معه على أساسِ الفِكر المسيحيّ الَّذي في الإنجيل. لا نسكُتْ عن السَّيِّئات لكن نُقاومها بالحُسنى، بالرَّحمة، بالألفة، بالجود. نقاوم السَّيِّئات بسلوكٍ حَسَن كما يقول الرَّسُول بطرس في رسالته الأولى: «غير مُجازين عن شَرٍّ بشَرّ أو عن شتيمةٍ بشتيمة، بل بالعكس مبارِكين…» (٣: ٩).

نُصلِح الإنسان الآخَر بسلوكٍ جَيِّد، بدون أنْ نَدينه، نَلومه بلطف. الإنسان الَّذي أمامنا ونربّيه بهذا الجمال الرُّوحيّ الَّذي فينا، ينزعج لأنَّ الكاذب والمحتال والسَّارق يضطرب إذا وَجَدَ أمامه أناسًا صالحين. وجودهم توبيخٌ له. من هنا يبدأ العداء لكلِّ إنسانٍ مُستَقيم «كلّ الَّذين يعيشون بالتَّقوى بالمسيح يسوع يُضطَهدون» (٢ تيموثاوس ٣: ١٢).

جواب الرَّبِّ يسوع عن كلِّ هذا أنْ «كُونوا رُحماء». هذا هو السِّرّ. لماذا علينا أن نكون رُحماء مع من يعادينا؟ لأنّنا مُكَلّفون برعايته. كلّ إنسان راعٍ للإنسان. على مثال السامريّ الشفوق كلّ واحد منّا يعتني بالآخر، يخلّصه.

الله جعلنا رعاة الواحد للآخر أو بعبارة أخرى كلّ واحد طبيب للآخر. لماذا عليّ أن أرحم عدوّي؟ يأتي الجواب: لأنّك تعرف عيبه. عداوته قرّبته إليك. أنتَ تعرف نواقصه وتعالجها. على كلّ واحد منّا أن يطهّر قلبه من كلّ عداوة ويرى الآخر لأنّه من أبناء الله. نحن ليس لنا أعداء. النَّاس حولنا كلّهم أبناء الله، وأبناء الله فيهم الصالح وفيهم الطالح. المسيحيّة دين واقعيّ، دين التعامل بالمحبّة والرَّحمة.

* * *

ارحم رفيقك كما رحمْتُكَ أنا

حَكَى السَّيِّد هذا المَثَل عن ملكٍ كان دائنًا لِعَبْدٍ له عشرة آلاف وزنة، الَّتي تُساوي مئات الملايين بعملة اليوم، أي أنَّه كان دَيْنًا عظيمًا وكأنَّ الإنجيل يُريد أنَّ الملك هو الله نفسه وأنَّنا مَدينون له بما لا يُقدَّر، مَدينون له أوّلًا بالحياة ومَدينون بما هو أهَمّ من الحياة، بالفداء الَّذي تمَّمَهُ يسوع على الصَّليب وبالحياة الأبديَّة وغفران خطايانا عندما نتوب عنها.

الله كما قال العبد تمهَّلَ أي أنَّه لا يعاقِب الإنسان إذا استمهله الإنسان، أي إذا أدرك الانسان خطأه وأراد أن يصحِّحَه. السَّيِّد يريد كلَّ أبنائه ولو كانوا خطأة لأنَّه يحبُّ جميع أبنائه، «فإنَّه يُشْرِقُ شمْسَه على الأشرار والصَّالحين ويُمطِر على الأبرار والظَّالمين» (متَّى ٥: ٤٥). النَّاس على مختلف أنواعهم ومَذاهِبهم وسُلوكِهِم يتمتَّعون بالمتع الواحدة الَّتي يُعطيها الله لأحِبَّائه بطرائقٍ مُختلفة. الله مُرَبٍّ يُعاملنا حسب المحبَّة.

العبد الَّذي سُمِحَ له بدَيْنٍ كبير كان له دَيْنٌ تافه، مئة دينار، في ذِمَّة عبدٍ آخَر، وكلُّ ثلاثة آلاف دينار تساوي وزنة واحدة، فأخذ يضربه وكاد يُميته ووضعه في السِّجن. والمَثَل الَّذي يستخرجه يسوع من هذه القصَّة هو أنَّك إنْ أرَدْتَ رحمةً من ربِّكَ، عليك بِدَوْرِكَ أن تكون رحيمًا للنَّاس. إنْ أحببتَ يتَّسِع صدَرَك، أن تكون واسع الصَّدر مع النَّاس وأن ترحم.

لماذا يجب أن يتَّسع صدرنا وأن نرحم؟

لأنَّ النَّاس وحدهم، كلّ إنسان وحده، كلّ إنسان شقيّ. ومهما كنّا سُعداء فنحن بالنِّهاية نعيش في عزلة ولا يُخرجنا من العزلة إلَّا الله وحده. كلّ ما لنا يزول: العائلة، الأرزاق، المال، والله وحده الصَّديق. كلّ إنسان يريد أن يفتقده آخَر، أن يلتفت إليه وجهُ آخَر، أن يُطِلَّ عليه جار، ولكنّ الَّذي يطلّ بالحقيقة هو الرَّبّ.

كيف نرى الرَّبّ؟

الله لا نرى له وَجهًا ولكنِّنَا نسمع كلمته ونُحِسُّ بنعمته. الله يُطلُّ علينا بواسطة الآخَرين وهو أحد النَّاس الَّذين نفتقدهم. وهم إذا افتقدونا نُحِسُّ أنّ الله قد افتقدنا. إذا أحبُّونا نعرف أنَّ الله قد أحبّنا. يريد الآخَرون أن نحبَّهم في الضِّيق، ولذلك نُعَزِّي بعضُنا بعضًا ونفرَح بعضنا لبعضٍ آخر. قد يكون هذا أحيانًا على سبيل الرِّياء والمصانعة أو على سبيل العادة ولكنَّ الإنسان يُريد عاطفة صحيحة صادقة.

يكون الإنسان في ضيقٍ ليس فقط إذا فقدَ عزيزًا. قد يكون في ضيقٍ نفسيّ وإذا رأينا على قريبنا أو جارنا علامات الملَل والضَّجَر، فعلينا أن نفتقده. هذا ضروريّ في الحياة العائليَّة بنوعٍ خاصّ. علينا أن نكون رحماء تجاه النَّاس لكي يرحمنا الرَّبّ.

(المرجع: نشرة رعيَّتي، 1 تشرين الأوَّل 2017)

† † †

طروباريَّة القيامة (باللَّحن الثَّاني)

عندما انحدرتَ إلى المَوْت. أَيُّها الحياةُ الَّذي لا يَموت. حينئذٍ أَمَتَّ الجحيمَ بِبَرْقِ لاهوتِك. وعندما أقمتَ الأمواتَ من تحتِ الثَّرى. صرخَ نحوكَ جميعُ القُوّاتِ السّماويّين. أَيُّها المسيحُ الإله. مُعطي الحياةِ المجدُ لك.

طروباريَّة المنديل المقدَّس (اللَّحن الثَّاني)

لصورتِكَ الطَّاهرة نسجدُ أيُّها الصَّالح، طالبينَ غُفرانَ الخطايا أيُّها المسيحُ إلهنا. لأنّكَ سُررتَ أن ترتفعَ بالجسدِ على الصَّليبِ طَوعًا لتُنجَّيَ الَّذينَ خَلَقْتَ مِنْ عُبوديَّةِ العَدُوّ. فلذلكِ نهتِفُ إليكَ بشُكْرٍ: لقد ملأتَ الكُلَّ فَرَحًا يا مُخلِّصَنا، إذْ أتيتَ لِتُخَلِّصَ العالم.

طروباريَّة عيد رقاد السَّيِّدة (باللَّحن الأوَّل)

في ميلادِكِ حَفِظْتِ البتوليَّةَ وصُنتِها، وفي رُقادِكِ ما أهْمَلْتِ العالم وتركتِهِ يا والدةَ الإلَه، لأنّك انتقلْتِ إلى الحياة، بما أنَّكِ أمُّ الحياة، فبِشفاعاتِكِ أنقذي من الموت نفوسَنا.

قنداق عيد رقاد السَّيِّدة (باللَّحن الثَّاني)

إنَّ والدة الإله الَّتي لا تغفل في الشَّفاعات، والرَّجاء غير المَردُود في النَّجدات، لم يَضبطْها قبرٌ ولا مَوْت. ولكن بما أنَّها أمُّ الحياة نقلها إلى الحياة الَّذي حَلَّ في مُستودَعِها الدَّائم البتوليَّة.

الرِّسالة (1 كو 9: 2- 12)

قُوَّتِي وَتَسْبِحَتِي الرَّبُّ.

أَدَبًا أَدَّبَنِي الرَّبُّ وَإِلَى الـمَوْتِ لَمْ يُسْلِمْنِي.

يَا إِخْوَةُ، إِنَّ خَاتَمَ رِسَالَّتي هُوَ أَنْتُمْ فِي الرَّبِّ. وَهَذَا هُوَ احْتِجَاجِي عِنْدَ الَّذينَ يَفْحَصُونَنِي. أَلَعَلَّنَا لا سُلْطَانَ لَنَا أَنْ نَأْكُلَ وَنَشْرَبَ؟ أَلَعَلَّنَا لا سُلْطَانَ لَنَا أَنْ نَجُولَ بِامْرَأَةٍ أُخْتٍ كَسَائِرِ الرُّسُلِ وَإِخْوَةِ الرَّبِّ وَصَفَا؟ أَمْ أَنَا وَبَرْنَابَا وَحْدَنَا لا سُلْطَانَ لَنَا أَنْ نَشْتَغِلَ؟ مَنْ يَتَجَنَّدُ قَطُّ وَالنَّفَقَةُ عَلَى نَفْسِهِ؟ مَنْ يَغْرِسُ كَرْمًا وَلا يَأْكُلُ مِنْ ثَـمَرِهِ؟ أَوْ مَنْ يَرْعَى قَطِيعًا وَلا يَأْكُلُ مِنْ لَبَنِ القَطِيعِ؟ أَلَعَلِّي أَتَكَلَّمُ بِهَذَا بِحَسَبِ البَشَرِيَّةِ أَمْ لَيْسَ النَّامُوسُ أَيْضًا يَقولُ هَذَا؟ فَإِنَّهُ قَدْ كُتِبَ فِي نَامُوسِ مُوسَى لا تَكُمَّ ثَوْرًا دَارِسًا. أَلَعَلَّ اللهُ تُهِمُّهُ الثِّيرَانُ؟ أَمْ قَالَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِنَا لا مَحَالَةَ؟ بَلْ إِنَّـمَا كُتِبِ مِنْ أَجْلِنَاـ لِأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْحَارِثِ أَنْ يَحْرُثَ عَلَى الرَّجَاءِ، وَلِلدَّارِسِ عَلَى الرَّجَاءِ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا فِي الرَّجَاءِ. إِنْ كُنَّا نَحْنُ قَدْ زَرَعْنَا لَكُمُ الرُّوحِيَّاتِ، أَفَيَكُونُ عَظِيمًا أَنْ نَحْصُدَ مِنْكُمُ الجَسَدِيَّاتِ؟ إِنْ كَانَ آخَرُونَ يَشْتَرِكُونَ فِي السُّلْطَانِ عَلَيْكُمْ، أَفَلَسْنَا نَحْنُ أَوْلَى؟ لَكِنَّنَا لَـمْ نَسْتَعْمِلْ هَذَا السُّلْطَانَ بِلْ نَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ لِئَلَّا نُسَبِّبَ تَعْوِيقًا لِبِشَارَةِ الـمَسِيحِ.

الإنجيل (مت 18: 23- 35)(متَّى 11)

قَالَ الرَّبُّ هَذَا الـمَثَلَ: يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا مَلِكًا أَرَادَ أَنْ يُحَاسِبَ عَبِيدَهُ. فَلَمَّا بَدَأَ بِالـمُحَاسَبَةِ، أُحْضِرَ إِلَيْهِ وَاحِدٌ عَلَيْهِ عَشْرَةُ آلافِ وَزْنَةٍ. وَإِذْ لَـمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُوفِي، أَمَرَ سَيِّدُهُ أَنْ يُبَاعَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَأَوْلادُهُ وَكُلُّ مَا لَهُ، وَيُوفَى عَنْهُ. فَخَرَّ ذَلِكَ العَبْدُ سَاجِدًا لَهُ قَائِلاً: تَـمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ كُلَّ مَا لَكَ. فَرَقَّ سَيِّدُ ذَلِكَ العَبْدِ، وَأَطْلَقَهُ وَتَرَكَ لَهُ الدَّيْنَ. وَبَعْدَمَا خَرَجَ ذَلِكَ العَبْدُ، وَجَدَ عَبْدًا مِنْ رُفَقَائِهِ مَدْيُونًا لَهُ بِـمِئَةِ دِينَارٍ، فَأَمْسَكَهُ وَأَخَذَ يَخْنُقُهُ قَائِلاً: أَوْفِنِي مَا لِي عَلَيْكَ. فَخَرَّ ذَلِكَ العَبْدُ عَلَى قَدَمَيْهِ، وَطَلَبَ إِلَيْهِ قَائِلاً: تَـمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ كُلَّ مَا لَكَ. فَأَبَى وَمَضَى وَطَرَحَهُ فِي السِّجْنِ حَتَّى يُوفِيَ الدَّيْنَ. فَلَمَّا رَأَى رُفَقَاؤُهُ مَا كَانَ حَزِنُوا جِدًّا، وَجَاؤُوا فَأَعْلَمُوا سَيِّدَهُمْ بِكُلِّ مَا كَانَ. حِينَئِذٍ دَعَاهُ سَيِّدُهُ وَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا العَبْدُ الشِّرِّيرُ، كُلُّ مَا كَانَ عَلَيْكَ تَرَكْتُهُ لَكَ لِأَنَّكَ طَلَبْتَ إِلَيَّ. أَفَمَا كَانَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَرْحَمَ أَنْتَ أَيْضًا رَفِيقَكَ كَمَا رَحِمْتُكَ أَنَا؟ وَغَضِبَ سَيِّدُهُ وَدَفَعَهُ إِلَى الـمُعَذِّبِينَ حَتَّى يُوفِيَ جَمِيعَ مَا لَهُ عَلَيْهِ. فَهَكَذَا أَبِي السَّمَاوِيُّ يَصْنَعُ بِكُمْ إِنْ لَمْ تَتْرُكُوا مِنْ قُلُوبِكُمْ كُلُّ وَاحِدٍ لِأَخِيهِ زَلَّاتِهِ.

حول الإنجيل

يضع الإنجيل نُصبَ أعيُننا أهمَّ الفضائل المسيحيَّة، وهي الغُفران. فالرَّبّ يسوع لا يكتفي بأنْ يُوصينا بأنْ نَغفر، بل يكشف لنا مِن خلال هذا المثل أنَّ الغُفران هو أسلوب حياة، وهو ثمرة اللِّقاء الحقيقيّ بالله. لقد جاء هذا المثل جوابًا على سؤالٍ طرحه الرَّسُول بطرس عندما قال للرَّبّ: «يا ربّ، كم مرَّةٍ يُخطئ إليّ أخي وأنا أغفر له؟ هل إلى سَبْعِ مرَّات؟» فظَنَّ بطرس أنَّه بلغ قمَّة السَّخاء عندما اقترح الرَّقم سبعة. لكنَّ الرَّبَّ أجابه: «لا أقول لك إلى سَبْعِ مرَّاتٍ، بل إلى سبعين مرَّة سبع مرَّات». بمعنى أنَّ الغُفران في المسيحيَّة لا يُقاس بالأرقام، بل بالمحبَّة الَّتي لا تعرف حدودًا. ثمَّ يروي الرَّبُّ هذا المثل العظيم. كان هناك ملكٌ أراد أن يُحاسِب عبيده، فأُحضر إليه عبدٌ مديون بعشرة آلاف وزنة. وهذا الرَّقم في لغة الكتاب المقدَّس يرمز إلى دَيْنٍ لا يمكن لإنسانٍ أن يسدِّدَه طوال حياته. إنَّه تصوير لحقيقةِ خطايانا أمام قداسة الله. فكلُّ إنسانٍ، مهما كان صالحًا، يقف أمام الله مُحتاجًا إلى الرَّحمة، لأنَّنا جميعًا أخطأنا وأعوزنا مجد الله. وحين لم يجد الملك عند العبد ما يسدِّدُ به دينه، لم يقتصَّ منه، بل تحنَّن عليه، وأطلقه، ووهب له الدَّيْن كلَّه. يا لها من صورةٍ رائعةٍ لمحبَّةِ الله! فهو لا يُعاملنا بحسب استحقاقاتنا، بل بحسب رحمته. لقد غفر لنا خطايانا بدم ابنه الوحيد، وفتح لنا باب التَّوبة والرَّجاء. لكنَّ المأساة تبدأ بعد ذلك. فالعبد الَّذي خرج لِتَوِّه من حضرة الرَّحمة، الْتَقَى رفيقًا له مدينًا له بمئةِ دينارٍ، وهو مبلغٌ صغيرٌ جدًّا مقارنة بالدَّيْن الَّذي أُعْفِيَ منه. ومع ذلك أمسكه وخنقه قائلًا: «أوفني ما لي عليك». ولم يرحمه، بل ألقاه في السِّجن. كم يشبه هذا العبد الكثير من النَّاس! نقف أمام الله طالبين الرَّحمة كلّ يوم، ونردِّد: «يا ربُّ ارحم»، لكنَّنا في حياتنا اليوميَّة قد لا نرحم مَن أساءَ إلينا بكلمةٍ، أو بموقفٍ، أو بإهانَةٍ صغيرة. نطلب من الله أنْ يغفر لنا سنوات من الخطايا، بينما نعجز عن أنْ نغفر لأخٍ أو قريبٍ أو جارٍ أو صديق. لهذا غضب الملك وقال لذلك العبد: «أفما كان ينبغي أنَّك أنت أيضًا ترحم العبد رفيقك كما رحمتُك أنا؟» هذه العبارة هي قلب الإنجيل كلّه. فالله لا يطلب منَّا شيئًا لم يفعله هو أوَّلًا. لقد سبقنا بالمحبَّة، وسبقنا بالغُفران، وسبقنا بالرَّحمة. ولذلك فإنَّ المسيحيّ الحقيقيّ لا يغفر لأنَّه يشعر بالعاطفة، بل لأنَّه يُريد أن يُشبه الله. إنَّ الغُفران لا يعني أنَّ الخطأ لم يكن موجودًا، ولا يعني تبرير الظُّلم أو إنكار العدالة. فالكنيسة لا تطلب من الإنسان أن يعتبر الشَّرّ خيرًا، لكنَّها تطلب منه ألَّا يسمح للشَّرِّ أنْ يسكن قلبه. قد يبقى الجرح مؤلمًا، لكنَّ الغُفران يمنع هذا الجرح من أن يتحوَّل إلى حقدٍ وانتقام. والإنسان الَّذي لا يغفر، يؤذي نفسه قبل أن يؤذي غيره. فالحقد سجنٌ داخليّ، والغضب المستَمِرّ يسرق السَّلام، أمَّا الغُفران فهو تحريرٌ للنَّفْس. لذلك يقول الآباء القدِّيسون إنَّ مَن يحمل الضَّغينة يُشْبِهُ إنسانًا يشرب السّم مُنتَظِرًا أنْ يَموت الآخَر. نحن نعيش في عالم تكثُرُ فيه الخُصومات والانقسامات، حتى داخل العائلات. إن الغُفران يبدأ بخطوة صغيرة: أن نصلي من أجل من أساء إلينا. فالرب على الصليب لم يلعن صالبيه، بل قال: «يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون.» وإذا كان المسيح قد غفر وهو معلّق على الصليب، فكيف نرفض نحن أن نغفر ونحن نلنا كل هذا الحب؟...

الشَّهادة من أجل المسيح

إنَّ الشَّهادة المسيحيَّة هي النَّشاط الأساسيّ والدَّائم في حياة المؤمن. هي مُنشئة الإيمان وبرهانه: أي عندما يتلقَّى الإنسان هذه الشَّهادة ويقبلها ينشأ فيه الإيمان بالمسيح، ويترجم هذا الإيمان، إلى جانب الاِلتزام بتعاليم الرَّبّ يسوع، بتعهُّد الشَّهادة ونقلها للآخَرين، وهذا الأمر يُشَكِّل البُرهان لصدق الإيمان.

اندفع الرُّسُل إلى الشَّهادة بعد صعود الرَّبّ يسوع وحلول الرُّوح القُدس: "وبقوَّةٍ عظيمةٍ كان الرُّسُل يؤدُّون الشَّهادة بقيامة الرَّبّ يسوع ونعمةٍ عظيمةٍ كانت على جميعهم" (أع 4: 33). كان عنوان شهادة الرُّسُل "قيامة الرَّبّ يسوع المسيح"، ويندرج تحت هذا العنوان كامل البشارة الَّتي تتحدَّث عن تجسُّد الرَّبّ وأعماله ومعجزاته وتعاليمه وآلامه وصلبه وموته ودفنه وقيامته من بين الأموات وبالتَّالي غُفران الخطايا وفداء الإنسان وخلاصه. يمثِّل إنجيل يوحنَّا كامل شهادته الَّتي هدفها بَثّ الإيمان لدى السَّامع: "والَّذي عايَن (أي يوحنَّا) شَهِدَ وشهادته حَقٌّ وهو يعلم أنَّه يقول الحَقّ لتؤمنوا أنتم" (يو 19: 35)، "هذا هو التِّلميذ الَّذي يشهد بهذا وكتب هذا، ونعلم أنَّ شهادته حَقٌّ" (يو 21: 24).

إنَّ حياة المؤمن هي انعكاسٌ صريحٌ للشَّهادة المسيحيَّة على كلِّ المستويات، هي الحقيقة الرَّاسِخَة الوَحيدة الَّتي مِن خلالها يجد الهدف الأصيل لحياته. ليس فقط أنَّه يَحيا بموجبها وينضبِط بتعاليمها وأسُسها بل يُعلنها في محيطه ويبشِّر بها ويُجاهِر بالحقيقة الَّتي تتضمَّنها لينقل الخلاص الَّتي تذخر به إلى كلّ من يسمعه. يؤدِّيها بالقَوْل والعَمل ولا يتوانى مُجاهِدًا في تحمُّل مصاعبها وأخطارها، ولإيمانه العميق لا يخاف أنْ يُدفَع إلى الاستشهاد في سبيلها إنْ اقتضى الأمر.

ليس بالصِّدفَة أنَّ عبارتَيْ "شهيد" و"شهادة" تشتقَّان من نفس المصدر، حتَّى بالأصل اليونانيّ، اللُّغة الَّتي كُتب بها العهد الجديد، هما من نفس المصدر وتتشابهان باللَّفظ: "Martyr مارتير تعني شهيد أمَّا Martyria مارتيريا فتعني شهادة. الشَّهادة إذًا والاستشهاد هما وَجهان لعُملةٍ واحدة، هذا يعني أنَّ المؤمن يراهن بأغلى ما لديه، يراهن بحياته لكي يؤدِّي الشَّهادة وينقلها للآخَرين. هكذا سَلَكَ الرُّسُل وعلى غرارهم القدِّيسون وبمُقَدِّمتهم أوَّل الشَّمامِسَة استفانوس (أع 7: 54-60) الَّذي اُستشهد لأنَّه تمسَّك بحقيقة الإيمان بيسوع ولم يجزع أمام تهديدات اليهود.

إنَّ شهيد الإيمان، بحسب تقليد كنيستنا ينال نعمةَ الخَلاص مباشرةً ولا يُخضَعُ للدَّينونة. هو كذبيحةٍ، قَرين ذبيحة الرَّبّ نفسه، تلك الحاضرة على المذبح الإلهيّ على الدَّوام: "رأيت تحت المذبح (أي مذبح الهيكل السَّماويّ) نفوس الَّذين قُتِلُوا من أجل كلمة الله ومن أجل الشَّهادة الَّتي كانت عندهم" (رؤ 6:9). هكذا شهداء الإيمان هم رُكن الكنيسة، هم المذبح الحَيّ الَّتي تُقَدَّم عليه الذَّبيحة الإلهيَّة، لذلك تُبنى الكنائس على ضرائح الشُّهداء.

نحن المؤمنون اليوم وَرَثَةُ الشُّهداء ومسؤوليَّتنا أنْ نحمل الشَّهادة ونَحيا بها ولها لثبات الإيمان وتمجيدًا للرَّبِّ يسوع، آمين.