Menu Close
260426

نشرة كنيستي

نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.

أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي

كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.

الأحد (2) بعد الفصح (حاملات الطِّيب)     

العدد 17

الأحد 26 نيسان 2026

اللَّحن 2- الإيوثينا 4

أعياد الأسبوع: *26: النِّسوة الحاملات الطِّيب، يوسف الرَّامي ونيقوذيموس، الشَّهيد فاسيلفس أسقف أماسية *27: الشَّهيد في الكهنة سمعان نسيب الرَّبّ *28: القدِّيسون التِّسعة المستشهدون في كيزيكوس *29: الرَّسولان ياسنوس وسُوسِيباترس ورفقتهما *30: الرَّسول يعقوب أخو يوحنَّا الثِّيولوغوس *1: النَّبيّ إرمياء، البارَّة إيسيذورة *2: نقل جسد القدِّيس أثناسيوس الكبير بطريرك الإسكندريَّة.

كلمة الرّاعي 

يوسف الرَّامي ونيقوديموس

شهود الدَّفن وبوادر القيامة

في مسيرة الكنيسة عبر القرون، يُطِلُّ علينا شخصان مذكوران في أناجيل الآلام والقيامة، قلَّما يُذكران، لكنَّ حضورهما في النُّصوص الإنجيليَّة يحمل دلالات عميقة، وهما: يوسف الرَّامي ونيقوديموس. كلاهما كان من أعيان اليهود، عضوين في السّنهدرين، لكنَّهما تميَّزا بجرأة الإيمان في لحظةٍ بدا فيها كلّ شيء يتعلّق بيسوع وبتلاميذه منهارًا.

يوسف، رجل غنيّ من الرَّامة، وُصف بأنَّه "كان ينتظر ملكوت الله" (مر 15: 43). تقدَّم إلى بيلاطس وطلب جسد يسوع، فصار بذلك أوَّل مَن أعلن بجرأةٍ أنَّ المصلوب يستحقُّ تكريم الموتى، لا عار المجرمين. أمَّا نيقوديموس، الَّذي جاء إلى يسوع ليلًا (يو 3: 1-2)، فقد ظهر علنًا عند الدَّفن، حاملًا مزيج المرّ والعود، وكأنّه يعلن أنَّ الَّذي تحدَّث إليه عن الولادة الجديدة من فوق هو نفسه الَّذي يفتح أبواب الحياة الأبديَّة عبر موته وقيامته.

هذان الرَّجُلان، في لحظة الصَّمت والخوف، تحوَّلا إلى شهود دفن المسيح، وبالتَّالي إلى شهود القيامة. فالكنيسة ترى أنَّ مَن وضع الجسد في القبر هو نفسه الَّذي هيّأ إعلان فراغ القبر في اليوم الثَّالث.

*             *             *

إنَّ يوسف ونيقوديموس اللَّذَيْن كانا يتواصلان مع يسوع قبل صلبه بحذرٍ واحتياط، تحوَّلا بعد صلبه وموته من الخوف إلى الجرأة، من السِّرِّ إلى العَلَن، من التردُّد إلى الاعتراف. يُعَلِّق القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم حول هذا الأمر قائلًا: "إنَّ يوسف أظهر شجاعةً عظيمة، إذْ طلب جسد المسيح علانيةً، غير خائفٍ من اليهود. ونيقوديموس الَّذي كان يأتي ليلًا صار الآن يشارك في النَّهار، مُعلنًا أنَّ النُّور غلب الظُّلمة". لحظة الحقيقة، لحظة الشَّهادة للحَقِّ، جعلت محبَّتهما لله والْتِصاقَهُما بالحَقِّ يتجَلَّيان عَلَنًا بطلب جسد يسوع ولَفَّه بالأكفان وتحنيطه ودفنه... ويرى القدِّيس إيرونيموس في عمل يوسف ونيقوديموس صورة عن الَّذين يضعون رجاءهم في المسيح رغم الاضطهاد: "لقد صار القبر مكان رجاء، لأنَّ الَّذين دفنوا الرَّبّ كانوا ينتظرون أنْ يقوم."

في إحدى مقالاتِه حول أحد حاملات الطِّيب، يُشير المطران جورج خضر إلى أنَّ النِّساء اللَّواتي أتَيْن بالطِّيب فجر الأحد، ومعهُنَّ يوسف ونيقوديموس، يمثِّلْنَ الكنيسة في لحظة الانتقال من الحزن إلى الفرح. يقول: "الَّذين أحبُّوا يسوع في موته، هم الَّذين صاروا شهود قيامته. فالطِّيب الَّذي أُعِدّ للجسد صار رمزًا لرائحة الحياة الجديدة." ويُضيف المطران خضر أنَّ يوسف ونيقوديموس، مع حاملات الطِّيب، جَسَّدوا الإيمان الَّذي لا ينهار أمام الصَّليب، بل يرى فيه بداية القيامة. إنَّهم الَّذين لم يهربوا، بل بقوا إلى جانب الجسد، فصاروا أوَّل من سمع بشارة الملاك: "ليس هو ههنا، لكنَّه قام."..

*             *             *

إنَّ حضور يوسف ونيقوديموس في نصوص الآلام والقيامة يذكِّرنا بأنَّ القيامة ليست حدثًا مفاجِئًا بلا جذور، بل هي ثمرة محبَّةٍ وانتظار تحقيق وعد الرَّبّ. هؤلاء الرِّجال، مع النِّساء حاملات الطِّيب، شكَّلوا جماعةً صغيرة من المؤمنين الَّذين لم يتخلُّوا عن الرَّبِّ في ساعة الظُّلمة، وهذا لأنَّ محبَّتهم ليسوع غلبتْ خوفهم وتكمَّلت فيهم، إذ "لا خوف في المحبَّة، بل المحبَّة الكاملة تطرح الخَوْف خارجًا، لأنَّ الخَوْف له عذاب. وأمَّا من خاف فلم يتكمَّل في المحبَّة" (1يو 4: 18). لذلك، ترى الكنيسة فيهم مثالًا لكلِّ مؤمنٍ يجرؤ أن يعلن إيمانه في زمن الصَّمت. يوسف ونيقوديموس لم يكونا من التَّلاميذ الاثني عشر، لكنَّهما صارا جزءًا لا يتجزَّأ من شهود القيامة الأَوَّل. هذا يفتح الباب أمام كلّ إنسانٍ ليكون شاهدًا للقيامة متى تجرَّأ وأعلن إيمانه بها حيث يسود صمت وسكوت في العالم إذ يجبُن الآخَرون عن الاعتراف...

*             *             *

يا أحبَّة، القيامة لم تُعلَن فقط عبر ظهورات المسيح، بل أيضًا عبر شهادة القبر الفارغ، الَّذي وَضع فيه يوسف ونيقوديموس الجسد. إنَّ فعل الدَّفن نفسه صار جزءًا من الكرازة: "دُفن (..) وقام في اليوم الثَّالث" (1 كو 15: 3 – 4). لذلك يَرد ذكر يوسف ونيقوديموس في قانون الإيمان بشكلٍ غير مباشر، لأنّ الكنيسة لا تنسى أنّ القيامة مرتبطة بالدَّفن، وأنَّ مَن دفنوا المسيح صاروا شهودًا على أنَّ القبر لم يستطع أن يحتفظ به. فالدَّفن والقيامة هما وَجهان لسِرِّ الفصح: الدَّفن يؤكِّد حقيقة الموت، والقيامة تؤكِّد انتصار الحياة. الكنيسة لا تفصل بينهما، بل تراهما معًا شهادةً على أنَّ المسيح دخل في عمق الموت ليهزم الموت من الدَّاخل. الآباء شدَّدوا على هذه العبارة كجوهر الإيمان. القدِّيس أثناسيوس الكبير يقول: "لو لم يُدفَن المسيح حقًا، لما كانت القيامة حقًّا. فالدَّفن هو ختم الموت، والقيامة هي كسر الختم." وفي زمننا، حيث الإيمان يُختبر أمام تحدّياتٍ كثيرة، نحن مدعوُّون أن نكون مثل يوسف ونيقوديموس شهودًا لإيماننا عَلَنًا، وأنْ نضع رجاءنا في المسيح خاصَّةً في لحظة الصَّليب، وأن نَمُدَّ إعلان الكنيسة للقيامة في اللِّيتورجيا إلى حياتنا اليوميَّة عبر عَيْشِنا كـ "خليقةٍ جديدة" (2 كو 5: 17) على صورة النَّاهض من الرَّمس كما يقول القدِّيس غريغوريوس بالاماس: "مَن يُشارِك المسيح في آلامه، يُشارِك أيضًا في قيامته". يوسف ونيقوديموس شارَكا في آلامه عبر الدَّفن، فصارا شركاء في إعلان قيامته، فهما ليسا شخصيَّتين ثانويَّتين، بل هما جزء من سرِّ الفصح. مع حاملات الطِّيب، جسَّدا الكنيسة الأولى الَّتي لم تَخَفْ من الصَّليب، بل رأت فيه بداية الحياة الجديدة والغَلَبَة على الشِّرِّير والخطيئة والموت. شهادتهم تَدْعونا أن نكون نحن أيضًا شهودًا للقيامة، لا بالكلام فقط، بل بالفعل، بالجرأة، وبالمحبَّة الَّتي لا تَخاف من الموت...

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع...

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

طروباريَّة القيامة (باللَّحن الثَّاني) 

عندما انحدرتَ إلى الموت، أيُّها الحياةُ الَّذي لا يموت، حينئذٍ أمتَّ الجحيمَ بِبَرْقِ لاهوتك. وعندما أقمتَ الأمواتَ من تحتِ الثَّرى، صرخَ نحوكَ جميعُ القوَّاتِ السَّماويِّين: أيُّها المسيحُ الإله، مُعطي الحياةِ، المجدُ لك.

طروباريَّة ليوسف الرَّامي (باللَّحن الثَّاني)

إنَّ يوسُفَ المُتَّقي أحدَرَ جسدكَ الطَّاهر مِنَ العُود. ولَفَّهُ بالسَّباني النَّقِيَّة وحنَّطَهُ بالطِّيب وجهّزه، وأضجعهُ في قبرٍ جديد. لكنَّك قُمتَ لثلاثة أيَّامٍ يا ربّ مانحًا العالم الرَّحمة العُظمى.

طروباريَّة أحد حاملات الطِّيب (باللَّحن الثَّاني)

إنَّ الملاك حَضَرَ عند القبر قائلًا للنِّسْوَةِ حاملات الطِّيب. أمَّا الطِّيب فهو لائِقٌ بالأموات، وأمَّا المسيح فقد ظهر غريبًا من الفساد. لكن اصرُخْنَ قائلاتٍ، قد قام الرَّبُّ مانحًا العالمَ الرَّحمة العظمى.

قنداق الفصح (باللَّحن الثَّامن) 

ولَئِن كُنتَ نَزَلتَ إلى قبرٍ يا من لا يموت، إلَّا أنَّكَ درستَ قوَّة الجحيم، وقُمْتَ غالبًا أيُّها المسيحُ الإله. وللنِّسْوَةِ الحاملاتِ الطِّيب قُلتَ: افرحنَ. ووهبتَ رُسُلكَ السَّلام، يا مانحَ الواقِعين القيام.

الرِّسالة (أع 6: 1-7)

قُوَّتي وتسبِحَتي الرَّبُّ

أدبًا أدَّبني الرَّبُّ

في تلك الأيّام، لمّا تكاثر التَّلاميذ، حدث تذمُّرٌ مِنَ اليونانيّين على العبرانيّين بأنّ أراملهم كنّ يُهمَلن في الخدمة اليوميّة. فدعا الإثنا عشرَ جُمهورَ التَّلاميذ وقالوا: لا يَحسُنُ أن نتركَ نحن كلمة الله ونخدمَ الموائد، فانتخِبوا أيُّها الإخوة منكم سبعةَ رجالٍ مشهودٍ لهم بالفضل، ممتلئين من الرُّوح القُدُس والحكمة، فنُقيمَهم على هذه الحاجة، ونواظبَ نحن على الصَّلاة وخدمة الكلمة. فحَسُن الكلامُ لدى جميع الجمهور، فاختاروا استفانوسَ رجلًا ممتلئًا من الإيمان والرُّوح القدس، وفيليبُّسَ وبروخورسَ ونيكانورَ وتيمنَ وبَرمِناسَ ونيقولاوسَ دخيلًا أنطاكيًّا. وأقاموهم أمام الرُّسُل، فصَلَّوا ووضعوا عليهم الأيدي. وكانت كلمةُ الله تنمو وعددُ التَّلاميذ يتكاثر في أورشليمَ جدًّا. وكان جمعٌ كثيرٌ من الكهنة يطيعون الإيمان.

الإنجيل (مر 15: 43- 47، 16: 1- 8)

في ذلك الزَّمان، جاء يوسفُ الَّذي من الرَّامَة، مشيرٌ تقيٌّ، وكان هو أيضًا منتظرًا ملكوت الله. فاجترأ ودخل على بيلاطس وطلب جسد يسوع. فاستغرب بيلاطسُ أنَّه قد مات هكذا سريعًا، واستدعى قائد المئة وسأله: هل له زمانٌ قد مات؟ ولمَّا عرف من القائد، وَهَبَ الجسد ليوسف. فاشترى كتَّانًا وأنزله ولَفَّهُ في الكتَّان، ووضعه في قبرٍ كان منحوتًا في صخرةٍ، ودَحْرَجَ حجرًا على باب القبر. وكانت مريمُ المجدليّة ومريمُ أمُّ يوسي تنظران أين وُضع. ولمَّا انقضى السَّبتُ، اشترت مريمُ المجدليّةُ ومريمُ أمُّ يعقوب وسالومةُ حَنوطًا ليأتِين ويدهنَّه. وبكَّرْنَ جدًّا في أوَّل الأسبوع وأتَيْنَ القبر وقد طلعتِ الشَّمس، وكُنَّ يَقُلنَ في ما بينهنَّ: من يدحرجُ لنا الحجرَ عن بابِ القبر؟ فتطلّعن فرَأَيْنَ الحجر قد دُحرج لأنّه كان عظيمًا جدًّا. فلمّا دخلن القبر رأين شابًّا جالسًا عن اليمين لابسًا حُلَّةً بيضاءَ فانذهلن. فقال لهنّ: لا تنذهلن. أنتنّ تطلبنَ يسوع النّاصريّ المصلوب، قد قام، ليس هو ههنا. هوذا الموضعُ الَّذي وضعوه فيه. فاذهبن وقُلْنَ لتلاميذه ولبطرس إنّه يسبقُكم إلى الجليل، هناك تَرونه كما قال لكم. فخرجن سريعًا وفرَرْنَ من القبر وقد أخذتهنَّ الرِّعدة والدَّهَشْ. ولم يَقُلنَ لأحدٍ شيئًا، لأنّهُنَّ كُنَّ خائفات.

حول الرِّسالة

من خدمة الموائد إلى بشارة القيامة

في أحد حاملات الطِّيب، نلتقي بنساءٍ بسيطات في الظَّاهر، لكنَّهنَّ عظيمات في الحُبِّ والإيمان. هؤلاء النِّسوة لم يَحمِلْنَ سيوفًا ولا سلطانًا، بل حَمَلْنَ طيبًا… لكن هذا الطِّيب صار بشارة القيامة.

لكنَّ الغريب أنَّ الكنيسة في هذا الأحد تضع أمامنا أيضًا نصًّا من سِفْرِ أعمال الرُّسُل، حيث نقرأ عن مشكلة “خدمة الموائد” واختيار الشَّمامسة. فما الرَّابط بين الإثنين؟

في الكنيسة الأولى، ظهر تذمُّر لأنَّ بعض الأرامل أُهْمِلنَ في الخدمة اليوميَّة. فقام الرُّسُل واختاروا سبعة رجال “مملوئين من الرُّوح القدس والحكمة” ليخدموا الموائد. هذه الخدمة تبدو صغيرة: توزيع الطَّعام… لكنَّ الكنيسة لم تَرَهَا أمرًا ثانويًّا، بل جعلَتْ لها خدَّامًا ممتلئين من الرُّوح القدس! وهنا السِّرّ: خدمة المحبَّة تكتمل إذا كان روح الله هو المُحرِّك. وعندها، حتَّى لو كانت الخدمة صغيرة وبسيطة مثل خدمة الموائد، فإنَّ الله يُظهر مجده فيها. ذهبت حاملات الطِّيب ليَدْهَنَّ جسد يسوع المسيح، لكنَّ هذا العمل البسيط قادَهُنَّ ليُصبحن أوَّل شهود على القيامة!

الشَّمامسة خدموا لأنَّ هناك حاجة، لا لأنَّ هناك مجدًا. وحاملات الطِّيب ذهبن إلى القبر وهُنَّ يعرفن أنَّ الحجر كبير، وأنَّ القبر مغلق، وربَّما الجنود موجودون… ومع ذلك ذَهَبْنَ. لم يَقُلْنَ: “من يدحرج لنا الحجر؟” ثمَّ يتراجعن، بل سِرنَ أوَّلًا، ثم سلَّمْنَ الأمر لله. وهكذا كلّ خدمة حقيقيَّة في الكنيسة تبدأ بخطوة إيمان، لا بضماناتٍ بشريَّة. ومَن يخدم بأمانةٍ في الأمور الصَّغيرة، يَراه الله ويُعلِن له أسراره.

الرُّسُل قالوا: “لا يرضي أن نترك كلمة الله ونخدم الموائد". لكنَّهم لم يحتقروا الخدمة، بل نَظَّموها. فالكنيسة تقوم على جناحَيْن: كلمة الله وخدمة المحبَّة. وحاملات الطِّيب جمعن الإثنين: حُبٌّ عمليّ (حمل الطِّيب) وإيمانٌ حَيّ (الثَّبات حتَّى القبر).

قد لا تُدعى لتكون رسولًا أو واعظًا، لكن كلُّ واحدٍ مدعوّ أن يكون حامل طيب: بكلمة تعزية أو بخدمةٍ بسيطة أو بعطاءٍ خَفِيّ أو بمحبَّةٍ صادقة. فالطِّيب الَّذي نحمله اليوم ليس عطرًا، بل قلبٌ مملوءٌ رحمة.

في هذا الأحد، تدعونا الكنيسة أن نرى أن العمل البسيط ممكن أن يقود إلى القيامة، وأنّ المحبَّة الصَّامتة أقوى من كلِّ عظمة ظاهريَّة. فلنَكُن مثل الشَّمامسة الأمناء، ومثل حاملات الطِّيب الشُّجاعات، لكي نسمع نحن أيضًا صوت القيامة في حياتنا.

النِّساء القدِّيسات

تلعب النِّساء القدِّيسات في الكنيسة الأرثوذكسيَّة دورًا روحيًّا عظيمًا ومؤثِّرًا، إذ يُشَكِّلنَ مثالًا حيًّا للإيمان العميق والتَّضحية والمحبَّة. فمنذ بدايات المسيحيَّة، ظهرت نساءٌ قدِّيسات قَدَّمْنَ حياتهنَّ شهادةً للمسيح، سواء من خلال الاستشهاد أو النُّسْك أو الخدمة، وتَرَكْنَ بصمةً واضحةً في تاريخ الكنيسة وروحانيَّتها.

تتميَّز القدِّيسات بتنوُّع أدوارهُنَّ، إذ لم يقتصر حضورهُنَّ على نمطٍ واحدٍ من الحياة، بل تنوَّعَتْ أدوارهنَّ وتضحياتهنَّ. فهناك الشَّهيدات اللَّواتي واجهْنَ الاضطهادات الرُّومانيَّة بشجاعَةٍ نادِرَة، رافضاتٍ إنكارَ إيمانهنَّ رغم التَّعذيب والموت، مثل القدِّيستَيْن بربارة وكاترينا. وقد جسَّدَتْ هؤلاء النِّساء قوَّة الإيمان، إذْ لم تمنعهُنَّ ضعفات الجسد من الثَّبات في وجه الظُّلم، بل تحوَّلْنَ إلى مصدرِ إلهامٍ للأجيال اللَّاحِقَة.

ومن جهةٍ أخرى، برزت ناسكاتٍ راهبات تَرَكْنَ العالم وزينته، واختَرْنَ حياة الصَّلاة النُّسْك في الأديرة أو البراري، مثل القدِّيستَيْن مريم المصريَّة والقدِّيسة بيلاجيا. وقد سَعَيْنَ إلى الاتِّحاد بالله من خلال الصَّوْم والتَّواضع، واعتُبرن نماذج في السَّعي نحو الكمال الرُّوحيّ. لم تكن هذه الحياة انسلاخًا من المجتمع، بل كانت شهادةً عميقةً على أنَّ الإنسان يستطيع أن يجد ملء حياته في الله.

كما لعبت النِّساء القدِّيسات دورًا مهمًّا في خدمة المجتمع والكنيسة، إذْ اهتمَمْنَ بالفُقراء والمرضى والمحتاجين، مثل القدِّيسَتَيْن أولغا ونينا معادلة الرُّسُل. فكُنَّ مثالًا للمحبَّة العمليَّة، حيث ترجمن الإيمان إلى أعمال رحمة وخدمة. وقد ساهمن أيضًا في تعليم الإيمان ونقله داخل العائلات، فكُنَّ بمثابة عمود أساسيّ في الحفاظ على التَّقاليد المسيحيَّة.

تُظهر سِيَر القدِّيسات أيضًا بُعدًا إنسانيًّا عميقًا، إذْ لم يَكُنَّ مَعصومات من الضُّعف أو التَّجربة، بل عِشْنَ صراعاتٍ داخليَّة وتحدِّياتٍ قاسِيَة. ومن الأمثلة على ذلك القدِّيسة مريم المجدليَّة الَّتي اختبرتْ التَّوْبة العميقة. ومع ذلك، استطَعْنَ من خلال التَّوبة والصَّلاة أن يتخطَّيْنَ هذه الصُّعوبات ويبلغن القداسة. وهذا ما يجعل قصصهُنَّ قريبة من المؤمنين، إذْ تعكس إمكانيَّة التَّغيير والنُّموّ الرُّوحيّ لكلِّ إنسان.

ومِنَ الجَدير بالذِّكر أنَّ الكنيسة تكَرِّم النِّساء القدِّيسات في صلواتها وأعيادها، وتضعهُنَّ أمام المؤمنين كأمثلةٍ يُحتَذى بها. فتكريم القدِّيسين عمومًا لا يعني عبادتهم، بل الاعتراف بعمل نعمة الله في حياتهم، وطلب شفاعتهم. وفي هذا الإطار، تُشَكِّل القدِّيسات مصدر تعزيةٍ وقوَّةٍ روحيَّة.

في الختام، يمكن القَوْل إنَّ النِّساء القدِّيسات شهودٌ أحياء على قوَّةِ الإيمان والمحبَّة. فقد استطَعْنَ أن يُحَوِّلن الألم إلى رجاء، والضُّعف إلى قوَّة، والحياة اليوميَّة إلى مسيرةٍ نحو القَدَاسة. ولا يزال تأثيرهُنَّ مستمرًّا حتّى اليوم، حيث يُلهمن المؤمنين للسَّيْر في طريق الحَقِّ والعَيْشِ بحسب مشيئة الله.