Menu Close
240526

نشرة كنيستي

نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.

أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي

كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.

الأحد (6) بعد الفصح (آباء المجمع المسكوني الأوَّل)   

العدد 21

الأحد 24 أيَّار 2026

اللَّحن 6- الإيوثينا 10

أعياد الأسبوع: *24: آباء المجمع المسكوني الأول الـ 318 المتوشِّحين بالله المُجتمعين في نيقية، البارّ سمعان الَّذي في الجبل العجيب *25: وجود هامة السَّابق ثالثًا *26: الرَّسول كَرْبُس أحد السَّبعين، القدِّيس يعقوب بن حلفى *27: الشَّهيد في الكهنة إلَّاذيوس، القدِّيس يُوحنَّا الرُّوسيّ *28: القدِّيس إفتيشيوس أسقف مالطية، القدِّيس أندراوس المُتبالِه *29: وداع الصُّعود، الشَّهيدة ثيوذوسِيَّا، القدِّيس ألكسندروس رئيس أساقفة الإسكندريَّة *30: سبت الرَّاقدين، البارّ إسحاقيوس رئيس دير الدِّلماتن، البارّة إيبوموني.

كلمة الرّاعي 

التَّألُّه في المسيح وتعليم آباء المجمع المسكونيّ الأوَّل

 

في إنجيل هذا الأحد نسمع يسوع يرفع عينيه إلى السَّماء قائلًا:  "يا أبتِ قد أتتْ السَّاعة. مَجِّد ابنك ليُمجّدَكَ ابنك أيضًا"... هذه الصَّلاة الكهنوتيَّة تكشف لنا سِرَّ الحياة الأبديَّة: أن نعرف الآب والابن في وَحدة الجوهر والمجد، وأن ندخل نحن، بنعمة الرُّوح القدس، في هذه الشَّرِكة الإلهيَّة الَّتي تمنحنا الخلاص.

لقد شدَّد آباء المجمع المسكونيّ الأوَّل المنعَقِد في نيقية عام 325 م. على هذه الحقيقة حين أعلنوا أنَّ الابن هو "مساوٍ للآب في الجوهر، مولودٍ غير مخلوق، إلهٍ حَقّ من إلهٍ حَقّ". لم يكن هذا مجرَّد تعريف عقائديّ، بل إعلان للخلاص بهذا الإيمان، لأنَّ الَّذي يهبنا الحياة الأبديَّة لا يمكن أن يكون أقلّ من الله نفسه. فالقدِّيس أثناسيوس الكبير يقول:  "الابن صار إنسانًا لكي نصير نحن أبناء الله."  أي أنَّ مساواة الابن للآب هي الضَّمانة أنَّ خلاصنا ليس وَهْمًا، بل مُشارَكة حقيقيَّة في حياة الله بواسطة اتِّحادنا بيسوع المسيح...

*             *             *

إنَّ إعلان الكنيسة في نيقية أنَّ الابن هو مساوٍ للآب في الجوهر هو قلب إيماننا، لأنَّه يفتح أمامنا سِرَّ الخلاص. ففي صلاة المسيح الكهنوتيَّة نسمع:  "مَجِّدني أنت يا أبتِ عندك بالمجد الَّذي كان لي عندك من قبل كَوْن العالم"، وهذا يكشف أنَّ الابن ليس مخلوقًا بل هو كائنٌ مع الآب، وبالحقيقة هو مِن ذات جوهر الآب، يشترك معه في المجد الأزليّ. القدِّيس أثناسيوس الكبير، المدافع عن هذا الإيمان، يؤكِّد أنَّه  "لو لم يكن الابن هو الله بالحقيقة، لما استطاع أن يؤلّهنا". أي أنّ خلاصنا لا يمكن أن يتمّ إلَّا إذا كان المسيح هو الله نفسه، لأنَّ المخلوق لا يقدر أن يمنح الحياة الأبديَّة، فـ "باطلٌ هو خلاص الإنسان" (مز 60: 11)، و"الأَخُ لَنْ يَفْدِيَ الإِنْسَانَ فِدَاءً، وَلَا يُعْطِيَ اللهَ كَفَّارَةً عَنْهُ" (مز 49: 7).

أمَّا القدِّيس باسيليوس الكبير فقد شَبَّه علاقة الآب بالابن بالنُّور الخارج من النَّار: نورٍ من نور، دون أن ينقص الأصل أو ينفصل عنه. هذا التَّشبيه يُعلِّمنا أنَّ محبَّة الله لنا سرمديَّة، لأنَّ الابن الَّذي صار إنسانًا هو نفسه نور الآب الَّذي لا يزول. ويأتي القدِّيس غريغوريوس بالاماس ليؤكِّد أنَّ مُساواة الابن للآب تجعل الطَّاقات الإلهيَّة (Divine Energies) الَّتي يُفيضها علينا طاقاتٍ حقيقيَّة غير مخلوقة، تُدْخِلُنَا في سِرِّ التَّألُّه، أي أن نصير شركاء الطَّبيعة الإلهيَّة بالنِّعْمَة.

إذن، مساواة الابن للآب ليست فكرة نظريَّة، بل هي ضمانة خلاصنا. فهي تعني أنَّ المسيح يسوع الإنسان الَّذي مات وقام لأجلنا هو الله نفسه، القادر أنْ يرفَعَ الإنسان من الضُّعف والخطيئة إلى القُوَّة والبِرّ أي الغلبة الأبديَّة على الموت عبر اتِّحاده به. في حياتنا اليوميَّة، هذا الإيمان يُعطينا رجاءً لا يتزعزع، حينها عندما نُواجِه الألم أو الوِحدة، نتذكَّر أنَّ الَّذي معنا هو الله، وأنَّه يدعونا إلى الوَحدة معه ومع بعضنا البعض، كما صَلّى:  "ليكونوا واحدًا كما نحن"، حتَّى بقِوَاه الَّتي فينا بنعمة الرُّوح القدس ننتصر على الحزن والخَوْف واليأس بشركتنا معه ومع بعضنا البعض فيه.

*             *             *

يا أحبَّة، في حياتنا اليوميَّة، هذا التَّعليم ليس فكرة لاهوتيَّة بعيدة، بل هو نورٌ يُضيء خطواتِنا. عندما نُواجه ضعفنا أو خطايانا، نتذكَّر أنَّ المسيحَ الَّذي يرفعنا هو الله نفسه، القادر أنْ يُبَدِّلَ الموت إلى حياة واليأس إلى رجاء. وعندما نشعر بالوِحدة أو الانقسام، نسمع صوته يُصَلِّي لأجلنا:  "ليكونوا واحدًا كما نحن". فإيماننا بالابن المساوي للآب في الجوهر والألوهة يُعلِّمنا أنَّ الوَحدة ليست خيارًا بشريًّا فقط، بل هي انعكاس لشركة الثَّالوث في حياتنا، شركة الوَحدة في التَّمايُز... وهي دعوة الله لنا لنُحَقِّق إنسانيَّتنا فيه...

فلنَحيا إذًا هذا الإيمان الجوهريّ في بيوتنا وعلاقاتنا، فنطلب أنْ يكونَ فرح المسيح كاملًا فينا، وأنْ نثبت في الكلمة الَّتي حَفظها الآباء، كلمة الحياة الأبديَّة. وهكذا يصبح تعليم المجمع المسكونيّ الأوَّل ليس ذكرى تاريخيَّة، بل دعوة يوميَّة لنعيش أبناءً لله، شركاء في مجده، شهودًا لفرحه في العالم.

ومن استطاع أن يقبل فليقبل...

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

طروباريَّة القيامة (باللَّحن السَّادس)

إِنَّ القوَّاتِ الملائِكِيَّة ظَهَرُوا على قبرِكَ الـمُوَقَّر، والحرَّاسَ صَارُوا كَالأَموات، ومريمَ وَقَفَتْ عندَ القَبْرِ طَالِبَةً جَسَدَكَ الطَّاهِر، فَسَبَيْتَ الجَحِيمَ ولَمْ تُجَرَّبْ مِنْهَا، وصَادَفْتَ البَتُولَ مَانِحًا الحَيَاة، فَيَا مَنْ قَامَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ، يَا رَبُّ المـَجْدُ لَك.

طروباريَّة الصُّعود (باللَّحن الرَّابع) 

صَعِدْتَ بمَجْدٍ أيُّها المسيحُ إلهُنا، وفرَّحْتَ تلاميذّك بموعِدِ الرُّوح القُدُس، إذ أيقَنوا بالبَرَكة أنَّك أنْتَ ابنُ اللهِ المنْقِذُ العالَم.

طروباريَّة الآباء (باللَّحن الثَّامن)

أنتَ أيُّها المَسيحُ إلهُنا الفائق التَّسبيح، يا مَن أسّستَ آباءَنا القدِّيسين على الأرض كواكِبَ لامِعَة، وبهم هَدَيتنا جميعًا إلى الإيمان الحقيقيّ، يا جزيل الرَّحمة المجد لك.

قنداق الصُّعود (باللَّحن السَّادِس)

لـمَّا أَتْمَمْت التَّدبيرَ الَّذي من أجلِنا، وجعلتَ الَّذين على الأرض مُتَّحِدِينَ بالسَّمَاوِيِّين، صَعِدْتَ بمجدٍ أَيُّهَا المسيحُ إلهُنا غيرَ مُنْفَصِلٍ من مكانٍ بل ثابتًا بغيرِ افتراق وهاتِفًا بأحبَّائكَ: أنا معكم وليسَ أحدٌ عليكم.

الرِّسالة (أع 20: 16- 18، 28- 36)

مُبَارَكٌ أَنْتَ يا رَبُّ إِلَهُ آبائِنا،

فَإِنَّكَ عَدْلٌ في كُلِّ ما صَنَعتَ بِنا.

في تلكَ الأيّامِ ارتأى بولسُ أن يتجاوزَ أفَسُسَ في البحرِ لئلَّا يعرضَ له أنَ يُبطئ في آسية، لأنَّه كان يعجَلُ حتَّى يكونَ في أورشليم يوم العنصرة إنْ أمكنه. فمن ميليتس بعث إلى أفسس فاستدعى قسوس الكنيسة. فلمَّا وصلوا إليه قال لهم: اِحذَروا لأنفسكم ولجميع الرَّعِيَّة الَّتي أقامكم الرُّوح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله الَّتي اقتناها بدمه. فإنِّي أعلم هذا، أنَّه سيدخل بينكم بعد ذهابي ذئابٌ خاطفة لا تشفق على الرَّعِيَّة، ومنكم أنفسكم سيقوم رجال يتكلَّمون بأمورٍ مُلتَوِيَة ليجتذبوا التَّلاميذ وراءَهم. لذلك اسهروا متذكِّرين أنَّي مُدَّةَ ثلاث سنين لم أكفُفْ ليلًا ونهارًا أنْ أنصح كلَّ واحِدٍ بدموع. والآن أستودعكم، يا إخوتي، الله وكلمة نعمته القادرة أن تبنيكم وتمنحكم مع جميع القدِّيسين ميراثًا. إنِّي لم أشتهِ فِضَّةَ أو ذهب أو لباس أحد. وأنتم تعلمون أنَّ حاجاتي وحاجات الَّذين معي خدمتها هاتان اليدان. في كلِّ شيءٍ بيَّنتُ لكم أنَّه هكذا ينبغي أنْ نتعب لنُساعد الضُّعفاء وأنْ نتذكَّر كلامَ الرَّبّ يسوع، فإنَّه قال: إنَّ العطاء مغبوطٌ أكثر مِنَ الأخذ. ولـمَّا قال هذا جَثا على رُكْبَتَيْه مع جميعهم وصَلَّى.

الإنجيل (يو 17: 1- 13)

في ذلكَ الزَّمانِ رَفَعَ يسوعُ عينيِهِ إلى السَّماءِ وقالَ: يا أبَتِ قد أتَتِ السَّاعَة. مَجِّدِ ابنَك ليُمَجّدَكَ ابنُكَ أيضًا، كما أعطيتَهُ سُلطانًا على كلِّ بَشَرٍ ليُعطيَ كُلَّ مَن أعطيتَه لهُ حياةً أبديّة. وهذه هي الحياة الأبديَّةُ أن يعرفوكَ أنتَ الإله الحقيقيَّ، والَّذي أرسلتَهُ يسوعَ المسيح. أنا قد مجَّدتُكَ على الأرض. قد أتممتُ العملَ الَّذي أعطَيتَني لأعمَلَهُ. والآنَ مَجِّدْني أنتَ يا أبتِ عندَكَ بالمجدِ الَّذي كان لي عندك مِنْ قَبْلِ كَوْنِ العالَم. قد أعلنتُ اسمَكَ للنَّاس الَّذينَ أعطيتَهم لي منَ العالم. هم كانوا لكَ وأنْتَ أعْطَيْتَهم لي وقد حَفِظُوا كَلامَك. والآنَ قد عَلِمُوا أنَّ كُلَّ ما أعطيتَهُ لي هو منك، لأنَّ الكلامَ الَّذي أعطيتَهُ لي أعطيتُهُ لهم. وهُم قبلوا وعَلِموا حقًّا أنِّي منكَ خَرجْتُ وآمنوا أنَّك أرسلتني. أنا من أجلهم أسأل. لا أسأل من أجل العالم بل من أجل الَّذينَ أعطيتَهم لي، لأنَّهم لك. كلُّ شيءٍ لي هو لكَ وكلُّ شيءٍ لكَ هوَ لي وأنا قد مُجّدتُ فيهم. ولستُ أنا بعدُ في العالم وهؤلاء هم في العالم. وأنا آتي إليك. أيُّها الآبُ القدُّوسُ احفظهم باسمك الَّذينَ أعطيتَهم لي ليكونوا واحدًا كما نحن. حينَ كُنتُ معهم في العالم كُنتُ أحفَظُهم باسمك. إنَّ الَّذينَ أعطيتَهم لي قد حَفِظتُهم ولم يَهلِكْ منهم أحدٌ إلا ابنُ الهلاك لِيتمَّ الكتاب. أمَّا الآنَ فإنِّي آتي إليك. وأنا أتكلَّمُ بهذا في العالَمِ ليكونَ فرَحي كاملًا فيهم.

حول الرِّسالة والإنجيل

يكشف لنا المقطعان من أعمال الرُّسُل (20: 16-18، 28-36) وإنجيل يوحنَّا (17: 1-13) عن جوهر الخدمة الكهنوتيَّة في الكنيسة:

السَّهَر على القطيع في اتِّحادٍ حَيٍّ مع المسيح. يُوصي الرَّسُول بولس الكهنة: «احتَرِزُوا لأنفسكم ولجميع الرَّعيَّة» (أع 20: 28)، واضعًا أساس الخدمة في اليقظة الداخليَّة قبل أيّ عملٍ خارجيّ. فالحارس الَّذي لا يسهر على نفسه لا يستطيع أن يحفظ الآخرين.

في إنجيل يوحنَّا، نسمع صلاة المسيح الكهنوتيَّة، حيث يرفع الرَّبُّ عينيه إلى الآب ويقول: «قد مجَّدتُك على الأرض» (يو 17: 4). هنا يظهر أنَّ مجد الله يتحقَّق في الطَّاعة والمحبَّة والبذل. المسيح لا يطلب نجاة تلاميذه من العالم، بل حفظهم في الحَقِّ: «قدِّسهم في حقِّكَ» (يو 17: 17)، أي في الكلمة والحياة الإلهيَّة.

يربط القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم بين هذَيْن النَّصَّيْن، مؤكِّدًا أنَّ الرَّاعي الحقيقيّ «يبذل نفسه عن الخراف» مُقتديًا بالمسيح، لا طالبًا مجده الشَّخصيّ بل خلاص شعبه. ويُضيف القدِّيس غريغوريوس اللَّاهوتيّ أنَّ «تطهير النَّفْس هو الشَّرط الأوَّل لمن يريد أنْ يطهِّر الآخَرين»، مُشدِّدًا على أنَّ الخدمة تبدأ من التَّوْبة والاتِّحاد بالله.

هكذا، تُفهَم الرِّعايَة الكنسيَّة كامتدادٍ لصَلاة المسيح، حيث يدخل الكاهن في شفاعَةِ الرَّبّ، حاملًا شعبه أمام الآب. إنَّها دعوة للسَّهَر، للمحبَّة المضحيَّة، وللحياة في الحَقّ، لكي يتمجَّد الله في الكنيسة ويُحفظ المؤمنون في اسمه.

المسيح قام! حقًا قام!

مَن هم أباء المجمع؟

تُعَيِّد الكنيسة الأرثوذكسيَّة اليوم لآباء المجمع المسكونيّ الأوَّل المنعَقِد في 21 أيَّار سنة 325 في مدينة نيقيّة والَّذي أعلن مناهضته لتعليم آريوس وأوضح التَّعليم الصَّحيح حول الأقنوم الثَّاني للثَّالوث الأقدس: "الابن هو إلهٌ حَقّ مِن إلهٍ حَقّ، مَوْلودٍ غيرِ مَخلوق، وهو مِن نَفْسِ جوهر الآب" وكذلك أنَّه "تجسَّد من الرُّوح القدس ومن مريم العذراء، وصار إنسانًا". واعتَبَر هذا المجمع أنَّ دستور الإيمان المُعلَن (حتّى: "وبالرُّوح القدس") هو ما تسلَّمته الكنيسة من الرَّبّ يسوع ورسله القدِّيسين وعاشته.

وقد شارك في هذا المجمع قدِّيسون مُعتَرفون ذاقوا العذابات مِن أجل ألَّا يَشوب هذا الإيمان أيّ تَشْويه ممَّا أتَتْ به الهرطقات وبخاصَّةٍ هرطقة آريوس الَّتي كانت تُنادي بولادة الابن مِن العَدَم وعدم مساواته للآب في الجوهر.

إنَّ قدِّيسي آباء هذا المجمع كانوا رافضين لتعليم آريوس انطلاقا من الخطر النَّاجِم من هذا التَّعليم فيما يتعلَّق بموضوع خلاص الجنس البشريّ. واعتبروا أنَّ المَساس بشخص الابن هو بحدِّ ذاته مساس بشخص الآب. فإنْ لم يكن الابن أزليّ وبالتّالي الآب كذلك، يُصبح الآب بهذا قابِلًا للتَّحوُّل، والمتحوِّل قابلٌ للموت، فمخلوقيَّة الابن تنزع عنه صفاته بأن يكون هو الحقّ والحياة وغافر ذنوب البشر. وبالتَّالي طبيعتنا تكون قد اتَّحدت بمخلوقٍ آخَر وبذا فعمليَّة التَّألُّه تنهار وينهار معها خلاص كلّ البشرية.

الآباء المشاركون بالمجمع أتوا وعليهم آثار الضِّيقات والاضطهادات، منهم مَن اقتُلِعَتْ عيونهم أو كُسرَتْ أيديهم أو سيقانهم أو نالوا من الشِّرِّير ما تفنَّن فيه من أدوات التَّعذيب. ومِن أبرزهم: القدِّيس أثناسيوس الرَّسوليّ وكان حينها شمَّاسًا لأسقف الإسكندريَّة ألكسندروس ومُرافِقًا له، القدِّيسين نيقولاوس أسقف ميرا واسبيريدون أسقف تريميثوس العجائبيَّين، القدِّيس مكاريوس أسقف أورشليم، القدِّيس بفنوتيوس الصَّعيديّ، ويعقوب النَّصيبيني، والبطريرك إفستاثيوس الأنطاكيّ، والكاهنين ثيتون وفيكنديوس مندوبا سلفستروس بابا روما. وقد ترأَّس هذا المجمع، الَّذي دعى إليه الملك قسطنطين الكبير، أوسيوس أسقف قرطبا في اسبانيا. وكان عدد آباء المجمع 318 عدا عدد وافر من الكهنة والشَّمامسة. وكان الهَمّ الأوَّل والأخير أن يكونوا شهودًا حقيقيِّين للمسيح وأن يسلِّموا للمؤمنين ما تسلَّمته الكنيسة بأمر الرَّبّ. ألَا جعلنا الله أمناء لتعليمه حُبَّا بالبشر. آمين

آباء المجمع المسكونيّ الأوّل

المطران جورج خضر

(…) عندما نعلن إيماننا بالمسيح الظَّافر الصاعد الجالس عن يمين الآب، فإنّنا نقول بذلك «إنّنا مَفديّون وإنّنا محبوبون». المسيحيّون يعلمون أنّ الناس كلّهم محبوبون، هذا هو السرّ الذي ننفرد به نحن أو الذي شدّدْنا عليه مثلما لم يُشدّد آخر، الناس يعلمون أنّ لهم ربًّا هناك فوق النجوم، وأمّا نحن فنعلم أنّ ربّنا هنا الآن معنا وفي وجودنا ونعلم أنّنا ذاهبون إليه، وتاليًا نعلم أنّنا ملتصقون به ولهذا عندما قام هؤلاء الآباء الثلاثمائة والثمانية عشر. عندما قام هؤلاء الآباء وناضلوا وناضل غيرهم مدّة قرن من الزمن حتّى ينتصر الإيمان الأرثوذكسيّ على البدع، كانوا يناضلون حتّى يعلنوا أنّ الله قريب وأنّ الله يفدي وأنّ هذا الذي عُلَّق على الخشبة فإنّما هو الربّ، لأنّ المسيح إنْ لم يكن إلهًا فنحن غير مفديّون ولم يمت أحد من أجلنا، ونحن ما نزال في عزلتنا وما نزال في حزننا. القضيّة ليست أنّ دينًا يقول هذا ودينًا يقول شيئًا آخر- القضية ليست خلافًا حول آراء. القضيّة أعمق من هذا بكثير، القضيّة أن تعرف أنّك محبوب وأنّك مخلَّص أو أنّك غير محبوب وغير مُخلَّص.

هل أنت حاصل الآن على النعمة وعلى العطاء وعلى الألوهيّة في نفسك، وعلى الانتعاش في روحك وعلى النور في عينيك؟ هل أنت جليس الله ومعادل لله، أم لا؟ نحن نؤمن بأنّنا عُشراء الله لأنّ واحدًا منّا جلس عن يمين الآب، فإذًا نحن جميعًا مخطوفون في مواكب الربّ.

(من أرشيف نشرة رعيَّتي)