نشرة كنيستي
نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.
أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي
كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.
الأحد (1) بعد الفصح (توما الرَّسُول)
العدد 16
الأحد 19 نيسان 2026
أعياد الأسبوع: *19: تجديد قيامة المسيح وتفتيش القدِّيس توما الرَّسول، الشَّهيد في الكهنة بفنوتيوس *20: البارّ ثيوذوروس الشِّعريّ، القدِّيس أنستاسيوس بطريرك أنطاكية المعترف، زكّا العشَّار *21: الشَّهيد في الكهنة ينواريوس ورفقته، القدِّيس أنستاسيوس السِّينائيّ *22: القدِّيس ثيوذوروس السِّيقيّ، الرَّسول نثنائيل *23: العظيم في الشُّهداء جاورجيوس اللَّابس الظَّفَر *24: البارَّة أليصابات العجائبيَّة، الشَّهيد سابا *25: الرَّسول مرقس الإنجيليّ.
كلمة الرّاعي
أحد توما: من الشَّكِّ إلى الإيمان الحَيّ
"لا تَكُنْ غيرَ مُؤمنٍ بَل مؤمنًا" (يو 20: 27)
في الأحد الَّذي يَلي الفصح المجيد، تُعَيِّد الكنيسة المقدَّسة أحد توما الرَّسول، حيث يُقرأ الإنجيل الَّذي يَروي ظهور الرَّبّ القائم لتلاميذه، وغياب توما عن اللِّقاء الأوَّل، ثمَّ حضوره في اللِّقاء الثَّاني بعد ثمانية أيَّام، حين لمس الجراح وأعلن إيمانه قائلًا: "رَبِّي وَإِلَهِي" (يو 20: 28). أهمِيَّة هذا الحَدَث أنَّه وقع في تاريخٍ مُحَدَّد ولِكَوْنِه أيقونة روحيَّة تكشف لنا عن مسيرة الإيمان من الشَّكّ إلى اليَقين، وعن ضعف الإنسان وقوَّة فعل نعمة الله فيه، وعن التَّحوُّل الكيانيّ المدعو إليه كلّ مؤمن عبر اختبار حقيقة قيامة الرَّبّ في حياته وفي الكنيسة...
القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم يَرى في توما صورة للإنسان الَّذي يحتاج إلى علامات مَلْموسة ليؤمن، فيقول إنَّ الرَّبَّ لم يرفض طلبه بل تنازل له بمحبَّةٍ، لكي يثَبِّت إيمان الجميع. هنا يظهر أنَّ الشَّكَّ ليس خطيئة بِحَدِّ ذاته، بل يمكن أن يكون مدخلًا إلى الإيمان الأعمق إذا ترافق مع صدق البحث. المطران جورج خضر يُعَلِّق قائلًا: "المسيحيَّة لا تُبنى على القهر أو الإلغاء، بل على حرِّيَّة القلب الَّذي يختار أن يؤمن". فتوما لم يُقصَ من الجماعة بسبب شَكِّه، بل بقي تلميذًا، والرَّبُّ نفسه جاء ليُجيب على حاجته.
القدِّيس غريغوريوس الكبير يكتب أنَّ توما، بِلَمْسِه الجراح، شفى جراح شَكِّه. فالجرح الَّذي بدا علامةَ موت صار علامة حياة. ألكسندر شميمن، في كتابه "من أجل حياة العالم"، يربط هذا الحدث بِسِرِّ الكنيسة، حيث يُعطى المؤمن أنْ يلمس المسيح القائم في الأسرار، خصوصًا في الإفخارستيَّا: "الإيمان المسيحيّ ليس فكرةً عقليَّةً، بل خبرة ملموسة يعيشها المؤمن في جسد المسيح السِّرِّيّ". فالإيمان هنا يتحوَّل من مُجَرَّد نظريَّة إلى لقاءٍ حَيّ بين الإنسان والرَّبّ النَّاهض من بين الأموات...
* * *
الكنيسة رتّبت أن يُقرأ هذا الإنجيل في الأحد الأوَّل بعد الفصح لتؤكِّد أنَّ القيامة ليست حَدَثًا عابِرًا، بل بدايةَ زمنٍ جديد. ثمانيَة أيَّامٍ بعد الفصح تُشير إلى اليوم الثَّامن، أي الزَّمن الأبديّ الَّذي دشَّنه المسيح بقيامته. المطران جورج خضر يكتب: "الأحد الجديد هو امتدادٌ للفصح، حيث يُدعَى المؤمن أنْ يعيش القيامة لا كَذِكرى، بل كحياةٍ يَوْميَّة". أمَّا الأب ألكسندر شميمن فيرى أنَّ أحد توما هو دعوة إلى أن نتحوَّل نحن أيضًا من مجرَّد مستمعين إلى شهود، من متفرِّجين إلى مشاركين في سرِّ القيامة.
مِنَ اللَّافِتْ أنَّ توما لم يَلْتَقِ الرَّبّ منفردًا، بل في وسْط الجماعة. هذا يذكِّرنا أنَّ شهادةَ الإيمان الأرثوذكسيّ بالقيامة جماعيَّة، وأنَّ الاعتراف بها يجب أن يكون جماعيًّا وشخصيًّا في وسط الجماعة. القدِّيس كيرلُّس الإسكندريّ يُشَدِّد على أنَّ حضور المسيح يتمُّ في الكنيسة، حيث يجتمع المؤمنون حول الكلمة والأسرار. لذلك، فإنَّ الشَّكَّ يُشفى في الجماعة، والإيمان يُعلَن في الجماعة، والقيامة تُختَبَر في الجماعة... كما تُختَبَر هذه كلِّها على الصَّعيد الفرديّ. فخبرة الفرد ولمسه لحقيقة قيامة الرَّبّ على الصَّعيد الشَّخصيّ تنمّي إيمان الجماعة، وخبرة الجماعة للقيامة تثبّت إيمان الفرد...
* * *
في زمننا المعاصر، حيث يكثر الشَّكّ والبحث، يعلِّمنا توما الرَّسُول أنَّ الله لا يخاف من أسئلتنا ولا يرفضها مهما كانت هذه الأسئلة، لا أسئلة محرَّمة أمام الله، بل كلُّ ما يشغل بال الإنسان مشروع طرحه والسُّؤال عنه لإيجاد الجواب اليَقين. لذلك، يقترب الله منَّا لِيُحَوِّل أسئلتنا له إلى إعلان إيمان. المطران جورج خضر يقول في إحدى عظاته: "المسيحيَّة ليست دين الإجابات الجاهزة، بل هي لقاءٌ حَيٌّ مع المسيح القائم"، وشميمن يُضيف أنَّ القيامة ليست فكرة فلسفيَّة، بل هي خبرة وُجوديَّة تُغَيِّر الإنسان من الدَّاخل. لذلك، فإنَّ أحد توما هو دعوة لكلِّ واحدٍ منَّا أن يضع إصبعه في جراح المسيح من خلال جراح العالم، وفي ألم المسيح من خلال آلام الآخَرين، ليكتشف هناك حضور المسيح القائم والشَّافي الجراح والمعَزّي من الألم والغالب الشِّرِّير...
* * *
يا أحبَّة، أحد توما هو عيد الإيمان الَّذي يوُلَد من الشَّكِّ الصَّادق، وعيد الحُرِّيَّة الَّتي توُلَد من الثَّوْرة على الذَّات والإنسان العتيق الَّذي فينا، وعيد الكنيسة-جسد المسيح وجماعة الإيمان الواحد "المسلَّم مرَّة للقدِّيسين" (يهوذا 1: 3) الَّتي تعيش القيامة خبرة حياةٍ يوميَّة. إنَّ صرخة اعتراف توما "رَبِّي وإلهي" هي هتاف اعتراف الكنيسة كلِّها، وهي صرخة كلّ مؤمن يلتقي المسيح في سِرِّ الإفخارستيَّا وفي حياة الجماعة وفي مَخدعه. فلنفتح قلوبنا لنستقبل النُّور الَّذي لا يَغْرُب، ولنَدعو الرَّبَّ أن يأتي إلينا ويُحَوِّل شكوكَنا إلى يَقين، وجراحنا إلى خبرةِ شفاء، وموتنا عن الخطيئة إلى تذوُّق للقيامة العامَّة، لكي نكون شهودًا أمناء لحقيقة قيامته المجيدة في عالمٍ عطشانٍ إلى الرَّجاء والسَّلام والفرح والمحبَّة...
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع...
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
طروباريّة القيامة (باللَّحن الخامس)
المسيحُ قامَ من بينِ الأموات، ووَطِئَ الموتَ بالموتِ، ووَهَبَ الحياةَ للَّذينَ في القُبُور.
طروباريَّة الأحد الجديد (بِاللَّحْنِ السَّابع)
إذْ كان القبرُ مختومًا أشرقْتَ منهُ أيُّها الحياة. ولمَّا كانَتِ الأبوابُ مُغْلَقَة، وافيْتَ التلاميذَ أيّها المسيحُ الإلهُ قيامةُ الكلّ. وجدَّدْتَ لنا بهم روحًا مستقيمًا، بحسبِ عظيمِ رحمتك.
قنداق الرَّسول توما (باللَّحن الثَّامِن)
باليَمِين الوَادَّةِ التَّفتيش أيُّها المسيح الإله، فَتَّشَ توما جنبَكَ الواهِبَ الحياة، لأنَّك حينَ دَخَلْتَ والأبوابُ مُغْلَقَة، هتَفَ إليْكَ مع بَقِيَّة التَّلاميذ صارخًا: "أنتَ رَبِّي وإلهي".
قنداق العيد (باللَّحن الثَّامن)
وَلَئِنْ كُنْتَ نَزَلْتَ إلى قبرٍ يا مَن لا يموت، إِلَّا أَنَّكَ دَرَسْتَ قُوَّةَ الجحيم، وقُمْتَ غالِبًا أَيُّها المسيحُ الإله، وللنِّسوَةِ حامِلاتِ الطِّيبِ قُلْتَ افْرَحْنَ، ولِرُسُلِكَ وَهَبْتَ السَّلام، يا مانِحَ الواقِعِينَ القِيَام.
الرِّسالة (أع 5: 12-20)
عظيم هو ربُّنا وعظيمة هي قوَّته
سبِحوا الرَّبَّ فإنَّه صالِحٌ
في تلكَ الأيّام جَرَتْ على أيدي الرُّسُل آياتٌ وعَجائبُ كثيرةٌ في الشَّعب. (وكانوا كلُّهُم بِنَفْسٍ واحِدَةٍ في رِواقِ سُليمان، ولم يكُنْ أحَدٌ من الآخَرينَ يَجترِئُ أنْ يُخالِطَهُمْ. لكنْ كانَ الشَّعبُ يُعظِّمُهمُ. وكانَ جماعاتٌ مِنْ رجال ونِساء ينضَمُّونَ بِكَثَرَة مُؤمِنينَ بالرَّبِّ) حتّى إنَّ النّاسَ كانوا يَخرُجونَ بالمَرضى إلى الشَّوارِع ويضعونهُم على فرُشٍ وأَسِرَّةٍ ليَقَعَ ولَوْ ظِلُّ بطرسَ عنِدَ اجتيازِهِ على بعْضٍ منهم. وكانِ يجْتمِعُ أيضًا إلى أورَشَليمَ جُمهورُ المدُنِ الَّتي حَوْلَها يَحمِلون مرضى ومعذّْبينَ مِنْ أرواح نَجِسة. فكانوا يُشفونَ جَميعُهُم. فقامَ رئيسُ الكهَنةِ وكلُّ الَّذينَ معهُ وهُمْ مِن شيعَةِ الصّدُّوقِيّينَ، وامتلأوا غَيرةً، فألقوا أيدِيَهُم على الرُّسُلِ وجَعَلوهُم في الحبسِ العامّ، ففَتَحَ ملاكُ الرَّبِّ أبوابَ السِّجنِ ليلًا وأخرَجَهُم وقالَ امْضُوا وَقفِوا في الهيكلِ وكَلِّموا الشَّعبَ بِجميع كلِماتِ هذه الحياة.
الإنجيل (يو 20: 19-31)
لمّا كانت عَشيَّة ذلِكَ اليومِ، وَهُوَ أوَّلُ الأُسبوع، والأَبوابُ مُغلَقةٌ حيثُ كانَ التّلاميذُ مجتمِعينَ خوفًا مِنَ اليهودِ، جاءَ يسوعُ ووقفَ في الوَسْط وقالَ لَهم: السَّلامُ لكم. فلمَّا قالَ هذا أراهم يَدَيهِ وجَنبَهُ. ففرِحَ التّلاميذُ حينَ أبصَروا الرَّبَّ. وقال لهم ثانيةً: السَّلامُ لكم. كما أرسَلني الآبُ كذلكَ أنَا أرسِلُكم. ولمّا قالَ هذا نَفَخَ فيهم وقالَ لهم خذوا الرُّوحَ القُدُسِ، مَن غفرتُم خطاياهم تُغْفَرُ لهم، ومَن أمسكتم خطاياهم أُمسِكَتْ. أمَّا توما أحَدُ الاثنيَ عشرَ الَّذي يقالُ لهُ التَّوْأَمُ فلم يكنْ معَهم حينَ جاءَ يسوع. فقالَ لهُ التّلاميذُ الآخرونَ إنَّنا قد رأيْنا الرَّبَّ. فقالَ لهُم إنْ لم أُعايِنْ أثرَ المساميرِ في يدَيْهِ وأضَعْ إصبَعي في أثرِ المساميرِ وأضَعْ يدي في جَنبِهِ لا أُومنِ، وبعدَ ثمانيةِ أيّامٍ كانَ تلاميذهُ أيضًا داخِلًا وتوما معَهم، فأتى يسوُعُ والأبوابُ مُغلقَة، ووقفَ في الوَسْطِ وقالَ: السَّلامُ لكم. ثمَّ قالَ لتوما: هاتِ إصبَعَكَ إلى ههنا وعَاينْ يَدَيَّ. وهاتِ يَدَكَ وضَعها في جَنبي، ولا تَكُنْ غيرَ مُؤمنٍ بَل مؤمنًا.
أجابَ توما وقالَ لهُ رَبِّي وإلهيِ. قالَ لهُ يسوعُ لأنَّكَ رأيتني آمنت. طوبىَ للَّذينَ لَمْ يَرَوا وآمنَوا. وآياتٍ أُخرَ كثيرةً صَنَعَ يسوعُ أمامَ تلاميذِهِ لم تُكتَبْ في هذا الكتاب، وأمَّا هذهِ فقد كتبَتْ لتُؤمِنوا بأنَّ يسوعَ هو المسيحُ ابنُ الله، ولكي تكونَ لكم إذا آمنتم حياةٌ باسمِهِ.
حول الرِّسالة
(١٢-١٣): هذه المعجزات والعجائب والآيات كانت تحقيقًا لِوَعد المسيح للتَّلاميذ والرُّسُل تابعيه: "وهذه الآيات تتبع المؤمنين يخرجون الشَّياطين باسمي ويتكلَّمون بألسنةٍ جديدةٍ، يحملون حَيَّاتٍ وإنْ شربوا شيئًا مُميتًا لا يَضُرُّهم ويضعون أيديهم على المرضى فيبرأون" (مرقس ١٦: ١٧-١٨). ومع كلِّ هذا لم يجسر أحدٌ أن يلتصق بهم (بالرُّسُل) خوفًا من تجسُّس خُدَّام الهيكل وخاصَّةً الفَرِّيسيِّين منهم "ولكن مع ذلك آمن به كثيرون من الرُّؤساء أيضًا غير أنَّهم بسبب الفَرِّيسيِّين لم يعترفوا به لئلَّا يصيروا خارج المجمع لأنَّهم أحبُّوا مجدَ النَّاس أكثر مِن مَجدِ الله" (يوحنَّا ١٢: ٤٢-٤٣).
(١٤-١٦): هنا تظهر بوضوح حركة الكنيسة بنشاطٍ مع انتشار الإيمان بفاعليَّة عمل الرُّوح القدس في الكنيسة. بقُوَّة الرُّوح القدس هذا كان ظِلُّ بطرس يشفي المرضى، والمآزر والمناديل الَّتي كان يُؤتى بها من جسم بولس كانت تُبرئ السُّقماء. على هذا المفهوم نحن في الكنيسة نُكرِّم عظام وبقايا وذخائر القدِّيسين والشُّهداء لأنَّها ممتلئة بنعمة الرُّوح القدس وقادرة على اجتراح المعجزات كما حدث مع عظام أليشع الَّتي أقامت ميتًا في العهد القديم.
(١٧-١٨): مقابل عمل الرُّوح القدس كان الشَّيطان عَدُوُّ الخير يُهَيِّج ويُحَرِّك أتباعه ليضطهدوا التَّلاميذ لأنَّ إيمان الشَّعب بتعاليمهم واتِّباعهم للمسيح سيُقَلِّل دَخْل الهيكل. (حبس العَامَّة): هو المكان الَّذي كان يوضع فيه أشَرّ المجرمين (لوقا ١٢:٢١) .
(١٩-٢٠): السَّماء مفتوحةً والله قادرٌ أنْ يُحافِظَ على رجاله وشهوده ويحرِّرَهم في أيِّ لحظةٍ وفي أيِّ مكان كانوا فيه. وكما أرسَلَ الله مَلاكه في العهد القديم لِيَسُدَّ أفواه الأسود كي لا تنقض على النَّبيّ دانيال وكما أرسل ملاكه لِيُنقِذَ الفِتيَةَ الثَّلاثة حنانيَّا وعازريَّا وميصائيل من نارِ الأتون هكذا فعل وأرسل ملاكه ليُخْرِجَ الرُّسُل من السِّجْنِ ويحرِّرَهم ليُكملوا رسالةَ التَّبشير مُجَدَّدًا".
توما الرَّسُول
اليوم، وفي غمرة القيامة، تُعَيِّد كنيستنا المقدَّسة، للقدِّيس توما الرَّسُول، إلى جانب تذكاره السَّنويّ في 6 تشرين الأوّل. توما وجْهٌ يُمثِّل الكثيرين مِنَّا، ولَعَلَّهُ يُمثِّل الكلّ، وكأنَّ الإيمان والشَّك مُترافقان في الحياة.
توما كان صورةً عن كلٍّ منّا، شَكَّهُ ثبَّتَ قيامة المسيح، وثبَّتَ إيماننا بهذه القيامة.
إنَّ صرخة توما: «إِنْ لَمْ أُبْصِرْ... وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ، لَا أُومِنْ» (يو 20: 25)، لا تُعَبِّر عن رفضه للقيامة، بل عن تَوْقِهِ الصَّادق لمُعايَنَة يسوع المسيح القائم من بين الأموات. الَّذي ثبَّتَ إيمانه، وإيمانّ البشريَّة كلِّها عندما قال له: «هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا... وَلَا تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِنًا» (يو 20: 27). في هذا اللِّقاء، يبلغ توما ذروة الإيمان حين هتف: «رَبِّي وإلهي!» (يو 20: 28)، إنَّه اعترافٌ صريح بألوهِيَّة المسيح، نابعٌ من اِختبارٍ شَخصيّ، وإيمانٍ راسخٍ ، ومباشر للنُّور الإلهيّ.
يرى القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم، أنَّ المسيح لم يرفض شَكَّ تُوما، بل قَبِلَه كوَسيلةِ إعلانٍ، مُحَوِّلًا إيَّاه إلى برهانٍ حَيٍّ للقيامة، لكي يتبدِّدَ الشَّكَّ من قلوب المؤمنين. كما يقول القدِّيس كيرلُّس الإسكندريّ أيضًا، أنَّ توما لم يَشُكّ بدافع الرَّفْض، بل بدافع الرَّغبة في التَّثبُّت. وكذلك القدِّيس غريغوريوس الَّذيالوغوس، يرى أنَّ شكَّ توما أفاد الكنيسة، أكثر ممَّا أفادها إيمانُ التَّلاميذ السَّريع، إذْ أتاحَ اختبارًا ملموسًا، صار أساسًا لشهادةٍ رسوليَّةٍ راسِخَة.
يَظْهَر ثباتُ توما في الإيمان أيضًا، حين قال للتَّلاميذ سابقًا: "لنذهب نحن أيضًا لكي نموت معه" (يو 11: 16). مُشيرًا إلى استعداده، لمرافقة السَّيِّد حتَّى الصَّليب. وهذا يكشف عُمْقَ ِالتزامه، ويؤكِّد أنَّ شَكَّهُ لم يَكُن ضُعفًا في المحبَّة، بل بَحْثًا عن يَقينٍ يُوازي هذه المحبَّة.
تقول لنا الكنيسة: نحن نؤمن بسببِ شَكِّ توما، ونؤمن بسبب عودته. لذلك بارَكَ الرَّبَّ هذا المسار بقوله: "طوبى للَّذين آمَنوا ولم يَرَوْا" (يو 20: 29). موجِّهًا الكلام لكلِّ مؤمنٍ يَسعى إلى الثَّبات في الإيمان، دون معاينة حِسِّيَّة. وهكذا يُصبح توما الرَّسُول إيقونةً للإيمانِ النَّاضج، الَّذي لا يخاف التَّساؤل، بل يُحَوِّلُه إلى لقاء.
معلومات عن توما الرَّسول
بشارة توما:
هذا بالنسبة لشخصية توما الرسول، أما بالنِّسبة لبشارته بعد العنصرة، فالتقليد الكنسي يقول أنه أول من بشر بلاد الهند، والنص الليتورجي يقول أنه اصطاد بصنارة الروح الإلهي أذهان الهنود المظلمة (القطعة الثانية على الاينوس- صلاة السحر). أما تفاصيل خدمته في الهند فليست بثابتة. جل ما نعرفه أنه هدى الكثيرين إلى النور الإلهي، وبين هؤلاء الأغنياء ونساء أميرات. ويقال أن الأمير المدعو مسداوس أراد أن ينتقم منه لأنه عمّد زوجته تاريتانا، فأرسل جنده وطعنوه فمات. النص الليتورجي يقول أنه اقتدى بالمسيح في الآلام فطعن جنبه هو أيضاً. كان رقاده في الرب وفق بعض المخطوطات القديمة يوم الرابع عشر من أيار. تجدر الإشارة إلى أن للرسول توما ذكرا مميزا لدى الأحباش وقيل أنه بشر الفرس وبلغ الصين. حتى الألمان يقولون إنه نقل لهم الإيمان.
رواية عنه:
ثم أن هناك رواية تناقلتها الأجيال عن توما الرسول نوردها ههنا لا للفائدة التاريخية بالضرورة بل لما تنطوي عليه من معان روحية سامية.
يُحكى أن ملكاً هندياً اسمه غوندافور قرّر أن يبني لنفسه قصراً عظيماً لا مثيل له على الأرض، فانطلق رسوله هافان يبحث عن عُمال ماهرين قادرين على ذلك. وبتدبير إلهي جاء هافان إلى الرسول توما فقال له الرسول أنه مستعد أن يبني للملك مثل هذا القصر شرط أن يتركه يعمل كما يريد. فاتفق الاثنان وسافر القديس الرسول توما إلى بلاد الهند. هناك حصل الرسول على كمية كبيرة من الذهب من الملك ليُباشر ببناء القصر. وما أن غادر توما حضرة الملك حتى وزّع كل الذهب الذي لديه لفقراء الهند، وراح يبشِّر بالإنجيل. ومرّت سنتان، فأوفد الملك عبيده إلى الرسول يسأله ما إذا كان قد انتهى من بناء القصر أم لا، لأن القصر كان بعيداً عن عاصمة الملك، فأجاب توما: كل شيء بات جاهزاً إلا السقف، وطلب مزيداً من المال فأعطاه الملك ما أراد. ومن جديد أعطى الرسول كل ما لديه للفقراء وتابع تجواله مبشّراً بالإنجيل. وبطريقة ما بلغ الملك خبر أن توما لم يبدأ بعد ببناء القصر فقبض عليه وزجّه في السجن. في تلك الليلة بالذات ماتَ أخ الملك فحزن عليه الملك حزناً شديداً. وإن ملاكاً حمل روح الميت إلى الفردوس وأراه قصراً عجيباً لا يقدر عقل إنسان أن يتصوّر مثله. وإذ أراد أخ الملك أن يدخل إلى هذا القصر العجيب، منعه الملاك قائلاً: "هذا القصر يخص أخاك الملك، وهو القصر الذي شيّده له الرسول توما بالحسنات التي أعطاه إياها". ثم أن ملاك الرب أعاد روح الرجل إلى بدنه. فعندما عاد أخو الملك إلى نفسه، أسرع إلى أخيه وقال له: "أقسم لي بأنك ستعطيني كل ما أطلبه منك، فأقسم له"، فقال: "أعطني القصر الذي لك في السماء، الذي بناه لك توما". فلم يصدق الملك إلى أن شرح له أخوه كل ما جرى له. إذ ذاك أرسل الملك فأطلق الرسول توما من السجن واستقدمه إليه وسمع منه كلام الخلاص والحياة الأبدية ثم اعتمد وأعطاه مزيداً من المال لتوسيع القصر الذي بناه له في السماء. وهكذا ازدادت أعمال الرحمة وزاد الشكر لله واتسع نطاق البشارة بكلمة الحياة.