في هذا اليوم تُقيم الكنيسة المُقدَّسَة تَذكار:
*القدِّيس البارّ يوحنّا الإيصافري. *الشَّهيد المجيد سابا الغوطيّ. *القدِّيسان البارّان قوزما الـمُعترف ورفيقه أوكسنديوس. *القدِّيس البارّ أفثيميوس العجائبيّ. *القدِّيس البارّ نوقراطوس السّتوديتي. *القدِّيسة البارّة أثناسيّا العجائبيّة. *القدِّيس البارّ لازريان الإيرلنديّ. *الشَّهيد برفكتوس قرطبة الأسبانيّ. *الجديد في الشُّهداء يوحنّا يوانينا. *الجديد في الشُّهداء يوحنّا كوليكاس. *القدِّيسون الأبرار أفثيميوس وأنطونيوس وفيليكس الرّوس.
✤ القدِّيس الشَّهيد المجيد سابا الغوطي (القرن 4 م)✤
عاش القدِّيس سابا في غوطيا زمن الأمبراطورين البيزنطيين فالنتنيانوس (364 – 375) وفالنس (364 – 378). يذكر أن الغوط شعب جرماني قدم من البلطيق واستقرّ في القرن الثالث الميلادي في قسم من الكريمية (البحر الأسود) عُرف، مذ ذاك، بـ “غوطيا”. ثم في مطلع القرن الرابع الميلادي تسلّلوا إلى الأمبراطورية البيزنطية، لا سيما إلى مناطق تراقيا وميسيا، إلى اليمين من دالتا نهر الدانوب. هناك أخذوا يتحوّلون إلى المسيحية بهمّة الأسقف الآريوسي أولنيلا، خصوصاً. إلى هذا الأسقف يُعزى نقل الكتاب المقدّس إلى اللغة الغوطية. قد عاش عدد كبير من الغوط في مدينة القسطنطينية واهتمّ القدِّيس يوحنا الذهبي الفم، بخاصة، بهدايتهم إلى الإنجيل. فاستشهاد القدِّيس سابا جرى لا في غوطيا القديمة بل في ميسيا الأوروبية، أي ساحل رومانيا وبلغاريا.
كان القدِّيس سابا قد اقتبل المسيحية منذ الطفولية وكان يسلك ككوكب يتلألأ وسط جيل فاسد. امتاز بوداعته وروحه السلامية وتواضعه وخضوعه دونما مساومة في شأن العادات الوثنية. كان يهتمّ، بعناية وانتباه، بالخدم الكنسية ويهمّه أن يقف، كل حين، في حضرة الله بالصلاة. وما إن شرع أتاناريك في حملة اضطهاد للمسيحيين (370م) وأخذ أمراء الغوط ورؤساؤهم يفرضون على المسيحيين من أبناء شعبهم أكل اللحوم المذبوحة للأوثان، حتى أخذ بعض الوثنيّين في القرية التي كان سابا مستوطناً فيها يقترحون على المؤمنين بيسوع، إنقاذاً لحياتهم، أن يذوقوا اللحوم العادية، غير المقدّمة للأوثان، مدّعين الخضوع لمضطهديهم. فلما بلغ سابا خبر ذلك هتف بالجماعة المؤمنة: “ان مَن يتناول هذه اللحوم يكفّ عن أن يكون مسيحياً”. للحال جرى طرده من القرية.
ثم إثر عودته إليها، بعد حين، اندلعت شرارة الاضطهاد من جديد. ولما شاء وثنيو القرية أن يعلنوا انه لا مسيحي فيما بينهم اجبروا المؤمنين على التواري. وحده سابا بقي حيث هو. فلما بلغ فوج المضطهدين القرية قدّم زعيمها سابا باعتباره المسيحي الوحيد فيها. وإذ لم تكن لسابا أية ثروة سوى الثياب التي كانت على بدنه أخلوا سبيله.
وبعد فصح العام 372 م بثلاثة أيام، فيما كان سابا يفتقد كاهن المحلّة، سنسالا، العائد حديثاً من المنفى، إذ بفرقة من الوثنيّين بقيادة أثاريد، ابن الأمير روتيست تقتحم البيت ليلاً. وبعدما قيّدوا الكاهن، انتزعوا سابا من سريره، ولم يأذنوا له حتى أن يلبس ثيابه، ثم جرّروه عبر الأشواك المحروقة حديثاً وهم يضربونه بالسياط. غير أن صبر رجل الله فاق على وحشيتهم. في اليوم التالي اكتشف الوثنيّون أنه لا أثر للسياط التي ضربوا سابا بها على بدنه ولا للأشواك. من جديد أخذوه وربطوا يديه إلى عارضة خشبية جعلوها على كتفيه، كما قيّدوا رجليه إلى عارضة أخرى. وبعدما سخروا منه وأساؤوا معاملته وهو على هذه الحال، إلى منتصف الليل، جاءت امرأة وفكّت قيوده. لكنه لم يهرب بل بقي مكانه وساعدها على قضاء حاجاتها المنزلية.
في الصباح لما علم أثاريد بما جرى أوثق سابا وأمر أن يُعلّق بعارضة المنزل. ثم تقدّم مرسلون من عند أثاريد وعرضوا على سنسالا الكاهن وسابا لحوماً مقدّمة للأوثان. أجاب كلاهما أنه يفضّل الصلب والموت على الخضوع لهذا الأمر الأثيم. وإن واحداً من خدّام أثاريد، في طفرة غيظ تناول رمحاً وطعن به سابا. ولكن، من أجل التدبير الإلهي، لم يتأذّ سابا في شيء وبان جسده سليماً كأنه لم يُطعن البتّة. إذ ذاك أعطى أثاريد أمراً بتصفية سابا من دون تأخير. استاقه الجنود نحو نهر موزيون لإلقائه في المياه هناك. في الطريق لم يكفّ رجل الله عن رفع الشكر إلى الله حاسباً الآلام التي على الأرض لا شيء قياساً بالخيرات الأبدية التي أعدّها الله لخدّامه. فلما بلغوا شاطئ النهر قال الجنود فيما بينهم: “لماذا لا نطلق سراح هذا الإنسان البريء؟ فإن أثاريد لن يدري بأمره”. فقال لهم سابا: “لا تتكلّموا هكذا باطلاً ونفِّذوا الأمر، فأنا أعاين ما لستم، أنتم، تعاينونه، فأمامي قائمون الذين سوف يدخلونني إلى المجد”. إذ ذاك ألقى الجنود بسابا في المياه إلى أن لفظ أنفاسه. عمره، يومذاك، كان ثمانية وثلاثين عاماً. لم يشأ جلاّدوه أن يدفنوه لكن لا الكلاب ولا الضواري تجاسرت على الدنو منه. وقد حفظ رفاته بعض الإخوة. ثم إن حاكم سكيثيا نقل جسده إلى الأراضي الرومانية وبعث بها إلى قيصرية الكبّادوك حيث استقبلها القدِّيس باسيليوس الكبير والمؤمنون هناك بفرح غامر.