كلمة في حفل توقيع رواية “بنت الأصول” للكاتب والاعلامي جورج معلولي
السبت في 13 حزيران 2026 –
على مسرح ثانوية يسوع الملك – الراسية – زحلة
أيّها الحضور الكرام،
نلتقي اليوم على عتبة كتابٍ ليس ككلّ الكتب، لأنّه لا يُقرأ بالعين وحدها، بل يُقرأ بالضمير، ويُختتم بسؤالٍ لا يُغادرك بسهولة: من نصّبنا قضاةً على أرواح الآخرين؟!…
جورج معلولي لم يأتِ إلى الكتابة من فراغ. فهو الإعلامي الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود يناضل من خلال الكلمة والصورة، مناصراً المرأة، ذائداً عن كرامة الإنسان، ومنتصراً لكلّ صوتٍ خُنق في زحمة المجتمع وأعرافه. ولعلّ “بنت الأصول” هي هي زبدة خلاصاته في سبره للواقع الانساني الاجتماعي.
ناديا، بطلة الرواية، ليست مجرّد شخصية روائيّة، بل هي جرحٌ جماعي مُضمَر. هي كلّ طفلٍ سمع يوماً كلمةً طعنت وجوده قبل أن يفهم معناها، وكلّ امرأةٍ حوكمت على نسبٍ لم تختره، وكلّ إنسانٍ طُرد من دوائر الانتماء لأنّه لم يُولَد على مقاسِ النموذج الذي أرساه الآخرون.
وما يجعل هذه الرواية استثنائية أنّها لا تستجدي الشفقة لبطلتها. ناديا لا تبكي كي تُحتضن، بل تصرخ ليصل صوتها ضمير الآخرين وقلوبهم ويحرك فيهم إنسانيّتهم التي أصمتتها أعراف بائدة وجائرة. وفي هذا الصراخ يُعيد الكاتب تعريف كلمة “الأصول” نفسها: فالأصل ليس دماً ولا ورقة نفوس، بل هو القيم التي نعيش بموجبها، والطريقة التي نحمل بها وجودنا في هذا العالم. الأصل هو كما يقول الشاعر ابن الوردي :
“لا تقل أصلي وفصلي ابدًا أنما اصل الفتى ما قد حصل”،
فقيمة الإنسان الحقيقية ليست في نسبه وحسبه، بل فيما يكتسبه من علمٍ وأخلاقٍ وعمل، أي في ما يصيره بجهده وتعبه وإرادته.
يكتب معلولي من خلال التزامه الإيمانيّ وبانتمائه اللبناني الأصيل، ويصوّب عدسته على مجتمعٍ يرفع شعارات الشرف في العلن، بينما يرتكب أفظع الجرائم الرمزية في الخفاء. وفي هذه المفارقة يكمن الجرح الحقيقي الذي يكشفه الكاتب: نحن مجتمعاتٌ نَمَتْ على جَلْدِ الضحية، وبَنَتْ شرعيتها بتمجيد الجلاد.
أيّها الأصدقاء، حين يكتب إعلاميٌّ مدافعٌ عن حقوق الإنسان روايته الأولى، فهو لا يُضيف عنواناً إلى سيرته، بل يُفرغ ما تراكم في وجدانه على مدى سنوات من المشاهدة والألم والرجاء. و”بنت الأصول” هي بالضبط هذا: ليست رواية كُتبت، بل رواية كانت تنتظر أن تُكتب، لأنّها تختزن عمق وجدان الكاتب وروحه وإيمانه.
فتهانينا للإعلامي والكاتب جورج معلولي، وتهانينا لكلّ من يحمل هذا الكتاب اليوم، لأنّه بذلك يحمل سؤالاً يستحق أن يُحمَل: هل يمكننا أن نكون أكثر عدلاً مما كنّا؟!…
الجواب هو: نعم، يمكننا. وهذا ما تقوله “بنت الأصول”.
والسلام…