نشرة كنيستي
نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.
أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي
كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.
الأحد (4) بعد العنصرة
العدد 26
الأحد 28 حزيران 2026
اللَّحن 3- الإيوثينا 4
أعياد الأسبوع: *28: نقل عظام كيرُس ويوحنّا العادمَيْ الفِضَّة *29: القدِّيسان بطرس وبولس هامتا الرُّسل، *30: تذكار جامع للرُّسل الإثنَيْ عَشَر *1: الشَّهيدان قزما وداميانوس الماقتا الفِضَّة *2: تذكار وَضع ثوب والدة الإله في فْلَاشِرْنَس *3: الشَّهيد باكنثس، القدِّيس أناطوليوس رئيس أساقفة القسطنطينيَّة *4: القدِّيس أندراوس الأورشليميّ رئيس أساقفة كريت، القدِّيس أندريه روبلاف.
كلمة الرّاعي
هامَتا الرُّسُل: صخرةُ كرسيِّنا الأنطاكيّ وكرازتُه
"وَأَنَا أَقُولُ لَكَ: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هَذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا" (متّى ١٦: ١٨)
لا تُعَيِّدُ الكنيسةُ المقدَّسةُ لهامتَيِ الرُّسُل بطرسَ وبولسَ كما يُعَيِّدُ العالَمُ لعُظمائه وأبطاله. فالعالَمُ يُمجِّدُ القُوَّةَ والنُّبوغَ والغَلَبة، أمَّا الكنيسةُ فتُمجِّدُ في رسولَيها نعمةَ اللهِ الَّتي حوَّلتْ صيَّادًا بسيطًا أنكرَ معلِّمَهُ ثلاثًا، ومُضطهِدًا عنيفًا كان "يَنفُثُ تهديدًا وقتلًا"، إلى عمودَين للحقِّ وفَمَين للكرازة... فمقاييسُ المسيحيَّة تتناقضُ مع مقاييس العالم للعظمة، ولسانُ حال الرُّسُل هو التَّالي: "كَأَنَّنَا حَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ، كَفُقَرَاءَ وَنَحْنُ نُغْنِي كَثِيرِينَ، كَأَنْ لاَ شَيْءَ لَنَا وَنَحْنُ نَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ" (٢ كو ٦: ١٠). وهذا منسجمٌ مع تعليم الرَّبِّ نفسِه الَّذي يحدِّدُ مقاييسَ الأوَّليَّة والعظمة قائلًا: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ عَظِيمًا يَكُونُ لَكُمْ خَادِمًا، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ أَوَّلاً يَكُونُ لِلْجَمِيعِ عَبْدًا" (مر ١٠: ٤٣–٤٤). فما الَّذي نُعَيِّدُ له في الحقيقة؟ إنَّنا نُعَيِّدُ لعَمل المسيح فيهما. ومَن أدركَ هذا، أدركَ أنَّ بابَ القداسة مفتوحٌ له هو أيضًا، مهما تعثَّرَ أو أخطأ... فعلى المسيحيِّين أن يقتدوا بالرُّسُل...
* * *
بطرسُ وبولسُ رجُلانِ مُختلفانِ كلَّ الاختلاف: واحدٌ من صيَّادي الجليل، بسيطٌ حارٌّ سريعُ الاندفاع، يُقدِمُ ويتراجع، يُحبُّ ويبكي؛ والآخَرُ فرِّيسيٌّ مُتعلِّمٌ عند قدَمَي غمالائيل، صارمٌ غيورٌ مُحاجِجٌ. لم يكونا تَوأمَين في الطَّبع ولا في الطَّريق، حتَّى إنَّ الكتابَ لا يُخفي أنَّهما تخالفا مرَّةً في أنطاكيةَ بعَينها (غلاطية ٢: ١١). ومع ذلك جمعتْهما صخرةٌ واحدةٌ هي المسيح، وروحٌ واحدٌ هو الرُّوحُ القُدُس، وشهادةٌ واحدةٌ خُتِمتْ بدمٍ سُفِكَ في رومةَ من أجل اسمٍ واحد. وفي هذا سرٌّ عظيمٌ للكنيسة: إنَّ وحدتَها ليست مبنيَّةً على تشابُهٍ في الأمزجة، بل على ائتلافٍ في الإيمان؛ ليست إلغاءً للتَّنوُّع، بل تقديسًا له في الحقِّ الواحد. كم نحتاجُ اليومَ أن نتعلَّمَ هذا، نحن الَّذين كثيرًا ما نخلِطُ بين الوحدة والتَّطابُق، فنُخاصِمُ الأخَ لأنَّه ليس صورةً عنَّا...
* * *
أهميَّةُ عيد الرَّسولَين بطرسَ وبولسَ تتأتّى من أنّهما مؤسِّسا الكرسيِّ الأنطاكيِّ المقدَّس قبل روما. ففي أنطاكيةَ، العاصمةِ والمدينةِ الأمِّ، "دُعِيَ التَّلاميذُ مسيحيِّينَ أوَّلًا" (أعمال ١١: ٢٦). هناك جلسَ بطرسُ فصارَ كرسيُّه عرشًا لخدمة خراف المسيح، ومن هناك انطلقَ بولسُ إلى الأمم فحُمِلَ الإنجيلُ إلى المسكونة. لم تكنْ أنطاكيةُ محطَّةً عابرةً في تاريخ الكرازة، بل مهدًا للاسم المسيحيِّ، وبيتًا أوَّلَ جمعَ اليهوديَّ والأمميَّ على مائدةٍ واحدة...
ورسوليَّةُ الكرسيّ الأنطاكيّ مستمرَّةٌ من أيَّام هامتَيِ الرُّسُل رغمَ الصِّعاب والضِّيقات والاضطهادات والزَّلازل الَّتي مرَّت على الشَّعب المؤمن على مرِّ القرون، وهي ممدودةٌ اليومَ في عيشِنا ونقلِنا ما عاشه الرُّسُلُ بالأمس: الإيمانَ نفسَه، والشَّهادةَ نفسَها، والمحبَّةَ الباذلةَ نفسَها. فكرسيٌّ يحفظُ تسلسُلَ أساقفتِه ويفقِدُ روحَ رُسُلِه إنَّما يحفظُ هيكلًا بلا حياة. وكنيسةٌ رسوليَّةٌ حقًّا هي الَّتي ما تزالُ تُنجِبُ بطرسيِّينَ وبولسيِّين: قدِّيسينَ وشهداءَ وخدَّامًا يبذلون أنفسَهم في البشارة لأجل الإنسان، شاهدينَ للمسيح الغالبِ الموتَ والواهبِ الحياة. هؤلاء يواجهون الظُّروفَ الصَّعبةَ الَّتي نعيشها في منطقتنا بروحٍ رسوليَّةٍ مفعمةٍ بالرَّجاء والإيمانِ الرَّاسخِ بالغَلَبة في المسيح...
* * *
أيُّها الأحبَّاء، ما أحوَجَنا، نحنُ أبناءَ هذا الشَّرقِ المُتعَب، أن نسمعَ في عيد الرَّسولَين هذه الدَّعوةَ سماعَ مَن تُقالُ له شخصيًّا! فالأزماتُ تُثقِلُ صدورَنا، والخوفُ على الغَد يدفعُ كثيرين إلى اليأس، أو إلى ترك الأرضِ والكنيسة، حتَّى ليُخيَّلَ إلينا أنَّ أبوابَ الجحيم قد بدأت تقوى علينا. لكنَّ السَّيِّدَ قال إنَّها "لن تقوى" على كنيسته؛ فلا على إيماننا تقوى إنْ نحن ثبَتنا كبطرسَ على الصَّخرة، ولا على رجائنا إنْ نحن سعَيْنا كبولسَ نحملُ النُّورَ حيثُ نكون...
وليست الرَّسوليَّةُ مطلوبةً من الإكليروس وَحدَهم؛ فكلُّ مؤمنٍ مدعوٌّ أن يكونَ رسولًا في موضعه: أبًا يشهدُ لأولاده بالمحبَّة لا بالقسوة، وأمًّا تحرسُ قنديلَ الإيمان في بيتها وسط ضغوط الحياة، وشابًّا يأبى الفسادَ وإنْ عمَّ، وعاملًا أمينًا حيثُ كثُرَ الغِشّ، وجارًا يحملُ همَّ جاره... فالنَّاسُ اليومَ لا تُقنِعُهم المواعظُ بقدرِ ما تلمسُهم الشَّهادةُ الحيَّة، تلك الَّتي بها غلبَ الرُّسُلُ العالَمَ لا بكثرةِ عددٍ ولا بقوَّةِ سلاح، بل لأنَّهم عاشوا ما بشَّروا به وماتوا في سبيله. هذا هو التَّحدِّي الحقيقيُّ لكلِّ واحدٍ منَّا: ألَّا نكونَ مُستهلِكينَ للإيمان، بل شهودًا له...
* * *
وفي هذا العيد، عيدِ كرسيِّنا الأنطاكيِّ المقدَّس، يَطيبُ لنا أن نرفعَ أنقى آياتِ التَّهنئةِ والمحبَّةِ البنويَّة إلى غبطة أبينا ومولانا البطريرك يوحنَّا العاشر الكُلِّيِّ الطوبى والجزيل الاحترام، بطريركِ أنطاكيةَ وسائرِ المشرق، سائلينَ له طولَ الأيَّامِ وثباتَ القيادة على صخرة الإيمان؛ وإلى آبائنا أعضاء المجمع الأنطاكيِّ المقدَّس مع جميع الأساقفة الجزيلي الاحترام، والآباء الأجلَّاء الكهنةِ والشَّمامسة الموقَّرين، والرُّهبانِ والرَّاهبات والمؤمنين والمؤمنات في كرسيِّنا الأنطاكيِّ المقدَّس... فعيدُكم مبارَكٌ، ولتكنْ شفاعةُ الرَّسولَين الجليلَين بطرسَ وبولسَ سياجًا لكنيستنا الأنطاكيَّة، وعزاءً لشعبها، وقوَّةً لشهادتها في كلِّ العالم وخاصّةً في هذا المشرق الَّذي منه أشرقَ نورُ الإنجيل على المسكونة. كلُّ عامٍ وكرسيُّنا الأنطاكيُّ بخير، راسخًا في رسوليَّته، أمينًا لوديعةِ آبائه...
ومن له أُذنانِ للسَّمعِ فليسمعْ...
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
طروباريَّة القيامة (باللَّحن الثَّالث)
لِتفرحِ السَّماوِيَّات. ولتَبتَهِجِ الأرضِيَّات. لأنَّ الرَّبَّ صنعَ عِزًّا بساعِدهِ. ووَطِئَ المَوْتَ بالمَوْت. وصارَ بِكرَ الأموات. وأنقذَنا من جَوفِ الجحيم. ومَنَحَ العالمَ الرَّحمةَ العُظمى.
القنداق (باللَّحن الثَّاني)
يا شفيعَةَ المسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطةَ لدى الخالِق غيْرَ المرْدودةِ، لا تُعْرضي عَنْ أصواتِ طلباتِنا نَحْنُ الخَطأة، بَلْ تدارَكينا بالمعونةِ بما أنَّكِ صالِحَة، نَحنُ الصّارخينَ اليكِ بإيمان: بادِري إلى الشَّفاعَةِ وأسَرعي في الطّلْبَةِ يا والدَة الإلهِ، المتشَفِّعَةَ دائمًا بمكرِّميك.
الرِّسالة (رو 6: 18- 23)
رَتِّلُوا لِإِلَهِنَا رَتِّلُوا.
يَا جَمِيعَ الأُمَمِ صَفِّقُوا بِالأَيَادِي.
يَا إِخْوَةُ بَعْدَ أَنْ أُعْتِقْتُمْ مِنَ الخَطِيئَةِ أَصْبَحْتُمْ عَبِيدًا لِلْبِرِّ. أَقُولُ كَلامًا بَشَرِيًّا مِنْ أَجْلِ ضُعْفِ أَجْسَادِكُمْ. فَإِنَّكُمْ كَمَا جَعَلْتُمْ أَعْضَاءَكُمْ عَبِيدًا لِلنَّجَاسَةِ وَالإِثْمِ لِلْإِثْمِ، كَذَلِكَ الآنَ اجْعَلُوا أَعْضَاءَكُمْ عَبِيدًا لِلْبِرِّ لِلْقَدَاسَةِ. وَلِأَنَّكُمْ حِينَ كُنْتُمْ عَبِيدًا لِلْخَطِيئَةِ كُنْتُمْ أَحْرَارًا مِنَ البِرِّ. فَأَيُّ ثَـمَرٍ حَصَلَ لَكُمْ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَسْتَحْيُونَ مِنْهَا الآنَ؟ فَإِنَّـمَا عَاقِبَتُهَا الـمَوْتُ. وَأَمَّا الآنَ فَإِذْ قَدْ أُعْتِقْتُمْ مِنَ الخَطِيئَةِ وَاسْتُعْبِدْتُمْ للهِ، فَإِنَّ لَكُمْ ثَـمَرَكُمْ لِلْقَدَاسَةِ، وَالعَاقِبَةُ هِيَ الحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. لِأَنَّ أُجْرَةَ الخَطِيئَةِ مَوْتٌ، وَمَوْهِبَةُ اللهِ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ فِي الـمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا.
الإنجيل (مت 8: 5- 13) (متّى 4)
في ذَلِكَ الزَّمَانِ دَخَلَ يَسُوعُ كَفَرْنَاحُومَ، فَدَنَا إِلَيْهِ قَائِدُ مِئَةٍ وَطَلَبَ إِلَيْهِ قَائِلاً: يَا رَبُّ إِنَّ فَتَايَ مُلْقًى فِي البَيْتِ مُـخَلَّعًا يُعَذَّبُ بِعَذَابٍ شَدِيدٍ. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنَا آتِي وَأَشْفِيهِ. فَأَجَابَ قَائِدُ الـمِئَةِ قَائِلاً: يَا رَبُّ لَسْتُ مُسْتَحِقًّا أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ سَقْفِي، وَلَكِنْ قُلْ كَلِمَةً لا غَيْرَ فَيَبْرَأَ فَتَايَ. فَإِنِّي أَنَا إِنْسَانٌ تَحْتَ سُلْطَانٍ، وَلِي جُنْدٌ تَحْتَ يَدِي، أَقُولُ لِـهَذَا اذْهَبْ فَيَذْهَبَ، وَلِلآخَرِ ائْتِ فَيَأْتِيَ، وَلِعَبْدِي اعْمَلْ هَذَا فَيَعْمَلَ. فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ تَعَجَّبَ وَقَالَ لِلَّذِينَ يَتْبَعُونَهُ: الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي لَـمْ أَجِدْ إِيـمَانًا بِـمِقْدَارِ هَذَا وَلا فِي إِسْرَائِيلَ. أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كَثِيرِينَ َسَيَأْتُونَ مِنَ الـمَشَارِقَ وَالـمَغَارِبِ وَيَتَّكِئُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، وَأَمَّا بَنُو الـمَلَكُوتِ فَيُلقَوْن فِي الظُّلْمَةِ البَرَّانِيَّةِ، هُنَاكَ يَكُونُ البُكَاءُ وَصَرِيفُ الأَسْنَانِ. ثُمَّ قَالَ يَسُوعُ لِقَائِدِ الـمِئَةِ: اذْهَبْ، وَلْيَكُنْ لَكَ کَمَا آمَنْتَ. فَشُفِيَ فَتَاهُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ.
حول الإنجيل
تكشف حادثة قائد المئة وطلبه شفاء غلامه دور الإيمان في مسيرة الخلاص بالمسيح. ما هو هذا الإيمان بالمسيح؟ الإيمان هو أوّلًا الثّقة المُطلَقَة والرَّجاء المُطْلَق بالإله الَّذي نؤمن به. وهذا يجعل الإيمان مسيرة تسليم، يُخلي فيها الإنسان ذاته عبر التَّخَلّي عن مشيئته وقناعاته الخاصّة، ويُسلّمها لله، بروح خالية من أيّ شكّ أو تذمّر. وهذا ليس بالأمر البسيط؛ إنّه يحتاج إلى إنكار كبير لمحبّة الإنسان لذاته ومقاومة كلّ ما يُغذّي أنانيّته. الله هو الَّذي بادر أوّلًا وأخلى ذاته، هو الَّذي أعطى ذاته أوّلًا، كشف ذاته للإنسان، ليستطيع الإنسان، بواسطة الإيمان، بلوغ معرفة الله، ومعاينة ما كشفه عن سرّ وجوده وسرّ خليقته. الله يعطي ذاته للَّذين يفتحون قلوبهم بالإيمان ويستجيبوا بإرادتهم الحُرَّة لعطائه. الَّذين يُهْمِلون الإيمان ويتَّكِلون على أعمالهم الحسنة فقط ليعرفوا الله، معرفة هؤلاء ستكون بشريّة كُلِّيًّا، يعرفون شيئًا عقليًّا عن الله لكن لن يعرفوه أبدًا كما هو. أعمال الإنسان ليس لها مكافأة في ذاتها، إنّما تكتسب معنى وتُرضي الله حين تُتمّم عبر قوّة الإيمان المستقيم به.
كلّ شيء يبدأ بالإيمان، الإيمان الحَقيقيّ يكشف الله وكلّ الحقيقة المتعلّقة به. هذه حقيقة لا يمكن أن يفهمها إلّا الَّذي امتلك هذا النَّوْع من الإيمان. يقول الذَّهبيّ الفَمْ، "حتّى الإيمان ليس منّا بل هو عطيّة من الله، هو الَّذي يضع الإيمان فينا ويعطينا نقطة الانطلاق". نقطة الانطلاق هي على صعيدَيْن: الصَّعيد الشَّخصيّ، من خلال جهاد الإنسان للنّموّ في الإيمان؛ فالإيمان يحتاج إلى نسك وتعب روحيّ ليتنقّى من أنانيّة الإنسان. والصَّعيد العام، من خلال تجسيد هذا الإيمان مع إخوتنا البشر الآخَرين. فالله أخذ طبيعتنا، وربط نفسه في الإنجيل بكلّ واحد من أفراد جنسنا.
الإيمان الكامل ليس فقط أن يؤمن الإنسان بحقيقة وجود الله، وأنّه قادر على كلِّ شيء، إنّما أنّه قادر أن يطلب منه كلّ شيء. هكذا كان إيمان قائد المئة. فثقته، وهو غريب عن كلّ المواعيد الخلاصيّة الَّتي وعد الله بها شعبه، بأنّ المسيح بكلمة فقط يُبرأ الغلام، أظهر إيمانًا عظيمًا لم يجده المسيح لدى الشَّعب العبرانيّ نفسه؛ هذا الشَّعب الَّذي تعب معه ابن الله هذه القرون الكثيرة، من ابراهيم إلى زمنه، مع عجائب وآيات لا تُحصى صنعها معه، ورغم هذا لم يلقَ منه سوى الشَّكّ والارتداد.
لقد اعتبر قائد المئة نفسه إنسان سيّد، كالمسيح الرَّبّ والسّيّد، حين قال له: "لأنّي أنا أيضًا إنسان تحت سلطان، لي جند تحت يديّ..."، لكنّه كان يعرف نفسه جيّدًا أنّه سيّد بسلطة أرضيّة، ليست قادرة أن تحرّك أيّ شيء يفوق محدوديّة الطّبيعة المخلوقة؛ وعرف أيضًا أنّ المسيح بسلطان إلهيّ، أسمى بكثير من سلطانه البشريّ، قادر أن يشفي ويُقيم الموتى ويُحرّك الجبال.
إنّ قوّة إيمان قائد المئة بالمسيح، كان سرّها التّواضع. التّواضع هو الَّذي جعله يعتبر نفسه غير مستحقّ لدخول المسيح حتّى إلى بيته الأرضيّ. تواضعه هو الَّذي دفعه لينكر ذاته ومكانته وسلطته، ويأتي كعبد يطلب الشِّفاء لغلام في بيته. التّواضع هو الَّذي حرّك إنسانيّته ومَلأها نعمة خاصّة لتتألّم مع المتألّمين وتفرح مع الفرحين. نقاوة الإيمان تحتاج إلى تواضع كثير. التّواضع يُعطي الإيمان قوّة لتتّكل النَّفْس على الله أكثر من ذاتها. التّواضع يجعل تسليم الإنسان لذاته بالإيمان للمسيح مُستطاعًا. مثل هذا يستحقّ أن يدخل المسيح لا فقط إلى بيته الماديّ، إنّما أيضًا إلى بيت قلبه الدّاخليّ، ويُحقّق له حاجاته من الخيرات الماديّة والرُّوحيّة.
كثيرون من الغرباء عن المواعيد والأنبياء، سيأتون من المَشارق والمَغارب، ويتّكئون مع ابراهيم واسحق ويعقوب في ملكوت السّماوات، وهم الَّذين آمنوا بالمسيح من كلّ الأمم، تاركين كابراهيم، اعتقاداتهم القديمة ومشيئتهم، إلى أرض تدرّ نعمةً وحقًّا. كلّ إنسان في هذا العالم له إيمانه الخاصّ. وأكثرهم، رغم أنّهم في الظّاهر يؤمنون بإله ما، لكن في الواقع يؤمنون بذواتهم، بأفكارهم وحكمتهم ومشيئتهم. هناك إيمان واحد حقيقيّ في هذا العالم، وحده يمكن أن يُسمّى إيمانًا، يقود إلى الإله الحقيقيّ الواحد، إيمان ابن الله. إيمان يُنكر فيه الإنسان حكمته ومشيئته بالكليّة، ليصل إلى الحقيقة الوحيدة، الَّتي حصرًا تنزل من عند الله. النَّفْس الَّتي لا تحمل إيمانًا مُعطى لها من فوق، هي نفس إيمانها ليس بإيمان؛ أو بالأحرى إيمانًا يولد ميّتًا، لأنّها تستمدّه من ذاتها ومن قناعاتها العقليّة ومن روح هذا العالم، الَّذي هدفه أن يجعل من كلّ إنسان إلهًا، إلهًا من ذاته وليس من الإله الحقيقيّ.
غيرة بطرس وبولس: غيرة المحبَّة والخدمة
تضع الكنيسة أمامنا الرَّسُوليْن العَظيمَيْن بطرس وبولس مثالَيْن حَيَّيْن للغيرة المقَدَّسة، تلك الغيرة الَّتي تنبع من محبَّة الله وتتحوَّل إلى خدمةٍ وتضحيةٍ وشهادة. فالغيرة المسيحيَّة ليست تعصُّبًا أو حُبًّا للظُّهور، بل هي اشتعال القلب بمحبَّة المسيح والسَّعي إلى خلاص النُّفوس.
نرى هذه الغيرة في حياة بطرس الرَّسُول، الَّذي أعلن إيمانه بالرَّبِّ قائلًا: «أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ» (متَّى 16: 16). وعلى الرُّغم مِن ضعفه وإنكاره للرَّبِّ، إلَّا أنَّ محبَّةَ المسيح أعادته وثبَّتَتْهُ، فصار راعيًا للكنيسة وشاهدًا حتَّى الاستشهاد. وقد أوصاه الرَّبُّ ثلاث مرَّات: «ارعَ خرافي» (يوحنَّا 21: 15-17)، مُحَوِّلًا غيرته إلى خدمةٍ ورعايةٍ للشَّعب.
أمَّا بولس الرَّسُول، فقد عَبَّر عن غيرته بقوله: «وَيْلٌ لِي إِنْ كُنْتُ لا أُبَشِّرُ» (1 كورنثوس 9: 16). فبعد لقائه بالمسيح على طريق دمشق، كرَّسَ حياته كلَّها للكرازة، مُحتَمِلًا الأتعاب والاضطهادات من أجل الإنجيل. وكان يقول: «مَنْ يَضْعُفُ وَأَنَا لا أَضْعُفُ؟ مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لا أَلْتَهِبُ؟» (2 كورنثوس 11: 29)، كاشفًا عن قلبٍ راعٍ يحمل همَّ الكنائس كلِّها.
لقد اختلف بطرس وبولس في الشَّخصيَّة والخَلْفِيَّة، لكنَّهما اِلتَقَيَا في محبَّة المسيح. فكانت غيرتهما غيرة للبُنيان لا للهدم، وللوَحدة لا للِانقسام. لذلك يُعَلِّق القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم على بولس قائلًا: «كان قلب بولس مُتَّسِعًا كالعالم كلِّه، إذْ كان يحمل محبَّة جميع النَّاس في داخله». كما يقول عن بطرس: «إنَّ قُوَّةَ بطرس لم تكن في طبيعته، بل في محبَّته الصَّادِقَة للمسيح». ويقول القدِّيس أغسطينوس: «احتفلوا بالرَّسُولَيْن معًا، لأنَّهما وإنْ سَلَكَا في طريقَيِن مُختَلِفَيْن، فقد وصلا إلى الإكليل نفسه». فالمسيح هو الَّذي جمعهما، والرُّوح القُدس هو الَّذي أشعل فيهما نار الغيرة المقدَّسة.
في زمننا الحاضر، نحن مدعوُّون إلى الاقتداء بهذَيْن الرَّسُولَيْن، فتكون غيرتنا نابعة من المحبَّة والتَّواضع. فالخادم الحقيقيّ لا يطلب مَجْدَهُ الشَّخصيّ، بل مجد الله وخلاص النُّفوس. وعندما تمتلئ قلوبنا بمحبَّة المسيح، نصبح مثل بطرس وبولس شهودًا أُمَناء للإنجيل، عامِلينَ من أجل بناء الكنيسة ونموِّها في القداسة والوَحدة.