مجلة الوسيلة –عدد الفصح 2026
المتروبوليت أنطونيوس (الصوري)- متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما للرّوم الأرثوذكس
عيد الفصح والعبور إلى حياة أفضل
كلمة “فصح” في أصلها العبري تعني عبور. وقد ارتبطت أولًا بحدث خروج الشعب العبراني من مصر، حيث تحرر من عبودية فرعون وسار نحو أرض الميعاد. لكن مع مجيء المسيح، اتضح أن هذا العبور لم يكن سوى رمزٍ لعبور أعظم: العبور من عبودية الشر والخوف إلى حرية أبناء الله، ومن الموت إلى الحياة.
كان اليهود يعتبرون أرض الميعاد قطعة أرض محددة، لكن المسيح كشف لنا أن الأرض الحقيقية هي أورشليم الجديدة النازلة من السماء، أي ملكوت الله الذي يُستعلن في النهاية. كما يقول الرسول بولس: “لَيْسَ لَنَا هُنَا مَدِينَةٌ بَاقِيَةٌ، لكِنَّنَا نَطْلُبُ الْعَتِيدَةَ” (عب 13:14). هكذا يصبح الفصح المسيحي إعلانًا أن غاية الإنسان ليست مكانًا جغرافيًا، بل حياة جديدة في حضرة الله.
فصح العبرانيين كان تحريرًا من عبودية فرعون، أما فصح المسيح فهو تحرير البشرية من عبودية الخطيئة والشر. في العهد القديم، ربط موسى بين الطاعة للوصايا والبقاء في الأرض (تثنية 11:8-9)، وأوضح سفر اللاويين أن الطاعة تجلب السلام والخصب، بينما العصيان يجلب السبي والخراب (لاويين 26). أمّا في العهد الجديد، فقد صار المسيح نفسه فصحنا، إذ عبر بنا من الموت إلى الحياة، ومن اللعنة إلى البركة.
* * *
كيف نعيش الفصح اليوم؟
أن نكون “قياميين” يعني أن نترجم القيامة إلى حياة يومية ملموسة:
- الطاعة الداخلية: أن نعيش بحسب الإنجيل فنختبر سلامًا داخليًا لا ينتزعه اضطراب.
- المسؤولية الجماعية: كما وقف الشعب بين جرزيم وعيبال، نحن أيضًا مدعوون أن نعيش الإيمان كجماعة متماسكة.
- الاختيار اليومي: كل يوم هو وقوف بين البركة واللعنة، بين الطاعة والعصيان.
- الرجاء في المسيح: هو الذي حمل لعنة الصليب ليمنحنا بركة القيامة، ويهبنا نعمة الروح القدس لنكون أدوات خلاص وتجديد في العالم.
هذا كله يُختصر بكلمة التوبة: أن نتحرك من الظلمة إلى النور، من الكبرياء إلى التواضع، ومن الكراهية إلى المحبة، حتى نصل إلى محبة الأعداء التي هي مقياس مسيحيتنا الحقيقية.
* * *
الحروب والاضطرابات التي نشهدها اليوم هي ثمرة فقدان الإنسان لإنسانيته، حين يعبد ذاته ويتسلّط على غيره. لكن المسيح غيّر المعادلة: حوّل الموت إلى حياة أبدية، والظلم إلى عدل إلهي، والذلّ إلى مجد لا يزول. القيامة هي إعلان أن الشر ليس الكلمة الأخيرة، بل أن الله حاضر ليقيم الحياة من القبور.
قال المسيح: “أنا أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل” (يو 10:10). هذه الحياة الأفضل تبدأ فينا نحن، حين نتحد به بالإيمان ونمتلئ بنعمة الروح القدس. عندها نصير شهودًا للقيامة في العالم، نزرع الرجاء بدل اليأس، ونبني السلام بدل العنف، ونُدخل الملكوت إلى واقعنا اليومي.
في يوم القيامة المجيد نهتف: “المسيح قام من بين الأموات، ووطئ الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور.” إنه قام، وأنهضنا معه، وبنا الخليقة كلها إلى الأبد. القيامة ليست مجرد ذكرى، بل هي قوة إلهيَّة تُغيّر حياتنا وتفتح أمامنا أفقًا جديدًا: أفق العبور إلى حياة أفضل... وبشريّة أكثر إنسانيَّة عبر التّشبُّه بالمسيح يسوع…