Menu Close
090826

نشرة كنيستي

نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.

أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي

كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.

الأحد (10) بعد العنصرة    

العدد 32

الأحد 09 آب 2026

اللَّحن 1- الإيوثينا 10

أعياد الأسبوع: *9: الرَّسول متيَّاس، البارّ بسويي *10: الشَّهيد لَفرنديوس رئيس الشَّمامسة *11: الشَّهيد إفبُلُس الشمَّاس، القدِّيس نيفن بطريرك القسطنطينيَّة *12: الشَّهيدان فوتيوس وأنيكيتوس *13: وداع التَّجَلِّي، نقل عظام القدِّيس مَكسيموس المُعترف، القدِّيس دوروثاوس أسقف غزَّة وتلميذه دوسيثاوس، القدِّيس تيخُن زادونسكي *14: تقدمة عيد الرُّقاد، تذكار النَّبيّ ميخا *15: رقاد سيِّدتنا والدة الإله الفائقة القداسة.

كلمة الميتروبوليت جورج (خضر)

عيد رقاد السَّيِّدة

في التَّسْمِيَة المسيحيَّة هو رقاد والدة الإله والرُّقاد تسمية شرقيَّة للموت. الأموات في المصطلح العباديّ يسمَّون راقِدين للدَّلالة على غلبة المسيح لموته وموتهم لكَوْنهم مَحضوني الله قبل القيامة في اليوم الأخير. منشأ العيد شرقيّ، تأسَّس في القرن السَّادس في أورشليم (القُدس) حيث قامت كنيسة في الجثسمانيَّة. وعمَّم الإمبراطور مفريكيوس (بالفرنسيَّة موريس) العيد على كلِّ الإمبراطوريَّة. تَبَنَّى البابا سرجيوس الأوَّل المتوفّى في بداءة القرن السَّابع هذا العيد. وأعلن بيوس الثَّاني عشر أنَّ انتقال العذراء إلى السَّماء نفسًا وجسدًا هو عقيدة.

لم تحدِّدْ الكنيسة الأرثوذكسيَّة انتقال مريم إلى السَّماء عقيدة. واللَّاهوتيُّون الأرثوذكسيُّون مُنقَسمون بين من يعتقد بانبعاث جسدها ومَن لم يَعتقد لأنَّه حيث غياب عقيدة مُحدَّدة مجمعيًّا أمرٌ متروكٌ لحرِيَّة التَّأويل. غير أنَّ طقوس العيد واضحة لجهة القَوْل بالانتقال (إنَّكِ انتقلتِ إلى الحياة بما أنَّكِ أمُّ الحياة أي المسيح). أيضًا في صلاة العيد: "نهضتِ بعد موتكِ لتكوني مع ابنك سرمدًا". وبصورةٍ أوضح: "إنَّ الإله... حفظ جسمك في اللَّحد ومَجدك معه بانتقالك الإلهيّ".

السُّؤال الَّذي يَطرح نفسه للمسيحيِّين الشَّرقيِّين هو هل نصوص العيد ملزمة كالعقيدة؟ الجواب المبدئيّ العام أنَّ العبادات تكشف موقفًا اعتقاديًا بعامَّةٍ ولكن هذا لا يعني أنَّنا قادرون أن نستخرج من العبادات موقفًا عقديًّا ملزمًا ونبقى في التَّحرُّك النَّقديّ ما لم يصدر تحديد واضح في مجمعٍ مسكونيٍّ مؤلَّف من كلِّ الكنائس الأرثوذكسيَّة. توفيقًا للموقفَيْن الأرثوذكسيّ والكاثوليكيّ، يمكننا القَوْل أنَّ مريم استبقتْ القيامة فلا تحضر محاكمة أو دينونة، وتُقيم في المجد أي الحالة الَّتي نكون جميعًا إليها بعد القيامة الأخيرة. هذا ما أدْرَكَه القدِّيس يوحنَّا الدِّمشقيّ في القرن الثَّامِن الميلاديّ لمَّا توجَّه إليها في إحدى العظتَيْن اللَّتَيْن وَضعهما عن رقادها. قال: "لن أسمِّي رحيلَكِ المقدَّس موْتًا بل رُقادًا أو سَفرًا والأفضل تسميته إقامة. ففيما خرجتِ مِن مدى الجسد دخلتِ مدىً أفضل". قلتُ هي مُقيمةٌ في المجد الإلهيّ وليست مثلنا خاضعةٌ للحكم الإلهيّ في اليوم الآخر. لذلك نعظِّمها تعظيمًا كبيرًا. إنَّها سفيرتنا إلى السَّماء.

***

هي الممتلئة نعمةً كما قال لها جبرائيل لحظة البشارة أي أنَّها كانت حُرَّةً مِن كلِّ خطيئةٍ، مسلَّمة لله وحده ومهيَّأة لاقتبال كلِّ كلمةٍ منه. هذا ما عَناهُ الملاك لمَّا قال لها: "الرَّبُّ معك. مباركةٌ أنتِ في النِّساء". كان هذا الكلام البَدء في المسيرة إلى المجد. وبَدء المسيرة أنَّ السَّيِّدة تجسَّد منها ومن الرُّوح القدس كلمة الله الَّذي كان في البَدء. سلامُ الملاكِ يُوضِحُ لمريم: "الرُّوح القدس يَحُلُّ عليكِ وقوَّةُ العَليِّ تُظلِّلُكِ". ما مِن شكّ أنَّ استعمال جبرائيل لفعل "ظلَّل" يُشير إلى المظلَّة الَّتي كانت تُرافق شعب الله قديمًا وصارتْ في ما بعد هيكل أورشليم. الفكرة إذًا، أنَّ مريم هي هيكلُ الله الجديد أو أوَّل كنيسة للمسيح ولا كنيسة إلَّا إذا أقامَتْ هي فيها. في أوَّل كنيسة اجتمعت في أورشليم في العِلِّيَّة الَّتي كان التَّلاميذ مُجتمعين فيها "يُواظبون بنفسٍ واحدةٍ على الصَّلاة كانت مريم أمُّ يسوع معهم" (أعمال الرُّسُل 1: 14). إذًا، لمَّا حَلَّ عليهم الرُّوح القُدس حَلَّ أيضًا على مريم كما حَلَّ عليها عند البشارة ليكون الكلمة جسدًا. رافقها هذا الرُّوح حتَّى مُنتهى سُكناها الأرض. وهذه هي الحياة في المجد قبل انتقالها إلى المساكن السَّماويَّة. لم يبقَ من حديثٍ عن مريم في الإنجيل بعد هذا إذ بدأ الحديث عن الرُّوح القُدس في تكوينه للكنيسة. كانت العذراء مُلازمة للكنيسة إذْ قالَتْ هي: «ها منذ الآن يُطوِّبُني جميع الأجيال» (لوقا 1: 48). الكلام الإنجيليّ هكذا يُوحي بأنَّ الإنسانيَّة الَّتي تعتمد الإنجيل كتابًا لها تلتفت إلى البتول، إلى تلك الَّتي صنع القدير بها عظائم (لوقا 1: 49). الَّذين يعرفون قيام مريم في المجد يخاطبونها مستشفعين.

نظر إليها كاتب سفر الرُّؤيا صورةً عن الكنيسة. قال: «وظهرت آيةٌ عظيمةٌ في السَّماء، امرأةٌ متسربلة بالشَّمس والقمر تحت رجليها وعلى رأسها إكليل من إثنَيْ عشر كوكبًا» (1: 12). الفَنّ البيزنطيّ ما عدا نموذجًا استثنائيًّا يرسمها حامِلَةً الطِّفل. هي تستمدُّ منه كلّ ما عندها من بَهاء. ليس عندها قدرة من ذاتها. إنَّها تُعطي ما نأخذ من الرَّبّ. وإذا كنتَ أنتَ مُحِبًّا للرَّبِّ تذهب إلى كلِّ سطوعاته فإنَّه عظيمٌ في قدِّيسيه وبينهم هي الأولى. فالعلم بمريم هو جزءٌ من العلم بالمسيح.

***

لعلّ هذا العيد مناسبةً لأقول أنَّ ما يُسمى "شفاعة القدِّيسين" أو توسُّلاتهم أو وساطتهم كلمات لا تُلغي وساطة المسيح الوحيدة. إنَّ الخلاص قد تَمَّ دفعةً واحِدةً في شخص المخلِّص ولا يزيد عليه أحدٌ شيئًا إذ ليس خارج هذا الخلاص قوَّة.

نحن الأرثوذكسيِّين لا نقبل اِعتبار مريم شريكةً في الخَلاص. ليس مِن إنسانٍ يقدر أنْ يُخَلِّص إنسانًا. لكنَّا نؤمن أنَّ أهل السَّماء يُصَلُّون كأهلِ الأرض لأنَّ قيامة المسيح فاعلة منذ الآن والَّذين ذاقوها وطئ المسيح بها موتهم. الَّذين انتقلوا إلى المجد قائمون على صلاتهم وليسوا مُجرَّد عظم رميم. هم أحياءٌ عند ربِّهم أي يُخاطبونه ونحن نُخاطبهم ونُواكبهم ويُواكبوننا في وادي البكاء الَّذي نحيا فيه هنا. كنيسة السَّماء وكنيسة الأرض واحدة. والسَّماء ترتيلٌ بعد لُطْفٍ إلهيّ بالقدِّيسين. هل يَحُقُّ لكَ أنْ تقول أنَّ السَّماويِّين صامتون وأنَّ مريم غائبة عن مجد ابنها وإخوتها وأخواتها في البرارة! هي كلمة بعد أنْ سَكَنَها الكلمةُ وبعد أن أعطى المدعوِّين إلى عرس قانا الجليل في حضرتها خمرًا ليفرحوا.

ما معنى قَوْل بعضٍ: أليس يستطيع الرَّبَّ أنْ يستجيب لنا مباشرة؟ هل إذا أودَعتْ مريم نعمةً اِلتمستها أنتَ وانسكَبَتْ من عندها لا يكون المخلِّص يُعاملك مباشرة. في ملكوت المحبَّة فوق. ما المباشرة وما المداورة؟ ألسنا وكبار الَّذين سبقونا إلى الرَّحمة جسد المسيح الواحد نتعايش في الرُّوح القدس؟

(المرجع: جريدة النَّهار، السَّبت في 08/13/2011)

طروباريَّة القيامة (باللَّحن الأوَّل)

إنَّ الحجرَ لما خُتِمَ مِنَ اليَهود. وجَسَدَكَ الطّاهِرَ حُفِظَ مِنَ الجُند. قُمتَ في اليومِ الثّالثِ أَيُّها المـُخلِّص. مانِحًا العالمَ الحياة. لذلكَ قوّاتُ السّماوات. هتفوا إليكَ يا واهبَ الحياة. المجدُ لقيامتِكَ أَيُّها المسيح. المجدُ لِمُلكِكَ. المجدُ لتدبيرِكَ يا مُحبَّ البشرِ وحدك.

طروباريَّة التَّجَلِّي (باللَّحن السَّابِع)

لمَّا تَجَلَّيْتَ أَيُّهَا المسيحُ الإلهُ في الجبل، أَظْهَرْتَ مجدَك للتَّلاميذِ حسبَمَا ﭐسْتَطَاعُوا، فأَشْرِقْ لنا نحنُ الخَطَأَة نورَكَ الأزَلِي، بشفاعاتِ والدةِ الإله، يا مانِحَ النُّور المجدُ لك.

 قنداق التَّجَلِّي (باللَّحن السَّابِع)

تَجَلَّيْتَ أيُّها المسيحُ الإلهُ في الجبل، وحَسْبَمَا وَسِعَ تلاميذُك شاهَدُوا مَجْدَك، حتَّى، عندما يُعَايِنُوكَ مَصْلُوبًا، يَفْطَنُوا أنَّ آلامَكَ طوعًا بـﭑختيارِك، ويَكْرِزُوا للعالم أنَّكَ أَنْتَ بالحقيقةِ شُعَاعُ الآب.

الرِّسالة (1 كو 4: 9- 16)

لِتَكُنْ يَا رَبُّ رَحْمَتُكَ عَلَيْنَا.

اِبْتَهِجُوا أَيُّهَا الصِّدِّيقُونَ بِالرَّبِّ.

يَا إِخْوَةُ، إِنَّ اللهَ قَدْ أَبْرَزَنَا نَحْنُ الرُّسُلَ آخِرِي النَّاسِ كَأَنَّنَا مَجْعُولُونَ لِلْمَوْتِ. لِأَنَّا قَدْ صِرْنَا مَشْهَدًا لِلْعَالَـمِ وَالـمَلائِكَةِ وَالبَشَرِ. نَحْنُ جُهَّالٌ مِنْ أَجْلِ الـمَسِيحِ، أَمَّا أَنْتُمْ فَحُكَمَاءُ فِي الـمَسِيحِ. نَحْنُ ضُعَفَاءُ، وَأَنْتُمْ أَقْوِيَاءُ. أَنْتُمْ مُكَرَّمُونَ، وَنَحْنُ مُهَانُونَ. وَإِلَى هَذِهِ السَّاعَةِ نَحْنُ نَجُوعُ وَنَعْطَشُ وَنَعْرَى وَنُلْطَمُ وَلا قَرَارَ لَنَا، وَنَتْعَبُ عَامِلِينَ. نُشْتَمُ فَنُبَارِكُ، نُضْطَهَدُ فَنَحْتَمِلُ، يُشَنَّعُ عَلَيْنَا فَنَتَضَرَّعُ. قَدْ صِرْنَا كَأَقْذَارِ العَالَـمِ، وَكَأَوْسَاخٍ يَسْتَخْبِثُهَا الجَمِيعُ إِلَى الآنَ. وَلَسْتُ لِأُخْجِلَكُمْ أَكْتُبُ هَذَا، وَإِنَّـمَا أَعِظُكُمْ كَأَوْلادِي الأَحِبَّاءِ، لِأَنَّهُ وَلَوْ كَانَ لَكُمْ رُبْوَةٌ مِنَ الـمُرْشِدِينَ فِي الـمَسِيحِ، لَيْسَ لَكُمْ آَبَاءٌ كَثِيرُونَ، لِأَنِّي أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الـمَسِيحِ یَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ. فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَنْ تَكُونُوا مُقْتَدِينَ بِي.

الإنجيل (متَّى 17: 14- 23)(متَّى 10)

فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ دَنَا إِلَى يَسُوعَ إِنْسَانٌ فَجَثَا لَهُ وَقَالَ: يَا رَبُّ ارْحَمِ ابْنِي، فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ فِي رُؤُوسِ الأَهِلَّةِ وَيَتَأَلَّـمُ شَدِيدًا لِأَنَّهُ يَقَعُ كَثِيرًا فِي النَّارِ وَكَثِيرًا فِي الـمَاءِ. وَقَدْ قَدَّمْتُهُ لِتَلامِيذِكَ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَشْفُوهُ. فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ: أَيُّهَا الجِيلُ غَيْرُ الـمُؤْمِنِ الأَعْوَجُ، إِلَى مَتَى أَكُونُ مَعَكُمْ؟ حَتَّى مَتَى أَحْتَمِلُكُمْ؟ هَلُمَّ بِهِ إِلَيَّ إِلَى هَهُنَا. وَانْتَهَرَهُ يَسُوعُ فَخَرَجَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ، وَشُفِيَ الغُلامُ مِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ. حِينَئِذٍ دَنَا التَّلامِيذُ إِلَى يَسُوعَ عَلَى انْفِرَادٍ وَقَالُوا: لِـمَاذَا لَـمْ نَسْتَطِعْ نَحْنُ أَنْ نُخْرِجَهُ؟ فَقَالَ لَـهُمْ يَسُوعُ: لِعَدَمِ إِيـمَانِكُمْ. فَإِنَّنِي الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَوْ كَانَ لَكُمْ إِيـمَانٌ مِثْلَ حَبَّةِ الخَرْدَلِ لَكُنْتُمْ تَقُولُونَ لِـهَذَا الجَبَلِ انْتَقِلْ مِنْ هَهُنَا إِلَى هُنَاكَ فَيَنْتَقِلُ، وَلا يَتَعَذَّرُ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ. وَهَذَا الجِنْسُ لا يَخْرُجُ إِلَّا بِالصَّلاةِ وَالصَّوْمِ. وَإِذْ كَانُوا يَتَرَدَّدُونَ فِي الجَلِيلِ قَالَ لَـهُمْ يَسُوعُ: إِنَّ ابْنَ البَشَرِ مُزْمِعٌ أَنْ يُسْلَمَ إِلَى أَيْدِي النَّاسِ فَيَقْتُلُونَهُ وَفِي اليَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ.

حول الرِّسالة

أسَّس الرَّسُول بولس كنيسة كورنثوس حوالي السَّنة 52 م.، أثناء الرِّحلة التَّبشيريَّة الثَّانية، حيث قضى فيها عام ونصف، وتعب من أجل إيمان الشَّعب فيها، إذْ عانى فيها الكثير من الآلام كما في سائر المدن، من المندسِّين الَّذين كان عملهم التَّهجُّم عليه والتَّشكيك برسوليَّته. إذْ إنَّ بعضهم كانوا يتَّهمونه بعدم شرعيَّة رسوليَّته لأنَّه ليس من التَّلاميذ الأوَّلين كسائر الرُّسُل، الَّذين عرفوا المسيح ورافقوه. إضافةً إلى وجود البِدَع والهرطقات الَّتي لا أساس لها في تعليم الرَّسُول بولس، والَّتي بدأت تشقُّ كنيسة كورنثوس.

رغم معاناته الكثيرة كان لسان حاله أنَّه "في الضُّعف تكمن قوَّتَه لأنَّ نعمة الله تكفيه"، إذ يتحدَّث ليس عن مُعاناته هو وحده بل الرُّسُل جمعاء، فكلُّ الرُّسُل قد كابدوا من أجل المسيح "الموت والجوع والعطش والعُري واللَّطمات والتَّعب والشَّتم والاضطهادات والتَّشنيع ...".

لا يخبر الرَّسُول أبناءه بذلك ليُخجلهم بل ليُنذرهم، لئلَّا يشقُّوا جسد المسيح: الكارثة الكبرى الَّتي شعر بها الرَّسُول بولس بأنَّها ستَحُلُّ عليهم إنْ لم يتدارك الأمر.

يتحدَّث الرَّسُول بأبوَّةٍ واضحة لأنَّه مؤتَمَن على البشارة الإلهيَّة ويؤلمه أن يرى تعبه يذهب سُدًا، بسبب انقسام المؤمنين وتحزُّبهم، موضِحًا أنَّ رسالته الرَّسُوليَّة للرَّبّ يسوع تكمُن في التَّعب وتتطلَّب منه تحمُّل المشقَّات والإهانات والسَّجن والاضطهاد ... من أجل أنْ يخلِّص أبناؤه الَّذين ولدهم بالمسيح وبشارة الإنجيل. وهنا يِكمُن فخره واعتزازه وفرحه الَّذي يُنسيه تعبه وكلُّ ما كابده.

وكأبٍ مُحبٍّ وحازم يعرف مصلحة أبناءه يطلب منهم أن يتمثَّلوا به، وأنْ يكونوا أمناء للتَّعليم وللأب الَّذي ولدهم بالمسيح. لأنَّ ملكوت الله لا يُعطى لمن يستهين بالتَّعليم وينحرف باتِّباع تعاليمٍ غريبة، ويبتعد عن تحقيقِ مشيئة الله في حياته.

أيُّها الأحبَّاء ما أحْوَجنا اليوم لهذه الكلمات الأبويَّة المفعَمَة بالحنان من فَمِ الرَّسُول بولس! لأنَّ الشِّرِّير يتربَّص بنا كأفعى سامَّة، ليَزيد خلافاتِنا ويهدِّد وحدتنا ويبعدنا عن محبَّتنا الأولى، فلنتيقَّظ ثابتين إلى النِّهاية في الايمان والأمانة لوصايا المسيح والاقتداء به وبرسله الأطهار، لأن "مَن كان أمينًا على القليل فسأُقيمُه على الكثير" و"مَن يثبُت إلى المنتهى فهذا يخلُص".

شفاعة والدة الإله

تؤمن الكنيسة الأرثوذكسيَّة بأنَّ شفاعة والدة الإله القدِّيسة مريم تنبع من اِتِّحادها الفَريد بابنها الرَّبّ يسوع المسيح، ومِن مَحبَّتها الأموميَّة لجميع المؤمنين. فالكنيسة لا ترى في شفاعتها بديلًا عن وساطة المسيح الوَحيدة للخَلاص، «لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ» (1 تيموثاوس 2: 5)، بل تفهمها كصلاة وطلبة تقدِّمُها أمُّ المخلِّص مع القدِّيسين مِن أجل العالم. ويُظهِر إنجيل يوحنَّا هذا الدَّوْر في عرس قانا الجليل، حيث انتبهت والدة الإله إلى حاجة العُرس وقالت لابنها: «ليس لهم خمر»، فاستجاب الرَّبُّ وأجرى أولى آياته (يوحنا 2: 1-11). وفي هذا المشهد ترى الكنيسة مثالًا لشفاعة المحبَّة والاهتمام باحتياجات البشر.

لقد مجَّد الآباء القدِّيسون والدة الإله لأنَّها صارَتْ «أكرم من الشِّيروبيم وأمجد بما لا يُقاس من السِّيرافيم»، ليس لأنَّها تملك قوَّةً مستقلَّة، بل لأنَّ نعمة الله عملت فيها، ولأنَّها قبلت بإيمانٍ وطاعة أن تكون أمَّ الكلمة المتجسِّد. لذلك يلتجئ المؤمنون إليها طالبين صلواتها، كما يطلبون صلوات جميع القدِّيسين، واثقين أنَّ الَّذين انتقلوا إلى المجد لا ينقطعون عن محبَّة الكنيسة المجاهدة على الأرض.

إنَّ تكريم والدة الإله يقودُ دائمًا إلى المسيح، لأنَّها تُشير إليه باستمرارٍ وتُرَدِّد مع الإنجيل: «مهما قال لكم فافعلوه». وهكذا تبقى شفاعتها تعبيرًا عن شركة القدِّيسين وعمل المحبَّة في جسد المسيح الواحد، لمجد الثَّالوث القدُّوس، الآب والابن والرُّوح القدس، الآن وكلَّ أوان وإلى دهر الدَّاهرين. آمين.

والدةَ الإله أمَّ النُّور – المطران بولس (بندلي)

عيَّدتْ الكنيسة المقدَّسة لِعيد تَجلِّي ربِّنا وإلهنا ومخلِّصنا يسوع المسيح على جبل ثابور وهناك شَعَّ على وَجهه هذا النُّور الَّذي لا يَغرُب أبدًا إذ أنَّه “هو بالحقيقةِ شُعاعُ الآب” كما تقول صلواتِنا المقدَّسة وهذا النُّور تقرِّظُه كنيستنا في صلاة مساءِ كلّ يوم إذْ رتَّبَتْ هذا المقطع: “يا نورًا بَهيًّا لقُدْسِ مَجد الآب الَّذي لا يموت، السَّماوي القدُّوس يسوع المسيح، إذْ قد بلغنا إلى غروب الشَّمس ونظرنا نورًا مسائيًّا، نُسبِّح الآب والابن والرُّوح القُدس الإله المستحقَّ في سائر الأوقات أنْ يُسبَّح بأصواتٍ بارَّة” خاتمةً إيَّاه بعبارة: “لذلك العالم إيَّاكَ يُمجِّد”. وهكذا يتبيَّن كيف أنَّ أمَّنا الكنيسة ساهرة أن تذكِّرنا بأنَّنا إذا مررنا بغياب النُّور المادِّي عنَّا سوف لن نُحرَم من النُّور السَّماويّ الَّذي هو الله…

وها نحن على مقربة من عيد رقاد العذراء الكُلِّيَّة القداسة والدَّائمة البتوليَّة مريم الَّذي سوف نُعَيِّد له يوم الأسبوع القادم في الخامس عشر من شهر آب، وأنَّنا في صلاة سَحَر كلّ يومٍ نسمع الكاهن عندما يتَّجِه نحو  إيقونتها يصرخ قائلًا: “لوالدة الإله وأمَّ النُّور بالتَّسابيح لها نُكَرِّمُ معظِّمين” ثمَّ يُبخِّر الكنيسة وإيقوناتها والحاضرين فيها على نغم ترنيمة نكرِّمها فيها قائلين: “يا مَن هي أكرم من الشِّيروبيم وأرفع مجدًا بغير قياسٍ من السِّيرافيم، يا مَن بغير فساد ولدت كلمة الله وهي حقًّا والدة الإله إيَّاكِ نُعظِّم” ونحن نتناوب في إنشاد نشيد العذراء الوارد في جوابها لأليصابات في الإصحاح الأوَّل من إنجيل لوقا.

وهكذا نُلاحظ أننا ننتقل من عيد النُّور إلى عيد أمَّ النُّور، فَهلُمَّ أيَّها الأحبَّاء نستنير بالنُّور الَّذي لايغرب أبدًا الَّذي نحن بحاجةٍ إليه لكي نحمله إلى العالم الَّذي هو معرَّض أنْ يموت في ظلمته، ونطلب شفاعة أمَّ النُّور والدة لكي ينتصر نور ابنها الإلهيّ على ظلمة خطايانا فنستنير به ونحمله إلى العالم فيمجِّد الله النُّور في حياتنا كلّنا. آمين.

(المرجع: نشرة البشارة، العدد 32 – في 12 آب 2001)