في هذا اليوم تُقيم الكنيسة المُقدَّسَة تَذكار:
*الشَّهيدان كيريكس ويوليطة. *الشَّهيد لوليان. *الشَّهيد أبوديم. *تذكار نقل هامة القدّيسة مطرونا الّتي من خيو. *الـمُعادِل الرُّسُل، مُنير الشَّعب الرُّوسيّ، القدّيس الأمير فلاديمير الكييفيّ. *القدّيس البارّ دونالد السّكوتلانديّ. *القدّيس البارّ أسيا العجائبيّ.
✤ القدّيس البارّ أسيا العجائبي (القرن 4 م)✤
استقينا سيرته من المخطوط السينائي العربي 407 الذي هو مينولوجيون من السنة 1335م، ونحن ننقلها هنا عن كتابنا “القدّيسون المنسيّون في التراث الأنطاكي”.
قال عنه مترجمه إنّه غمر بسواقي أشفيته بلد المشرق وضارع الآباء الفضلاء في زمانهم. كان والده، بنثر، معروفاً، في قومه، بشرف المحتد والثروة والفضيلة. وكانت أمّه، أبيفانية، تضاهي أباه في السيرة الصالحة وتزيد. إسم القرية التي وُلد ونشأ فيها لا نعرفه. يكتفي الكاتب بالقول إنّ موقعها كان بجانب لوسطره. كل أسباب السعادة، على الأرض، كانت موفورة لهذَين الزوجَين الفاضلَين، ومع ذلك كانا حزينَين شقيَّين. “حتى نور الشمس الحلو عند كل الناس”، على حدّ تعبير المترجم، كان “مرّاً عندهما”. والسبب أنّهما كانا محرومَين من الأولاد، فأبيفانية كانت عاقراً. لهذا السبب أكثر بنثر وأبيفانية، سوية وكل على حدة، من العطاء على أسخى ما يكون. فقاما للأرامل والأيتام بالقوت، وجادا على المحتاجين بما يحتاجون إليه وقرّبا كل قربان مرضي عند الله. ثمّ لم يتركا كنيسة إلاّ زاراها، سائلَين رحمة ربّهما، مبتهلَين إليه في أن ينعم عليهما بثمرة البطن، لو أمكن. أقام الزوجان على هذه الحال زماناً طويلاً فلم ييأسا. كانت الأيّام تزيدهما ثقة وإصراراً وانكساراً. فلما مضى على زواجهما ثلاث وخمسون سنة، كما يقول كاتب السيرة، قصدت أبيفانية، مرّة، كنيسة للسابق المجيد. كان يقوم بخدمتها كاهن اسمه يوليانوس أنعم الله عليه بموهبة التبصّر. فقبل أن تدخل أبيفانية إلى الكنيسة عرّف الروح يوليانوس أخبارها وسبب قدومها فخرج إليها. ولما عاينها بادرها بالقول: “[تقوّي] أيّتها المرأة فإنّ الله، عزّ وجل، قد أعطاكما ابناً يجترح به… قوّات مستعجبة [ويذاع] ذكره في الصقع الذي تحت الشمس كلّه… لاقتباله صلواتكما وجنوحه إلى صدقاتكما”. فعادت أبيفانية إلى بيتها فرحة متهللة. فلمّا انقضى على قولة يوليانوس الشيخ خمسة عشر يوماً حبلت المرأة، “فأباحت ثروتها لمَن أراد من الفقراء أن يغترفها اغترافاً كأنّه من عين متدفّقة”. وقد أعفاها الله من خطر الإسقاط وصعوبة الطلق حتى ولدت ابنها. وإنّ ملاكاً أسماه أسيا “الذي ترجمته في اللغة اليونانية الطبيب” لأنّه سيظهر معظّماً “ويهب الله للسقمى والواقعين في الأمراض الشديدة به أشفية كثيرة”. تأدّب أسيا بالكتب الطاهرة وتمرّس بالنحو والمنطق والفلسفة. نما في النعمة والقامة. كان ذهنه مستنيراً. لذلك ملك من العلوم قدراً كبيراً في وقت قصير. فلما بلغ الخامسة عشرة زوّجه والداه ابنة وزير كانت تدعى أورانية “وتترجم سمائية”. ولكن قبل أن تكتمل أفراح عرسه ترك كل شيء وخرج طالباً وجه ربّه. صادف في الطريق فقيراً فتبادل وإيّاه الأثواب. ثمّ جاء إلى دير من الأديرة القريبة من مدينته كان فيه راهب متهذّب في طريقته فعرّفه بحاله. سرّ به الراهب سروراً كبيراً وثبّته في عزمه وأرشده بكلام كثير ثمّ صلّى عليه وأطلقه على بركة الله لئلا يأتي ذووه فيستردّوه. خرج من هناك مجدّاً في المسير حتى انتهى إلى دير يرأسه كاهن اسمه توما فأقام عنده سبعاً من السنين راهباً مجاهداً. بعد ذلك خرج إلى طور سيناء طالباً النسك فجاء إلى رجل خليل لله اسمه ضوماطيوس وصفه المترجم بأنّه كان يغتذي “في براري الطور مع وحوشه التي كانت تخدمه متمتعاً نهاراً وليلاً بسعة الضوء الإلهي” فاقتبله. أقام أسيا عند هذا الشيخ الجليل زماناً طويلاً في طاعة كاملة حتى فارقه إلى ربّه. ولمّا دفن أسيا معلّمه في كهف في الجوار كانت ملائكة الله حاضرة تساعده. لازم أسيا الطور بعد ذلك ثلاث سنين إلى أن وقف به ملاك الله وقال له: “السلام عليك… ربّنا يريدك أن تخرج من هذا المكان ليظهر بك صنوف رحمته…” فخرج لا يلوي على شيء، وصار كتائه في البرّية، مسلماً أمره لربّه، واثقاً بتدبيره. واستاقته نعمة الله إلى ضيعة بقرب أنطاكية اسمها “تنس” عرف بالروح أنّه الموضع الذي أوعز الله إليه بالسكنى فيه. استكان أسيا هناك زماناً فكان يناجي ربّه آناء الليل وأطراف النهار وبقي كذلك حتى اهتدى إليه قوم. ثمّ أخذ السقماء والمضنوكون يشقّون طريقهم إليه بوفرة. وكان كل مَن يأتيه عليلاً أو مقموعاً من الشيطان أو محتاجاً يعود إلى بيته معافى متعزّياً مستجاباً. وفي السيرة سرد لاثني عشر عجباً من عجائبه قال مترجمه في نهايتها “يكفي مَن يريد، مما ذكرناه، أن يستدل على باقي أفعال ذلك الفاضل وممن استمدّها كلّها، كمَن يستدلّ من ضوء الشعاع سائر ضياء شعاعات الشمس، أو كمَن يستدلّ من هدب الحلّة النفيسة على جلالتها وكثرة قيمتها”. بين عجائبه أشفية من العمى والعقم والشقيقة (وجع الرأس الحاد) وشتّى صنوف الأسقام وطرد الأرواح الخبيثة وتخليص الناس من أذى الضبع والأسد الضاريين وإقامة الميت وإبراء ابن ملك الفرس، واسم الإبن “رومسطا”، وتحرير ابنة الإمبراطور البيزنطي ثيودوسيوس الكبير من ربقة روح خبيث تسلّط عليها.
ولمّا دنت ساعة رقاده، أرسل إليه الربّ الإله ملاكاً قال له: “صلّ على الدنيا يا أسيا الصالح وابتهل في أمر الكنائس المقدّسة وهلمّ فإنّ إله البرايا كلّها وسيّدها… يدعوك إليه لتستمتع بالخيرات الدهرية التي أعدّها لك ولجميع الذين يحبّونه”. ففرح أسيا فرح المشتاق لأن ينفك من الجسد ويكون مع المسيح كمثل قول الرسول المصطفى بولس. ثمّ ابتهل إلى الربّ الإله في أمر الدنيا أن تغمرها رأفات الله وضروب رحمته الواسعة وأن يهب الكنائس سوانح السلامة والإلفة. كما دعا للحكّام والذين يقيمون تذكاره بفك خطاياهم وزوال أمراضهم وسعة أثمارهم وغيرها من الصالحات في أعمارهم. وبعد ثلاثة أيام طفر من جسمه “وانتقل أو عبر” إلى مسكن جميع المسرورين مقرّباً هناك الآن شفاعاته لدى الله فينا. كان ذلك في اليوم الخامس عشر من شهر تمُّوز. ويقول مترجمه أنه خلّف للمؤمنين بحزن “أعضاء جسمه، وهو موضوع في مكان من ضيعة تنس الواضح ذكرها يقهر الأوجاع ويجترح… العجائب والأشفية… وهذه العجائب… إن حاول محاول أن يسلمها إلى كتاب يحويها، فعلى حسب ظنّي أن زمانه يعوزه عند وصفه إيّاها لمجد الآب وابنه الوحيد وروحه القدس المحيي في كافة خواصه الآن ودائماً وإلى أباد الدهور كلها آمين”.