نشرة كنيستي
نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.
أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي
كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.
الأحد (3) بعد العنصرة
العدد 25
الأحد 21 حزيران 2026
اللَّحن 2- الإيوثينا 3
أعياد الأسبوع: *21: الشَّهيد يوليانوس الطَّرسوسيّ، تذكار جامع للآباء الآثوسيّين *22: الشَّهيد إفسافيوس أسقف سميساط، البارّ إيسيخيوس رئيس دير العُلَّيْقَة في سيناء *23: الشَّهيدة أغريبينا ورفقتها *24: تذكار مولد القدِّيس يوحنَّا المعمدان، تذكار القدِّيسَيْن زخريَّا وأليصابات *25: الشَّهيدة فبرونيَّة، الشُّهداء أورنديوس وإخوته السِّتَّة *26: البارّ داوود التِّسالونيكيّ *27: البارّ شمشون مُضيف الغرباء، القدِّيسة يونَّا امرأة خوزي.
كلمة الرّاعي
المصالحة في المسيح والسَّلام مع الله
“إِذْ قَدْ بُرِّرْنَا بِالإِيمَانِ فَلَنَا سَلامٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ المَسِيحِ” (رومية ٥: ١)
جوهر البشارة كلِّها: "السَّلام". لا السَّلام الَّذي يَعِد به العالم، ذاك الَّذي هو مجرّدُ غيابٍ للحرب أو هدنةٍ موقَّتة، بل سلامٌ أبديّ: "سلامٌ مع الله". فالإنسان، منذ سقوطه، يحمل في أعماقه قلقًا لا يهدأ، وعداوةً خفيّةً مع خالقه ومع نفسه ومع أخيه ومع الكَوْن. وقد جاء المسيح ليُزيل هذه العداوة من جذورها، فيُصالحَنا مع الله في نفسه، ويردَّ إلى قلوبنا طمأنينتَه المفقودة. هذا السَّلام ليس شعورًا عابرًا، بل صفة أبناء الله.
كيف نِحصل على هذا السَّلام؟ لا بأعمالنا، ولا باستحقاقٍ مِنّا، بل "بِالإِيمَانِ" وحده، إذ "بِهِ حَصَلَ لَنَا الدُّخُولُ إِلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ الَّتي نَحْنُ فِيهَا مُقِيمُونَ". نحن، إذن، "مُقِيمُونَ" في النِّعْمَةُ، هي ليست مَعبرًا نمرُّ به، بل مُستَقرٌّ نسكنه ووطنٌ نُقيم فيه. المؤمن لا يعبر بالنِّعْمَةَ إلَّا لِيَحْيَا فيها كما يَحْيَا الغصنُ في الكرمة، وهذا مِن مشيئة الله وقصده في إعطائه المؤمن تذوُّق هذه الخبرة وحجبها عنه لكي يكبر وينمو فيها، ويشتدُّ ثباته في المسيح.
* * *
ثباتنا في المسيح لا يتحقَّق إلَّا بِصَبْرِنا على الشَّدائد: "نَفْتَخِرُ بِالشَّدَائِدِ". كيف يفتخر الإنسانُ بما يؤلمه؟ هنا يتكشَّفُ لنا سرَّ الطَّريق إلى الحياة الأبديَّة... فالشِّدَّةُ في حياة المؤمن ليست عقابًا من الله بل فرصة للشَّهادة للقيامة وللنُّموّ في الإيمان، هي ورشة تقديس يَصوغُ الله فيها النُّفوس بنعمته بالتَّآزُر مع الإنسان نفسه. وقد رسم لنا الرَّسول سُلَّمًا روحيًّةً تصعد فيها النَّفْسُ درجةً درجة: "الشِّدَّةَ تُنْشِئُ الصَّبْرَ، وَالصَّبْرُ يُنْشِئُ الاِمْتِحَانَ، وَالاِمْتِحَانُ الرَّجَاءَ ". فمَن لم يُجرَّب لم يَصبر، ومن لم يَصبر لم يَختبرْ أمانةَ الله ولم يَمْتَحِن إيمانَهُ، ومن لم يختبر أمانة الله لم يعرف محبّته ومن لم يمتحن إيمانه لم ينمو فيه، وتاليًا لم يَثبتْ رجاؤه. هكذا يتَحَوَّلُ الألمُ نفسَه بالصَّبر في الإيمان إلى بابٍ للرَّجاء في خبرة فِعلِ النِّعْمَةِ، ويَصير الصَّليبُ الطَّريق نحو القيامة.
وهذا الرَّجاء، كما يقول الرَّسول، "لا يُخْزِي". فكم من رجاءٍ بُنِي بالاتِّكال على البشر خَيَّبَ أصحابَه وتركهم في الخزي! أمَّا رجاءُ المؤمن بالمسيح يسوع المخلِّص فمؤسَّسٌ على صخرةٍ لا تتزعزع، لأنَّ الَّذي وَعَدَنا أمينٌ وهو حقَّق كلّ خلاصنا في ذاته تحقيقًا كاملًا. وما قَوْل الرَّسول بولس بأنَّ "مَحَبَّةَ اللهِ قَدْ أُفِيضَتْ فِي قُلُوبِنَا بِالرُّوحِ القُدُسِ الَّذي أُعْطِيَ لَنَا"، إلَّا الدَّليلُ القاطع على ثبات هذا الرَّجاء بحنان الله ومحبَّته الَّتي "أُفِيضَتْ" علينا أي أُغدِقَتْ بلا حُدود. فمحبَّةُ الله لا تُعطَى بحساب، بل تنسكب وتفيض ماءً حيًّا، بلا قياسٍ ولا تحفُّظ. والَّذي يحمل هذا الفَيْضَ إلى قلوبنا هو الرُّوح القدس، عربونُ خلاصنا والسَّاكنُ فينا ليُكسنَا نعمَتَه.
* * *
ذروةُ محبَّة الله للبشر، تظهر بقول بولس: "(...) إِذَا كُنَّا خَطَأَةً بَعْدُ، مَاتَ الـمَسِيحُ عَنَّا". بشريًّا قد يضحّي إنسان بنفسه لأجل آخَر إن كان هذا الآخَرُ صالحًا، لكن لا أحد يقبل أن يموت عن "مُنافق" أو "مُجرم"، ومع ذلك فابن الله مات لأجلنا ونحن خطأة لا بل مات لأجل صالبيه. لم ينتظرِ اللهُ أن نصير أهلًا لمحبَّتِهِ، ولم يطلب منَّا أن نصطلح أوَّلًا ثمّ يحبّنا؛ بل أحبّنا ونحن بعدُ خطأة، بل ونحن "أَعْدَاءٌ". هذه هي المحبَّة الإلهيَّة في صميمها: محبَّةٌ تسبق استحقاقَنا، وتنحني إلى ضعفنا، وتموت من أجل من رفضوها. ومِن هنا فمقياس مسيحيّتنا كما يقول القدِّيس سلوان الآثوسيّ هو محبَّة الأعداء.
من هنا، لدينا اليَقين بالرَّجاء الَّذي لا يَخيب ولا يُخزي بأنَّ خلاصَنا الأبديّ بالمسيح محقَّق، إذْ قد صنع الله الأصعبَ ونحن أعداء — أي صالَحنا بموت ابنه — فكم بالأحرى يُتمّ الأسهلَ ونحن مُصالَحون، أي يخلِّصَنا "بِحَيَاتِهِ". فالمسيح لم يَمُتْ لأجلنا فحسب، بل قام وهو حيٌّ إلى الأبد، يشفع فينا ويهب لنا حياته بالرُّوح القُدس في أسرار الكنيسة. مصالحتُنا تمَّتْ بصليبه، وخلاصُنا اكتمل بقيامته، وحياته تمتدُّ فينا بروحه القُدُّوس في النِّعْمَة...
* * *
أيُّها الأحبَّاء، ما أحْوَجَنا في زمنٍ كثُرَتْ فيه الشَّدائد وتزعزعتْ فيه القلوب وتشوَّشتْ، وازداد الخوف والقلق والاكتئاب والإحباط واليأس، ربَّما، في حياة النَّاس، أنْ نَسْمَع هذه الكلمات سماعَ مَن تُقال له شخصيًّا! لنا سلامٌ مع الله، فلا نَدَعِ الخوف من الغلبة على الشِّرِّير ومن الغد يسلبنا إيَّاه. نحن مُقيمون في النِّعْمَة إذا ثابرنا على حياة التَّوْبَة ومُساهَمَة الأسرار والخدمة، فلا نخرُجَنَّ منها بخطايانا وفُتورنا وعنادنا وجُبنِنا... ومحبّةُ الله مُفاضةٌ في قلوبنا، فلنفتحْها لها كلَّ يوم بالصلاة والإيمان والثِّقَة بالله مع العمل الدَّؤوب لطاعة الوَصيَّة... فإذا ضاقت بنا الضِّيقات، تذكَّرنا أنّها تَنسُج فينا صبرًا ورجاءً بالَّذي أحبَّنا وبذل نفسه من أجلنا؛ وإذا أثقلنا الشُّعورُ بعدم الاستحقاق فلنرجع إلى الله من أعماق نفوسنا وقلوبنا، ولنتذكَّر أنَّ المسيح مات لأجلنا ونحن خطأة. فمن أحبَّنا هكذا، أيمكن أن يتخلَّى عنَّا الآن؟!...
ولْنَجعلْ من حياتنا كلِّها جوابًا على هذه المحبَّة المُفاضة: شكرًا يرتفع من القلب بالمحبَّة الباذلة، وثباتًا في النِّعْمَة الَّتي نُقيم فيها بالصَّبر في الرَّجاء الَّذي لا يُخزي ومواجهة التَّجارب، وافتخارًا — لا بقُوَّتنا — بل بِيَقين مجد الله المحقَّق بالمسيح على الصَّليب...
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع...
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
طروباريَّة القيامة (باللَّحن الثَّاني)
عندما انحدرتَ إلى المَوْت. أَيُّها الحياةُ الَّذي لا يَموت. حينئذٍ أَمَتَّ الجحيمَ بِبَرْقِ لاهوتِك. وعندما أقمتَ الأمواتَ من تحتِ الثَّرى. صرخَ نحوكَ جميعُ القُوّاتِ السّماويّين. أَيُّها المسيحُ الإله. مُعطي الحياةِ المجدُ لك.
القنداق (باللَّحن الثَّاني)
يا شفيعَةَ المسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطةَ لدى الخالِق غيْرَ المرْدودةِ، لا تُعْرضي عَنْ أصواتِ طلباتِنا نَحْنُ الخَطأة، بَلْ تدارَكينا بالمعونةِ بما أنَّكِ صالِحَة، نَحنُ الصّارخينَ اليكِ بإيمان: بادِري إلى الشَّفاعَةِ وأسَرعي في الطّلْبَةِ يا والدَة الإلهِ، المتشَفِّعَةَ دائمًا بمكرِّميك.
الرِّسالة (رو 5: 1- 10)
قُوَّتِي وَتَسْبِحَتِي الرَّبُّ.
أَدَبًا أَدَّبَنِي الرَّبُّ.
يَا إِخْوَةُ، إِذْ قَدْ بُرِّرْنَا بِالإِيـمَانِ فَلَنَا سَلامٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الـمَسِيحِ الَّذي بِهِ حَصَلَ أَيْضًا لَنَا الدُّخُولُ بِالإِيـمَانِ إِلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ الَّتي نَحْنُ فِيهَا مُقِيمُونَ وَمُفْتَخِرُونَ فِي رَجَاءِ مَجْدِ اللهِ. وَلَيْسَ هَذَا فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا نَفْتَخِرُ بِالشَّدَائِدِ عَالِمِينَ أَنَّ الشِّدَّةَ تُنْشِئُ الصَّبْرَ، وَالصَّبْرُ يُنْشِئُ الاِمْتِحَانَ، وَالاِمْتِحَانُ الرَّجَاءَ، وَالرَّجَاءُ لا يُخْزِي: لِأَنَّ مَـحَبَّةَ اللهِ قَدْ أُفِيضَتْ فِي قُلُوبِنَا بِالرُّوحِ القُدُسِ الَّذي أُعْطِيَ لَنَا، لِأَنَّ الـمَسِيحَ، إِذْ كُنَّا بَعْدُ ضُعَفَاءَ، مَاتَ فِي الأَوَانِ عَنِ الـمُنَافِقِينَ، وَلا يَكَادُ أَحَدٌ يَـمُوتُ عَنْ بَارٍّ، فَلَعَلَّ أَحَدًا يُقْدِمُ عَلَى أَنْ يَـمُوتَ عَنْ صَالِحٍ. أَمَّا اللهُ فَيَدُلُّ عَلَى مَـحَبَّتِهِ لَنَا بِأَنَّهُ، إِذَا كُنَّا خَطَأَةً بَعْدُ، مَاتَ الـمَسِيحُ عَنَّا. فَبِالأَحْرَى كَثِيرًا إِذْ قَدْ بُرِّرْنَا بِدَمِهِ نَخْلُصُ بِهِ مِنَ الغَضَبِ، لِأَنَّا إِذَا كُنَّا قَدْ صُولِـحْنَا مَعَ اللهِ بِـمَوْتِ ابْنِهِ وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ، فَبِالأَحْرَى كَثِيرًا نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ.
الإنجيل (مت 6: 22- 33)
قَالَ الرَّبُّ: سِرَاجُ الجَسَدِ العَيْنُ. فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً، جَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّرًا، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً، فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِمًا. وَإِذَا كَانَ النُّورُ الَّذي فِيكَ ظَلامًا، فَالظَّلامُ كَمْ يَكُونُ؟ لا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْبُدَ رَبَّيْنِ، لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ، أَوْ يُلازِمَ الوَاحِدَ وَيَرْذُلَ الآخَرَ. لا تَقْدِرُونَ أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ والـمَالَ. فَلِهَذَا أَقُولُ لَكُمْ: لا تَهْتَمُّوا لِأَنْفُسِكُمْ بِـمَا تَأْكُلُونَ وَبِـمَا تَشْرَبُونَ، وَلا لِأَجْسَادِكُمْ بِـمَا تَلْبِسُونَهُ. أَلَيْسَتِ النَّفْسُ أَفْضَلَ مِنَ الطَّعَامِ، وَالجَسَدُ أَفْضَلَ مِنَ اللِّبَاسِ؟ أُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ فَإِنَّهَا لا تَزْرَعُ وَلا تَحْصُدُ وَلا تَخْزُنُ فِي الأَهْرَاءِ، وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَفَلَسْتُمْ أَنْتُمْ أَفْضَلَ مِنْهَا؟ وَمَنْ مِنْكُمْ إِذَا اهْتَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَامَتِهِ ذِرَاعًا وَاحِدَةً؟ وَلِـمَاذَا تَهْتَمُّونَ بِاللِّبَاسِ؟ اعْتَبِرُوا زَنَابِقَ الحَقْلِ كَيْفَ تَنْمُو، إِنَّهَا لا تَتْعَبُ وَلا تَغْزِلُ. وَأَنَا أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ سُلَيْمَانَ نَفْسَهُ فِي كُلِّ مَـجْدِهِ لَـمْ يَلْبَسْ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا. فَإِذَا كَانَ عُشْبُ الحَقْلِ الَّذي يُوجَدُ اليَوْمَ وَفِي غَدٍ يُطْرَحُ فِي التَّنُّوِر يُلْبِسُهُ اللهُ هَكَذَا، أَفَلا يُلْبِسُكُمْ بِالأَحْرَى أَنْتُمْ يَا قَلِيلِي الإِيـمَانِ؟ فَلا تَهْتَمُّوا قَائِلِينَ مَاذَا نَأْكُلُ أَوْ مَاذَا نَشْرَبُ أَوْ مَاذَا نَلْبِسُ، فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ تَطْلُبُهُ الأُمَمُ. لِأَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هَذَا كُلِّهِ. فَاطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهَذَا كُلُّهُ يُزَادُ لَكُمْ.
حول الإنجيل
في الأحد الثَّالث بعد العنصرة، تدعونا الكنيسة للتَّأمُّل في جوهر الإيمان: أولويَّة محبَّة الله على كلِّ مقتنيات العالم. يتجلَّى هذا مِن خلال إنجيل " لا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْبُدَ رَبَّيْنِ" (متّى 6: 24-34)، مقدِّمًا لنا دعوةً حقيقيَّةً للتَّحرُّر من هموم المادَّة، ووضع ثقتنا الكاملة في العناية الإلهيَّة.
المال في حَدِّ ذاته ليس شرًّا، لكن المشكلة تكمُن في "العبادة". عندما يصبح المال هو الغاية والضَّمان الوَحيد في حياتنا، فإنَّه يستعبدنا ويُبعدنا عن الله. الإنجيل اليوم لا يدعو إلى الكسل أو التَّراخي، بل إلى التَّحرُّر مِنَ القَلَق المَرَضيّ. لأنَّ القلق هو علامة على ضعف الثِّقَة بعناية الله الَّذي يُطعم طيور السَّماء ويكسي زنابق الحقل. أيضًا يدعونا هذا الأحد لنفحص أولويَّاتِنا. لنسأل أنفسنا: هل نكرِّس وقتنا وطاقتنا لجمع الكنوز الأرضيَّة أم لبناء "الكنوز السَّماويَّة"؟
ولكن كيف العَيْن هي سراجٌ للجسد كلِّه؟ نحن نعلم أنَّ البَصَر الَّذي يأتي من العَيْن هو أهمّ حاسَّة بين الخمس حواسّ، فهو يشكِّل أقوى وسيلة اتِّصال تربط أجسادنا وحياتنا مع العالم الخارجيّ، لذلك فمِنَ المهمّ بمكان إعطاء هذه الحاسَّة اهتمامًا كاملًا. فالعَيْن تُشْبِه آلة التَّصوير، تلتقط كلَّ شيء وتحفظ كلِّ شيء. كلّ صورة أو مشهد تلتقطه العَيْن يحفظه دماغنا. العَيْن تختار أو تحدِّد بإرادة الإنسان ما ترغب أنْ تُشاهده وتمتنع عن مُشاهَدة ما لا ترغب فيه. ألم يَقُل السَّيِّد أنتم نورُ العالم. لأنَّ يسوع المسيح هو النُّور السَّاكن في كلِّ مؤمنٍ مِن أبناء خليقته. ينبغي ألَّا نَحْيَا إلَّا في النُّور ونشعّ نورًا وبهاءً على العالم. وإذا هَجَرْنا المسيح، ابتعدنا عن النُّور بل أقصيناه، وبالتَّالي عند انتفاء النُّور تحلُّ الظُّلمة. بالنُّورِ نُعاينُ النُّور وبالظُّلمة نُعايِنُ الظُّلمة، وبالنُّور نَحيا إنسانيَّتَنا الَّتي هي على صورة الله وبالظُّلمة نَنْزَع عنَّا هذه الصُّورة، ولا نَحْيِا الظُّلمة وحسب بل الموت.
فالمطلوب مِنَّا جميعًا أنْ تكون عيونُنا بسيطة حتّى نستطيع أن نصبح أنوارًا وبالتَّالي رُسُلًا. والعَيْنُ البسيطةُ هي الَّتي تدرك أنَّ الله هو مصدر الحياة ومُنعشُها.
شهادة الرُّسُل ودورهم في حياتنا
تحتَلُّ شهادة الرُّسُل في الوَعِي الأرثوذكسيّ مكانةً تأسيسيَّةً، لأنَّ الكنيسة ليست جماعة أفكار أو مؤسَّسة بشريَّة نشأتْ تدريجيًّا، بل هي ثمرةُ شهادة حَيَّة لأناس عايَنوا المسيح واختَبَرُوا قِيامَتَه. فالرَّسُول في المفهوم الكنسيّ ليس ناقل أخبار أو مُعَلِّمًا نظريًّا، بل شاهد على حدث الخلاص. لهذا يقول القدِّيس يوحنَّا: «الَّذي كَانَ مِنَ الْبَدْءِ، الَّذي سَمِعْنَاهُ، الَّذي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا نُخْبِرُكُمْ بِهِ» (1 يوحنا 1: 1-3). فالشَّهادة هنا قائمة على المُعاينة والاختبار والحياة.
لقد أدرك الرُّسُل أنَّ دعوتهم الأساسيَّة هي الشَّهادة للمسيح القائم. حين أراد التَّلاميذ اختيار بديل لِيَهوذا، وضعوا شرطًا جَوْهريًّا: «لِيَصِيرَ مَعَنَا شَاهِدًا بِقِيَامَتِهِ» (أعمال الرُّسُل 1: 22). فالقيامة ليست حدثًا لاهوتيًّا مجرَّدًا، بل محور الكرازة المسيحيَّة كلَّها. لذلك يقف الرَّسُول بطرس يوم العنصرة مُعْلِنًا: «فَلْيَعْلَمْ يَقِينًا جَمِيعُ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ أَنَّ اللهَ جَعَلَ يَسُوعَ هَذَا الَّذي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ رَبًّا وَمَسِيحًا» (أعمال 2: 36).
في اللَّاهوت الأرثوذكسيّ، ليست الرِّسالة عَمْلًا فرديًّا بل امتدادًا لحياة المسيح في العالم. فالرُّسُل خرجوا مِنْ خَوْف العِلِّيَّة إلى جرأة الكرازة. بطرس الَّذي أنكر صار واعِظًا، وتوما الشَّكَّاك صار مُبَشِّرًا، وشاول المضطهِد تحوَّل إلى بولس الرَّسُول. هذا التَّحوُّل يكشف أنَّ قُوَّة الشَّهادة ليست من الإنسان بل من الرُّوح القُدس: «لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا» (أعمال 1: 8).
إنَّ السُّؤال المعاصِر ليس: ماذا فعل الرُّسُل؟ بل: ما معنى شهادتهم اليوم؟ يعيش إنسانُ عصْرِنا أزمةً عميقةً: وفرة وسائل التَّواصُل تقابلها ندرة التَّواصُل الحقيقيّ، وتضخُّم المعلومات يقابله فَقْر المعنى. يستطيع المرء أنْ يَملُكَ آلاف المتابعين ويبقى وَحيدًا. هنا تظهر الرِّسالة الرَّسُوليَّة كدعوةٍ إلى شهادةِ الوُجود لا إلى ضجيج الكلام.
فالرَّسُول المعاصِر قد يكون أبًا يشهد لأولاده بالمحبَّة بدل العُنف، أو أمًّا تحفظ إيمانَ بيتها وسط ضغوط الحياة، أو قاضيًا يفضِّل العَدالة على المنفعة، أو شابًّا يرفض ثقافة الفساد رغم انتشارها. فالإنسان اليوم لا يقتنع بالمواعِظ بقدر ما يتأثَّر بالشَّهادة الحَيَّة. وهذا ما عَبَّرَ عنه الرَّسُول بولس بقَوْلِه: «أَنْتُمْ رِسَالَتُنَا مَكْتُوبَةٌ لاَ بِحِبْرٍ بَلْ بِرُوحِ اللهِ الْحَيِّ» (2 كورنثوس 3: 2-3).
نرى اليوم أمثلة مُعاصرة كثيرة: طبيب يرفض استغلال مَرْضى، موظف يرفض الرَّشوة رغم حاجته، شاب يُحافظ على الطَّهارة وَسْطَ ثقافة الاستهلاك الجسديّ، وكاهن يبقى قريبًا من النَّاس لا موظَّفًا دينيًّا.
لقد فهم آباء الكنيسة أنَّ الرُّسُل لم يتركوا مجرَّد تعليم بل سلَّمُوا حياة. لذلك يقول الآباء إنَّ التَّقليد ليس حفظ الماضي بل استمرار الرُّوح نفسه العامل في الكنيسة. فالرَّسُول لم ينتهِ بموته، لأنَّ الكنيسة مَدْعُوَّةً دائمًا أن تكون «رسوليَّة» بحسب قانون الإيمان: واحدة، جامعة، مُقدَّسَة ورسوليَّة.
مِنْ هنا تبقى شهادة الرُّسُل دعوة مفتوحة لنا: ألَّا نكون مستهلكين للإيمان بل شهودًا له. فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الجدل الدِّينيّ، بل إلى مسيحيِّين يحملون نور القيامة في أعمالهم وعلاقاتهم وحياتهم اليوميَّة. لأنَّ الرُّسُل لم يغيِّروا العالم بقُوَّة السِّلاح ولا بكثرة العدد، بل لأنَّهم عاشوا ما بَشَّروا به. وهذا هو التَّحدِّي الحقيقيّ لكلِّ مؤمنٍ اليوم.