في هذا اليوم تُقيم الكنيسة المُقدَّسَة تَذكار:
*رقاد القدّيسة حنّة، أم والدة الإله. *القدّيسون آباء المجمع المسكونيّ الخامس. *القدّيسة البارّة أفبركسيا. *القدّيسة الشَّمّاسة أوليمبيا. *القدّيس البارّ مكاريوس الرّوسيّ العجائبيّ. *شهداء ليون وفيينا في بلاد الغال (فرنسا).
✤ القدّيسون آباء المجمع المسكونيّ الخامس (553 م)✤
عدد هؤلاء الآباء كان مائة وخمسة وستّين. اجتمعوا في القسطنطينية برئاسة البطريرك القسطنطيني القدّيس أفتيخيوس بين الخامس من أيار والثاني من حزيران من السنة 553 م. ثمّة اختلاف في وجهات النظر في شأن الغرض من انعقاد المجمع: هل هو مصالحة المناهضين للمجمع المسكوني الرابع (خلقيدونيا) أم هو معالجة الانشقاق الكامن بين الشرق والغرب في شأن ما يُعرف بـ “الفصول الثلاثة”، أي ثيودوروس المصيصة وثيودوريتوس القورشي وإيباس الرهاوي. كلامنا، هنا، يأخذ في الاعتبار وجهة النظر الأخيرة.
أما ثيودوروس المصيصة فكان له في الشرق إكرام بارز بالنظر إلى تفاسيره الكتابية، كما كان مُقدَّم المدرسة الكتابية المعروفة بـ “الأنطاكية”. غير أنّه ترك في لاهوته جانباً مبالغاً فيه للتأمّلات الذهنية ومسلّمات الفلسفة الأرسطوية، فخلص، نتيجة ذلك، إلى دحض إمكان الوحدة الحقّ بين المخلوق وغير المخلوق في شخص المسيح. بالنسبة إليه، لم يصر الكلمة إنساناً بل اتحدت الإرادة البشريّة، فيه، مع المشيئة الإلهية، مما حفظ التمييز بين الطبيعتين، وتالياً بين “شخصين”. لذلك اعتُبر ثيودوروس “أب النسطورية”. فبعد إدانة نسطوريوس من قِبَل مجمع أفسس (431م)، تحوّل أنصاره إلى كتابات ثيودوروس، تمُّوز 2026 كان قد رقد في سلام الكنيسة، لتفسير العقيدة المسيحانية. القدّيس كيرللس الإسكندري، مع أنّه كتب ضدّه، تدخّل لدى القدّيس بروكلس لكي لا يطلب إدانة كتاباته صوناً لسلام الكنيسة تمُّوز 2026 تحقّق بعد آلام سنة 438 م. لكن أفتيخيوس، تمُّوز 2026 نبذ موقف المصالحة هذا، توصّل، بدسائسه، إلى تثبيت الطبيعة الواحدة من خلال مجمع أفسس اللصوصي (449 م). خلال هذا المجمع جرت إدانة تلميذي ثيودوروس الرئيسيَّين وممثّلَي اتجاهه اللاهوتي: ثيودوريتوس وإيباس.
فلمّا كان المجمع الخلقيدوني (451)، رضي ثيودوريتوس وإيباس، بعد مداولات طويلة، أن يلقيا الحرم على نسطوريوس وأُعيد اقتبالهما في شركة الكنيسة. بعد ذلك، تمخّض تفسير واقتبال المجمع المسكوني الرابع عن خلافات جديدة تركّزت على مسألة الفصول الثلاثة. فإنّ التدابير السياسية التي اتّخذها الأمبراطور زينون والبطريرك أكاكيوس لمصالحة مناهضي المجمع الخلقيدوني باءت بالفشل وأدّت إلى انقسام دام أربعين سنة، من العام 484 إلى العام 519، بين الشرق والغرب تمُّوز 2026 تمسّك، بصورة ضيّقة، بالحرف واتّخذ موقف الدفاع عن الفصول الثلاثة.
هذا الخلاف وضع له الأمبراطور يوستينوس حدّاً. أما يوستينوس، فلكي يتصدّى للنزعة النسطورية في تفسير عقيدة خلقيدونية، أصدر مرسوماً ضدّ الفصول الثلاثة ما لبث أن أثار، من جديد، ردود فعل عنيفة في الغرب (545 م). استُدعي البابا فيجيلُس إلى القسطنطينية فصرّح، عند وصوله، أنّه يقطع الشركة مع البطريرك القدّيس ميناس تمُّوز 2026 ردّ عليه بتصريح مماثل. ثمّ بعد أخذ وردّ رضي فيجيلُس أن يصالح ميناس ونشر وثيقة أدان فيها الفصول الثلاثة. بالنسبة للشرق كانت هذه البادرة فاترة فيما اعتبرتها كنائس إفريقيا وأكويلا في الغرب بمثابة خيانة وأحدثت شقاقاً في قلب الكنيسة الغربية.
فلمّا تقرّر التئام مجمع مسكوني لوضع حدّ لهذا السجال، بسط يوستنيانوس “اعترافاً إيمانياً” استمدد تعابيره من لاهوت القدّيس كيرللس، تمُّوز 2026 ناهضه الأنصار الغربيون لـ “الفصول الثلاثة” (551). نبذ البابا فيجيلُس هذه الوثيقة ولم يتوقّف عن وضع العراقيل أمام اجتماع المجمع. تأخّر افتتاح المجمع، بسبب وفاة القدّيس ميناس، ثمّ انطلق بزعامة خلفه القدّيس أفتيخيوس. عبّر الآباء عن حزنهم لمعارضة البابا فيما صرّح فيجيلُس أنّه يدعم، تماماً، أرثوذكسية ثيودوريتوس وإيباس. وخلال الجلسة الثامنة، عمد المجمع، رغم ذلك، إلى إدانة الفصول الثلاثة وإلقاء الحرم على كل تمُّوز 2026ن يدافعون عنهم دون أن يدين البابا بالاسم. يُذكر أنّ المجمع ميّز بوضوح بين كتابات ثيودوريتوس الموجّهة ضدّ القدّيس كيرللس وشخصه تمُّوز 2026 اعتُبر أرثوذكسياً، وقُدِّر، بخاصة، لتفاسيره الكتابية وأُطلقت عليه صفة المغبوط نظير القدّيس أوغسطينوس. هذا فيما أُدين شخص وكتابات ثيودوروس المصيصة. ولكن في كانون الأول من العام نفسه، خضع فيجيلس لقرارات المجمع، لكنّه لم يدن الفصول الثلاثة، بدوره، إلاّ بعد قرابة السنتين (555). يُشار إلى أنّ مسألة الفصول الثلاثة بقيت تثير الحساسيات في الغرب، بعد موت البابا فيجيلُس، إلى أن اعترف المجمع اللاتراني بالمجمع الخامس أنّه مسكوني، سنة 649 م.
وخلال اجتماع سابق للمجمع أدان الآباء، من جهة أخرى، تعليم أوريجنيس وأفغريوس البنطي وديديموس الإسكندري في شأن الوجود السابق للنفوس وسقوطها في الجسد والتجديد العام (apocatastase) تمُّوز 2026 يؤول إلى نكران الحريّة البشريّة.
إذ حال هذا المجمع المقدّس دون الانشقاق بين الشرق والغرب، وضع حدّاً للتيار النسطوري بإدانة كل المقولات الهرطوقية لثيودوروس المصيصة، كما اعترف بالانسجام التام بين المجمع الخلقيدوني وإيمان المجمع المسكوني الثالث في أفسس. لذلك يُعتبر، عن حقّ، مجمعاً كنسياً بامتياز لأنه بنبذه التصوّر الفلسفي في مسائل العقيدة، سواء بالشكل المنطقي الارسطوي لثيودوروس المصّيصة أو بالشكل الأفلاطوني الجديد لمذهب أوريجنيس، أكّد أنّ للكنيسة نمطها الرسولي الخاص في تفسير سرّ المسيح، وأنّه إلى هذا النمط يعود الفضل في صون تمامية (integrité) الحريّة الإنسانية وإمكان اتّحادها كاملة بالله في شخص المخلّص.